Indexed OCR Text

Pages 61-80

بك أهل البطحاء، ففي ذلك [وفي ذلك ما] تقول رقيقة بنت أبي صيفي:
وَقَدْ فَقَدْنَا الحَيَا وَاجْلَوَذَّ المَطَرُ
بِشَيْبَةِ الحَمْدِ أسْقَى الله بَلْدَتَنَا
سَحّاً فَعَاشَتْ بِهِ الأنْعَامُ وَالشَّجَرُ
فَجَاءَ بِالمَاءِ جَونِي لَهُ سَبَلٌ
وَخَيْرِ مَنْ بُشِّرَتْ يَوْماً بِهِ مُضَرُ
مَنّاً مِنَ اللهِ بِالمَيْمُونِ طَائِرُهُ
مَا فِي الأَنَامِ لَهُ عَذْلٌ وَلاَ خَطَرُ (١)
مُبَارَكِ الأمْرِ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِهِ
حديث أنس رضي الله عنه في الاستسقاء
٢٧ - حدثنا أبو علي [يعلى] محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن شاذان،
قال: حدثني أبي، قال: حدثنا مجاشع بن عمرو، قال: حدثنا ابن لهيعة،
قال: حدثنا عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: أقحل
[قحط] الناس على عهد رسول الله وَلتر، فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول
الله قحط المطر ويبس الشجر، وهلكت المواشي وأسنت الناس، فاستسق
لنا ربك، فقال: ((إِذَا كَانَ يَوْمُ كَذَا وَكَذَا فَاخْرُجُوا وَاخْرُجُوا مَعَكُمْ بِصَدَقَاتٍ»
قال: فلما كان ذلك اليوم خرج رسول الله ◌َّلتر والناس معه يمشي ويمشون،
عليهم السكينة والوقار، حتى أتوا المصلى، فتقدم النبي وَ لّ فصلى [بهم]
ركعتين يجهر فيهما بالقراءة، وكان رسول الله له يقرأ في العيدين
والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى
[الأعلى]، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب ﴿هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ الْغَشِيَةِ
[الغاشية]، فلما قضى صلاته استقبل القوم بوجهه وقلب رداءه، - قال: لكي
ينقلب القحط إلى الخصب ـ ثم جثا على ركبتيه ورفع يديه وكبر تكبيرة قبل
(١) ورواه المصنف في ((المعجم الكبير)) (٢٤/ ٦٦١)، قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (٢١٥/٢): وفيه زحر بن حصن، قال الذهبي: لا يعرف. ورواه البيهقي في
((الدلائل)) (٣٦٣/١-٣٦٥).
٦١

أن يستسقي، ثم قال: ((اللَّهُمَّ اسْقِنَا وأغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْئاً مُغِيئاً رَخباً رَبِيعاً
وَحَياً [وجَداً غَدَقاً] طَبَقاً مُغْدِقاً عَامّاً [هَنِيئاً]َ مَرِيئاً مَرِيعاً وَابلاً شَامِلاً مُسْبَلاً
مُجَلَّلاَ دَائِماً دِرَراً [دَارًاً] نَافِعاً غَيْرَ ضَارٌّ عَاجِلاً غَيْرَ رَائِثٍ، غَيْثاً اللَّهُمَّ تُحْيِي بِهِ
الْبِلاَدَ وَتُغِيثُ بِهِ الْعِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلاَغاً لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالْبَادِي، غَيْئاً اللَّهُمَّ أَنْزِلْ
عَلَيْنَا فِي أَرْضِنَا زِيتَتَهَا، وَأَنْزِلْ عَلَيْتَا فِي أَرْضِنَا سَكَتَهَا، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنَ
السَّمَاءِ مَاءٌ طَهُوراً فَاخِي بِهِ بَلْدَةً مَيْئَةً وَاسْقِهِ مِمَّا خَلَقْتَ أنْعَاماً وَأَنَاسيَّ كَثِيراً)» .
قال: فما برحوا حتى أقبل قزع من السحاب [السماء] والتأم بعضه إلى
بعض، ثم مطرت عليه [عليهم] سبعة أيام ولياليهن ولا تقلع عن المدينة،
فأتاه المسلمون فقالوا: يا رسول الله قد غرقت الأرض وتهدمت البيوت
وانقطعت السبل، فادع الله لنا أن يصرفها عنا، فضحك رسول الله [وَلي]
وهو على المنبر [حتى بدت نواجذه] تعجباً لسرعة ملالة ابن آدم، ثم رفع
يديه [رأسه] فقال: ((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى رُؤُوسِ الظُّرَابِ
وَمَنَابِتِ الشَّجَرٍ وَيُطُونِ الأوْدِيَةِ وَظُهُورِ الآكام)) فتصدعت عن المدينة، فكانت
في مثل الترس عليها، كالفسطاط تمطر مراعيها ولا تمطر فيها قطرة(١).
٢٨ - حدثنا علي بن سعيد الرازي، قال: حدثنا أحمد بن رَشَد بن خثيم
الهلالي، [قال: حدثني] عمي سعيد بن خثيم، قال: حدثني مسلم
الملائي، عن أنس بن مالك، قال: جاء أعرابي إلى النبي وَّر فقال: يا
رسول الله، لقد أتيناك وما لنا بعير ينط ولا صبي يصطبح، وأنشد:
(١) ورواه المصنف في ((الأوسط)) (ص ٨٧ (مجمع البحرين))).
قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (٢/ ٢١٣): وفيه مجاشع بن عمرو، قال ابن
معين: قد رأيته أحد الكذابين.
٦٢

