Indexed OCR Text

Pages 161-180

الاستنجاء بالأحجار، وبالغ في انكاره بهذه الصيغة ليمنعه من الغلو.
وحمله ابن قانع على انه في حق النساء، وأما الرجال فيجمعون بينه
وبین الأحجار. حکاه الباجي عنه.
قال القاضي: والعلة عند سعيد في كونه وضوء النساء، معناه: أن
الاستنجاء في حقهن بالحجارة متعذر.
وقال الخطابي: وزعم بعض المتأخرين، أن الماء مطعوم، فلهذا كره
الاستنجاءبه، سعيد وموافقوه. وهذاقول باطل منابذ الأحاديث الصحيحة.
وشذ ابن حبيب فقال: لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود
الماء، وحكاه القاضي أبو الطيب عن الزيدية(١) والشيعة(٢) وغيرهما،
والسنة قاضية عليهم، فاستعمل الشارع الأحجار وأبو هريرة معه،
ومعه إداوة من ماء.
(١) الزيدية: هم من الشيعة في كل معتقداتهم بالجملة. ولكن أبرز خلافاتهم القول:
بجواز إمامة المفضول (أبي بكر - وعمر - وعثمان رضي الله عنهم) مع وجود
الفاضل (علي رضي الله عنه) مع إيمانهم بأنه صاحب الحق بالخلافة. واختلفوا فيما
بعد عند إمامة زيد بن علي - زين العابدين - ابن الحسين - رضي الله عنه.
والزيدية بالفقه أكثر اعتماداً على الحديث المروى بالسند من الجعفرية.
(٢) قوله: والشيعة: المقصود هنا الفقه المنسوب إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق،
ومثل هذا الخلاف الفقهي بينهم وبين السنة لا يشكل حاجزاً، وإنما الخلاف العقائدي
- ومنه العصمة واستمرار التشريع - والموقف من الصحابة هو الذي يباعد بين المسلمين.
وحتى موضوع خلافة أبي بكر، أو علي، أو مقتل عثمان، وحتى مقتل الحسين، كان
انتهى بعد وفاتهم، رضي الله عنهم.
١٥٣

ومذهب جمهور السلف والخلف، والذي أجمع عليه أهل
الفتوى، من أهل الأمصار: أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر،
ويقدم الحجر أولاً، ثم يستعمل الماء، فتخف النجاسة، وتقل مباشرته
بيده، ويكون أبلغ في النظافة.
فإن أراد الاقتصار على أحدهما، فالماء أفضل لكونه يزيل عين
النجاسة وأثرها، والحجر يزيل العين دون الأثر، لكنه معفو عنه في
حق نفسه، وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات المعفو عنها.
واحتج الطحاوي رحمه الله على الاستنجاء بالماء بقوله تعالى: ﴿فيه
رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾(١).
قال الشعبي - رحمه الله - لما نزلت هذه الآية، قال النبي عد له:
(يا أهل قُباء ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم)) قالوا: ما منا أحد
إلا وهو يستنجي بالماء. انتهى منه بلفظه ..
وروى ابن خزيمة(٢) والبزار عن عويم بن ساعدة: أنه عَ لّه أتاهم
في مسجد قباء فقال:
((إن الله قد أثنى عليكم في الطهور، في قصة مسجدكم، فما هذا
الطهور الذي تطهرون به)) قالوا:
(١) سورة التوبة (٩)، الآية ١٠٨.
(٢) انظر ((صحيح ابن خزيمة)) ٤٥/١، رقم ٨٣، بتحقيق الدكتور محمد مصطفى
الأعظمي، ومراجعة الشيخ الألباني، طبع المكتب الإسلامي. و((مسند الإمام أحمد))
برقم ١٥٤٦٣، و((إرواء الغليل)) رقم ٤٥.
١٥٤

