Indexed OCR Text

Pages 1-20

در
أملاه
أَبْرُ البِحَامِ عَبد الله بن الحسين الْمُكْبَرِيّ
٥٣٨ - ٦١٦هـ
شجئين
عبد اللهربيان

مَطبوعات مُجْمَع اللغَة العَرَبيَّة بدمشِق
د
ر
د.
أملاه
أبوُ البعَاءِ عَبْدَاللّه بنُ الحسَينِ الْعُكْبَرِيّ
٥٣٨ - ٦١٦ هـ
الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة
تحقيق
عبد الإلهنبيان
دمشق
١٤٠٧ هـ - ١٩٨٦ م

بسمالله الرحمن الرحيم
مقدّمَة الطبعة الثانية
يسعدني أن أقدم الطبعة الثانية من كتاب ((إعراب الحديث
النبوي)» بعد نفاد طبعته الأولى التي صدرت في مطبوعات المجمع
عام ١٣٩٧ هـ - ١٩٧٧ م، وخلال السنوات التالية ما بين ١٣٩٧ -
١٤٠٤ هـ تجمعت لديّ ملاحظات وإضافات، منها ما دوّتنه خلال
مراجعاتي ، ومنها ما أفادنيه عدد من الأصدقاء .. لذلك قمت بإعادة
النظر في الكتاب ، فحذفت تعليقات ودوّنت أخرى ، وأثبتّ نصوص
الحديث بتمامها في الحواشي ، وأضفت بعض التخريجات ، واستفدت
من مراجع لم تكن بين يديّ من قبل .
وكان مما أفادتنيه أعوام ما بين الطبعتين أنني اكتشفت أن
أبا البقاء لم يكن مجرّد نحوي" عادي" كما قد يوحي بذلك كتابه
(إعراب الحديث)) وكتابه الآخر المشهور بـ ((إملاء ما منّ به الرحمن»
بل إنه كان نحوياً كبيراً عارفاً بالعلل ومذاهب النحاة، وكتابه («اللباب
في علل البناء والإِعراب)» يدل على علمه الغزير وإتقانه العجيب ومعرفته
العميقة ، وتمرسه بالقياس ، وتمكنه في الأصول ، وتبحره في الفروع ،
ولذلك أثنى القدماء على العكبري وقالوا إنه أوحد زمانه . وإنني
- ٣ -

لأطمح إلى إِنجاز تحقيق كتابه ((اللباب )) متعاوناً مع أخي وصديقي
الأستاذ غازي مختار طليمات .
وإني لأتوجه بخالص الشكر إلى أستاذي الجليل الدكتور
شاكر الفحام الذي شجعني على إعادة النظر في الكتاب وإعداده لطبعة
جديدة وأنا شديد الامتنان لما زوّدني به من ملاحظات وإرشادات ،
ولما اتسع له صدره - وهو الحليم - من مراجعاتي وتساؤلاتي .
كما أنني أوجه شكري إلى لجنة التراث في مجمع اللغة العربية الموقر
لموافقتها على نشر الكتاب في طبعته الثانية ضمن منشورات المجمع .
وفي الختام فإني أشكر مجمع اللغة العربية بدمشق ممثلاً
برئيسه الأستاذ الدكتور حسني سبح على حرصه على نشر تراثنا العربي
العظيم واهتمامه ببعث مجد أمتنا الغابر.
والله ولي التوفيق .
عبد الاله أحمد نبهان
حمص - الجمعة ٢٥ رجب سنة ١٤٠٦ هـ
٤ نيسان سنة ١٩٨٦ م
- ٤ -