وَقَدْ شُغِلَتْ أُمَّ الصَّبِيِّ عَنِ الطَّفْلِ
أَتَيْنَاكَ وَالْعَذْرَاءُ يَدْمَى لَبَانُهَا
عَنِ الْجُوعِ ضَعْفاً مَا يُمِرُّ وَمَا يُخْلِي
وَأَلْقَى بِكَفَّيْهِ الْفَتَى إِسْتِكَانَةً
سِوَى الحَنْظَلِ العَامِيِّ وَالعِلْهَزِ الفَسْلِ(١)
وَلاَ شَيْءَ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ عِنْدَنَا
وَأَيْنَ فِرَارُ النَّاسِ إلَّ إِلَى الرُّسْلِ
وَلَيْسَ لَنَا إِلَّ إِلَيْكَ فِرَارُنَا
فقام رسول الله وَلقد يجر رداءه حتى صعد المنبر، ثم رفع يديه إلى السماء
فقال: ((اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْئاً مُغِيئاً مَرِيئاً مَرِيعاً غَدَقاً طَبَقاً عَاجِلاً غَيْرَ رَائِثٍ، نَافِعاً
غَيْرَ ضَارٌّ، تَمْلأُ بِهِ الضَّرْعَ، وَتُنْبِتُ بِهِ الزَّرْعَ، وَتُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا))
فوالله ما رد يديه إلى نحره حتى ألقت السماء بأوراقها، وجاء أهل البطاح
يعجبون [يصيحون]: يا رسول الله الغرق الغرق، فقال رسول الله وله :
((اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا)). فانجاب عن السماء [السحاب] حتى أحدق
بالمدينة كالإكليل، فضحك رسول الله ﴿ حتى بدت نواجذه ثم قال: (لله
أَبُو طَالِبٍ لَوْ كَانَ حَيّاً لَقَرَّتْ عَيْنَاهُ، مَنْ يُنْشِدُنَا قَوْلَهُ؟)) فقام علي بن أبي
طالب فقال: يا رسول الله كأنك أردت قوله:
ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأَرَامِلِ
وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ
فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلٍ
يَلُوذُ بِهِ الْهُلأَّكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ
وَلَمَّا نُقَاتِلْ دُونَهُ وَنُنَاضِلٍ
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ يُبْزَى مُحَمَّد
وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلاَئِلِ
وَنُسْلِمَهُ حَتَّى نَصَرَعٌ حَوْلَهُ
فقال رسول الله [رَ لتر]: ((أجَلْ)» وقام رجل من كنانة فقال:
سُقِينَا بِوَجْهِ النَّبِيِّ الْمَطَزْ
لَكَ الْحَمْدُ وَالْحَمْدُ مِمَّنْ شَكَرْ
دَعَا الله خَالِقَهُ دَعْوَةً [إِلَيْهِ] أجيبت وأشْخَصَ مَنْهُ الْبَصَرْ
(١) في الأصل سوى الغاهر العافي أو العهقم الغسل.
٦٣

وأسْرَعَ حَتَّى رَأيْنَا الْمَطَرْ
وَلَمْ يَك إلَّ كالْقا الرِّداء
أَغَاثَ بِهِ الله عُلْيَا مُضَرْ
دُفَاقُ الْعَزَالي [الْعَزَائِلِ] وَجَمُّ الْبُعَاقِ
أَبُو طَالِبٍ أَبْيَضُ ذُو غَرَزْ
وَكَانَ كَمَا قَالَهُ عَمَّهُ
وَهَذَا العِيَانُ لِذَاكَ الْخَبَزْ
وَيسقي بِهِ اللهِ صَوْبَ الغِمَامِ
وَمَنْ يَكْفُرِ الله يَلْقَ الغِيَزْ
فَمَنْ يَشْكُرِ الله يَلْقَ الْمَزَيدَ
فقال رسول الله وَله: ((إِنْ يَكُ شَاعِرٌ يُحْسِنُ فَقَدْ أحْسَنْتَ))(١).
حديث هند بن أبي هالة في صفة رسول الله
٢٩ - حدثنا علي بن عبد العزيز، قال: حدثنا أبو غسان مالك بن
إسماعيل النهدي، قال: حدثنا جميع بن عمر العجلي، قال: حدثني رجل
بمكة، عن ابن أبي هالة التميمي، عن الحسن بن علي [بن أبي طالب] قال:
سألت هند بن أبي هالة التميمي خالي، وكان وصافاً عن حلية رسول الله وَلتر،
وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئاً أتعلق به. فقال: كان رسول الله وَه-
فخماً مفخماً يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر
من المشذَّب، عظيم الهامة، رجل الشعر، إن انفرقت عقيصته فرق، وإلا
فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج
الحواجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين،
له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، كث اللحية، سهل الخدين، ضليع
الفم، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء
(١) ورواه البيهقي في ((الدلائل)) (١٤١/٢- ١٤٢)، وقال ابن كثير في ((البداية
والنهاية)) (٦/ ٩١) بعد سرد القصة: وهذا السياق فيه غرابة ولا يشبه ما قدمنا من الروايات
الصحيحة المتواترة عن أنس، فإن كان هذا هكذا محفوظاً فهو قصة أخرى غير ما تقدم.
قلت: سعيد بن خثيم، قال الحافظ: صدوق رمي بالتشيع له أغاليط، ومسلم الملائي
ضعيف.
٦٤

