Indexed OCR Text

Pages 181-200

ومنها أنها شفاء من جميع الأمراض، قال في ((عجائب المخلوقات))
ما نصه: ماء زمزم صالح لجميع الأمراض المتفاوتة. قالوا: لو جمع
جميع من داواه الأطباء، يكون شطراً ممن عافاه الله تعالى بشرب ماء
زمزم(١).
ومنها أن الطهور منها يحط الخطايا، وخصه ابن فرحون: بالوضوء
إذا كانت أعضاء الوضوء طاهرة(٢).
قال الحطاب: وقال ابن فرحون في ((منسكه)) لما ذكر في فضل ماء
زمزم، حديث النظر إليها عبادة، والطهور منها يحط الخطايا ما نصه:
تنبيه: الطهور منها يحط الخطايا يريد الوضوء خاصة، إذا كانت أعضاء
الوضوء طاهرة. انتهى منه.
وقد شربه جماعة لأمور فنالوها، ففي ((الجامع الكبير)) أخرج ابن
عساكر، عن ابن المعزي، قال: كنا عند ابن عيينة فجاء رجل فقال:
يا أبا محمد ألستم تزعمون أن النبي عَ ◌ّم قال: ((ماء زمزم لما شرب
له)) قال: بلى. قال: فإني قد شربته لتحدثني بمائتي حديث.
(١) وهذا من إلقاء الكلام على عواهنه مما لا يستند إلى عقل أو نقل. وإلا فمن
يستطيع حصر ذلك؟ سواء من عافاه الله بشرب ماء زمزم، أو بما خلق من أدوية،
وعالج فيها الأطباء المرضى ...
(٢) هذا منه اتباعاً لمن قال من مذهبه المالكي: بعدم التطهر بماء زمزم. وهو قول
رده الإِمام مالك - رحمه الله - وابن فرحون وغيرهما من مُحققي المذهب المالكي.
وابن فرحون هو: عبد الله بن محمد بن فرحون اليعمري: فقيه، من العلماء بالحديث.
أصله من تونس، ولد سنة ٦٩٣ ونشأ في المدينة، وتوفي سنة ٧٦٩. له بعض المؤلفات
في الحدیث.
١٧٣

قال: اقعد. فحدثه بها.
قال: وسمعت ابن عيينة يقول: قال عمر بن الخطاب:
اللهم إني أشربه لظماً يوم القيامة. انتهى.
وقال الشيخ سالم السنهوري نقلا عن الحافظ ابن حجر ما نصه:
واشتهر عن الشافعي أنه شربه للرمي، فكان يصيب من كل عشرة
تسعة.
وشربه أبو عبد الله الحاكم لحسن التصنيف، وغيره، فكان أحسن
أهل عصره تصنيفاً.
قال السبكي: ذكر أبو حازم أنه سمع الحاكم يقول: شربت ماء
زمزم، وسألت الله أن يرزقني حسن التصنيف.
وقال السبكي: قيل للحافظ ابن خزيمة يوماً: من أين أُوتيت
العلم؟ فقال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلم.
((ماء زمزم لما شرب له)) وإني لما شربت ماء زمزم، سألت الله
علماً نافعاً.
ولا يحصى كم شربه من الأئمة لأمور نالوها.
وذكر لنا العراقي: أنه شربه لشيء فحصل له، وأنا شربته مرة
وأنا في بداية طلب الحديث، وسألت الله أن يرزقني حالة الذهبي في
حفظ الحديث ثم حججت بعد عشرين سنة، وأنا أجد من نفسي
طلب المزيد على تلك المرتبة، فسألت مرتبة أعلى منها، فأرجو الله
أن أنال ذلك.
١٧٤