بِسْمِ اللَّه الرحمن الرحمن
مقدّمة الطبعة الأولى
ظفر أبو البقاء عبدُ الله بن الحسين العُكْبَرِيّ بشهرة واسعةٍ
ومكانة عالية أثناء حياته ، وإليه انتهت رئاسة النحو في عصره ؛ وحظي
في عصرنا هذا بشهرةٍ لم ◌ُتحْ منها إلاّ القليل" لعددٍ من النحويين
لا يقلّون عنه أهمية إِنْ لم يرجحوا عليه ، ويعود ذلك إلى كتابه
(( إِملاء ما منّ به الرحمن من وجوه الإِعراب والقراءات في القرآن)»
وهو كتاب" تطبيقيّ موجز لوجوه الإعراب والقراءات ، وقد طبع
أكثر من مرة ، والناس يتداولونه ، وإليه يدين أبو البقاء بما لهُ من
شهرة في أيامنا .
وهذا الكتاب - أعني إملاء ما منّ به الرحمن - على جلالة
قَدْرِهِ وعميم نَفْعِهِ، لا يُعطي صورة كاملةً عن أبي البقاء النحوي"
الكبير ، فإنّ ثراثَ الرجل ضخم"، وإنتاجَه غزير"، فما أكثرَ كتبَهُ
النحوية"! ومع كثرتها فأكثرها لا يزالُ مخطوطاً حبيساً في خزائن
الكتب، ينتظر"مَنْ يَنْفُضُ عنه غثبار الإهمال، ويهتك سِثْرَ
النسيان ، ليظهر إلى النور ، ويتجلّى بظهوره ذلك البناء السامق* الذي
شيّده العُكْبَرِي"، وأعْلى صَرْحَه ووطَّد دعائمَه، ونمّى
فروعه وأغصائه .
- ٥ -

إن غيابَ هذا التراث المخطوط عن ساحة البحث العلمي يعرّض
أي محاولةٍ للحكم على قيمة الرجل وآرائه ومذاهبه لخطر الانزلاق
وراء التعميمات السريعة المستمدة غالباً من أقوال "ُترجمي النحاة ،
وهي أحكام غالباً ما تكون غير دقيقة ، وغير مستندة إلى دراسة شاملة
لكُشبِ المؤلّفَ، لذلك كان تحقيق تراث العُكْبَرِيّ يشكّلُ
الخطوة الأولى الجادة التي تضع المادة الحية بين أيدي الدارسين
والنحويين لدراسة آراء الرجل ثم تقويمها وتحديد ما له وما عليه في
ميدان النحو العربي الفسيح
ويسعدني أن يكون لي شرف تقديم كتاب ((إِعراب الحديث
النبوي للعُكْبَرِيّ)) إلى قرّاءِ العربية ليكون لَبِنَةٌ صغيرة
وخطوة متواضعة ، وتحية رقيقة لتراث هذا النحوي الكبير ، ولتراثنا
العربي العظيم . وكتابُنا يتصل بعلمين عزيزين شريفين : الحديث
النبوي الشريف ، والنحو العربي التليد ، ويكتسب من هذا الاتصال
قيمةً كبيرة ، فنواته مستمدة من كلام سيّد البلغاء وأفصح الفصحاء
الذي أُوتي جوامع الكلم وفصل الخطاب سيدنا محمد صلى الله عليه
وسلم مما يضفي عليه من جلال النبوّة وأنوارها ثَوْباً قشيباً، ويسبغُ
من بيانها وبلاغتها سحراً عجيباً، وإِنّ من البيان لسِحْرا. أمّا
مادته التي تدور حولَ النواة ، وأعني بها كلامَ المؤلف فهي تمثل
لنا جانباً من النشاط التعليمي في النحو العربي أثناء القرن السادس ،
هذا الجانب من النشاط الذي دار في فلك الحديث النبوي ، وأنطلق
جاعلاً منه مرتكزاً لبحوثه ونشاطاته الفكرية والتعليمية .
وقد مهدتُ للكتاب ببحثٍ موجزٍ عن المؤلّف وكتابه إِغراب
الحديث ، ولئن أصررت* في هذه الدراسة الموجزة على نسبةٍ أبي البقاء
- ٢ -