الفضة، معتدل الخلق، بادناً متماسكاً، سواء البطن والصَّدر، عريض
الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد، موصول
ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى
ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعلى الصدر، طويل الزندين، رحب
الراحة، سبط القصب، شئن الكفين والقدمين، سائل الأطراف، خمصان
الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعاً، يخطو
تكفّئاً، ويمشي هوناً، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وإذا
التفت التفت جميعاً، خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر [أطول] من
نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، يبدر من لقيه
بالسلام.
قلت: صف لي منطقه؟
قال: كان رسول الله وَّ ر متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ليست له
راحة، لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكت، يفتتح الكلام ويختمه
بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير، دمث ليس
بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئاً، لا يذم
ذواقاً ولا يمدحه، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم
يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا
ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدَّث اتصل
بها، فيضرب بباطن راحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض
وأشاح، وإذا فرح غضّ طرفه، جلّ ضحكه التبسّم، ويفتر عن مثل حب
الغمام.
قال: فكتمتها الحسين زماناً ثم حدثته [فحدثته]، فوجدته قد سبقني إليه
فسأله عما سألته [عنه] ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومجلسه ومخرجه
وشكله فلم يدع منه شيئاً.
قال الحسين: سألت أبي عن دخول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
٦٥

فقال: كان دخوله لنفسه مأذوناً له في ذلك، وكان إذا أوى إلى منزله جزأ
دخوله ثلاثة أجزاء، جزءاً لله وجزءاً لأهله وجزءاً لنفسه، ثم جزأ جزءه بينه
وبين الناس، فرد [فيرد] ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر عنهم شيئاً،
وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمه على قدر
فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، [ومنهم] ذو الحاجتين، ومنهم ذو
الحوائج، فيتشاغل بهم فيما أصلحهم من مسألتهم عنه وإخبارهم بالذي
ينبغي لهم، ويقول: ((لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، وَأَبْلُغُونِي حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ
إِبْلاَغَهَا [إبْلاَفِيآ حَاجَتَهُ، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَاناً حَاجَةَ مَنْ لاَ يَسْتَطِيعُ إِبْلاَغَهَا
إِيَّاهُ ثَبَّتَ الله قَدَمَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ)) لاَ يُذْكَرُ عِنْدَهُ إلَّ ذَلِكَ، وَلاَ يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ
غَيْرَه، يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ رُوَّاداً، وَلَا يَفْتَرِقُونَ إلا عَنْ ذَوَاقٍ، وَيَخْرُجُونَ مِنْ عِنْدِهِ
أدِلَّةً.
قال: فسألته عن مخرجه کیف کان یصنع فیه؟
فقال: كان رسول الله وَلّ يخزن لسانه إلا مما يعنيهم ويؤلفهم ولا
يفرقهم - أو قال: ينفرهم - ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر
الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، يتفقد
أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح
القبيح ويوهنه، معتل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا، أو
يميلوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه
من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنه منزلة
أحسنهم مواساةً ومؤازرةً.
قال: فسألته عن مجلسه؟
فقال: كان رسول الله وَ ﴿﴿ لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر الله ولا يوطن
الأماكن وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به
٦٦

المجلس، ويأمر بذلك [و]يعطي كل جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أن
أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو
المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرد إلا بها أو بميسور من القول، قد وسع
الناس منه بسطه [بسطته] وخلقه، فصار لهم أباً، وصاروا في الحق عنده
سواء، مجلسه حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤين
فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متفاضلين متعادلين متفاضلين فيه بالتقوى،
متواضعين يوقرون الكبير فيه ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة،
ويحفظون الغريب.
قلت: کیف کانت سيرته في جلسائه؟
قال: كان رسول الله وَّر دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس
بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا عياب ولا مداح، متغافل عما
يشتهى ولا يؤس منه ولا يجيب [يخيب] فيه، قد ترك نفسه من ثلاث،
المراء والإكثار ومما لا يعنيه، وترك نفسه [الناس] من ثلاث، كان لا يذم
أحداً ولا يعيِّره ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم
أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا، ولا
يتنازعون عنده، من تكلم أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عندهم حديث
أوليهم، يضحك مما يضحكون منه، [ويتعجب مما يتعجبون منه]، ويصبر
للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته، حتى إذا كان أصحابه يستجلبونهم
ويقول: ((إِذَا رَأيْتُمْ طَالِبَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ)) ولا يقبل الثناء إلا من
مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوزه فيقطعه بنهي أو قيام.
[قال: ] قلت: كيف كان سكوته؟
قال: كان سكوت رسول الله وَ لقر على أربع على الحلم والحذر والتقدير
والتفكير، فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس، وأما تفكره -
أو قال تذكره - ففيما يبقى ويفنى، وجمع له الحلم في الصبر، وكان لا
٦٧