والله يا رسول الله ما نعلم شيئاً؛ إلا أنه كان لنا جيران من اليهود،
فكانوا يغسلون أدبارهم من الغائط، فغسلنا كما غسلوا.
وفي حديث البزار فقالوا: نتبع الحجارة بالماء، فقال:
((هو ذاك فعليكموه)).
وإن أردت استزادة فعليك ((بالعمدة)) فاتخذها عدة، واستعن بها
مع ((الفتح)) عند الشدة.
(قوله وشذ ابن حبيب فقال: لا يجوز - أي - الاستنجاء
بالأحجار مع وجود الماء)، مقتضاه أنه يتعين الماء عند القدرة عليه.
ونقله التتائي عنه كما تقدم.
وتقدم نقل الحافظ، وكذلك العيني عنه: أنه منع الاستنجاء بالماء،
لأنه مطعوم، وهما معاً خلاف الصواب كما تقدم.
وأما غسل الميت بماء زمزم، فقيل: يكره. وقيل: يجوز، ومبنى
الخلاف: هل الميت نجس أم لا؟ فقيل: إنه نجس. ونقل الشيخ سالم
عن بعضهم: انه المشهور.
وقيل: إنه طاهر، وهو الأظهر عند ابن رشد، وكذا اللخمي،
والمازري، وعياض، وهو المعتمد، انظر الزرقاني عند قول الشيخ خليل:
والنجس ما استثني، وميت غير ما ذكر، ولو قملة وآدميا، والأظهر
طهارته.
وقال العلامة الرهوني ما نصه: قال في ((التنبيهات)) بعد أن ذكر
أن القول بطهارته أخذ من («المدونة» من كتابي الجنائز والاعتكاف.
١٥٥

والقول بنجاسته من كتاب الرضاع ما نصه: والقولان معلومان في
المذهب. وبنجاسته قال ابن شعبان، وهو مذهب ابن القاسم، وابن
عبد الحكم وغيرهم. والذي ذهب إليه سحنون ونصره ابن القصار
وغيره من البغداديين: طهارته. وهو الصحيح الذي يعضده الأثر
لحرمته. انتهى محل الحاجة منه بلفظه.
وقال الشيخ سالم السنهوري على قول الشيخ خليل رضي الله عنه،
في وجوب غسل الميت بمطهر، ولو بزمزم. ما نصه: على ظاهر المذهب،
قال بعض: مع الكراهة لنجاسة الميت على المشهور [وقال ](١) ابن
بشير: إن حكمنا بنجاسته كرهنا غسله به، لكراهة استعماله في
النجاسات. وعلى طهارته يجوز [على قول] ابن هارون، إلا أن
يكون في جسده نجاسة. وقال ابن شعبان: لا يغسل بماء زمزم ميت،
ولا نجاسته. فان حمل على الكراهة كان وفاقا، وعلى المنع فلا وجه له
عند مالك وأصحابه، قاله ابن أبي زيد.
وأغرب منه فتوى ابن عبد السلام: لا يكفن بثوب غسل بماء
زمزم، لذهاب أجزاء الماء حساً ومعنى. قاله ابن عرفة، قال بعض:
وفيه نظر لبقاء صفة الماء من حلاوة وملوحة. انتهى منه بلفظه.
ونقل في نوازل الطهارة من ((المعيار)) عن البرزلي عن شيخه ابن
عرفة، عن بعض شيوخه، أنه سُئل عمن أراد أن يكفن في ثوب
غسل بماء زمزم قبل غسله؟ فأفتی بأنه لا یکفن به حتى يغسله بغيره.
(١) ما بين المعكوفين زيادة مني، يقتضيها السياق.
١٥٦

و کان شيخنا يستشكله بوجهين:
الأول منهما: أن هذا لا يجري إلا على مذهب ابن شعبان، بمنع
غسل النجاسة به.
والثاني: أن أجزاء الماء قد ذهبت حساً ومعنى، ولم يبق لها ذات
ولا صفة. وكان يتقدم لنا فيها نظر لأن صفة الماء من ملوحة وحلاوة
وغير ذلك يوجد في ذلك الثوب. فهي دليل على أن بعض أجزائه
باقية ببقاء تلك الصفة، والله أعلم. انتهى.
والقائل: وكان شيخنا يستشكله، والقائل أيضاً: وكان يتقدم لنا
فيه نظر هو: البرزلي.
ومنها ما نقله في ((الكبريت الأحمر)) عن ابن العربي(١) ونصه: قال:
إنما أمرنا بالتضلع من ماء زمزم، لأن فيه سراً خفياً، وهو أنه يذلل
النفس بعد تكبرها، ويحققها بمقام العبودية المحضة كما جُرب(٢).
انتهى منه، ويأتي مطولا.
ومنها أنه غسل به قلبه الشريف، كما في حديث البخاري وتقدم
الكلام عليه مستوفى في الفائدة السادسة(٣).
(١) كذا الأصل. وهو ابن عربي. وكتاب ((الكبريت الأحمر)) هو للشعراني اختصره
من ((الفتوحات المكية)) بعد كتابه ((لواقح الأنوار القدسية)).
وللشيخ مصطفى محمد ماء العينين المغربي المتوفى سنة ١٣٢٨ كتاب آخر اسمه:
((الكبريت الأحمر)).
(٢) ليس للتجارب هنا محل، بل الدليل ولا سواه.
(٣) في الصفحة ٥٤.
١٥٧