إلى المذهب البصري ، إنّ هذا لم يكنْ من باب التعنّت أو التضييق ،
إنما كان رأياً معززاً بالدليل المستمد من كلام أبي البقاء نفسه فيما
ظهر من كتبه ، وهذا الرأي ◌ُعَرّض" للتعديل إذا نُشر من آثار
أبي البقاء المجهولة والمخطوطة ما يقتضي ذلك ويستوجِبُه .
وإنّ إذْ أختم مقدمتي أرى من الواجب اللازب إِنْ أُزجي خالص
شكري وتقديري : إلى مجمع اللغة العربية الموقّر لعمله الدائب في
إحياء التراث العربي وبعثه ناضراً يمور ويزهو مضمخاً بأريج الحضارة
العربية الفاغم ، ومتوجاً بقيمها الإِنسانية الرفيعة .
وإلى أستاذي الجليل أحمد راتب النفاخ الذي كان خيرَ مرشد
مشجِع ◌ُمُذ صوّرت أولى مخطوطات هذا الكتاب، ولمْ يَد ◌َ خِرِْ
- حفظه الله - جهداً في مناقشة أيّ مشكلةٍ عَرَ ضَتْ لي أثناء
التحقيق بأرْيَحيّةٍ نادرةٍ وخُلق عِلميّ أصيل.
وإلى أستاذي أمين مجمع اللغة العربية الدكتور شكري فيصل
الذي لم يضنّ بإرشاداته السديدة وتوجيهاته القيمة لدفع العمل في
هذا الكتاب - قدرَ الْمُسْتَطاع - نحو الأفضل والأكمل.
وإِلى إخواني وأصدقائي الذين لم يضنثوا بوقتهم وجهدهم
لمساعدتي فيما يحتاج إليه التحقيق من مقابلة وتصحيح وأخصّ منهم
الأساتذة زياد آقبيق ويحيى عبارة وعمر الشغري ووليد عبد المنعم .
عبد الاله أحمد نبهان
حمص - الخميس ٣٠ محرم ١٣٩٧ هـ
الموافق ٢٠/ كانون الثاني ١٩٧٧ م
- ٧ -

والكتاب
المؤلف
أبو البقاء العكبري
(٥٣٨ - ٦١٦ هـ)
هو عبد الله بن الحسين بن عبد الله بن الحسين الإِمام
محب" الدين أبو البقاء، العكبري الأصل، البغداديّ المولد والدار،
صاحب الإعراب، ونسبته إلى بلدة ((عكبرى)) - بضم العين وسكون
الكاف وفتح الباء - قرب بغداد . ترجمت له كتب النحاة واللغويين
والفقهاء وغيرها من كتب الطبقات (١)، وتداول النحاة من بعده
كتبه ونقلوا عنها وناقشوا بعض آرائه (٢) كما اهتم به
(١) إِنباه الرواة ٢ : ١١٦، بغية الوعاة ٢: ٣٨، نكت الهميان ١٧٩،
شذرات الذهب ٥ : ٦٨، وفيات الأعيان ٢ : ٢٨٦ ، وانظر جريدة
المراجع المخطوطة والمطبوعة التي ترجمت للعكبري في معجم المؤلفين ٦ :
٠٤٧،٤٦
(٢) على سبيل المثال انظر مغني اللبيب ١: ١٠٢، ١٣٤، ٢٠١، ٢٧٩،
٢٩٤، ٣٣٥، ٣٣٩ ٠٠ الخ والأشباه والنظائر في النحو للسيوطي ١ :
١٩، ٢٩، ٣٤، ٥٧، ٦٤، ١٢٢، ١٤٣، ١٥٦، ١٥٧ ٠
١٦٢، ٢٣٢، ٢٣٣، ٢٥٤، ٢٥٥، ٢٥٦: ٢٥٧ : ٣٥٨
٢٦١، ٢٦٣، ٢٧٦، ٣٠٠، ٣٢٥، ج ٢: ٤، ٥، ٩،
-
- ٩ .