يغضبه ولا يستفزه [شيء]، جمع له الحذر في أربع؛ أخذه بالحسنى،
ليقتدى به، وتركه القبيح ليتناهى عنه، واجتهاده الرأي فيما أصلح [يصلح]
أمته، والقيام فيما جمع لهم [من] أمر الدنيا والآخرة وَليٍ(١).
تفسير حديث هند بن أبي هالة عن أبي عبيد القاسم بن سلام
حدثنا علي بن عبد العزيز قال: سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام يقول:
قوله (فخماً مفخماً): الفخامة في الوجه نبله وامتلاؤه مع الجمال والبهاء.
و(المربوع): الذي بين الطويل والقصير.
(المشذب): المفرط في الطول، وكذلك في كل شيء، قال جرير:
ألْوى بها شَذَبُ العُرُوقِ مُشَذَّبُ فكأنما وكفت [وكنت] على طربال
وقوله (رجل الشعر): الرجل الذي ليس بالسبط الذي لا تكسر فيه،
والقطط الشديد الجعودة، يقول: فهو جعد بين هذين.
و(العقيصعة): الشعر المعقوص، وهو نحو من المضفور، ومنه قول
عمر رضي الله عنه: من لبد أو عقص أو ضفر فعليه الحلق.
وقوله (أزج الحاجبين سوابغ): الزجج في الحواجب أن يكون فيها
تقوس مع طول في أطرافها، وهو السبوغ فيها، قال جميل بن معمر:
إذا ما الغانيات برزن يوماً وزججن الحواجب والعيونا
وقوله (في غير قرن): والقرن التقاء الحاجبين حتى يتصلا، يقول: فليس
هو كذلك، ولكن بينهما فرجة، يقال للرجل إذا كان كذلك أبلج.
(١) ورواه المصنف في ((المعجم الكبير)) (٤١٤/٢٢)، ومن طريقه أبو نعيم في
((الدلائل)) (ص ٥٥١-٥٦١)، ورواه الترمذي في ((الشمائل)) (٣٣٥)، وابن سعد في
((الطبقات)) (٤٢٢/١-٤٢٥)، والبيهقي في ((الدلائل)) (١٦١/١-١٦٢ و٢٣٨-٢٥١)
مختصراً ومطولاً، ورواه الحاكم (٣/ ٦٤٠) ولم يسق لفظه، ورواه ابن قتيبة في ((غريب
الحديث)) (٤٨٨/١-٤٨٩). قال في ((المجمع)) (٢٧٨/٨): وفيه من لم يسم.
٦٨
:

وذكر الأصمعي أن العرب تستحب هذا.
وقوله (بينهما عرق يدره الغضب) يقول: إذا غضب در العرق الذي بين
الحاجبين، ودروره غلظه ونتوؤه وامتلاؤه.
وقوله (أقنى العرنين) يعني: الأنف، والقنا أن يكون فيه دقة مع ارتفاع
في قصبته، يقال منه: رجل أقنى وامرأة قنواء.
و(الأشم): أن تكون الأنف دقيقاً لا قنو [قنا] فيه.
وقوله (كث اللحية): الكثوثة أن تكون اللحية غير دقيقة ولا طويلة ولكن
فيها كثافة من غير عِظَم ولا طول.
وقوله (ضليع الفم): أحسبه يعني جلة في الشفتين.
وقوله [(أشنب)]: الأشنب الذي [يكون] في أسنانه رقة وتحدد،
و[يقال] منه: رجل أشنب وامرأة شنباء، ومنه قول ذي الرمة:
لمياء في شفتيها حُوَّةٌ لَعَسٌ في اللثاتِ وفي أنيابها شَنَبُ
و(المفلج): هو الذي في أسنانه تفرق.
و(المسربة): هو الشعر الذي بين اللبة إلى السرة، شعر يجري كالخط،
قال الشاعر [الأعشى]:
الآن لما ابيض [ابيضت] مسربتي وعضضت من نابي على جذمي
وقوله (جيد دمية): الجيد العنق، والدمية الصورة.
[وقوله] (ضخم الكراديس): اختلف الناس في الكراديس، فقال
بعضهم: هي العظام، ومعناه أنه عظيم الألواح، وبعضهم يجعل الكراديس
رؤوس العظام، والكراديس في غير هذا: الكتائب في الحروب.
و(الزندان): هما العظمان اللذان في الساعدين المتصلين بالكفين،
وصفه بطول الذراع.
(سبط القصب): [القصب] كل عظم ذي مخ مثل الساقين والعضدين
٦٩

[والساعدين] والذراعين، وسبوطهما امتدادهما، يصفه بطول العظام، قال
جواعل في البُرى قصباً خِدالا(١)
ذو الرمة :
أراد بالبرى: الأسورة والخلاخل.
وقوله (شئن الكفين والقدمين): يريد أن فيهما بعض الغلظ.
والأخمص من القدم في باطنها [مابين صدرها] وعقبها وهو الذي [لا]
يلصق بالأرض من القدمين في الوطء، قال الأعشى يصف امرأة بإبطائها في
كأن أخمصها بالشوك منتعل (٢)
المشي :
وقوله (خمصان): يعني [يريد] أن ارتفاع ذلك الموضع من قدمه [قدميه]
فيه تجاف عن الأرض، وهو مأخوذ من خموصة البطن وهي ضمره يقال
منه: خمصان وامرأة خمصانة.
[وقوله] (مسيح القدمين): يعني أنهما ملساوان ليس بظهورهما تكسر
ولهذا قال: ينبو عنهما الماء، يعني أنه لا ثبات للماء عليهما.
وقوله (إذا خَطا تَكَفَّأ) يعني: التمايل، أخذه من تكفؤ السفينة.
[وقوله] (ذريع المشية) يقول: [يعني] واسع الخطا.
[وقوله] (كأنما انحط من صبب): أراه يريد أنه مقبل على ما بين يديه
غاض بصره لا يرفعه إلى السماء، وكذلك يكون المنحط، ثم فسره فقال:
(خافض الطرف، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء).
وقوله (إذا التفت التفت جمیعاً): یرید أنه لا یلوي عنقه دون جسده، فإن
في هذا بعض الخفة والطيش.
(١) هو عجز بيت وصدره: هِركولة فنق درم مرافقها
انظر ((ديوان الأعشى الكبير)) بتحقيق الدكتور محمد أحمد قاسم، الصفحة ٣٠٢، طبع
المكتب الإسلامي.
(٢) هو عجز بيت وصدره: رخيمات الكلام مبطّنات
انظر ((ديوان ذي الرمة)) الصفحة ٥٢٠، طبع المكتب الإسلامي.
٧٠