وذكر الحكيم في ((نوادر الأصول)) عن والده: أنه كان يطوف
بالليل فاشتدت عليه الإراقة (١) وخشي إن خرج من المسجد أن تتلوث
أقدامه بأذى الناس، وكان في الموسم، فتوجه إلى زمزم، وشرب منها
ورجع إلى الطواف، قال: فلم أحس بالبول حتى أصبحت. انتهى.
وهذا من الغرائب فإن ماء زمزم تدر الإراقة كما هو مشهور(٢).
ونحو هذا ما أخبرني بعض أصحابنا أنه أصابه إسهال، فشرب
ماء زمزم فذهب، مع أن ماء زمزم يطلق البطن غالباً.
وقد شربته لأمور فحصل بعضها والحمد لله ، ونرجو من الله
حصول باقيها.
وقد شربه بعضهم لعطش يوم القيامة. انتهى.
وشربه الحافظ الأسيوطي: على أن يكون في الفقه كالبلقيني، وفي
الحديث كابن حجر. نقل ذلك عنه أبو العلاء العراقي في ((فتح البصير))
فبلغ الغاية القصوى، حتى ادعى الاجتهاد(٣).
(١) الرغبة في التبول.
(٢) وفيها ما كان عليه من الوسوسة من خوفه من تلوث قدميه.
(٣) مما لا شك فيه أن الإمام السيوطي كان مجتهداً مطلقاً، لا دعوى. ولما خوصم
في ذلك من المقلدة، انتصر عليهم. والاجتهاد لا يجوز أن يخلو منه زمن. ولا يشترط
في المجتهد أن يكون (مطلقاً) وأن يكون عندهم بمنزلة الأئمة الذين قلدوهم - وقد
يجتهد أقوام - من غير أن يعلنوا أنهم من أهل الاجتهاد - وفي كتابنا هذا عشرات
الأمثلة على اجتهادات المقلدين، وربما بما يخالف مذاهبهم وأقوال أئمتهم.
١٧٥

وقال الشعراني في «العهود)) ما نصه: وقد سألت الله لما حججت سنة
سبع وأربعين وتسعمائة، وشربت من ماء زمزم في (١) حاجة لي ولإخواني
فقضی الله جميع ما کان منها من حوائج الدنيا، ونرجو من کرمه قضاء
الحوائج الأخروية، فإن قضاء حوائج الدنيا عنوان للآخرة. انتهى منه.
وقال الشعراني في ((الكبريت الأحمر)) بعد نقله كلام ابن العربي
المتقدم ما نصه: قلت: وقد شربته أنا مرة لدُبْلة(٢) طلعت في جانبي،
قدر البطيخة، فتقطعت وخرجت من دبري كالزفت الذائب الأسود،
فالحمد لله رب العالمين، فصح عندي ذوقاً (٣) حديث ((ماء زمزم لما
شرب له)) وإن ضعفه بعضهم. انتهى. منه بلفظه.
وقال ابن العربي المعافري كما في ((السوداني)): شربناه للعلم، فياليتنا
شربناه للعمل.
وفي القسطلاني ما نصه: قد شربه جماعة من السلف والخلف
لمآرب فنالوها، وأولى ما يشرب لتحقق التوحيد، والموت عليه، والعزة
بطاعة الله. انتهى.
وقال السكناوي في ((محاضرة الأوائل)) وكم أبرأ الله به من سقم
عجزت عنه الأطباء.
(١) كان هنا في الأصل (في سبع وخمسين) ولا معنى لها.
(٢) الدبلة: خراج في الجلد ويحتقن بالصديد ونحوه.
(٣) هذا ذوق الشعراني في تصحيح الأحاديث. وله في (طبقاته) ما هو أشد وأدهى،
وأغرب وأفظع. ونقل ذلك عنه من العجب.
١٧٦

وقال المناوي في ((الفتح)) نقلاً عن الإمام البخاري ما نصه: إنه
ما وضع في الصحيح حديثاً إلا اغتسل بماء زمزم، وصلى خلف المقام
ركعتين. انتهى منه بلفظه.
ونقل مثله الحفني في أول تعليقه على ((الجامع الصغير)» ونصه:
ألف الإمام البخاري صحيحه في مكة، وكان لا يضع فيه حديثاً الا
اغتسل من ماء زمزم، وتطيب، وصلى ركعتين. انتهى.
فائدة: في مسند علي من مسند الإمام أحمد من حديث طويل:
ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم فقال:(( يا بني عبد المطلب
سقايتكم، ولولا أن يغلبكم الناس عليها لنزعت بها))(١) وفي
(المسند)) من حديث علي: ثم أفاض رسول الله عَ لّ فدعا بسجل من
ماء زمزم، فشرب منه وتوضأ ثم قال: ((انزعوا يا بني عبد المطلب
فلولا أن تغلبوا لنزعت))(٢).
قال کاتبه سامحه الله تعالى: كل ما ورد في شرب ماء زمزم، وفي غيره
من الأعمال الصالحة من ترتب الثواب الجميل، وقضاء المآرب، على
ذلك وحصول النفع في الدنيا والآخرة، انما هو لمن خلصت نيته، وطابت
سريرته، وفعل ذلك معتقداً حصول ما وعد الله ورسوله به.
وفي الصحيحين وغيرهما عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((إنما
الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى))(٣).
(١) هو في ((مسند الإمام أحمد)). برقم ٥٦٢و ١٣٤٦.
(٢) وهو برقم ٥٦٤.
(٣) انظر ((صحيح الجامع الصغير وزيادته)) للشيخ الألباني، مقدمة زهير الشاويش=
١٧٧

