Indexed OCR Text
Pages 481-500
إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨١
٣٧- كتاب الزهد
عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﴿ أَنَهُ قَالَ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ هُدِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَرُزِقَ
الْكَفَافَ وَقَنَعَ بِهِ . صحيح
٤١٣٩- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا
الْأَعْمَشُ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
وَّ اللَّهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا .
صبيح
٤١٤٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثْنَا أَبِي وَيَعْلَى عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ أَبِي
خَالِدٍ عَنْ تُفَيِعٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ مَا مِنْ غَنِيٍّ وَلَا فَقِيرٍ إِلَّا وَدْ يَوْمَ
ضعيف جداً
الْقِيَامَةِ أَنَّهُ أُنِيَ مِنْ الدُّنْيَا قُوتًا .
٤١٤١- حَدَّثْنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَا حَدَّثْنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةً
حَدََّنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِ شُمَيْلَةَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ
أَبِهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَّ مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ مُعَافِى فِي حَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ
قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا . حسن
٤١٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةً عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّ انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى
مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَإنَّهُ أَحْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ .
قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةً " عَلَيْكُمْ".
صحيح
٤١٤٣ - حَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانِ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثْنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ حَدَّثْنَا
يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِّ لَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ
وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ إِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى أَعْمَالِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ .
صبيع
الغريب :
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٢
٣٧- كتاب الزهد
العَرَض : متاع الدنيا وحطامها .
الكفاف: الكَفَاف هو الذي لا يَفْضُل عن الشيء ويكون بقَدْر الحاجة إليه .
(النهاية ١٩١/٤).
قوتاً : أي على قدر الحاجة الضرورية .
الشرح : في أحاديث الباب الحث على القناعة والرضا بما قسم الله،
والتعفف عما في أيدي الناس، وفيها التنبيه بالمنطوق على أن الغِنى الحقيقي إنما هو
غنى النفس ، وقناعتها ، واكتفائها بالقليل من أمر الدنيا ، وبالمفهوم على أن شدة
الحرص ، وعدم الرضا بما قسم الله ، والانهماك في تحصيل المزيد من متاع الدنيا ، هو
عين الفقر . وقد فقه أبو العتاهية الشاعر هذا المعنى فقال :
مَلِكاً يَرى الإكثارَ كالإقلال
لما حصلتُ على القناعةِ لم أَزَلْ
والفقرُ عينُ الفقرِ في الأموال
إن القناعةَ بالكفاف هى الغنى
ونظمه الإمام الشافعي رحمه الله في هذه الأبيات الظريفة :
فصرتُ بأذيالها "متمسِّكْ"!
رأيتُ القناعةَ رأسَ الغِنى
ولا ذا يراني به مُنْهَمِك
فلا ذا يراني على بابه
أَمُرّ على الناس شِبْهَ الملِكْ
فصرتُ غنياً بلا درهمٍ
ثم لما كان الناس موقوفون بين يدي الله تعالى ومسؤولون عما كانوا فيه من
نعيم الدنيا ومتاعها ، كانت السلامة في الكفاف ، وكانت القناعة بالقليل من الرزق.
سبيل النجاة من المساءلة الشديدة يوم الحساب. ولهذا حثنا النبي ﴿ على القناعة،
والاكتفاء بالقليل ، وبين لنا أن من أصبح معافى في جسده من الأمراض ، آمناً في
سربه ، وعنده قوت يومه ؛ هكذا ! قوت يومه فحسب ، فكأنما ملك الدنيا كلها.
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٣
٣٧- كتاب الزهد
ثم ضرب لنا الأسوة في ذلك بنفسه . فدعا الله تعالى أن يجعل رزقه ورزق آله قوتاً
؛ أي ما یکفي _فحسب _دون زيادة
قال النووي في شرح مسلم (٣٣٤/٩): قوله : (انظروا إلى من هو
أسفل منكم , ولا تنظروا إلى من هو فوقكم , فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم
) معنى ( أجدر) أحق , و( تزدروا ) تحقروا . قال ابن جرير وغيره : هذا حديث
جامع لأنواع من الخير ; لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه
مثل ذلك , واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى , وحرص على الازدياد ليلحق
بذلك أو يقاربه . هذا هو الموجود في غالب الناس . وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى
من هو دونه فيها ظهرت له نعمة الله تعالى عليه , فشكرها , وتواضع , وفعل فيه
الخير .