وقوله (دمث): هو اللين والسهل، ومنه قيل للرجل: دمث الخلق، ومنه
حديثه الآخر أنه [كان إذا] أراد أن يبول(١) فمال إلى دمث.
وقوله (إذا غضب أعرض وأشاح): الإشاحة الحد وقد يكون الحذر.
وقوله (ويفتر عن مثل حب الغمام): [الافترار أن تكشر الأسنان ضاحكاً
من غير قهقهة، وحب الغمام](٢) البرد، شبه [به] بياض أسنانه، قال جرير:
يجري السواك على أغَرَّ كأنهُ بردٌ تَحَذَّرَ من متون غَمَامِ
وقوله (يدخلون رواداً): الرواد الطالبون وأحدهم رائد، ومنه قولهم:
الرائد لا يكذب أهله.
وقوله (لكل حال عنده عتاد) يعني: عدة قد أعد له.
(لا يوطن الأماكن): أي لا يجعللها] لنفسه موضعاً يعرف، وإنما [ي]
جلس حيث يمكنه في الموضع الذي يكون فيه حاجته، ثم فسره فقال:
(يجلس حيث ينتهي به المجلس) ومنه حديثه وَّ و أنه نهى أن يوطن الرجل
المكان في المسجد كما يوطن البعير.
وقوله ([في مجلسه] لا تؤبن فيه الحرم): يقول: لا يوصف فيه النساء،
ومنه حديثه وَل هو [أنه نهى عن الشعر إذا أبنت فيه النساء].
قال أبو عبيد: حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن مجالد عن الشعبي قال:
كان رجال في المسجد يتناشدون الشعر فأقبل ابن الزبير فقال: أفي حرم الله
وعند بيت الله تتناشدون الشعر؟ فقال رجل من أصحاب رسول الله ويالقوى:
ليس بك بأس يا ابن الزبير إن لم تفسد نفسك، إنما نهى رسول الله [وَالو]
عن الشعر إذا أبنت فيه النساء أو ترزأ تروزئت فيه الأموال.
(١) في الأصل يقول وهو خطأ.
(٢) في الأصل بدل ما بين المعكوفين كله ((أراد))، وما بين المعكوفين من ((المعجم
الكبير)).
٧١

وقوله (لا تنثى فلتاته): الفلتات السقطات لا يتحدث بها يقال منه: نثوت
أنثو والاسم منه النثاء، وهذه الهاء التي في فلتاته راجعة إلى المجلس، ألا
ترى أن صدر الكلام أنه سأل عن مجلسه، ويقال إنه [إنها] لم يكن لمجلسه
فلتات يحتاج أحد أن يحكيها. (فلتاته): يريد فلتات المجلس لا يتحدث بها
بعضهم عن بعض.
حديث أم معبد الخزاعية في صفة رسول الله (08﴾
٣٠ - حدثنا علي بن سعيد الرازي، قال: حدثنا مكرم بن محرز
الخزاعي، قال: حدثني أبي، عن حزام بن هشام، عن أبيه، عن جده
حبيش بن خالد، أن رسول الله وَله حين خرج من مكة، [وآخرج [منها]
مهاجراً إلى المدينة هو وأبو بكر رضي الله عنه ومولى أبي بكر عامر بن
فهيرة، ودليلهما الليثي عبدالله بن أريقط، مروا على خيمتي أم معبد
الخزاعية وكانت برزة جلدة تحتبي بفناء القبة ثم تَسقي وتُطعِم، فسألوها
لحماً وتمراً ليشتروه منها، فلم يصيبوا عندها شيئاً من ذلك، وكان القوم
مرملين مسنتين، فنظر رسول الله [رَّة] إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: ((مَا
هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟)) قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم، فقال: ((هَلْ بِهَا
مِنْ لَبَنِ؟)) قال: هي أجهد من ذلك، قال: ((أَتَأْذَنِينَ [إِلَيَّا أنْ أُخْلِيَهَا؟))
قالت: نعم، بأبي أنت وأمي، إن رأيت بها حلباً فاحلبها، فدعا بها رسول
الله ◌َل﴿ فمسح [بيده] ضرعها، وسمى الله عز وجل ودعا لها في شاتها،
فتفخت عليه ودرت واجثرت، ودعى بإناء يربض الرهط فحلب فيها ثجاً
حتی علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب
آخرهم ◌َّر، ثم أراضوا ثم حلب فيها ثانياً بعد بدء حتى ملأ الإناء، ثم
غادره عندها ثم بايعها وارتحلوا عنها، فقلما لبث حتى جاء زوجها أبو معبد
٧٢

