Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ البلد السابع والعشرون: الخطارة البلد السابع والعشرون: الخَطَّارَةِ(١) وهي بفتح الخاء المعجمة، ثم طاء مهملة مشددة. بلدةٌ متوسطة بين بُلْبَيْس والصالحية من الشرقية، بها خطبة وخان تجدَّدَ مع مآثرَ للواردين وغيرهم. ٢٥- أخبرني بها أبو الحسن بن محمد المخزومي بقراءتي على أبي أحمد بن علي الكناني سماعاً، أنا أبو الحسن بن محمد الدمشقي (ح). وأخبرتني عالياً أم محمد ابنة عمر قراءة، وأبو الفرج بن يوسف، وأحمد بن أبي الفرج الصالحيان إِذناً قال الأخير: أنا البدر أبو العباس بن الجوخي حضوراً وإِجازة قالا: أخبرتنا أم أحمد زينب ابنة مكي وقالا الأولان: أنا أبو عمر محمد بن أحمد المقدسي. قالت المرأة: إِذناً، وقال الآخر: سماعاً، أنا أبو الحسن علي بن أحمد السعدي قالا: أنا أبو علي حنبل بن عبد الله الرصافي، أنا أبو القاسم هبة الله بن محمد الشيباني، أنا أبو علي الحسن بن علي الواعظ، أنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن مالك، أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد، حدثني أبي (٢)، ثنا يحيى بن إسحاق، أنا ابن لهيعة هو: عبد الله، عن عبيد الله بن أبي جعفر هو: المصري أن ابن قارظ هو: إِبراهيم بن عبد الله أو عبد الله بن إبراهيم أخبره عن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَّهِ: ((إِذا صلَّتِ المرأةُ خَمْسَها، وصامَتْ شَهْرَها، وحَفِظَتْ فَرْجَها، وأَطاعَتْ زَوْجَها، قيل لها: ادخلي الجنَّةَ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شِئْتٍ». (١) انظر ((الانتصار لواسطة عقد الأمصار)) لابن دقماق ٥٤/٥ . (٢) وهو عنده في ((المسند)) ١٩١/١. ١٦٢ البلدانيات هذا حديثٌ حسنٌ. أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١) عن مطلب بن شعيب، عن عبد الله بن صالح، عن ابن ◌َهيعة. فوقع لنا عالياً. وقال عقبه: إِنه لا يروى عن عبد الرحمن إِلا بهذا الإسناد، تفرد به ابنُ لَھیعة. قلت: وهو ثقة(٢)، إلا أنه احترقت کتبه، فما حدَّث به بعدُ وانفرد به لا يقبل (١) رقم (٨٨٠٥). (٢) قال أحمد بن صالح المصري: ابن لهيعة ثقة، وفيما روي عنه من الأحاديث ووقع فيه تخليط يطرح ذلك التخليط. وقال أحمدبن حنبل: ((من كان بمثل ابن لهيعة بمصر وكثرة حديثه وضبطه وإتقانه)) وهذا في قولٍ له وإلا فقد جاء عنه أنه إِنما یکتب حديثه للاعتبار. وقال قتيبة بن سعيد حضرتُ موتَ ابن لهيعة فسمعت الليث يقول: ما خُلِّف مثله. وقال الثوري: عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع. وقال ابن وهب: حدثني - والله - الصادق البار عبد الله بن لهيعة. واعلم - رحمك الله - أن هذا أحد الأقوال في ابن لهيعة؛ وإلا فقد اختلفت أقوال أهل العلم فيه : فمنهم من لم يكن يراه شيئاً ولا يرو عنه. كما جاء عن يحيى بن سعيد القطان وابن مهدي. وضعفه ابن معين في غير ما رواية عنه، وابن سعد، والنسائي، والدارقطني، والجوزجاني، وأبو أحمد الحاكم. وقال الترمذي: ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره من قبل حفظه. انظر ((الجامع)) عقب الحديث رقم (١٠). ومنهم من قال: يعتبر بما يروي عنه العبادلة: ابن المبارك، والمقرىء، وابن وهب، وأن روايتهم عنه أصح من رواية غيرهم؛ هذا مع تضعيفهم له. وهو قولُ الفلاس، وقولٌ للدار قطني. ومنهم من يرى أن سماع القدماء والمتأخرين منه سواء. وهو قول أبي حاتم، وأبي زرعة، و ابن حبان. قال ابن أبي حاتم: سُئل أبو زرعة عن ابن لهيعة سماعُ القدماء منه ؟ فقال: آخره وأوله سواء؛ إلا أن ابن المبارك وابن وهب كانا يتتبعان أصوله فیکتبان منه، وهؤلاء الباقون كانوا يأخذون من الشيخ، وكان ابن لهيعة لا يضبط، وليس ممن يحتج بحديثه من أجمل القول فيه. = ١٦٣ البلد السابع والعشرون: الخطارة به، ولذا لم يخرِّج مسلم وابن خزيمة في ((صحيحيهما)) من حديثه إِلا ما توبع عليه، وكذا البخاري؛ لكنه مع ذلك لا يُفْصِح باسمه، بل يبهمه فيقول: عن حيوةَ وغيره. والغير هو ابن لهيعة بلا شك. وهو وإِن اضطرب في هذا الحديث لما رواه الطبراني أيضاً لكن في ((الكبير)) (١) من طريق سعيد بن أبي مريم عنه فقال: عن جعفر بن ربيعة، عن ابن = هذا مع اختلافهم في احتراق كتبه؛ قال إسحاق بن عيسى: احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين. وقال