ومن هذا ما أخرجه الطبراني، عن ابن عمر، عنه عليه الصلاة
والسلام أنه قال: ((إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فإذا
سألتم الله فاسألوه وأنتم واثقون بالإِجابة، فإن الله تعالى لا يستجيب
دعاء من دعا عن ظهر قلب غافل))(١).
وقال العزيزي على قوله عّ لّه، فيما أخرجه البيهقي والطبراني، عن
ابن عباس مرفوعاً.
((إذا نزل بكم كرب، أو جهد، أو بلاء، فقولوا: الله ربنا لا
شريك له)) ما نصه فإن ذلك يزيله بشرط قوة الإيمان، وتمكنه،
وهذا الحديث حسن(٢).
ومن هذا القبيل أيضاً، ما أخرجه ابن السني، وأبو نُعيم في
((الطب النبوي)) عن ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري رضي الله
عنه عن مولانا رسول الله عَ لّه أنه قال:
((غبار المدينة شفاء من الجذام))(٣). وفي حديث الزبير بن بكار في
= الصفحة (١٠) من الجزء الأول.
(١) هو في ((ضعيف الجامع الصغير)) برقم ٢٠٢٧.
(٢) قال عنه الشيخ ناصر الألباني: (ضعيف جداً). انظر ((ضعيف الجامع الصغير
وزیادته)) برقم ٧٠٨.
(٣) قال عنه الشيخ الألباني: (ضعيف جداً). انظر ((ضعيف الجامع الصغير)) طبع
المكتب الإسلامي بترتيب زهير الشاويش برقم ٣٩٠٤.
١٧٨

((أخبار المدينة)) وابن النجار عن إبراهيم بلاغاً ((غبار المدينة يطفىء
الجذام))(١).
٠
قال العزيزي: هذا لمن قوي يقينه وصدقت نيته.
قال المناوي: قال السمهودي، قد شاهدنا من استشفى به منه.
قال الحفني: وتخلفه (٢) لسوء طوية المستعمل.
وقد سمع بعض المخلصين، بعض المحدثين يقول مثل هذه
الأحاديث، وكان بيده بياض مُشوه، فذهب ووضع عليه من تراب
الحجرة فبرىء.
قال ابن القيم: ينبغي التفطن هنا لأمر، وهو أن الأذكار والآيات
والأدعية، التي يستشفى بها ويُرقى بها، هي في نفسها نافعة شافية ولكن
تستدعي قبول المحل، وقوة همة الفاعل، وتأثيره، فمتى تخلف الشفاء
كان لضعف تأثير الفاعل، أو لعدم قبول المنفعل، أو لمانع قوي فيه يمنع
أن ينجع فيه الدواء، كما يكون ذلك في الأدوية والأدواء الحسية، فإن
عدم تأثيرها قد يكون لعدم قبول الطبيعة لذلك الدواء. وقد يكون لمانع
قوي يمنع من اقتضائه أثره، فإن الطبيعة إذا أخذت الدواء بقبول تام
كان انتفاع البدن به بحسب ذلك القبول، وكذلك القلب إذا أخذ الرقى
والتعاويذ بقبول تام، وكان للراقي نفس فعالة، وهمة مؤثرة، في إزالة
(١) قال عنه الشيخ ناصر الألباني: (ضعيف جداً). انظر ((ضعيف الجامع الصغير
وزيادته)) برقم ٣٩٠٦.
(٢) أي تأخر الشفاء.
١٧٩