يسوق أعنزاً عجافاً [يساوكهن هزلاً] ضحى مخهن قليل، فلما رأى أبو معبد
اللبن عجب، وقال: من أين لك هذا اللبن يا أم معبد؟ والشاء عازب حيال
ولا حلوبة في البيت، فقالت: لا والله؛ إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله
كذا وكذا، قال: صفيه يا أم معبد؟، قالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة،
أبلج الوجه، حسن الخلق لم تعبه ثُجلة، ولم تزر به صعلة، وسیم قسيم،
في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صَحَل [صَهَل] وفي عنقه
سطع، وفي لحیته کثافة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سما
وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب،
حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن،
ربعة لا يشنى [يُتَشَنَّى] من طول، ولا تقتحمه عين عن قصر، غصن بين
غصنين، فهو أنْضَرُ الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفون به، إن
قال أنصتوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس ولا
مُفَنَّدٌ .
قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذكر
بمكة، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
فأصبح صوت بمكة عالياً يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه
و[هلو يقول:
رفيقين قالا خيمتي أم معبد
جزى الله رَبُّ الناس خير جزائه
لقد فاز من أمسى رفيق محمد
هما نزلاها بالهدى واهتدت به(١)
به من فعال لا تجاری وسؤدد
فيا لِقُصَيِّ ما زوى الله عنكم
(١) في الأصل: هما نزلا بالبر وارتحلا به.
٧٣

ومقعدها للمؤمنين بمرصد
لِيَهِنَ بني كعب مكان فتاتِهِمْ
فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد]
[سلوا أختكم عن شاتها وإنائها
عليه صريحاً ضرة الشاة مزيد
دعاها بشاة حائل فتحلبت
يردِّدِها في مصدر ثم مورد
فغادرها رهناً لديها لحالب
قال: فلما سمع بذلك حسان بن ثابت الأنصاري شبب يجاوب الهاتف
وهو يقول:
وقُدِّسَ من يسري إليهم ويغتدي
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم
وحل على قوم بنور مجدد
ترحل عن قوم فضلت عقولهم
وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
هداهم به بعد الضلالة ربهم
عمايَتَهُمْ هادٍ به كلُّ مهتد
وهل يستوي ضلال قوم تَسَفَّهُوا
ركاب هدىّ حلت عليهم بأسعد
وقد نزلت منه على أهل يثرب
ويتلو كتاب الله في كل مسجد
ني یری ما لا یری الناس حوله
فتصديقها في الیوم أو في ضحی الغد
وإن قال في يوم مقالة غائب
بصحبته من يسعد الله يسعد (١)
ليهن أبا بكر سعادة جده
حديث سواد بن قارب [رضي الله عنه]
٣١ - حدثنا محمد بن محمد التمار البصري، قال: حدثنا بشر بن حجر
السامي، قال: حدثنا علي بن منصور الأنباري، عن عثمان بن عبد الرحمن
الوقاصي، عن محمد بن كعب القرظي، قال: بينا عمر بن الخطاب رضي
الله عنه قاعد في المسجد إذ مر رجل في مؤخر المسجد، فقال رجل: يا
(١) ورواه المصنف في ((المعجم الكبير)) (٣٦٠٥). قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (٥٨/٥): وفي إسناده جماعة لم أعرفهم.
٧٤

أمير المؤمنين أتعرف هذا المار؟ قال: لا، وممن هو؟ قال: هذا سواد بن
قارب، وهو رجل من أهل اليمن، له فيهم شرف وموضع، وهو الذي أتاه
رئيه بظهور النبي ◌َّهر، فقال عمر رضي الله عنه: عليَّ به، فدعي آله] به،
فقال: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم، قال: أنت الذي أتاك رئيك بظهور
رسول الله وَلَ؟ قال: نعم، قال: فأنت على ما كنت من كهانتك؟ فغضب
غضباً شديداً، وقال: يا أمير المؤمنين ما استقبلني بها [بهذا] أحد منذ
أسلمت، فقال عمر: يا سبحان الله والله ما كنا عليه من الشرك أعظم [من]
ما كنت عليه من كهانتك، أخبرني بإيتائك [بإتيانك] رئيك بظهور رسول الله
وَّر، قال: نعم، يا أمير المؤمنين، بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ
أتاني رئيي فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب فافهم واعقل إن كنت
تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلی عبادته، ثم
أنشأ يقول:
عجبت للجن وتجساسها وشدها العيس بأحلاسها
ما خير الجن كأنجاسها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى
فارحل إلى الصفوة من هاشم واسم بعينك إلى رأسها
قال: فلم أرفع بقوله رأساً، وقلت: دعني أنم، فإني أمسيت ناعساً،
فلما [أن] كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله، [ثم] وقال: ألم أقل لك
يا سواد بن قارب قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من
لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته ثم أنشأ [الجني] يقول:
وشدها العيس بأقتابها
عجبت للجن وتطلابها
ما صادق الجن ككذابها
تهوي إلى مكة تبغي الهدى
فارحل إلى الصفوة من هاشم ليس قُدَامَاهَا كأذنابها
٧٥