المعاصرون (١).
ولد أبو البقاء في بغداد سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة (٢)،
وأضرّ في صباه بالجدري ، وقضى حياته كفيفاً، منصرفاً إِلى العلم ،
متلقياً متعلماً ، ثم شيخاً معلماً . وقد ذكر مترجموه تفراً من شيوخه
سنخصهم بالذكر فيما يلي :
شيوخه :
١ - ابن الخشاب ، عبد الله بن أحمد أبو محمد النحوي
البغدادي ٤٩٢ - ٥٦٧ هـ ، قال القفطي : كان أديباً فاضلاً عالماً ، له
معرفة جيدة بالنحو واللغة العربية والشعر والفرائض والحساب
٢٢: ٥٦، ٥٨، ٦٠، ٦٣، ٧٧، ١٥٠، وكتاب الاقتراح
للسيوطي ٣٧
(١) انظر مقدمة الدكتور محمد خير الحلواني لكتاب مسائل خلافية في
النحو لأبي البقاء ، وأيضاً مقدمة الأستاذ ياسين محمد السواس لكتاب
المشوف المعبلم العكبري ، وكتاب النحاة والحديث النبوي في النحو
العربي للدكتور محمود فجال ، وكتاب نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة
للشيخ محمد الطنطاوي ١٨٠ ، وكتاب أبي علي الفارسي للدكتور
عبد الفتاح شلبي ٦٨٨ ، والمدارس النحوية للدكتور شوقي ضيف
٢٧٩ ، ومدرسة الكوفة للدكتور مهدي المخزومي ٩٥ ، وإعراب لامية
الشنفرى بتحقيق محمد أديب جمران ، وشرح لامية العرب بتحقيق
الدكتور محمد خير حلواني م
(٢) نكت الهميان: ١٧٩، وفيات الأعيان ٢: ٢٨٦، شذرات الذهب ٥ :
٦٨ ، بغية الوعاة ٢ : ٠٣٨
٢٠

والحديث، حافظاً لكتاب الله عز وجل، قد قرأه بالقراءات الكثيرة (١).
٢ - أبو البركات يحيى بن نجاح المؤدب ، سمع الحديث
الكثير ، وقرأ النحو واللغة، وكان غزير الفضل ، يقول الشعر الحسن،
توفي في آخر سنة ٥٦٩ هـ (٢).
٣ - ابن العصار، علي بن عبد الرحيم بن الحسن ٥٠٨-٥٧٦هـ،
الرقيّ الأصل، البغدادي المولد والدار ، قرأ على الجواليقي وعلى ابن
الشجري ، وسمع الحديث ، وأقرأ الناس ، وسافر إلى مصر واجتمع
بها بابن برّي والقاضي الموفق يوسف بن الخلال كاتب الإنشاء (٣).
٤ - ابن عساكر البطائخي وهو علي بن عساكر بن المزجتب
ابن العوّام أبو الحسن المقرىء النحوي" الضرير من أهل البطائح،
(١) انظر ترجمته في إنباه الرواة ٢ : ٩٩، بغية الوعاة ٢ : ٢٩،
المنتظم ١٠ : ٢٣٨، البلغة: ١٠٥، مرآة الجنان ٣ : ٣٨١، معجم الأدباء
١٢: ٤٧، النجوم الزاهرة ٦: ٦٥، معجم المؤلفين ٦: ٢٠،
الأعلام ٤ : ٦٧ ، الذيل على طبقات الحنابلة ١ : ٣١٦ طبعة الفقي
( نقلاً عن الزركلي ) .
من كتبه كتاب ( المرتجل في شرح الجمال ) وهو في شرح جمل عبد القاهر
وقد حققه الدكتور مصطفى جطل لنيل درجة الماجستر ولم ينشر ، ثم
حققه الأستاذ علي حيدر ونشره في دمشق ١٣٩٢ هـ - ١٩٧٢ م .
(٢) انظر ترجمة يحيى بن نجاح في المنتظم ١٠ :٢٤٩ .
(٣) ابن العصار: ترجمته في إنباه الرواة ٢ : ٢٩١ ، بنية الوعاة ٢ :
١٧٥، معجم الأدباء ١٤: ١٧، مرآة الجنان ٣: ٤٠٥، معجم المؤلفين
٧ : ٠١٢١
- ١١ -