الداء. وكذلك الدعاء فإنه من أقوى الأسباب في دفع المكروه، وحصول
المطلوب، ولكن قد يتخلف عنه أثره إما لضعفه في نفسه - بأن يكون
دعاء لا يحبه الله، لما فيه من العدوان - وإما لضعف القلب وعدم إقباله
على الله وجمعيته عليه وقت الدعاء، فيكون بمنزلة القوس الرخو جداً،
فإن السهم يخرج منه خروجاً ضعيفاً، وأما لحصول المانع من الإجابة
من أكل الحرام والظلم، ورَيْنِ الذنوب على القلب، واستيلاء الغفلة،
والشهوة واللهو وغلبتها عليها.
كما في ((صحيح))(١) الحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي عد اله
((ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من
قلب غافل لاه(٢) فهذا دواء نافع مزيل للداء ولكن غفلة القلب عن
الله تبطل قوته. وكذلك أكل الحرام يبطل قوته ويضعفها.
كما في ((صحيح)) مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:
((أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. وإنَّ الله أمر المؤمنين
بما أمر به المرسلين. فقال: ﴿يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا
صالحاً إني بما تعملون عليم﴾ (٣) وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا
(١) هو مستدرك الحاكم وتسميته بـ ((الصحيح)) لأنه ألفه أصلاً ليستدرك على
الصحيحين -البخاري ومسلم - ما لم يخرجاه.
(٢) هو في ((صحيح الجامع الصغير)) ٢٤٥ و((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) للألباني
طبع المكتب الإسلامي ٥٩٤.
(٣) سورة المؤمنون (٢٣)، الآية ٥١.
١٨٠

من طيبات ما رزقناكم﴾(١) ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر،
يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام،
وملبسه حرام، وغذي بالحرام. فإنى يستجاب لذلك))(٢).
وذكر عبد الله بن أحمد في ((كتاب الزهد)) لأبيه: أصاب بني
إسرائيل بلاء فخرجوا مخرجاً، فأوحى الله عز وجل إلى نبيهم أن
أخبرهم: أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسة، وترفعون إلىّ
أكفّاً قد سفكتم بها الدماء، وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن
حين اشتد غضبي عليكم ولن تزدادوا مني إلا بعداً.
وقال أبو ذر: يكفي من الدعاء مع البر، ما يكفي الطعام من الملح.
انتهى من ابن القيم (٣).
ومرادنا قياس التشفي بشرب ماء زمزم بنية، بالتعوذ بالآيات
والأذكار في توقف الشفاء، وحصول المطلوب على ما ذكر.
قال كاتبه: ويتنزل منزلة تراب المدينة، تراب مقابر الصالحين (٤)
(١) سورة البقرة (٢)، الآية ١٧٢.
(٢) هو في ((صحيح مسلم)) كتاب الزكاة، رقم ١٠١٥. وانظر ((مختصر صحيح
مسلم)) - للمنذري - طبع المكتب الإسلامي ٥٤٠، و((صحيح الجامع الصغير))
٢٧٤٤.
(٣) لم يذكر المؤلف في أي كتب شيخ الإسلام ابن القيم هذا الكلام، وكان مظنة
وجوده في كتابه ((الطب النبوي))، غير أننا بفضل الله وجدناه في كتاب ((الجواب الكافي
لمن سأل عن الدواء الشافي)) طبع المكتب الإسلامي، الصفحة ١٢. وقد أصلحنا بعض
ألفاظه مما كان مغلوطاً في الأصل.
(٤) لم يثبت لتراب المدينة هذا، فضلاً عما قاسه عليه.
١٨١