قال: فلم أرفع بقوله رأساً، فلما أن كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني
برجله وقال: ألم أقل لك يا سواد بن قارب افهم واعقل إن كنت تعقل إنه
[قد] بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ
الجني يقول:
عجبت للجن وأخبارها وشدها العيس بأكوارها
ما مؤمن الجن ككفارها
تهوي إلی مکة تبغي الهدى
فارحل إلى الصفوة من هاشم بين روابيها وأحجارها
قال: فوقع في نفسي حب الإسلام ورغبت فيه، فلما أصبحت شددت
على راحلتي فانطلقت متوجهاً إلى مكة، فلما كنت ببعض الطريق أخبرت
أن النبي وهو قد هاجر إلى المدينة، فأتيت المدينة فسألت عن النبي بَلال،
فقيل لي: [هو] في المسجد، فانتهيت إلى المسجد، فعقلت ناقتي ودخلته
وإذا رسول الله والناس حوله فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله، فقال أبو
بکر رضي الله عنه: ادنه ادنه، فلم یزل بي حتى [دنوت منه]، صرت بين
يديه فقال: هات وأخبرني بإتيانك رئيك فقلت:
لم يكُ في ما قد بَلَوتُ بكاذبٍ
أتاني نُجِيِّي بين هَدْءٍ وَرَقْدَةٍ و
أتاك رسول الله من لؤي بن غالب
ثلاث ليال قوله كل ليلة
بي الذعلب الوجناء بين السباسب
فشمرت عن ذيل الإزار وَوَسَّطَتْ
وأنك مأمون على كل غالب
فأشهد أن الله لا رب غيره
إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب
وأنك أدنى المرسلين وسيلة
وإن كان فيما جاء شيب الذوايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشى
سواك بمغن عن سواد بن قارب
وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة
قال: ففرح رسول الله ټټ هو وأصحابه بإسلامي فرحاً شديداً حتى رؤي
٧٦

في وجوههم، فوثب إليه عمر رضي الله عنه والتزمه وقال: قد كنت أحب
أن أسمع هذا منك(١).
حديث رؤيا عاتكة بنت عبد المطلب
في ظهور رسول الله [####] ببدر
٣٢ - حدثنا مسعدة بن سعد العطار، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر
الحزامي، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، قال: حدثني محمد بن عبد
العزيز، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن [أمة] أم كلثوم
بنت عقبة بن أبي معيط، عن عاتكة بنت عبد المطلب، قالت: رأيت راكباً
مُثّل على أبي قبيس فصاح: يا آل غدر ويا آل فجر انفروا لثلاث، ثم أخذ
صخرة من أبي قبيس فرمى بها الركن فتفلقت الصخرة، فما بقيت دار من
دور قريش إلا دخلتها منها كسرة غير دور بني زهرة، فقال العباس: إن هذه
لرؤيا اكتميها ولا تذكريها، فخرج العباس فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة،
فذكرها له، فذكرها الوليد لأبيه، ففشا الحديث، قال العباس: فغدوت
أطوف بالكعبة [بالبيت]، وأبو جهل في رهط من قريش يتحدثون برؤيا
عاتكة، فلما رآني أبو جهل قال: يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل
إلينا، فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم، فقال أبو جهل: يا بني عبد
المطلب أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم، قد زعمت عاتكة
(١) ورواه المصنف في ((المعجم الكبير)) (٦٤٧٥ و٦٤٧٦)، والحاكم في ((المستدرك))
(٦٠٨/٣-٦١٠)، والبيهقي في ((الدلائل)) (٣٢/٢). قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع الزوائد»
(٢٥٠/٨): وإسناده ضعيف. وقال الذهبي في ((تلخيص المستدرك)): الإسناد منقطع.
ورواه أبو نعيم في ((الدلائل)) (ق ١٣٩/١م-٢/١٤٢).
قلت: محمد بن كعب القرظي ولد سنة أربعين والإمام عمر استشهد سنة ثلاث
وعشرين. وعثمان بن عبد الرحمن الوقاصي متروك وكذبه ابن معين، وفي الأصل
((اليمان)) بدل ((التمار)) و((عبدالله الوقاصي)) بدل ((عبد الرحمن الوقاصي)) وهما خطآن.
٧٧