وترجم البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه باب الغنى غنى النفس ،وقال
الله تعالى { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات _ إلى قوله
تعالى {من دون ذلك هم لها عاملون } ، وأورد فيه حديث أبي هريرة في الباب "
ليس الغنى بكثرة العرَض "
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٢٧١/١١) : قوله : ( الغنى غنى النفس )
أي سواء كان المتصف بذلك قليل المال أو كثيرة .
ثم مناسبة الآية للحديث أن خيرية المال ليست لذاته بل بحسب ما يتعلق به
وإن كان يسمى خيرا في الجملة , وكذلك صاحب المال الكثير ليس غنيا لذاته بل
بحسب تصرفه فيه . فإن كان في نفسه غنيا لم يتوقف في صرفه في الواجبات
والمستحبات من وجوه البر والقربات , وإن كان في نفسه فقيرا أمسكه وامتنع من
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٤
٣٧ - كتاب الزهد
بذله فيما أمر به خشية من نفاده , فهو في الحقيقة فقير صورةً ومعنى وإن كان المال
تحت يده , لكونه لا ينتقع به لا في الدنيا ولا في الأخرى , بل ربما كان وبالاً عليه.
قوله ( إنما الغنى غنى النفس ) " قال ابن بطال معنى الحديث: ليس حقيقة
الغنى كثرة المال لأن كثيرا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع ما أوتي فهو يجتهد في
الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه , فكأنه فقير لشدة حرصه , وإنما حقيقة الغنى غنى
النفس , وهو من استغنى بما أوتي وقتع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا ألح في
الطلب , فكأنه غني .
وقال القرطبي : معنى الحديث إن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غبى
النفس , وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع فعزَّت وعظمت وحصل لها
من الحظوة والتراهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس
لحرصه فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله ، ويكثر من
یذمه من الناس ويصغر قدره عندهم فيكون أحقر من كل حقير وأذل من كل ذليل .
والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعا بما رزقه الله , لا يحرص على الازدياد
لغير حاجة ولا يلح في الطلب ولا يلحف في السؤال , بل يرضى بما قسم الله له,
فكأنه واجد أبدا , والمتصف بفقر النفس على الضد منه لكونه لا يقنع بما أعطى بل
هو أبدًا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه , ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف,
فكأنه فقير من المال لأنه لم يستغن بما أعطى , فكأنه ليس بغنى, ثم غنى النفس إنما
ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره علما بأن الذي عند الله خير
وأبقى, فهو معرض عن الحرص والطلب , وما أحسن قول القائل :
غنى النفس ما يكفيك من سَدِّ حاجة * فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
وقال الطيبي : يمكن أن يراد بغنى النفس حصول الكمالات العلمية والعملية .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٥
٣٧- كتاب الزهد
وإلى ذلك أشار القائل :
مخافةً فقر فالذي فعل الفقرُ
ومن ينفق الساعات في جمع ماله
أي أنه ينبغي أن ينفق أوقاته في الغنى الحقيقي وهو تحصيل الكمالات , لا في
جمع المال فإنه لا يزداد بذلك إلا فقرا . انتهى .
قال الحافظ : وهذا وإن كان يمكن أن يراد لكن الذي تقدم أظهر في المراد
, وإنما يحصل غنى النفس بغنى القلب بأن يفتقر إلى ربه في جميع أموره فيتحقق أنه
المعطي المانع فيرضى بقضائه ويشكره على نعمائه ويفزع إليه في كشف ضرائه ,
فينشأ عن افتقار القلب لربه غنى نفسه عن غيره وبه تعالى , والغنى الوارد في قوله (
ووجدك عائلا فأغنى) يتنزل على غنى النفس , فإن الآية مكية ولا يخفى ما كان فيه
البي ◌ُ ﴿ قبل أن تفتح عليه خيبر وغيرها من قلة المال. والله أعلم . اهـ
وقال النووي في شرح مسلم (١٥٢/٤): ومعنى الحديث : الغنى المحمود
غنى النفس وشبعها وقلة حرصها , لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة ; لأن من
كان طالبا للزيادة لم يستغن بما معه فليس له غنى اهـ
وقال في معنى حديث أبي هريرة " اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً " قال
أهل اللغة والعربية: القوت ما يسد الرمق , وفيه فضيلة التقلل من الدنيا والاقتصار
على القوت منها والدعاء بذلك. اهـ
وقال ابن بطال فيما نقله عنه الحافظ في الفتح : فيه دليل على فضل الكفاف
وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفر نعيم الآخرة وإيثاراً لما
يبقى على ما يفنى , فينبغي أن تقتدي به أمته في ذلك .