عند فقده، مع إخلاص النية، والقطع بعدم تخلفه، لأنهم جداول من
بحره عليه الصلاة والسلام.
وهذا على القول بالجواز، وهو الذي أفتى به الإمام أحمد بن
تبوك ونصه: هو جائز ما زال الناس يتبركون بقبور العلماء والشهداء
والصالحين، وكان الناس يحملون تراب سيدي حمزة بن عبد المطلب
في القديم من الزمان، فإذا ثبت أن تراب قبر سيدنا حمزة يحمل من
قديم الزمان، فكيف يتمالأ أهل العلم بالمدينة على السكوت عن هذه
البدعة المحرمة، هذا من الأمر البعيد(١).
وفي (الرحلة العياشية)) ما نصه: قال الزركشي: ينبغي أن يستثنى
من منع نقل تراب الحرم تربة حمزة رضي الله عنه، أي المأخوذة من
المسيل الذي به مصرعه، لإطباق الخلف والسلف على نقلها للتداوي
من الصداع .
قال السيد: وتربة صهيب أولى بذلك. انتهى منه.
قلت: ومن هذا القبيل ما جرى عليه عمل العوام من نقل تراب
ضريح الشيخ أبي يعزى، وضريح الشيخ أبي غالب النيسابوري للتشفي
به من الأمراض والقروح المعضلة. انتهى منه بلفظه.
قلت: لكنه مخالف لما جزم به الشيخ زروق في شرح الرسالة
ونصه: من البدع اتخاذ المساجد على مقبرة الصالحين، ووقد القنديل
(١) بل هو من الأمر الحاصل. فإن سكوت الناس عن البدع والضلال كثير جداً،
ومتوارث خلفاً عن سلف. (وليس السلف)
١٨٢

عليها دائماً، أو في زمان بعينه، والتمسح بالقبر عند الزيارة، وهو من
فعل النصارى، وحمل تراب القبر تبركًا به، وكل ذلك ممنوع بل يحرم.
انتهى منه بلفظه. انتهى (١) من كتاب الرهوني في ((الجنائز)).
لاحقة
قال بعض الجهلة: خبر الباذنجان أصح من ((ماء زمزم لما شرب
له)) وهذه قولة شنيعة، ومصيبة عظيمة، وتصدى للرد عليه أئمة أعلام
فممن تصدى للرد عليه العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه ((تطهير
الجنان)) (٢) عقب ما تقدم عنه ونصه.
تنبيه لهج بعض العوام بحديث (الباذنجان لما أكل له))(٣). حتى قال
بعض مجازفيهم: إنه أصح من حديث ((ماء زمزم لما شرب له)).
(١) وهذه الفتوى من الشيخ أحمد زروق - رحمه الله - موافقة للشرع وصادرة
عن رجل مشهور عند المتصوفة. هو: أحمد بن أحمد بن محمد زروق الفاسي. فقيه
مالكي صوفي، له مشاركة في علوم الحديث، وكان ينكر بعض بدع المتصوفة وألّف
في ذلك رسائل منها «الجنة للمعتصم من البدع بالسنة)) و(«البدع التي يفعلها فقراء
الصوفية.)) وله في الفقه شروح منها: ((شرح مختصر خليل)) و((شرح رسالة أبي زيد
القيرواني)). ولد سنة ٨٤٦ - وكانت وفاته ٨٩٩.
(٢) هو كتاب ((تطهير الجنان واللسان عن الخوض والتفوه بثلب سيدنا معاوية ابن
أبي سفيان)) الصفحة ٣٢. وهو كتاب قيم في بابه. وطبع اسمه مغلوطاً. وقد صححنا
الكثير من عبارات كتابنا هذا منه وقد أعددته للطبع.
(٣) هو في الطب النبوي)) لابن القيم صفحة ٢٢٤. و((تمييز الطيب من الخبيث))
صفحة ٤٩، و((الدرر المنتثرة)) رقم ١٤٧، و ((مختصر المقاصد الحسنة)) رقم ٢٥٩،
و ((الأسرار المرفوعة)) الصفحة ١٥٩.
١٨٣