ومنها أنه يندب لمن بمكة أن يفطر عليه في رمضان، ويكثر المقيم
بها الوضوء به، وشربه مطلقاً.
قال الشيخ سالم السنهوري: قال الدميري في ((شرح المنهاج)): لا
بد من ثلاث تمرات - يعني في فطر رمضان - صرح به القاضي
أبو الطيب، ومن بمكة استحب فطره على ماء زمزم لبركته، فإن
جمع بينه وبين التمر فحسن. انتهى محل الحاجة منه.
ومنها أنه يندب للمقيم بمكة أن يكثر من شربه، ومن الوضوء به.
قال الشيخ خليل في مناسكه ما نصه: قال ابن حبيب: ويستحب
أن يكثر من شرب ماء زمزم والوضوء به ما أقام.
قال ابن عباس(١) رضي الله عنهما: وليقل إذا شربه:
(١) قال الشيخ ناصر الألباني في ((حجة النبي صلى الله عليه وسلم)) الصفحة ١١٨،
طبع المكتب الإسلامي. إن من بدع الطواف:
(٥٧ - إفراغ الحاج سؤره من ماء زمزم في البئر وقوله: اللهم إني أسألك رزقاً
واسعاً، وعلماً نافعاً، وشفاء من كل داء ...
٥٨ - اغتسال البعض من زمزم
قال ابن تيمية في ((منسکه)) (ص ٣٨٨):
((ويستحب أن يشرب من ماء زمزم ويتضلع منه، ويدعو عند شربه بما شاء من الأدعية
الشرعية، ولا يستحب الاغتسال منها))
٥٩ - ((اهتمامهم بزمزمة لحاهم، وزمزمة ما معهم من النقود والثياب لتحل بها
البركة!))
((السنن والمبتدعات)) (١١٣)
٦٠ - ما ذكر في بعض كتب الفقه أنه يتنفس في شرب ماء زمزم مرات، ويرفع بصره
في كل مرة وينظر إلى البيت !=
١٥٨

((اللهم إني أسألك علماً نافعاً، وشفاءً من كل داء)).
قال وهب بن منبه: هي شراب الأبرار، وطعام طعم، وشفاء من
كل سقم.
قال ابن عباس: هو لما شرب له، وقد جعله الله الإسماعيل ولأمه
هاجر طعاماً وشراباً. انتهى كلامه في ((النوادر)) منه بلفظه.
وقال في المختصر، عطفاً على مندوبات الحج: وكثرة شرب ماء
زمزم.
قال الشيخ سالم السنهوري في شرحه مع المتن: ومن المندوب المطلق
لكل من بمكة كثرة شرب ماء زمزم، ما أقام بها، والوضوء به،
والاغتسال منه نص عليه غير واحد، ويكثر من الدعاء عند شربه.
انتھی.
قال الزرقاني: وتعليقه الندب بكثرته، ربما يفهم منه أن أصله
قليلا غیر مندوب. انتهى.
وجزم الشافعية بأن أصل الشرب مندوب، والإكثار منه مندوب.
وقال العلقمي: قال أصحابنا - يعني الشافعية -: يستحب أن
يشرب من ماء زمزم وأن يكثر منه، ويستحب الدخول إلى البثر
والنظر فيها، وأن ينزع منها بالدلو الذي عليها ويشرب، ويستحب
=وهذه البدعة أصبحت اليوم غير ممكنة والحمد لله، ذلك أن القبة التى كانت على
زمزم قد هدمت وسويت بالأرض للتوسيع على المصلين، ونزل بغرفة البئر إلى ما تحت
أرض المسجد، بحيث لا يمكن رؤية البيت منها).
١٥٩