بين واسط والبصرة ، ولد بقرية تعرف بالمحمدية سنة ٤٩٠ أو ٤٨٩
وتوفي سنة ٥٧٢ هـ · سمع الحديث وأفاد الناس في علوم القرآن
والنحو. وكان إماماً كبيراً في القراءات وعللها، ثقة صدوقاً (١).
٥ - ابن البطيّ ، محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن سلمان
٤٧٧ - ٥٦٤ هـ ، قال ابن الجوزي: سمع مالك بن علي البانياسي
وحمد بن أحمد الحداد وابن النظر والتميمي وغيرهم ، وكان سماعه
صحيحاً ، سمعنا منه الكثير ، كان يحب أهل الخير ويشتهي أن يقرأ
عليه الحديث (٢) .
٦ - أبو زرعة، طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي ، من
المشهورين بعلو" الإِسناد وكثرة السماع ولد بالري ٤٨١ هـ، قدم بغداد
وسمع بها من ابن ريان ، سكن همذان ، وكان يقدم بغداد وحدّث
بها بأكثر سماعاته، وسمع منه ابن هبيرة الوزير. توفي سنة ٥٦٦ هـ (٣).
٧ - أبو بكر بن النقور ، عبد الله بن محمد البغدادي ،
ثقة محدّث (٤).
(١) ابن عساكر البطائحي: انباه الرواة ٢ : ٢٩٨، معجم الأدباء ١٤ :
٦١٠، بغية الوعاة ٢ : ١٧٩، البداية والنهاية ١٢ : ٢٩٦، شذرات
الذهب ٤ : ٢٤٢، المنتظم ١٠ : ٢٦٧، النجوم الزاهرة ٦ : ٨٠،
نكت الهميان : ٠٢١٤
(٢) ابن البطي: المنتظم ١٠ : ٢٢٩، شذرات الذهب ٤ : ٢١٣ .
(٣) أبو زرعة: العبر للذهبي ٤: ١٩٢، وفيات الأعيان ٤: ٢٨٨،
شذرات الذهب ٤ : ٢١٧، مرآة الجنان ٣ : ٠٫٣٧٨
(٤) ابن النقور : مرآة الجنان ٣ : ٠٣٧٨
- ١٢ -

٨ - أبو حكيم النهرواني، إبراهيم بن دينار ٤٨٠ - ٥٥٦ هـ
كان عالماً بالمذهب والخلاف والفرائض وأحد من يضرب به المثل في
الحلم والتواضع، أنشأ مدرسة بباب الأزج (١) .
٩ - أبو يعلى الصغير محمد بن محمد بن محمد بن الحسن
الفرّاء ٤٩٤ - ٥٦٠ هـ، كان بارعاً في المذهب (الحنبلي ) والخلاف
والمناظرة (٢).
١٠ - أحمد بن المبارك المرقعاتي أبو العباس ، ذكر أنه كان
خادم الشيخ عبد القادر وكان يبسط له المرقعة على الكرسي، وما أدري
ماذا أخذ عنه العكبري (٣).
هؤلاء هم أهمّ شيوخ العكبري في النحو واللغة وعلوم القرآن
والحديث والفقه والفرائض ، وربما كان أخذ على غيرهم . وجعل أحد
الدارسين من ابن الجوزي شيخاً من شيوخ أبي البقاء بحجة أنّ
أبا البقاء كان معيداً له في مدرسة باب الأزج (٤)، وهذه دعوى
مقبولة ، وإن كان مترجمو العكبري لم ينصبوا عليها .
برع أبو البقاء في جملة من الفنون ، قال ابن أبي الجيش : كان
يفتي في تسعة علوم ، وكان أوحد زمانه في النحو واللغة والحساب
والفرائض والجبر والمقابلة والفقه وإعراب القرآن والقراءات الشاذّة ،
وله في كل هذه العلوم تصانيف كبار وصغار ومتوسطات (٥) وكان
(١) أبو حكيم النهرواني: المنتظم ١٠ : ٢٠١، مرآة الجنان ٣: ٣١٠.
(٢)
أبو يعلى الصغير: المنتظم ١٠: ٢١٣ ، شذرات الذهب ٤: ١٩٠ .
(٣)
أحمد بن المبارك : مرآة الجنان ٣ : ٠٣٩٢
(٤) النحاة والحديث النبوي ٢ : ٠٩
(٥) شذرات الذهب ٥ : ٦٨ ٠
- ١٣ -