ابن معين: هو ضعيف قبل أن تحترق كتبه وبعد احتراقها. وقال ابن حبان: (( .. ثم احترقت كتبه)). ومنهم من يرى أنه ما احترق له كتاب. قال ابن أبي مريم: لم تحترق كتب ابن لهيعة ولا كتاب. وقال محمد بن يحيى بن حسان: سمعت أبي يقول: ما رأيت أحفظ من ابن لهيعة بعد هشيم. قلت له: إِن الناس يقولون: احترق كتب ابن لهيعة. فقال: ما غاب له كتاب. هذا مع کونه مدلساً كما قال ابن حبان. هذا خلاصة كلام أهل العلم في ابن لهيعة - رحمه الله -، ولابن حبان كلامٌ حسن في بيان حال ابن لهيعة أسوقه بتمامه، قال - رحمه الله -: وكان شيخاً صالحاً؛ ولكنه کان یدلس عن الضعفاء قبل احتراق كتبه، ثم احترقت كتبه في سنة سبعين ومئة قبل موته بأربع سنين، وكان أصحابنا يقولون: إِن سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة فسماعهم صحیح، ومن سمع منه بعد احتراق كتبه فسماعه ليس بشيء. وكان ابن لهيعة من الكتَّابين للحديث، والجمَّاعين للعلم، والرخَّالين فيه. وقال: قد سَبَرْتُ أخبارَ ابن لهيعة من رواية المتقدمين والمتأخرين عنه، فرأيت التخليط في رواية المتأخرين عنه موجوداً، وما لا أصل له من رواية المتقدمين كثيراً، فرجعت إلى الاعتبار؛ فرأيته كان يُدلِّس عن أقوام ضعفى عن أقوام رآهم ابن لهيعة ثقات، فالتزقت تلك الموضوعات به. وقال: وأما رواية المتأخرين عنه بعد احتراق کتبه ففيها مناکیر کثیرة، وذاك أنه کان لا يبالي ما دفع إليه قراءة سواء كان ذلك من حديثه أو غير حديثه، فوجب التنكُّب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه لما فيها من الأخبار المدلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق کتبه لما فيه مما لیس من حديثه. اهـ انظر ((المجروحين)) ١١/٢-١٣، و((الجرح والتعديل)) ١٤٥/٥، و((ميزان الاعتدال)) ٤٧٥/٢، و((تهذيب الكمال)) ١٥ /٤٨٧ مع التعليق عليه، و((شرح علل الترمذي)) لابن رجب ١٣٦/١. والله أعلم. (١) رواه عنه أبو نعيم في ((معجم الصحابة)) ١٨١٤/٤ رقم (٤٥٨٣) قال حدثنا سليمان بن أحمد به. = ١٦٤ البلدانيات قارظ أنه سمع عبد الرحمن بن حسنة - رضي الله عنه - يقول: سمعت رسول الله رَ ﴾ وذكره. بل رواه في ((الأوسط))(١) نفسه من حديث سعيد بن كثير بن عُفير عنه فقال: عن موسى بن وَزْدَان، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ولفظه عن رسول الله وَل قال: «أَيُّما امرأةٍ اتَّقَتْ رَبَّها، وحَفِظَتْ فَرْجَها، وأطاعتْ زوجَها؛ فُتِحَتْ لها ثمانيةُ أبوابِ الجنَّةِ، فقيلَ لها: ادخُلي من حيثُ شِئْتٍ)). وقال: إِنَّه لم يروه عن موسى إِلا ابن لهيعة. فله شواهد منها ما رواه أبو حمزة السكري، عن عبد الملك بن عمیر، عن رجل لم يسم، عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه رفعه بنحوه. لكنه اختلف فيه على عبد الملك فقال شيبان وهدبة بن المنهال(٢) عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وقال أبو عوانة عنه، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن الزبير. وقال عبد الحكيم بن منصور عنه، عن أبي سلمة، عن أبي الهيثم بن التيهان . والاضطراب فيه من عبد الملك فلم يكن بالحافظ مع ثقته(٣) وذكره ابن كثير في ((جامع المسانيد)» ٨/ ٣٠٢ من رواية أبي نعيم عنه؛ لكن تصحف - في = المطبوع منه - ابنُ قارظ إِلی ابن قلابة. وانظر «مجمع الزوائد)» ٣٠٦/٤. (١) رقم (٤٧١٥). (٢) رواية هدية رواها ابن حبان في (صحيحه)) (٤١٦٣)، والطبراني في ((الأوسط)) (٥٤٩٨). وقال ابن حبان عقبها: تفرد بهذا الحديث عبد الملك بن عمير من حديث أبي سلمة، وما رواه عن عبد الملك إِلا هدبة بن المنهال وهو شيخ أهوازي. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عبد الملك بن عمير إِلا هدية بن المنهال، ولا عن هدبة إلا أبو همام تفرد به داهر بن نوح. (٣) من قول المصنف: ((ما رواه أبو حمزة السكري)) إِلى هنا إنما هو قول الدارقطني بعينه في = ١٦٥ البلد السابع والعشرون: الخطارة ومنها ما أخرجه البزار(١) من حديث أنس - رضي الله عنه - بسند فيه رواد بن الجراح ولفظه كالأول لكنه قال: ((دخَلَتِ الجنَّةَ)). ورواه أبو نعيم في ((الحلية))(٢) من وجه آخر فيه يزيد بن أبان الرقاشي ((العلل)» ٣٠٣/٤ إلا قوله: ((فلم يكن بالحافظ مع ثقته)) فهو قول المصنف رحمه الله. = وعبد الملك هذا ضعفه الإِمام أحمد