أن ينضح منه على رأسه ووجهه وصدره، وأن يزود من مائها
ويستصحب منه ما أمكنه(١).
(١) تكرر في الأصل بعض كلام العلقمي ولعله من الخطأ المطبعي، أو خطأ
المؤلفين وهي كثيرة أيضاً - والكتاب طبع بحياة مؤلفه.
ومن أجل حمل ماء زمزم والتزود من مائه واستصحابه. قال الشيخ ناصر الألباني
((الصحيحة)) رقم ٨٨٣ في الجزء الثاني في الصفحة ٥٧٢ طبع المكتب الإسلامي. ما
يلي:
حمل ماء زمزم والتبرك به.
٨٨٣ - (كان يحمل ماء زمزم [في الأداوي والقرب، وكان يصب على المرضى
ويسقيهم ]
أخرجه الترمذي (١٨٠/١) وكذا البخاري في (التاريخ الكبير)) (١/٢ - ١٧٣)
والبيهقي (٢٠٢/٥) من طريق خلاد بن يزيد الحنفي عن زهير ابن معاوية عن هشام
ابن عروة عن أبيه عن عائشة.
((أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله علّ له كان ... )) الحديث.
والزيادة للبخاري وقال:
((لا يتابع عليه)).
يعني الحنفي هذا، وهو ثقة كما قال ابن حبان، فإنه روى عنه جماعة وقال: ((ربما
أخطأ)) وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق ربما وهم)).
ولذلك قال الترمذي عقبه:
((حديث حسن، لا نعرفه إلا من هذا الوجه))
وله شاهد من طريق أبي الزبير قال:
((كنا عند جابر بن عبد الله، فتحدثنا، فحضرت صلاة العصر فقام، فصلى بنا في ثوب
واحد قد تلبب به، ورداؤه موضوع، ثم أتي بماء زمزم، فشرب، ثم شرب، فقالوا:
ما هذا؟ قال: هذا ماء زمزم، قال فيه رسول الله عَ لّم: ((ماء زمزم لما شرب له)) قال:
ثم أرسل النبي عٍَّ وهو بالمدينة، قبل أن تفتح مكة، إلى سهيل بن عمرو: أن=
١٦٠

ومنها أنها من مظان الإجابة، فهي من المواطن الخمسة عشر التي
يطلب الدعاء عندها (١) قال الشيخ خليل في ((مناسكه)): قال الحسن
البصري: الدعاء يستحب هنالك في خمسة عشر موضعاً، في الطواف.
وعند الملتزم، وتحت الميزاب، وفي البيت، وعند زمزم، وعند الصفا،
وعند المروة، وفي السعي، وخلف المقام، وفي عرفات، وفي المزدلفة،
وفي منى، وعند الجمرات الثلاث. انتهى منه بلفظه فهي خمسة عشر
باعتبار الجمرة الأولى والثانية والثالثة.
وروى الدارقطني مرفوعاً:
((ماء زمزم لما شرب له، إن شربته تستشفى شفاك الله، وإن شربته
=اهد لنا من ماء زمزم، ولا يترك. قال: فبعث إليه بمزادتين)). قلت: وإسناده
جيد، رجاله كلهم ثقات.
واستهداؤه لله للماء من سهيل له شاهد من حديث ابن عباس. أخرجه البيهقي.
(١) (وفي ((الجامع المناسك الثلاثة الحنبلية)) تأليف العلامة الشيخ أحمد بن محمد
المنقور التميمي، النجدي، المتوفى سنة ١١٢٥ بتحقيقي. قال في الصفحة ١٤٥ -
١٤٦ :
((ويشرب من ماء زمزم مستقبلاً القبلة قائلاً: بسم الله، بلغني عن رسولك صلى الله
عليه وسلم أنّ ماء زمزم لما شرب له.
(وهو حديث صحيح عند أحمد، وابن ماجه عن جابر مرفوعاً. وحمل ماء زمزم منقول
عن السلف فلابأس به).
وإني أشربه اللهم لتغفر ذنبي، وتجعله لي علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورِيّاً وشبعاً،
وشفاء من كل داء واغسل به قلبي واملاه من خشيتك.
(من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند الدارقطني).)).
١٦١

لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ظمئك قطعه الله، وهي هزمة
جبريل عليه السلام، وسقيا الله إسماعيل)).
ورواه الحاكم وزاد فيه:
((وإن شربته مستعيداً أعاذك الله).
قال: فكان ابن عباس إذا شرب من ماء زمزم قال: اللهم إني
أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاء من كل داء.
وروى البيهقي بإسناد صحيح، أن عبد الله بن المبارك كان إذا
شرب من ماء زمزم، استقبل الكعبة، وقال:
اللهم إن رسول الله عَّم قال: ((ماء زمزم لما شرب له)) وها أنا
أجعله لعطش يوم القيامة.
وكما أن الدعاء مرجو الإجابة في هذه المواطن، كذلك عند الأذان
ففي ((صحيح مسلم)) عن سعد بن أبي وقاص؛ أن النبي عَ لّه قال:
((من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً،
وبمحمد علّم رسولاً، وبالإِسلام ديناً، غفر له ذنبه)).
وفي ((صحيح البخاري)) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما،
أن رسول الله عَ لّه قال:
((من قال حين يسمع النداء: اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة
القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي
وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة)).
١٦٢