متمسكاً بمذهبه الحنيلي ، قال : جاء إليّ جماعة من الشافعية وقالوا :
انتقل إلى مذهبنا ونعطيك تدريس النحو واللغة بالنظامية . قلت :
لو أقمتموني وصببتم الذهب عليّ حتى واريتموني ما رجعت عن
مذهبي (١) .
عرف أبو البقاء بورعه وتقواه ، وكان دائب الاشتغال بالعلم
ليلاً ونهاراً ، وذكروا أن زوجه كانت تقرأ له بالليل كتب الأدب
وغيرها (٢)، وله شعر ومؤلفات كثيرة . توفي ليلة الأحد ثامن شهر
ربيع الآخر سنة ست عشرة وستمائة ببغداد ودفن بباب حرب (٣) .
مؤلفاته :
خلف أبو البقاء مؤلفات كثيرة بلغ تعدادها بحسب إحصائي لها
في مختلف المصادر خمسة وخمسين مؤلفاً وسأقتصر ههنا على ذكر
ما طبع منها:
١ - إعراب الحديث النبوي (٤) .
٢ - إعراب القرآن المشهور بـ(إملاء ما منّ به الرحمن))(٥).
(١) نكت الهميان : ١٧٩ ٠
(٢) شذرات الذهب ٥ : ٦٨ ، نكت الهميان : ١٧٩ ٠
(٣)
وفيات الأعيان ٢ : ٢٨٦
نشره مجمع اللغة العربية بدمشق عام ١٣٩٧ هــ١٩٧٧ م بتحقيقنا ،
(٤)
ثم نشره الدكتور حسن موسى الشاعر في الأردن عام ١٩٨١ على أنه
الجزء الثاني من كتابه النحاة والحديث النبوي .
(٥) نشر بمصر عدة مرات، وطبع محققاً بمصير ١٣٨٩ - ١٩٦٩ حققه
إبراهيم عطوة عوض .
- ١٤ _

٣ - التبيين عن مذاهب النحويين (١).
٤ - شرح شعر المتنبي = شرح ديوان المتنبي (٢) .
٥ - شرح لامية العرب (٣).
٦ - اللباب في علل البناء والإعراب (٤).
٧ - مسألة في قول النبي: إنما يرحم الله من عباده الرحماء(٥).
(١) ذكر في نشرة أخبار التراث العربي العدد ٢٢ ص ٢٧ أن الكتاب صدر
في بيروت عن دار الغرب الإسلامي بتحقيق الأستاذ عبد الرحمن العثيمين
عام ١٩٨٦ .
طبع عدة طبعات: كلكتا ١٢٦٢ هـ، بولاق ١٢٦١ - ١٢٨٧ هـ،
(٢)
وأيضاً في مصر ١٣٠٣ــ ١٣٠٨ هـ، وبمصر محققاً ١٩٣٦ __ ١٩٣٨ م.
ويرجح الباحثون أن هذا الشرح ليس للعكبري - انظر مجلة المجمع
العلمي العربي بدمشق المجلد ٢٢ سنة ١٩٤٧ ففيه مقال للمرحوم
مصطفى جواد حول هذا الموضوع .
(٣) نشر هذا الشرح بتحقيق الدكتور محمد خير حلواني في مجلة المجمع العلمي
العراقي ، المجلد : ٣٣ ج ١ عام ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م ثم نشره
مستقلاً في دار الآفاق ببيروت ١٤٠٣ - ١٩٨٣ م . كما نشره المكتب
الاسلامي ببيروت بتحقيق الأستاذ محمد أديب جمران عام ١٤٠٤ هـ ـ
١٩٨٤ م بعنوان : إعراب لامية الشنفرى .
(٤) ذكر في نشرة أخبار التراث العربي العدد ١٨ ص ٣٦ نيسان ١٩٨٥
ان الكتاب صدر بتحقيق الدكتور خليل بنيان الحسون في بغداد عن
وزارة الأوقاف ١٩٨٥ بعنوان : اللباب في شبرج ملل البناء والاعراب.
(٥) رسالة صغيرة نشرت ضمن ((مسائل نحو مفردة)) الوارد ذكرها
برقم ( ٩ ) .
- ١٥ -