وقد كذب في ذلك وضل. كيف وهذا - أعني حديث الباذنجان
- باطل كذب لا أصل له، ومن أسنده فقد كذب. وكذا من روى
((الباذنجان شفاء ولا داء فيه))(١).
وقد قال بعض الحفاظ: إنه من وضع الزنادقة. ومن الباطل الكذب
أيضاً: ((كلوا الباذنجان وأكثروا منه، فإنها أول شجرة آمنت بالله
تعالى)) وفي لفظ: ((كلوا الباذنجان فإنها شجرة رأيتها في جنة المأوى،
فمن أكلها على أنها داء كانت دواء ومن أكلها على أنها دواء، كانت
دواء)»(٢).
وأخرج البيهقي عن حرملة قال: سمعت الشافعي ينهى عن أكل
الباذنجان بالليل، وهذا الأخير غير قيد، بل هو منهي عن أكله طباً
في سائر الزمن.
ومن الأصل العجب أن محقق الأطباء وفقيههم العلامة العلي بن
النفيس (٣) في كتابه ((الموجز)) الذي هو العمدة في هذا الفن عند العرب
والعجم، وأهل الكتابين، ذكر على حروف المعجم كثيراً من
المطعومات وما لها من المنافع والمضار، إلا الباذنجان فإنه عد مضاره،
ولم يعد له منفعة أصلاً.
(١) هو في ((الأسرار المرفوعة)) صفحة ١٥٩ بلفظ: ((الباذنجان شفاء من كل داء)).
(٢) تقدم بعض هذا الموضوع في ثنايا الكتاب.
(٣) هو علي بن أبي الحزم، القرشي. ولد في دمشق، وكانت وفاته بمصر سنة ٦٨٧.
من أشهر أهل الطب في عصره، وله المؤلفات الكثيرة.
١٨٤

وقد فاوضت بعض الأطباء في ذلك فقال: احفظ له منفعة سهلة،
وهو أنه يمسك الطبيعة المسترسلة. انتهى المقصود منه بلفظه.
وفي (الدرر))(١) ما نصه: ((الباذنجان لما أكل له))، باطل لاأصل له، ومن
قال من العوام: إنه أصح من حديث ((ماء زمزم لما شرب له)) فقد أخطأ
خطأ قبيحاً، ولم أقف له على إسناد إلا في ((تاريخ بلخ)) وهو موضوع.
ومثل به السيوطي أيضاً في ((تدريب الراوي)) لما اشتهر بين العامة،
وهو لا أصل له ونصه: ((من عرف نفسه فقد تعرف ربه(٢))، «كنت
كنزاً لا أعرف(٣))، ((الباذنجان لما أكل له)).
كلها باطلة لا أصل لها. انتهى منه بلفظه.
وتقدم قول ابن غازي ما نصه: ومن الغرائب ما حدثنا به شيخنا
القوري، قال: حدثنا أبو عبد الله ابن عزوز المكناسي: أنه سمع الإمام
الأوحد الرباني أبا عبد الله البلالي بالديار المصرية: يرجح حديث
(الباذنجان لما أكل له)) على حديث ((ماء زمزم لما شرب له))، قال:
وهذا خلاف المعروف. انتهى.
قال الحطاب: ولا شك أنه أغرب الغرائب، بل هو من الأمور
التي لا يجوز نقلها، إلا مع التنبيه على بطلانها.
(١) هو في ((الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة)) الصفحة ٨٤ رقم ١٤٧.
(٢) هو في ((مختصر المقاصد الحسنة)) ١٠٥٢، ((الأسرار المرفوعة)) ٥٠٦ ((الدرر
المنتثرة)) ٣٩٢.
(٣) هو في ((الأسرار المرفوعة)) ٣٥٣، ((مختصر المقاصد الحسنة) ٧٧٧.
١٨٥

وقال السخاوي: إنه باطل لا أصل له، وقال الحافظ ابن حجر:
لم أقف عليه، وقال بعض الحفاظ: إنه من وضع الزنادقة. وقال
الزركشي: كل ما روي فيه باطل. انتهى.
وقال المناوي على ((التوضيح)) ما نصه: ومن الموضوع حديث ((فضل
القرآن سورة سورة))، وضعه ميسرة بن عبد الله ، وأخطأ من ذكره
من المفسرين كالثعلبي، والزمخشري، والبيضاوي، ومنه أحاديث
الأرز، والعدس، والباذنجان الخ.
ومثله لغير واحد من الأئمة، فلا حاجة إلى الإطالة.
قال كاتبه سامحه الله : وكثيراً ما يضرب ابن عباد في الرسائل
المثل في فساد المعنى. بقوله: وهذا من أكل الباذنجان، وما ذاك إلا
أن أكله يورث ضعف الفهم.
وقال ابن الأزرق ما لفظه: وقال بعض الحكماء: وما أكل الإِنسان
أضر من الباذنجان والجراد. انتهى منه.
وقال العلامة ابن زكري على ((النصيحة)) عند ذكرها ما يورث
النسيان ما نصه: وقال ابن عرضون: قال الرازي: مما يفسد العقل،
ويذهب الحفظ ويزيله، أكل البصل، والفول، والزيتون، والباذنجان،
والخيار، وكثرة الجماع، والوحدة، والفكرة، ودوام النظر إلى المرأة،
والسكر الدائم، والاستغراق في الضحك. انتهى منه.
فقد عدَّ أكل الباذنجان من الأمور المذهبة للعقل والحفظ.
وذكر ابن الأزرق أيضاً في علاج ضعف البصر ما نصه: وينبغي أن
١٨٦