وفي ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله
عنهما: أنه سمع النبي عدّ ◌ُالمِ يقول:
(إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ، فإنه من
صلى عليّ صلاة صلى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة،
فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله تعالى، وأرجو أن
أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة، حلت له الشفاعة)).
قال في ((النوادر)): والدعاء حينئذ ترجى بركته، وعند الزحف،
ونزول الغيث، وتلاوة القرآن. انتهى.
ومنها أنه شفاء من الحمى، أخرج البخاري مرفوعاً: ((الحمى من
فيح جهنم فأبردوها بالماءِ)).
قال الشيخ التاودي بن سودة: وفي رواية أخرى ((فأبردوها بماء
زمزم)).
١
قلت: أخرجها الإِمام أحمد في مسنده عن سيدنا عبد الله بن
عباس، ولفظه: حدثنا عفان، حدثنا همام، أخبرنا أبو جمرة قال:
كنت أدفع الناس عن ابن عباس فاحتبست أياماً، فقال لي: ما حبسك،
قلت: الحمى. قال إن رسول الله عند طلّه قال:
((إنّ الحمى من فيح جهنم فأبردوها بماء زمزم))(١).
ومنها أنه من المكفرات، ورد في الحديث:
(١) هو في (مسند الإمام أحمد)) رقم ٢٦٤٨، و((الطب النبوي)) صفحة ٢١
و ((القِرى لقاصد أم القُرى)) الصفحة ٤٤٥.
١٦٣

((من طاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وشرب من
ماء زمزم، غفر له ذنوبه كلها بالغة ما بلغت)).
ذكره الجلال السيوطي في ((الجامع الكبير)) وقال في فتاويه: في سنده
أبو معشر المدني، روی له أصحاب السنن، وفيه ضعف. انتهى من ((تنوير
القلوب بتكفير الأعمال الصالحة للذنوب) للشيخ أحمد بابا.
ومنها أنه معين على الحفظ، ذكر ابن منظور في ((خواص القرآن)):
أن من كتب سورة سيدنا محمد عَّه وشربها بماء زمزم، كان عند
الله محبوباً ذا كلام مسموع، ولم يسمع شيئاً إلا وعاه.
ومنها ما أخرجه الطبراني في الكبير، عن ابن عباس رضي الله
عنهما مرفوعاً، ورجاله ثقات.
((خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم، فيه طعام من الطعم، وشفاء
من السقم، وشر ماء على وجه الأرض ماء بوادي برهوت، بقبة
حضرموت، كرٍجل الجراد من الهوام تصبح تتدفق وتمسي لا بلال
بها».
(قوله، خير ماء الخ): قال الحفني: أي بعد الماء النابع من بين
أصابعه عَ لّم، وبعد ماء زمزم، ماء الكوثر.
وقال سيدي عبد الوهاب الشعراني: قلت ولا يرد على هذا الحديث
الماء الذي نبع من بين أصابعه عّ لِّ، فإن ذلك ليس هو من الماء الذي
على وجه الأرض، بل هو من المعجزات.
١٦٤

وقال المناوي على ((الجامع الصغير)) عند هذا الحديث: كذا في
النسخة التي بخط المؤلف، وفي غيرها ((طعام طعم)) بالإضافة والضم،
أي طعام إشباع من إضافة الشيء إلى صفته.
(وقوله وشفاء من السقم): كذا في خط المؤلف أيضاً، وفي غيره:
((شفاء سقم)) بالإضافة، أي شفاء من الأمراض، إذا شرب بنية صالحة.
قال الشيخ محمد حجازي الشعراني - المشهور بالواعظ - وفي
قصة أبي ذر رضي الله عنه: أنه لما دخل مكة أقام بها شهراً لا
يتناول غير مائها. وقال: دخلتها وأنا أعجف، فما خرجت إلا ولبطني
عكن من السمن.
والعكنة: الطي الذي في البطن من السمن، والجمع عكن وأعكان
كذا في ((المختار)).
وروى الطبراني موقوفاً بإسناد صحيح عن ابن عباس قال: كنا
نسميها شباعة - يعني زمزم - وكنا نجدها نعم العون على العيال.
ومنها أنه يندب نقله من مكة لغيرها من بلاد الإسلام.
قال النتائي: على قول الشيخ خليل في ((المندوبات)) ما نصه: ونقله
من مكة لغيرها من بلاد الإسلام. انتهى. وفي الشيخ سالم ما نصه:
من مكة لغيرها من بلاد الإسلام، قاله في ((مختصر الواضحة)). ونقله
ابن الحاج في مناسكه وذكر الأمير: أن خواصه لا تزول بنقله. وفي
((مسلك السالك في عمل المناسك)) لقاسم بن أحمد الحضرمي
١٦٥