في رؤياها هذه أنه قال: انفروا في ثلاث، فسنتربص بكم هذه الثلاث، فإن
كان ما تقول حقاً فسيكون، وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء كتبنا
عليكم كتاباً أنكم أكذب أهل بيت في العرب، قال العباس: فوالله ما كان
مني إليه شيء إلا أني جحدت ذلك، وأنكرت أن تكون رأت شيئاً، قال
العباس: فلما أمسيت أتتني امرأة من بنات عبد المطلب فقالت: أرضيتم من
هذا الفاسق أن يقع في رجالكم، ثم يتناول نساءكم وأنت تسمع؟ ثم لم يكن
عندك نكير، والله لو كان حمزة ما قال ما قال، فقلت: والله كان وما كان
مني إليه نكير، وايم الله لأتعرضن له، فإن عاد لأكفينكم. قال العباس:
فغدوت في اليوم الثالث لرؤيا عاتكة وأنا مغضب على أن فاتني أمر أحب أن
أدرك شيئاً منه، قال: فوالله إني لأمشي نحوه وكان رجلاً خفيفاً حديد
السمع [الوجه] حدید اللسان حديد البصر إذ خرج نحو باب المسجد يشتد،
فقلت [في نفسي]: ما له لعنه الله؟ أكل هذا فرق مني أن أشاتمه؟ فإذا قد
سمع ما لم أسمع، سمع صوت ضمضم [بن زرعة] بن عمرو الغفاري
يصرخ ببطن الوادي قد جدع بعيره وحول رحله وشق قميصه وهو يقول : يا
معشر قريش، اللطيمة اللطيمة قد خرج محمد في أصحابه، ما أراكم
تدركونلها، الغوث الغوث، قال العباس: فشغلني عنه وشغله عني ما جاء
من الأمر.
وخرجوا على كل صعب وذلول، وأظفر الله عز وجل رسول الله وَله
ببدر، فقالت عاتكة بنت عبد المطلب في تصديق رؤياها وتكذيب قريش لها
حين أوقع بهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
بتأويلها فَلِّ من القوم هارب
ألم تكن الرؤيا بحق أتاكم
بعينيه ما تفري السيوف القواضب
رأى فأتاكم باليقين الذي رأى
يكذبني بالصدق من هو كاذب
فقلتم ولم أكذب: كذبت وإنما
حكيم وقد ضاقت عليه المذاهب
وما فر إلا رهبة القوم [الموت] منهم
٧٨

أفَرَّ صياح القوم عزم عقو
مروا بالسيوف المرهفات دماؤهم
فكيف أرى يوم اللقاء محمداً
ألم يغشهم ضرباً يحار لوقعه الـ
ألا بأبي يوم اللقاء محمداً
لهم فهن هواء والحلوم عوازب
كفافاً كما يمري السحاب الجنائب
بنو عمه والحرب فيها التجارب
ـجبان وتبدو بالنهار الكواكب
إذا غض من عون الحروب الغوارب
زعازع ورداً بعد ذلك صالب
كما بردت أسيافه من مليكتي
بِجَأْوَاءَ تردى حافيته المقانب
حلفت لئن عدتم ليصطلمنكم
لها جانبا نور شعاع وثاقب(١)
كأن ضياء الشمس لمع بروقها
تسمية المستهزئين الذين قال الله عز وجل
قالوا: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ
(٩٥
٣٣ - حدثنا القاسم بن زكريا البغدادي، قال: حدثنا محمد بن عبد
الحكيم النيسابوري، قال: حدثنا مبشر بن عبدالله عن سفيان بن حسين،
عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّا
[الحجر] قال: المستهزئون الوليد بن المغيرة،
٩٥
كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ
والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب أبو زمعة من بني أسد
ابن عبد العزى، والحارث بن عيطل السهمي، والعاص بن وائل السهمي،
فأتاه جبريل عليه السلام، فشكاهم إليه رسول الله وَلير وأراه الوليد بن
المغيرة، فأومأ جبريل إلى أبجله، فقال: ما صنعت شيئاً، قال: كفيناكه،
(١) ورواه المصنف في ((المعجم الكبير)) (٢٤/٨٥٩). قال الحافظ الهيثمي في ((مجمع
الزوائد» (٧٠/٦): وفيه عبد العزيز بن عمران وهو متروك. وفي الأصل ((لوقعه)) بدل
من ((الوقعة)) في البيت (٨).
٧٩

ثم أراه الحارث بن عيطل فأومأ إلى بطنه، فقال: ما صنعت شيئاً، فقال:
كفيتكه، ثم أراه العاص بن وائل السهمي فأومأ إلى أخمصه، فقال: ما
صنعت شيئاً، فقال: كفيتكه، فأما الوليد بن المغيرة فمر برجل من خزاعة
وهو يريش نبلاً له، فأصاب أبجله فقطعها، فنزف فمات، وأما الأسود بن
المطلب [فعمي فمنهم من يقول عمي هكذا ومنهم من يقول] نزل تحت
شجرة فجعل يقول: يا بني ألا تدفعون عني [قد] هلكت، أطعن بالشوك في
عيني، فجعلوا يقولون: ما نری شیئاً، فلم يزل كذلك حتى عميت عيناه،
وأما الأسود بن عبد يغوث فخرج في رأسه قروح فمات منها، [وأما
الحارث بن عيطل فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه
فمات]، وأما العاص بن وائل فبينما هو كذلك يوماً حتى دخل في رجله
شبرقة حتى امتلأت منها فمات(١).
حديث عامر بن الطفيل وأربد بن قيس
٣٤ - حدثنا مسعدة بن سعد العطار المكي، قال: حدثنا إبراهيم بن
المنذر الحزامي، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران، قال: حدثني عبدالله
وعبد الرحمن ابنا زيد بن أسلم، عن أبيهما، عن عطاء بن يسار، عن ابن
عباس، أن أربد بن قيس بن جزي بن خالد بن جعفر بن كلاب وعامر بن
الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله وَله، فانتهيا إلى رسول الله وَليه
وهو جالس فجلسا بين يديه، فقال عامر بن الطفيل: يا محمد ما تجعل لي
إن أسلمت؟ قال رسول الله [وَّة: ((لَكَ] مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ)).
(١) ورواه المصنف في ((الأوسط)) (ص ٢٩٩ ((مجمع البحرين))).
قال في ((مجمع الزوائد» (٤٧/٧): وفيه محمد بن عبد الحكيم النيسابوري ولم أعرفه،
وبقية رجاله ثقات.
٨٠