٨ - مسائل الخلاف في النحو (١).
٩ - مسائل نحو مفردة (٢).
١٠- المشوف المعلم في ترتيب إصلاح المنطق على حروف
المعجم (٣).
مذهبه في النحو :
أبو البقاء في نحوه بصري المذهب ، يتبنى آراء البصريين ،
ويسوق حججهم ، ويعلل بعللهم ، وينهج نهجهم ، يدل على ذلك نظرة
تلقيها على كتابه (« مسائل خلافية في النحو)) ونظرة أخرى نلقيها على
فهرس مؤلفاته النحوية لنرى عنايته بكتب أبي علي الفارسي وأبي الفتح
ابن جني ، فقد شرح الإيضاح كما شرح اللمع ، وأبو علي بصري
المذهب، قال فيه أبو حيان: وأمّا أيو علي فأشدُ تفرداً بالكتاب - يعني
كتاب سيبويه - وأشد إكباباً عليه وأبعد من كل ما عداه مما هو علم
الكوفيين (٤)، على أن هذا لم يكن يمنع العكبري من الأخذ ببعض
آراء الكوفيين، حين ترجح كفة الحق إلى جانبهم، إلا أن هذا نادراً
(١) نشر بتحقيق الأستاذ الدكتور محمد خير حلواني بحلب ١٩٧١ باسم
المسائل الخلافية في النحو .
(٢) نشر بتحقيق الأستاذ ياسين محمد السواس في مجلة معهد المخطوطات
العربية بالكويت المجلد ٢٦، ج ٢ ٠
(٣) نشر بتحقيق الأستاذ ياسين محمد السواس في مجلدين - جامعة
أم القرى ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م.
(٤) الامتاع والمؤانسة ٠١٣١/١
- ١٦ -

ما كان يحدث وسنجد نموذجاً منه في كتابنا هذا ((إعراب الحديث ))
في الحديث : ٥٤ ، ومن العجيب أن ينسبه الشيخ محمد الطنطاوي إلى
المذهب الكوفي (١) مع أن بصريته واضحة صريحة لا ليس فيها
ولا غموض ، والعكبري نفسه صرح بذلك ، فإننا إِذا تأملنا قوله في
كتابه: مسائل خلافية في النحو: ((الاسم مشتق من السمو عندنا ،
وقال الكوفيون من الوسم (٢))) تأكد لدينا أن الرجل بصري المذهب،
كما أنني لا أرى لهذه ( البغدادية ) التي نسبه إليها الدكتور شوقي
ضيف وجهاً ولا حجة (٣)، فإذا كان أبو البقاء كما يقول الدكتور
شوقي : يجري في إعراب الألفاظ - يريد ألفاظ القرآن - على المذهب
البصري ، ويتوقف مراراً ليرد على الكوفيين وإذا كان يتبع الفارسي
في آرائه النحوية ، فلا وجه لنسبته إلى ما يسمونه بالمذهب البغدادي .
طريقة تأليفه للكتب :
قال الصفدي : وكان إذا أراد أن يصنف شيئاً أحضرت إليه
مصنفات ذلك الفن وقرئت عليه ، وإذا حصل ما يريد في
خاطره أملاه (٤) .
هذا النص يبين لنا أن العكبري الضرير كان يعتمد على ذاكرته
اعتماداً كلياً ، ولعل هذا يفسر لنا تداخل ألفاظ الحديث الواحد
(١) نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة : ٠١٨٠
(٢)
مسائل خلافية في النحو : ٥٨ ، مدرسة الكوفة ٩٦ ٠
(٣)
المدارس النحوية : ٢٧٩ ٠
(٤) نكت الهميان : ١٩٧ .
م ٢ - اعراب الحديث
- ٣٧ -