الطرابلسي: ويستحب أن يتزود منه إلى بلده، لما في الترمذي عن
عائشة رضي الله عنها أنها كانت تحمل ماء زمزم، وتخبر أنه عليه
الصلاة والسلام كان يحمله(١). انتهى منه بلفظه، ونقله ابن غازي
وصاحب ((مراة المحاسن)).
وفي ((الفتوحات المكية)) للشيخ الأكبر محيي الدين الحاتمي رضي
الله عنه ما نصه(٢): ذكر الترمذي عن عائشة رضي الله عنها أنها
كانت تحمل من ماء زمزم وتخبر أن رسول الله عَّ له كان يحمله، وهو
حديث حسن غريب. انتهى منها بلفظها.
وقال في ((مختصر الواضحة)): واستحب لمن بمكة أن يتزود منه
إلى بلده، فانه شفاء لمن استشفى به. ونقله ابن المعلي، والتادلي وغيرٍ هما.
انتهى ونقله العلامة بناني.
وفي ((مرآة المحاسن)) وأما نقل ماء زمزم إلى البلدان، ففي مناسك
ابن المعلي: يجوز إخراج ماء زمزم، وغيره من مياه الحرم، ونقله إلى
جميع البلدان، لأن الماء يستخلف بخلاف(٣) التراب والحجر. ونحوه
في ((مناسك الشيخ خليل)).
وقال الزرقاني: وخصوصيته باقية مع نقله، وإلا لما ندب.
(١) هو في ((صحيح سنن الترمذي)) ٢٨٤/١، رقم ٧٦٩.
(٢) إنّ تمسك المؤلف بابن عربي وفتوحاته عجيب، بعد أن وجد أن الحديث
في الترمذي: وعلو السند مما يهتم به أهل العلم والحديث.
(٣) أي يعوض، فكلما سحب منه نبع مجدداً.
١٦٦

وقال ابن حجر الهيتمي في كتابه «تطهير الجنان واللسان)» بعد
كلام طويل يتعلق بالحديث المذكور: وتوهم من لا علم عنده، أن
فضيلة ماء زمزم قاصرة على كونه في محله، ولا أصل لذلك، كيف
وهو عَّ لهم كما جاء في حديث له شواهد، يكتب لسهيل بن عمرو، قبل
فتح مكة يحثه أن يرسل منه إليه بالمدينة، وكذا كانت عائشة رضي
الله عنها تحمله وتخبر أنه عّ لّه كان يفعله، وأنه كان يحمله في الإداوة
والقرب، فيصب منه على المرضى ويسقيهم منه. وكان ابن عباس إذا
نزل به ضيف أتحفه من ماء زمزم.
وسئل عطاء عن حمله؟ فقال: قد حمله النبي عَ لٍ، والحسن، والحسين
رضي الله عنهما. انتهى منه بلفظه.
وفي ((المقاصد)) للسخاوي ما نصه: يذكر على بعض الألسنة أن
فضيلته ما دام في محله، فإذا نقل يتغير، وهو شيء لا أصل له، فقد
كتب عٍَّ إلى سهيل بن عمرو، ((ان وصل كتابي ليلاً فلا تصبحن،
أو نهاراً فلا تمسين، حتى تبعث إليّ بماء من زمزم))(١)، وفيه أنه
بعث له بمزادتين، وكان حينئذ بالمدينة قبل أن يفتح مكة، وهو حديث
حسن لشواهده.
ومنها أنه من أفضل التحف والقرى، ففي ((الجامع الصغير))(٢)
(١) تقدم في الصفحة ١٤٧ و١٦٠.
(٢) هو في ((ضعيف الجامع الصغير وزيادته)) للألباني برقم ٤٣٣٢ ترتيب الشاويش
وقال عنه الشيخ ناصر: (ضعيف).
١٦٧