يجتنب المطاعم الغليظة كالفطير، والحبوب النيئة، والمقلوة، والمطبوخة
كالهريسة واللبنية. والمطاعم الغليظة السوداوية كلحم البقر، والدُّخْن،
والعدس، والباذنجان. انتهى المقصود منه بلفظه.
فأخذ منه أن الباذنجان مضر بالبصر أيضاً.
وقال في موضع آخر: إدمان أكلِهِ يولد السوداء، ويسود الوجه
والبشرة، ويصفر اللون، ويورث الكلف.
وقال في موضع آخر: الباذنجان حار يابس. وقيل: رطب، ينفع من
ضعف المعدة، وخلطه رديء يستحيل أي ينقلب إلى السواد، ويفسد
اللون، ويكلف الوجه، ويورث البهق والسدد والبواسير، وداء السرطان.
ودفع ضرره بالدسم واللحم السمين، والسمن والخل، وينفع لمن أراد
طبخه أن يسلقه وينقعه في الماء والملح.
والسرطان: هو داء صلب له أصل في الجسد كبير يسقيه.
والبهق: معروف هو بیاض یغیر الجلد يخالف لونه، وليس هو من
لونه. وأما الكلف فقال الصنوبري في ((كتاب الرحمة)): هو تغيير
الوجه بحبوب مشتبكة فيه، كأنها كسف عصارة السمسم. إذا خرج
عنه السليط، وقد يكون يابساً، وقد يكون مقرحاً. انتهى المقصود
منه بلفظه.
(قوله: كأنها كسف): أي قطع. (قوله: عصارة): هو ما بقي من
١٨٧

التفل بعد العصر. (قوله: السليط): هو الزيت عند عامة العرب، وعند
أهل اليمن دهن السمسم(١). انتهى.
فتلخص أن خبر الباذنجان، موضوع كذب لا أصل له، وأن
حديث ((ماء زمزم لما شرب له)) صحيح متناً وسنداً وتجربة
وكشفاً(٢).
(١) وهذا الدهن يسمى: الشيرج، بالشين المعجمة، وبالسين المهملة. وهذا كثير في
المفردات الأعجمية المعربة.
(٢) أما المتن والسند فقد قال به العلماء. وأما التجربة فأمر خاص بصاحبه. وأما
الكشف فمردود على من قاله، ولا نقول على الله إلا حقاً.
١٨٨

[دعاء ]
ونضرع إليك يا مولانا أن تجعله من الأعمال التي لا تنقطع
بالموت(١). وأن تنفع به نفع الغيث. وتجعله بفضلك العميم. خالصاً
لوجهك الكريم، ومن الأعمال التي تنفع عند حلول الرمس! وأن
تنشره نشر الشمس. بجاه نبيك سيدنا ومولانا محمد (٢) أفضل من
أطاع وعبد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأخيار، القادات
الأبرار، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وعمل لا يرفع، ودعاء
لا يسمع. اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا
يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع. أعوذ بك من هؤلاء
الأربع. اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك. وتحول عافيتك، وفجأة
نقمتك، وجميع سخطك.
اللهم اغفر لي ذنبي، ووسع لي في داري، وبارك لي في رزقي.
اللهم متعني بسمعي وبصري، واجعلهما الوارث مني، وانصرني
على من ظلمني وخذ منه بثأري.
(١) يشير إلى الحديث: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث؛ صدقة جارية،
أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)). انظر ((صحيح الجامع الصغير)) رقم ٧٩٣.
(٢) إن سؤال الله سبحانه بجاه أحد من خلقه مما لا مستند شرعي له. وإن تتابع
عليها الذين زعموا محبة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وغفلوا عن أن المحبة له تكون
باتباع ما جاء به. وبحماية حقوق الله جل شأنه.
١٨٩