جداً، وقال: مضطرب الحديث جداً مع قلَّة روايته، ما أرى له خمس مئة حديث وقد غلط في كثير منها . وقال عنه ابن معين: مُخَلِّط. وقال عنه أبو حاتم: ليس بحافظ، وهو صالح الحدیث، تغير حفظه قبل موته. ووثقه العجلي، وابن نمير، ويعقوب بن سفيان. انظر ((تهذيب الكمال)) ٣٧٠/١٨. (١) ١٨١/٢ (١٤٧٣) ((كشف الأستار))، وابن عدي ١١٤/٤، والسهمي في ((تاريخ جرجان)) (٣٣١) من طريق رواد بن الجراح، ثنا سفيان الثوري، عن الزبير بن عدي، عن أنس قال: قال رسول الله وَله: فذكره. قال البزار: رواد ليس بالقوي. قال ابن معين: لا بأس به، إِنما غلط في حديثٍ عن سفيان. وقال أيضاً: تخايل له سفيان، لم يحدثه سفيان بذا قط؛ إِنما حدثه عن الزبير ((أتينا أنساً نشكو الحجاج)) وينبغي أن يكون إِلى جانب سفيان، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس عن النبي ◌َّله. وقال ابن عدي: سمعت ابن قتيبة يقول: سمعت محمد بن خلف يقول: سمعت رواداً يقول: ما قرأت هذا الحديث على سفيان ولا قرأه علينا سفيان، ولا قرىء عليه. انظر ((تاريخ دمشق)) ٢٠٩/١٨، و((تهذيب الكمال)) ٢٢٩/٩. ورواد هذا ضعفه غير واحد، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابعه الناس عليه، وكان شيخاً صالحاً، وفي حديث الصالحين بعض النكرة؛ إِلا أنه يكتب حديثه. اهـ فتبين من قول ابن معين أن هذه الطريق خطأ، فجعل المصنف - رحمه الله - لها شاهداً لرواية ابن لهيعة فيه نظر. وانظر التعليق على الطريق التي تليها. (٢) ٣٠٨/٦ من طريق الفريابي، عن الثوري، عن الربيع بن صَبيح، عن يزيد بن أبان الرقاشي عن أنس به. ويزيد هذا ضعفه شعبة، وأحمد، وابن معين، وغيرهم. وقال مسلم. والنسائي، وأبو أحمد الحاكم: متروك الحديث. وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله من البكائين في الخلوات والقائمين بالحقائق في السبرات، ممن غَفَلَ عن صناعة الحديث وحفظها، واشتغل بالعبادة وأسبابها، حتى كان يقلب كلام الحسن فيجعله عن أنس، عن = ١٦٦ البلدانيات ولفظه: ((المرأةُ إِذا صَلَّت خَمْسَها، وصامَت شَهْرَها، وأَحْصَنَتْ فَرْجَها، وأطاعَتْ زَوْجَها؛ فَلْتَدْخُل من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شاءت)). ومنها ما أشار إليه الديلمي عن أبي مالك(١). ولذلك حسنته(٢). النبي ◌َّه وهو لا يعلم، فلما كثُر في روايته ما ليس من حديث أنس وغيره من الثقات بطل = الاحتجاج به، فلا تحل الرواية عنه إلا على سبيل التعجب، وكان قاصّاً يقص بالبصرة ويُبكي الناس، وكان شعبة يتكلم فيه بالعظائم. انظر ((تهذيب الكمال)) ٦٤/٣٢، و((المجروحين)) ٩٨/٣. (١) لم أقف عليه، وأخشى أن يكون تصحف عن أنس بن مالك والله أعلم. (٢) وخلاصة الكلام على هذا الحديث: أن مداره على ابن لهيعة وقد اضطرب فيه على ثلاثة أوجه: الوجه الأول: ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن ابن قارظ، عن عبد الرحمن بن عوف. الوجه الثاني: ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة، عن ابن قارظ، عن عبد الرحمن بن حسنة . الوجه الثالث: ابن لهيعة، عن موسى بن وَزْدان، عن أبي هريرة. وهذا الاختلاف لو كان على ثقة لتوقف الأئمة في قبوله فكيف وهو على ابن لهيعة - رحمه الله - وقد سبق بيان حاله. والأئمة إِنما يقبلون مثل هذا الخلاف على الراوي بشرطين : ١ - أن تكون الطرقُ إِلى المختلف عنه صحيحةٌ كلُّها . ٢- أن يكون المختلفُ عليه واسعَ الرواية، کثیرَ الشیوخ کالزهري ونحوه. وأما شواهد الحديث، فالشاهد الأول مداره على عبد الملك بن عمير، وقد اضطرب فيه أيضاً على أربعة أوجه : ١- أبو حمزة السكري، عنه، عن رجل لم يُسَمَّ، عن عبد الرحمن بن عوف. ٢- شيبان وهدبة بن المنهال عنه، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. ٣- أبو عوانة، عنه عن أبي سلمة، عن عبد الله بن الزبير. ٤ - عبد الحكيم بن منصور، عنه، عن أبي سلمة، عن أبي الهيثم بن التيهان. وعبد الملك قد تفرد به كما قال ابن حبان والطبراني، وقد سبق بيان حاله وكلام أحمد وابن معين فيه، فما قيل في ابن لهيعة يقال فيه. ثم أين أصحاب أبي سلمة عن هذا الحديث، فهذا مما يدل على خطأ عبد الملك فيه. والله أعلم. = ١٦٧ البلد السابع والعشرون: الخطارة = وأما الشاهد الثاني فهو ما رواه البزار من طريق رواد بن الجراح، عن الثوري. وتقدم نقل كلام ابن معين