كان ◌َِّ إذا أراد أن يُتحف الرَّجل بتحفة سقاهُ من ماء زمزم،
أخرجه في ((الحلية)) عن ابن عباس رضي الله عنهما. انتهى. قال في
((المرآة)) إثره: وهو ظاهر فيما بَعْدُ من بئر زمزم، وأعم من كونه
في الحرم، وفي خارجه، وفيه أصل للإتحاف به. انتهى منه بلفظه.
ومنها أن الإنسان إذا عطش على الريق وأراد شرب الماء فليأكل
لقمة ثم يقول على الماء: يا ماء بئر زمزم يقرئك السلام، فإنه إذا
شرب بعد ذلك لا يضره، ونحوه نقله الفاكهي في كتابه ((حسن
التوسل)) ونصه: ذكر العلامة ولي الله تعالى سيدي زروق(١) في
نصائحه: أن من قال على ماء يريد شربه، والأمن من ضرره: يا ماء،
ماء زمزم يقرئك السلام. أمن من ضرر ذلك الماء، بإذن الله تعالى.
ومنها أن عابر السبيل يستحق التقدم من شربه على غيره، ولو
سبقه لئلا تفوته فضيلته. کما يقتضيه حديث:
((ابن السبيل أول شارب من زمزم)) أخرجه الطبراني في الأوسط
عن أبي هريرة. قال الهيتمي: رجاله ثقات.
ومنها أن التضلع منه علامة على الإيمان، وعدمه علامة على النفاق،
فإن المنافق لا يستطيع أن يتضلع ويكثر من شربه.
أخرج البخاري في ((التاريخ))، وابن ماجه في ((سننه))، والحاكم في
(المستدرك)) عن ابن عباس مرفوعاً ((آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم
لا يتضلعون من زمزم)). قال الواعظ: حديث حسن.
(١) انظر ترجمته في الصفحة ١٨٣.
١٦٨

وأخرج ابن ماجه من حديث الأزرقي في ((تاريخ مكة)) وخالد
ابن كيسان عن ابن عباس مرفوعاً:
((التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق))(١). انتهى.
(قوله آية ما بيننا): أي العلامة المميزة بيننا، وفي رواية (آية)
باسقاط ما وتنوين آية، أفاده الحفني.
وفي رواية ذكرها الهيتمي في ((تطهير الجنان)): ((علامة ما بيننا وبين
المنافقين)). ونسبها السخاوي في ((المقاصد)) للطبراني في الكبير من
حديث عطاء، وابن أبي مليكة، كلاهما عن ابن عباس.
وفي رواية أخرى عنده: ((علامة ما بيننا وبين المنافقين، أن يدلوا
دلواً من ماء زمزم، فيتضلع منها ما استطاع منافق قط يتضلع منها))
والتضلع: الإكثار.
قال العلقمي: وشرب حتى تضلع أي أكثر من الشرب حتى تمدد
جنبه وأضلاعه، أي لا يستطيعون أن يكثروا من ماء زمزم.
ومنها ما ذكره الحريفيشي(٢) في كتابه ((الروض الفائق)) في المجلس
الثاني والأربعين في فضائل يوم عاشوراء ما نصه: وقد ذكر أن الله
تعالى يخرق في تلك الليلة - يعني ليلة عاشوراء - زمزم إلى سائر
(١) هو في ((ضعيف الجامع الصغير)) رقم ٢٥١٣.
(٢) في الأصل ((الحريفش)) واختلفت التراجم في تسميته، وهو أبو مدين شعيب
ابن سعد القفصية صوفي مشهور، جاور مكة المكرمة، توفي سنة ٨٠١، وفي كتابه
(الروض الفائق)) الكثير من التجاوزات.
١٦٩

[المياه(١) ] فمن اغتسل يومئذ أمن [من المرض في جميع السنة(٢)]
انتهى منه بلفظه ..
ومنها أن ماءها يذهب الصداع كما روي عن الضحاك بن مزاحم.
وهذا يحتمل بالشرب ويحتمل بالادهان.
ومنها أن الاطلاع عليها يجلو البصر ويقويه.
ومنها أن الشرب منها يقوي القلب، ويسكن الروع، فقد نقل الحافظ
الدَّميري عن الضحاك بن مزاحم قال: بلغني أن التضلع من ماء زمزم
براءة من النفاق، وأن ماءها يذهب الصداع، وأن الاطلاع فيها يجلو
البصر، وأنه سيأتي عليها زمان تكون أعذب من النيل والفرات.
قال ابن حجر الهيتمي: وجاء من طرق واهية لا يعتد بها: ((ماء
زمزم شفاء من كل داء)).
قلت: اقتصر الحافظ ابن حجر على قوله: سنده ضعيف.
وأخرج الفاكهي من رواية ابن إسحاق، قال: حدثني يحيى بن عباد بن
عبد الله بن الزبير، عن أبيه عن جده قال: لما حج معاوية فحججنا معه، فلما
طاف بالبيت صلى عند المقام ركعتين، ثم مر بزمزم وهو خارج إلى الصفا
فقال: انزع لي منها دلواً يا غلام. قال فنزع له دلوا فأتى فشرب، وصب
على وجهه ورأسه وهو يقول: ماء زمزم شفاء، وهو لما شرب له.
(١) في الأصل (البلاد).
(٢) في الأصل (كذا) ولعله من الطابع يشير فيها إلى نقص في الأصل. وقد رجعت
إلى ((الروض الفائق)) الجزء الثاني الصفحة ٦٤ واستدركت النقص، وصححت
الموجود.
١٧٠