اللهم، ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك. اللهم ما رزقتني
مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب.
اللهم، وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغا لي فيما تحب بها
غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي،
وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من كل سوء.
اللهم، اعطني إيماناً ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف
كرامتك في الدنيا والآخرة.
اللهم، إني أسألك الفوز في القضاء، ونُزل الشهداء، وعيش
السعداء، والنصر على الأعداء.
اللهم، إني أنزل بكَ حاجتي، فإن قصر رأيي وضعف عملي افتقرت
إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور، ويا شافي الصدور، كما تجير بين
البحور، أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور، ومن فتنةالقبور.
اللهم، ما قصر عنه رأيي، ولم تبلغه نيتي، ولم تبلغه مسألتي من
خير وعدته أحداً من خلقك، أو خير أنت معطيه أحداً من عبادك،
فإني أرغب إليك فيه وأسألك برحمتك يا رب العالمين.
اللهم، ياذا الحبل الشديد، والأمر الرشيد، أسألك الأمن يوم
الوعيد، والجنة يوم الخلود مع المقربين الشهود، الركع السجود،
الموفين بالعهود، إنك رحيم ودود وإنك تفعل ما تريد.
اللهم، اجعلنا هادين مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، سلماً
لأوليائك، وعدواً لأعدائك نحب بحبك من أحبك، ونعادي
بعداوتك من خالفك.
١٩٠

اللهم، هذا الدعاء، وعليك الإجابة، وهذا الجهد وعليك التكلان.
اللهم، اجعل لي نوراً في قلبي، ونوراً في قبري، ونوراً بين يدي،
ونوراً من خلفي، ونوراً عن يميني، ونوراً عن شمالي، ونوراً من
فوقي، ونوراً من تحتي، ونوراً في سمعي، ونوراً في بصري، ونوراً
في شعري، ونوراً في بَشَري، ونوراً في لحمي، ونوراً في دمي،
ونوراً في عظامي.
اللهم، أعظم لي نوراً، وأعطني نوراً، واجعل لي نوراً، سبحان الذي
تعطف بالعز، وقال به: سبحان الذي لبس المجد وتكرم به، سبحان الذي
لا ينبغي التسبيح إلا له، سبحان ذي الفضل والنعم، سبحان ذي المجد
والكرم، سبحان ذي الجلال والإكرام، والحمد لله رب العالمين.
قال كاتبه: وقع الفراغ من تسويده سنة ١٣٠٩ وبقي زمناً طويلاً
في مسودته منسياً، ووقع الفراغ من كتابته في شهر ربيع الثاني عام
١٣٢٥ (١).
(١) هذه الأدعية أكثرها من صحيح الأحاديث، وليس فيها ما يخالف التوجه
السليم سوى سؤال الله بخلقه في واحد منها.
١٩١

تقاريظ
وفي الأصل المطبوع من التقاريظ للكتاب. ولم أجد فيها ما ينفع
القارئ .. وإنما هي من باب الثناء المتبادل والمديح الممجوج الذي لا
يجوز اللجوء إليه إلا لضرورة شرعية واضحة. انظر كتاب ((البرهان))
للمشايخ الألباني، والصابونجي، والقلقيلي. طبع المكتب الإسلامي.
ولذلك سأكتفي بذكر أسماء أصحاب التقاريظ، حفاظاً للتاريخ،
وقد أنقل كلمات منها وهم حسب ترتيب ورودهم في المطبوع.
١ - أحمد بن الشمس.
٢ - عبد العزيز بن محمد بن أحمد البناني.
٣ - الجيلاني بن أحمد بن إبراهيم الرباطي.
وفي ترجمته إشارة لطيفة إلى كثرة التكرار في الكتاب. فقد قال:
((فلقد أفاد فيه وأجاد، وأبدى وأعاد.
هكذا هكذا تكون المعالي طرق المجد غير طرق المزاح))
٤ - عبد السلام بن محمد السكوري الحسني العلوي.
٥ - محمد البكاري بقصيدة منها:
لاسيما ماء زمزم الذي صدعت به أحاديث خير الخلق والرسل
حديث صدق بكل الخير متسق بالحسن منبثق عنه فلا تحل
١٩٢