برواياته المختلفة في ذهنه ، فيوردها كأنها من رواية واحدة (١)، وقد
لاحظ القفطي ذلك في كتب أبي البقاء لذلك صرح بأن العكبري
« كان يخل بكثير من المحتاج إِليه)، (٢)، كما أنه باعتماده على قراءة
تلاميذه له ، بنى بعض مسائل كتابه هذا على تصحيفات وقعت إما في
قراءة التلاميذ ، وإما في النسخة التي كانوا يقرؤون فيها ، وسترد
أمثلة من ذلك في هذا الكتاب وسنرى أبا البقاء يقول : ولاوجه لها
أو : لعله من تصحيفات الرواة .
إعراب الحديث :
هو كتاب مشهور ، ذكره مترجمو أبي البقاء ، فقد أورد ذكره
الصفدي (٣) وابن خلكان (٤) والقفطي (٥) وابن العماد الحنبلي (٦)
واليافعي (٧) والسيوطي (٨) وحاجي خليفة (٩) والزركلي (١٠)
(١) انظر مثلاً الحديث : ٢٥٠.
(٢)
إنباه الرواة : ٠١١٧/٢
(٣)
نكت الهميان : ١٧٩ ٠
وفيات الأعيان : ٢ : ٠٢٦٨
(٤)
إنباه الرواة : ٢ : ٠١١٧
(٥)
شذرات الذهب : ٥ : ٠٦٨
(٦)
مرآة الجنان : ٠٣٢/٤
(٧)
بغية الوعاة : ٢ :٠٣٩
(٨)
(٩) كشف الظنون : ٠١٢٣/١
(١٠) الأعلام : ٤ /٢٠٩.
- ١٨ ٠

وبروكلمان(١)، كما أن السيوطي فقل عنه في كتابه الحاوي للفتاوي(٢)
ولم ينص على اسمه وإِنما عزا القول لأبي البقاء والمنص فيه مطابق لما
في ( إعراب الحديث ) كما أن الإمام القسطلاني ذكره في إرشاد
الساري (٣) وناقش رأي أبي البقاء في إحدى المسائل . وقد وصف
الكتاب بأنه لطيف (٤) . هذا وقد اعتمدت في تحقيقي للكتاب على
أربع نسخ مصورة ، ثلاث منها موجودة في دار الكتب الظاهرية
بدمشق وأخرى مصورة عن ميكروفلم في معهد المخطوطات التابع
لجامعة الدول العربية بالقاهرة ((سابقاً)) .
المخطوطة الأولى (٤) :
نسخة تامة تقع في ٤٨ ورقة من ١٧ - ٦٥ من مجموع عدد
أوراقه ١١٤ ورقة . وقد أثبت على الورقة ١٧ عنوان الكتاب :
« كتاب إعراب الحديث النبوي٣ صنعة الشيخ الإمام العالم العلامة
محب الدين أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكري رضي الله عنه )»
كتبت هذه النسخة بخط مغربي واضح مقروء مشكول ، وكتبت
الأبواب بخط كبير ، ترك لها هامش بعرض ٤ سم عليه تصويبات
وشروح وفي آخر النسخة سماعات سأوردها بكاملها في آخر الكتاب .
(١) تاريخ الأدب العربى بالألمانية ٠٤٩٦/١ الترجمة العربية ٥ : ١٧٤.
(٢) الحاوي للفتاوي: ٢: ٤٦٢، ٤٧٩، ٤٨٨، ٠٤٩٠
(٣) إرشاد الساري : ٦ /٠١٥٠
إنباه الرواة: ١١٧/٢، وفيات الأعيان ٢٨٦/٢ .
(٤)
(٥) انظر فهارس دار الكتب الظاهرية . فهرس النحو: ٤، ورقمها في
الظاهرية لغة ٥٤ - ١٥٩٢ عام .
- ١٩ -