فهذه الرواية تقوي ما قبلها، وتقدم هذا في أول الفصل الأول(١).
وأما حديث:
((من طاف بهذا البيت أسبوعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وشرب
من ماء زمزم، غفرت له ذنوبه بالغة ما بلغت» قال شيخنا: لا يصح، وقد
أولع به العامة كثيراً لاسيما بمكة، بحيث كتب على بعض جدرها
الملاصق لزمزم وتعلقوا في ثبوته بمنام(٢) من لا تثبت الأحاديث النبوية
بمثله. انتهى. من ((تمييز الخبيث من الطيب))(٣) للشيخ الإمام الحافظ
الشيباني، ومراده بشيخه فيما تقدم الحافظ السخاوي.
وقال الحافظ الشوكاني في ((الموضوعات)): ذكره ابن طاهر في
((تذكرة الموضوعات)). وحكى عن السخاوي أنه عزاه في ((المقاصد))
إلى الواحدي والديلمي وغيرهما، وقال: لا يصح. وقد ولع به العامة
كثيراً، وتعلقوا في ثبوته بمنام وشبهه، مما لا تثبت الأحاديث النبوية
بمثله. انتھی منه.
وفي السمهودي: ((من طاف بهذا البيت أربعاً)) بدل سبعاً، ثم
قال: قال الحافظ ابن حجر: لا يصح.
(١) الصفحة ١٠٣.
(٢) في الأصل: (بمقام) وهو خطأ .. وتصحيحه من التمييز، ثم أورد على الصواب
بعد ذلك وانظر كتاب ((الأسرار المرفوعة)) صفحة ٣٣٥، رقم ٥٠١، و((الفوائد
المجموعة)) رقم ٢٩٨.
(٣) هو كتاب ((تمييز الطيب من الخبيث في ما يدور على ألسنة الناس من الحديث))
الصفحة ١٦٤ لابن الديبع الشيباني المتوفى سنة ٩٤٤. وهو مختصر للمقاصد الحسنة
للسخاوي.
١٧١

ومنها أن التضلع منها يذلل النفس بعد تكبرها ويحققها بمقام
العبودية المحضة كما جرب. نقله في ((الكبريت الأحمر)) عن ابن العربي.
ومنها أنها تقوم مقام الطعام والشراب، كما في حديث الطبراني
المتقدم، وفي قصة أبي ذر وتقدم ذلك.
ومنها أن المصطفى عَ لّه بزق فيها. أخرج الإمام أحمد في
(مسنده)(١) عن ابن عباس أنه قال: جاء النبي عَِّ إلى زمزم، فنزعنا
له دلواً فشرب، ثم مج فيها، ثم أفرغناها في زمزم، ثم قال: ((لولا
أن تغلبوا عليها لنزعت بيدي)). انتهى.
ومنها أن النظر فيها عبادة. أخرج الدارقطني مرفوعاً: ((خمس
من العبادة؛ النظر إلى المصحف والنظر إلى الكعبة، والنظر الى الوالدين،
والنظر في زمزم، وهي تحط الخطايا، والنظر في وجه العالم))(٢).
(قوله: النظر في المصحف): [قال](٣) المناوي والعزيزي: للقراءة
فیه.
(قوله: والنظر في زمزم): أي في بئر زمزم، أو في مائها.
(قوله: وهي تحط الخطايا): أي النظر إليها مكفر للذنوب، يعني
الصغائر. قاله المناوي والعزيزي.
(١) انظر ((مسند الإمام أحمد)) رقم (٣٥٢٦) طبع المكتب الإسلامي.
(٢) هو في ((ضعيف الجامع الصغير)) رقم ٢٨٥٤.
(٣) ما بين [] زيادة مني يقتضيها السياق. والمناوي والعزيزي من شراح ((الجامع
الصغير)) للسيوطي ..
١٧٢