في أن رواداً أخطأ فيه على الثوري، وأن صوابه الطريق الثانية عن أنس والتي فيها يزيد الرقاشي، وقد مرَّ بكَ أنه متروكُ الحديث كما قال غير واحد من الأئمة. فبضميمة ما سبق يتبين أنه لا يمكن تحسين الحديث بمجموع هذه الطرق، والله تعالى أعلم. ١٦٨ البلدانیات البلد الثامن والعشرون: خُلَيْص (١) وهي بمعجمة مضمومةٍ، ثم لام وصاد مهملة، بينهما مثناة تحتانية. قريةٌ من أرض الحجاز، قريبةٌ من قديد؛ بل على مرحلتين فأكثر من مكة. بها عينُ ماءٍ، طيِّبٍ، حُلْوٍ، صافٍ، وبركةٌ هائلةٌ. تنسب عمارتها لأَرغُون الدَوَادَار نائب السَّلطنة بالديار المصرية في أيام الناصر محمد بن استاده قلاون. وأظنه - إِن صح - كان في سنة عشرين وسبع مئة فما بعدها، لأنَّه حجَّ في هذه السنة، ومشی وهو بهيئة الفقراء متمسكناً من مكة إلى عرفة. وقد جدَّدها بعد السبعين سلطانٌ الوقت تجديداً حَسَناً، وأجرى العين إِليها؛ بل وعمَّر بجانبها مسجداً مُتَّسعاً، جزاه الله بحُسْن قصده خيراً. وقد سمع بها شيخنا رحمه الله تعالى، واقتفيت أثره في ذلك. أخبرني بها محمد بن النجم محمد القاضي، وبالديار المصرية التقي بن الكمال الحنفي قراءة كلاهما عن أبي الطاهر بن العز السكندري. قال الثاني: سماعاً، وقال الأول: مشافهة إِن لم يكن سماعاً، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن علي القطبي وأبو نعيم الإسْعِزْدي (ح). وكتب إلي عالياً أبو عبد الله التامري، عن أبي الفتح الميدومي إِذناً إِن لم يكن حضوراً قالوا: أنا أبو عيسى بن علاق، أنا أبو القاسم البوصيري، أنا أبو صادق المديني، أنا أبو الحسن بن حِمِّصَة الحراني، ثنا الحافظ أبو القاسم حمزة بن محمد الكناني إِملاء، أنا محمد بن عون الكوفي، ثنا أحمد بن أبي (١) انظر ((معجم البلدان)) ٣٨٧/٢، و((مراصد الاطلاع)) ٤٧٩/١. ١٦٩ البلد الثامن والعشرون: خليص الحواري، حدثني أخي محمد قال: قال علي بن الفضيل بن عياض لأبيه: يا أبت، ما أَحْلَى كلامَ أصحابِ محمد ◌ِّ. قال: يا بني، وتدري لما حلا؟ قال: لا. قال: لأنهم أرادوا به الله تبارك وتعالى. ؟ ١٧٠ البلدانيات البلد التاسع والعشرون: دَارَيًّا(١) وهي بفتح الدَّال، وسكون الألفين بينهما راء مفتوحة، وفي آخرها(٢) مثناة تحتانية مشدّدة. قرية من غوطة دمشق، علی دون ثلاثة أميال منها . انتسب إِليها جماعةٌ كثيرون قديماً وحديثاً. أفرد ابنُ عساكر جملةً من أحاديثهم في عدة أجزاء؛ سمعت بعضهم، منهم أبو سليمان الدَّاراني وهما اثنان عنسيَّان دمشقيان، تعاصرا وقتاً، اسمٍ كُلٌّ منهما عبد الرحمن، وآخرهما وفاةً هو الزاهد المشهور القائل: ليس لمن أُلهم شيئاً من الخير أن يعملَ به حتى يسمعَهُ من الأثر؛ فحينئذٍ يعملُ به، ويحمدُ الله على موافقةِ قلبه لذلك. وفيها أيضاً قبر أبي مسلم الخَوْلاني؛ بل ممن سكنها من الصحابة بلالٌ المؤذن رضي الله عنه. والنسبة إِليها بإِثبات النون وحذفها كالأسماء التي بآخرها ألف مقصورة. قال أبو الفتح الهَمْداني(٣): داريًّا وزنها فَعْلَيًّا من الدار، والألف للتأنيث، وإِنما زيدت فيها هذه الزوائد دلالة على التكثير(٤)؛ لأنها كانت مَجْمَعاً لدور آل (١) انظر ((معجم البلدان)) ٤٣١/٢، و((مراصد الاطلاع)) ٥٠٩/٢. (٢) الأولى أن يقال: تتلوها. نقله عنه النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٠٨/٢. (٤) قوله هذا مبني على أن اسم (داريًّا) من العربية الفصحى. لكنَّ الدارسين اللغويين العصريين (٣) أجمعوا على أن اسم (داريًّا) ومثله: قدسيًّا، وحاصبيًّا، وراشيًا ... إلخ، أسماء عربية آراميَّة، والياء المشددة فيها علامة الجمع، والألف في آخرها بمزلة (ال) التعريف في الفصحى اهـ. عن بحث للأستاذ محمد حسام الدين الخطيب بعنوان: ((تحقيق اسم مدينة داريًّا)) .. ١٧١ البلد التاسع والعشرون: دارياً جَفْنَةَ الغسانيين(١) ومنازلهم، ومثلها من الكلام مَرَحَيًّا(٢) وَبَرَدَيًّا، حكاهما سيبويه(٣). وقد كتب بها أبو سعد بن السمعاني عن شيخين له شيئاً من الشعر، وأوردها السلفي في ((بلدانياته))، وكذا الذهبي، ثم العراقي وآخرون. ٢٦- أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد الصالحي بقراءتي عليه عند ضريح الشيخ أبي سليمان الداراني منها، وأبو المعالي الدمشقي بالقاهرة قالا: أنا أبو حفص عمر بن محمد البالسي. قال الأول: إِذناً. والثاني: سماعاً عليه وعلى العماد أبي بكر بن إبراهيم بن العز قالا: أخبرتنا أم محمد عائشة ابنة محمد الحرَّانية سماعاً للثاني وحضوراً للأول في أول الثالثة وإِجازة قالت: أنا النجم محمد بن أبي بكر البلخي وأنا في الرابعة، عن الحافظ أبي طاهر السَّلفي، أنا أبو بكر أحمد بن علي الحسين الطُّرَيثيثي بقراءتي، أنا أبو الحسن بن مخلد البزاز، ثنا أبو بكر النجاد، ثنا أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني(٤) بالبصرة، ثنا محمد بن کثیر (ح). وأنبأني عالياً عبد الرحمن بن عمر، عن عبد الله بن محمد العطار، أنا علي بن أحمد الصالحي قال: كتب إِلينا أبو عبد الله بن أبي زيد، أنا محمود الصَّيرفي، أنا أحمد بن محمد الأصبهاني، أنا أبو القاسم الطبراني(٥)، حدثنا (١) أثبتت المكتشفات الأثرية الرومانية واليونانية في داريًّا أن هذه البلدة أقدم من الغسّانيين بآماد طويلة. (٢) في الأصل يشبه أن تكون: ((مرجيا)) بالجيم. وصوابه ((مرحيا)) بالحاء المهملة؛ كما نقله النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) ١٠٨/٢. وانظر التعليق التالي. (٣) جاء في ((كتاب سيبويه)) بتحقيق هارون ٢٦٥/٤: ((قالوا: المَرَحَيًّا وهو اسم، وبَرَدَيًّا وهو اسم، وقَلَهَيَّا وهو اسم أيضاً)». وذلك في كلامه على صيغة (فَعَليًا). (٤) وهو عنده في ((السنن)) (٥٢١) ومن طريقه البيهقي في ((الدعوات الكبير)) (٦٠). (٥) وهو عنده في كتاب ((الدعاء)) رقم (٤٨٣). ومن طريقه الحافظ ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) ٣٧٣/١. ١٧٢ البلدانيات إِسحاق بن إِبراهيم، أنا عبد الرزاق قالا: أنا سفيان - يعني: الثوري-، عن زيد العَمِّي، عن أبي إِياس هو: معاوية بن قرة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((لا يردُ الدُّعاءُ بينَ الأذانِ والإِتَامَةِ)). هذا حديثٌ حسنٌ، وهو غريبٌ من هذا الوجه(١). أخرجه أحمد(٢) عن و کیع، عن الثوري. والترمذي(٣) عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق. فوقع لنا بدلاً لهما عالياً. وهو عند الترمذي(٤) أيضاً، والنسائي(٥) من حديث وكيع، وأبي أحمد الزبيري، وأبي نعيم. والترمذي(٦) فقط من حدیث یحیی بن اليمان. والنسائي(٧) فقط من حديث ابن المبارك. خمستهم عن الثوري. فوقع لنا عالياً. وزاد يحيى بن يمان فيه: قالوا: فماذا نقول يا رسول الله؟ قال عليه: ((سَلُوا اللهَ العافيةَ في الدُّنيا والآخرة)). وقال الترمذي عقبها: ((إِنه تفرد بهذا الحرف؛ يعني: الزيادة))(٨). (١) وهذا بعينه حكم شيخه الحافظ ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) ١/ ٣٧٤. (٢) ١١٩/٣. (٣) (٢١٢). (٣٥٩٥) وعنده زيادة: عبد الرزاق. (٤) في «عمل اليوم والليلة» (٦٨). (٥) (٦) (٣٥٩٤). في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٩). (٧) (٨) قال العلامة الألباني رحمه الله: هو ضعيف منكر بهذه الزيادة، تفرد بها ابن اليمان وهو ضعيف لسوء حفظه. ((الإرواء)) ١/ ٢٦٢. ١٧٣ البلد التاسع والعشرون: داريا وابن يمان كان رجلاً صالحاً؛ لكنهم اتفقوا على أنه كان كثيرَ الخطأ ولا سيَّما في حديث الثوري(١). قال ابن حبان(٢): شغلته العبادة عن إِتقان الحديث. وكذا انفرد ابن مهدي عن سائر أصحاب الثوري بوقفه كما عند النسائي أيضاً؛ بل هو عنده من حديث سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس أيضاً كذلك(٣). وقد سكت أبو داود حين إِخراج هذا الحديث كما أوردناه عنه(٤)، وذلك إِما لحُسْنِ رأيه في العَمِّي، وإِما لشهرته في الضعف، وإِما لكونه في فضائل الأعمال. وضعفه النسائي(٥). وأما الترمذي فقال: إِنه حسن. وقد رواه أبو إسحاق يعني: السبيعي، عن بريد بن أبي مريم، عن أنس(٦). وعزى النووي في ((الأذكار))(٧) إِليه تصحيحه، والذي في النسخ التي وقفت (١) كما قال أحمد ووکیع انظر ((تهذيب الكمال)) ٥٧/٣٢_٥٨. (٢) ذكره في ((الثقات)) ٢٥٥/٩، وعبارته فيه: ((ربما أخطأ، وكان متقشفاً)). والمصنف - رحمه الله - إِنما أخذ جُلَّ هذا التخريج - ومنه هذه العبارة - من شيخه الحافظ ابن حجر في (نتائج الأفكار)) ٣٧٣/١-٣٧٧ مع تقديم وتأخير في العبارات، والحافظ كان يملي هذا التخريج من حفظه كما هو موضحٌ في بداية المجلس؛ فلعل الحافظ نقله بالمعنى والله أعلم. (٣) انظر ((عمل اليوم والليلة)) (٧٠) (٧١). (٤) (٥) في الأصل: ((عليه)» وصححت في الحاشية. لم أقف على تضعيف النسائي له صراحة في النسخة المطبوعة من ((عمل اليوم والليلة)) إِلا أن يكون المصنف - تبعاً لشيخه - قد استنبط ذلك من صنيع النسائي؛ حيث أتْبَعَهُ بطريقي عبد الرحمن بن مهدي وسليمان التيمي الموقوفتين، وهذه طريقة يستعملها الإمام النسائي وغيره في الإعلال، والله تعالى أعلم. (٦) رواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٧)، وأحمد ١٥٥/٣ وغيرهما. (٧) رقم (١١٠) باب: الدعاء بعد الأذان. ١٧٤ البلدانيات عليها وكذا شيخي التحسين فقط. وقول [أبي](١) الحسن بن القطان: ((وإِنما لم يصححه لضعف العمي، وأما بريد فهو موثق، وينبغي أن يصحح من طريقه)) يقتضيه، وإِن كان لا مانع من تصحيحه فقد صحح ابن خزيمة(٢) وابن حبان(٣) طريق بريد، وقال المنذري: إِنها أجود من طريق معاوية. قال: وقد رواه سليمان التيمي، عن أنس مرفوعاً (٤). اهـ (١) ما بين معقوفين سقط من الأصل، واستدرك من ((نتائج الأفكار)) ٣٧٤/١، و((الفتوحات الربانية)» لابن علان ١٣٥/٢. وانظر لكلام ابن القطان ((بيان الوهم والإيهام)) ٣٤٩/٣ و٢٢٧/٥. (٢) (٤٢٥) (٤٢٦) (٤٢٧). (٣) رقم (١٦٩٦). وقال ابن القطان: وهذا إِسناد جيد، وبريد ثقة، فاعلمه اهـ. انظر: ((بيان الوهم والإيهام)) ٢٢٧/٥. وقال الألباني: وهذا إِسناد صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم غير بريد بن أبي مريم وهو ثقة بلا خلاف. ((الإرواء)) ١/ ٢٦٢ . (٤) رواه أبو يعلى (٤٠٧٢)، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) ٢٠٤/٨، والدارقطني في ((الأفراد)» وأبو أحمد الحاكم في ((الكنى)) كما في ((نتائج الأفكار)) ٣٩٥/١، والضياء المقدسي في ((المختارة)) ٦/ رقم (٢١٦٨) (٢١٦٩) (٢١٧٠)، وابن حجر في ((نتائج الأفكار)) ٣٩٤/١ من طريق سهل بن زياد، عن سليمان التيمي، عن أنس به مرفوعاً. وسهل هذا قال فيه الأزدي: منكر الحديث. لكن قال الذهبي في ((الميزان)) ٢/ ٢٣٧: ما ضعفوه. وترجم له في ((تاريخ الإسلام)) وفيات (١٩١-٢٠٠) صفحة ٤٣٥ وقال: صدوق. قال الحافظ ابن حجر عقب تخریجه له: حديث حسن. وتابعه عمرو بن النعمان، رواه الطبراني في ((الدعاء)) (٤٨٨) من طريق عبد الرحمن بن عمرو بن جبلة عنه به . عبد الرحمن بن عمرو هذا قال عنه أبو حاتم: كان يكذب فضربتُ على حديثه. وقال الدار قطني: متروكٌ يضع الحديث. انظر («الميزان)) ٢/ ٥٨٠، و((اللسان)) ٤٢٤/٣. وسئل الحافظ الدارقطني عن حديث سليمان التيمي، عن أنس فقال: ((اختلف فيه على سليمان التيمي، فرواه أبو زياد سهل بن زياد وعمرو بن النعمان عن سليمان التيمي، عن أنس، عن النبي ◌َّه. ورواه ابن المبارك، واختلف عنه فقال أسيد بن زيد: عن ابن المبارك، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس عن النبي وَه. = ١٧٥ البلد التاسع والعشرون: داريا وكأنه يشير إِلى ما أخرجه البيهقي وغيره لكن بلفظ: ((إذا أُقيمت الصَّلاةُ فُتِحَت أبوابُ السَّماء واسْتُجِيبَ الدُّعاء)). وهو عندنا بعلو في ((الثقفيات))(١). وكذا أخرجه الطبراني(٢) بنحو هذا مطولاً ومختصراً من حديث يزيد بن أبان الرقاشي۔۔ وهو ضعيف - عن أنس . ورواه الحاكم في ((مستدركه))(٣) من حديث حميد، عن أنس. لكن الراوي له عن حمید ضعيف جداً؛ فكأن الحاکم خفي علیه حاله. وبه إِلى النجاد، ثنا أسلم بن سهل الواسطي، ثنا علي بن الحسن بن وخالفه حسان بن موسى، فرواه عن ابن المبارك بهذا الإسناد موقوفاً. = وكذلك رواه يحيى القطان، وجرير، وثابت بن يزيد، عن التيمي، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ◌َّر؛ وذلك وهم)) ا.هـ انظر ((العلل)) للدار قطني (ج ٤/ ٣٩/ب)، و((الكامل)) ٨٦/٢ (ترجمة: أسيد بن زيد). (١) (٢/٢٧/٤) كما في ((السلسلة الصحيحة)) (١٤١٣). (٢) رواه الطيالسي (٢٢٢٠)، وابن أبي شيبة ٢٢٦/١٠، وأبو يعلى (٤١٠٩)، والطبراني في ((الدعاء)) (٤٨٥) (٤٨٦)، وابن عدي ١٢١/٣ (ترجمة: الحسن بن دينار)، وأبو نعيم في ((الحلية)) ٥٤/٣، ٣٠٨/٦ والمعمري في ((اليوم والليلة)) كما في ((نتائج الأفكار))، وابن حجر في ((نتائج الأفكار)) ١/ ٣٩٥ كلهم من حديث يزيد الرقاشي، عن أنس به مرفوعاً. قال الحافظ ابن حجر عقب تخريجه له: هذا حديث غريب، ورجاله موثقون إِلا الرقاشي ففيه ضعف، أما الترمذي فحسّن له إِذا اعتضد بالمتابعات. وقد سبق بيان حال یزید هذا في الحدیث رقم (٢٥). (٣) ١٩٨/١. ورواه ابن عدي في ((الكامل)) ١٢٤/٧ (ترجمة: الفضل بن المختار) من طريق الفضل بن المختار، عن حميد الطويل، عن أنس به مرفوعاً. والفضل بن المختار هذا قال فيه أبو حاتم: ((أحاديثه منكرة، يحدث بالأباطيل)). وقال الأزدي: ((منكر الحديث جداً)). وقال ابن عدي بعد روايته للحديث: ((وعامة حديثه مما لا يتابع عليه إِما إِسناداً وإِما متناً». انظر ((الميزان)) ٣٥٨/٣، و((اللسان)» ٤٤٩/٤. ١٧٦ البلدانيات سليمان، ثنا أبو معاوية، سمعت الأعمش يقول: تزوج إِلينا جني، فقلنا له: ما أحبُّ الطعامُ إِليكم ؟ قال: الأرز. قال: فأتيناهم به، فجعلت أرى اللُّقم ترتفع ولا أرى أحداً. قلت: فيكم من هذه الأهواء التي فينا ؟ قال: نعم. قلت: فما الرافضة فيكم ؟ قال: شَؤُنا(١). (١) رواه ابن الأعرابي في ((معجمه)) رقم (٤٢٨). ١٧٧ البلد الثلاثون: دسوق البلد الثلاثون: دسوق(١) وهي بضم الدال والسين المهملتين ثم قاف، من الغربية على شاطىء النيل بالقرب من فوه، لها جلالةٌ بالشيخ إِبراهيم بن أبي المجد الدسوقي (٢) ذي الأتباع المعروفين بين طوائف الفقراء بالطائفة الدسوقية والإبراهيمية، فإِنه ولد بها وعَمَّرَ بها الزاوية المشهورة، وكان مقامه فيها حتى مات في سنة ست وتسعين وست مئة(٣)، ودفن بها، وقبره مقصودٌ للتبرك والزيارة، وتحمل إِليه (١) انظر ((الانتصار لواسطة عقد الأمصار)) لابن دقماق ٨٩/٥. (٢) قال عنه عبد الرؤوف المناوي في ((طبقاته)) ٢/ ٣٢٠ بتحقيق محمد أديب الجادر: شيخُ الخِرقة البرهانية، صاحبُ المحاضرات القدسية والعلوم اللدنية، والأسرار العرفانية. أحدُ الأئمة الذين أظهر الله لهم المغيَّبات(*)، وخرق لهم العادات، ذو الباع الطويل في التصرف النافذ، واليد البيضاء في أحكام الولاية، والقدم الراسخ في درجات النهاية. انتهت إليه رئاسة الكلام على خواطر الأنام، وكان يتكلم بجميع اللغات: عجمي، وسرياني، وغيرهما. ويعرفُ لغات الوحش والطير، وذُكر عنه: أنه صام في المهد، وأنه رأى اللوحَ المحفوظ وهو ابن سبع سنين (!) وأنه فكَّ طلسم( ** ) السبع المثاني، وأن قدمه لم تسعه الدنيا، وأنه ينقل اسمَ مريده من الشقاوة إلى السعادة، وأن الدنيا جُعلت في يده كخاتم. وقال: توليت القطبيّة، فرأيت المشرقين، وما تحت النجوم، وصافحت جبريل (!) إِلى آخر ما تجده في ترجمته التي نقلها عن ((الطبقات)) ابنُ العماد في ((شذرات الذهب)) ٦١٢/٧ مما يضيق الصدر بذکره فضلاً عن کتابته وتدوینه. (٣) كذا في الأصل: ((ست وتسعين وست مئة)) والذي في ((الشذرات)): ست وسبعين وست مئة. (*) علَّق شيخنا الفاضل عبد القادر الأرناؤوط على هذا الموضع من ((شذرات الذهب)» ٦١١/٧ بقوله: لا يعلم الغيب إلا الله تعالى، وجميع ما جاء في ترجمته بعد هذا فهو من الشطحات الصوفية التي لا يقرها الإِسلام. ( ** ) أنهكذا يكون الأدب مع آيات الكتاب؛ بأن توصف بأن فيها طلاسم (!) فاللهم هداك ١٧٨ البلدانیات النذور من الأقطار النائية (!)(١). وكانت لشيوخها وجاهة(٢)، وسماط للواردين وغيرهم، ومتحصلٌ وافرٌ فزوحموا في ذلك، وشَرَعَ ناظرُها من الأتراك في توسعتها، وعمارتها، واستهلاكِ ما يفوق الوصفَ في ذلك؛ مما كانت في غنية عنه، ولو كان توَجُّهُهم إِلى العلماء ونحوهم بالنظر في مصالحهم وما أرصد لهم لكان أولى؛ فلله الأمر. ٢٧ - أخبرني الشيخ أبو الحسن علي بن محمد بن علي الأَبُودُرِّي بقراءتي عليه بالمقام الدسوقي، أنا أبو المعالي الأزهري وأبو العباس القدسي قالا: أنا أبو العباس بن كشتغدي وأبو الفتح البكري وآخرون قالوا: أنا أبو الفرج بن الصيقل، أنا أبو القاسم بن السبط، أنا والدي أبو علي الحسن بن المظفر (ح). وأنبأني عالياً أبو هريرة بن عمر، عن أبي عبد الله بن الخباز، أنا الفخر بن البخاري سماعاً والتقي أبو محمد بن أبي اليسر وأنا في الرابعة قالا: أنا أبو حفص بن طَبَرْزَذ، أنا أبو غالب بن البنَّا قالا: ثنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال أولهما: إِملاء، أنا أبو بكر أحمد بن جعفر بن حمدان القطيعي، حدثنا بسر بن موسى، ثنا هَوْذَة بن خليفة، ثنا عوف بن أبي جميلة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي وَّل قال: ((خُلوفُ فَم الصَّائم أطيبُ عند اللهِ من ربحِ المِسْكِ. قال: قال ربُّكم عزَّ وجلَّ: عبدي تَرَّكَ شهوتَّهُ وطعامَهُ وشرابَهُ ابتغاءَ مرضاتي؛ فالصَّومُ لي وأنا أجزي به)) . هذا حديثٌ صحيحٌ. (١) انظر ما سبق التعليق عليه من كلام للمصنف نحو هذا (١٢٤). (٢) في هامش الأصل: ((مكانة)) نسخةً. ١٧٩ البلد الثلاثون: دسوق أخرجه أحمد (١) عن هَوْذَة، فوافقناه فيه بعلو. وقد اتفق الشيخان(٢) عليه من غير هذا الوجه عن أبي هريرة. وأخبرني أبو الحسن عن شَيْخَيْهِ سماعاً قالا: أنا البدر أبو عبد الله الفارقي، أنا الإمام الشمس أبو بكر بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي، أنا أبو منصور البَنْدَنِيجيُّ، عن أبي المظفر عبد الملك بن علي الهَمْداني، أنا أبو جعفر محمد بن أبي علي، أنا أبو بكر محمد بن يحيى المزكي، أنا محمد بن الحسين الصوفي قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن العباس العُصَمي يقول: سمعت أبا محمد الدِّيناري يقول: حدثني أبو جعفر بن شاكر الحافظ، حدثني محمد بن الحسين البَرْجُلاني(٣)، حدثني محمد بن عبد الله الخراساني قال: دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق وقد أهديَ له جام من بلور أبيض، فيه ساقات من اللوزبنق، معمول بنشاستق الفالوذق، محشواً باللوز المفرك، مخلطاً بالمسك الفارد، مغلى بالعسل الماذي، مذروراً عليه الطبرزد، مندى بالماورد الجوري، إِذا قلعته من الجام سمعت له صوتاً مثل المطرقة على السندان، إِذا مسسته بيدك سمعت له صريراً كصرير النعل السندل، فإِذا أدخلته إِلى فيك سمعت له نشيشاً كنشيش الحديد إذا أخرجته من النار وطرحته في الماء البارد. قال: فأخذ واحدةً فأكلها ولم يطعمني، ثم أخذ ثانية فأكلها ولم يطعمني، ثم أخذ ثالثة فأكلها ولم يطعمني؛ فقلت: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَجِدٌ﴾ [الصافات: ٤] فأخذ واحدة فأطعمنيها. فقلت: ﴿ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى الْغَارِ﴾ [التوبة: ٤٠] فأطعمني أخرى. فقلت: ﴿فَصِيَامُ ثَلَكَةٍ أَيَّامٍ فِي الْحَمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فأطعمني أخرى. (١) ٣٩٥/٢. البخاري (١٨٩٤)/ أطرافه، ومسلم (١١٥١). (٢) (٣) كذا ضبط من الأصل: بفتح الموحدة. وضبطه السمعاني في ((الأنساب)) ١٣٩/٢ بضم الموحدة. ١٨٠ البلدانيات فقلت: ﴿أَرْبَعَةُ مِّنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] فأطعمني أخرى. فقلت: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلَّبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] فأطعمني ثنتين. فقلت: ﴿ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فأطعمنيها. فقلت: ﴿وَيَحِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَيِذٍ ثَمَنِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] فأطعمنيها. فقلت: ﴿ وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] فأطعمنيها. فقلت: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ﴾ [البقرة: ١٩٦] فأطعمنيها. فقلت: ﴿إِنِّ رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: ٤] فأطعمنيها. فقلت: ﴿فَأَنفَجَرَتْ مِنْهُ أَثْنَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠] فأطعمنيها. فقلت: ﴿إِن يَكُنْ مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ﴾ [الأنفال: ٦٥] * وَوَعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةُ﴾ [الأعراف: ١٤٢] فأطعمنيها. فأطعمنيها. فقلت: فقلت: ﴿فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّدِ، أَرْبَعِينَ لَيْلَةٌ﴾ [الأعراف: ١٤٢] فأطعمنيها. فقلت: ﴿أَلْفَ سَنَّكٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] فأطعمنيها. فقلت: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤] فأطعمنيها. فقلت: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةٌ﴾ [التوبة: ٨٠] فأطعمنيها. فقلت: ﴿فَأَجْلِدُوهُمْ ثَمَنِنَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فأطعمنيها. فقلت: ﴿﴿ إِنَّ هَذَآ أَخِى لَهُوْ تِسْعُ وَتِسْعُونَ نَعْجَةٌ﴾ [ص: ٢٣] فأطعمنيها. فقلت: ﴿فَإِنِ يَكُنْ مِّنكُمْ مِْتَّةٌ صَابِرَةٌ﴾ [الأنفال: ٦٦] فرمى بالجام إِليّ وقال: يا ابن البَغِيْضَة. فقلت: والله، لو لم ترم بالجام لقلت: ﴿ وَأَرْسَلْنَهُ إِلَى مِئَةٍ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] .