٤٨٦
٣٧- كتاب الزهد
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
:
وقال القرطبي : معنى الحديث : أنه طلب الكفاف , فإن القوت ما يقوت
البدن ويكفّ عن الحاجة , وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغنى والفقر جميعًا , والله
أعلم. اهـ
الله
وقال القرطي في تفسيره (٢١٨/٥) : وفي صحيح مسلم عن النسبي
"ليس الغنى عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس" وقد أخذ بعض العلماء هذا المعنى
فنظمه :
فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي
تقنَّع بما يكفيك واستعمل الرضا:
يكون الغنى والفقر من قِبَل النفْسِ:
فليس الغنى عن كثرة المال إنما
وهذا يصحح قول أبي عبيدة : فإن المال يشمل كل ما يُتمول وفي كتاب
العين : العرض ما نيل من الدنيا ومنه قوله تعالى: {تريدون عرض الدنيا} وجمعه
عروض. اهـ
وقوله { 34 " إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى
أعمالكم وقلوبكم " معناه أن الواجب على العبد أن يجتهد في إصلاح قلبه وتطهیره
من الشك والحسد والميل إلى الشهوات المحرمة ، وحب الدنيا ، وكل ما لا يحبه الله
ولا يرضاه، وعمارته بالإيمان والتقوى، والذكر ، وسائر القربات، وأعمال البر،
فالقلب هو محل نظر الله تعالى من عبده ، فإن كان قلبه سليماً طاهراً عامراً بالتقوى
وحب الخير، أحبه الله ، وإن كان مملوءاً بالشهوات ، وحب الدنيا ، والغفلة عن
الآخرة ، مقته - والعياذ بالله تعالى _ وفيه أن ما في القلب هو ما يظهر في العمل،
فإن كان القلب صالحاً كان عمله صالحاً ، وإن كان فاسداً فعمله كذلك .
أما صور الناس فليست من كسبهم حتى ينظر الله إليها ، وأموالهم إنما هي
عرَض زائل .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٧
٣٧- كتاب الزهد
أبواب عيش النبي﴿ وأصحابه
(١٠) باب معيشة آل محمد
٤١٤٤ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةً عَنْ هِشَامِ
بْنِ عُرْوَةً عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ إِنْ كُنَّا آلَ مُحَمَّدٍ عَلَّ لَنَمْكُتُ شَهْرًا مَا نُوقِدُ فِيهِ
بِنَارِ مَا هُوَ إِلَّا النَّمْرُ وَالْمَاءُ. (إِلَّا أَنَّ ابْنَ نُمَيْرِ قَالَ نَلْبَثُ شَهْرًا). صحيح
٤١٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو
عَنْ أَبِي سَلَمَةً عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَقَدْ كَانَ يَأْتِي عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ لََّرِّ الشَّهْرُ مَا يُرَى فِي
بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِهِ الدُّخَانُ .
قُلْتُ : فَمَا كَانَ طَعَامُهُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ؛ الثَّمْرُ وَالْمَاءُ غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ لَنَا جِيرَانٌ
مِنْ الْأَنْصَارِ جِيرَانُ صِدْقٍ وَكَانَتْ لَهُمْ رَبَائِبُ فَكَانُوا يَبْعَثُونَ إِلَيْهِ أَلْبَانَهَا قَالَ مُحَمَّدٌ :
وَكَانُوا تِسْعَةَ أَبْيَات .
حسن صحيح
٤١٤٦ - حَدَّثْنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثْنَا شُعْبَةُ عَنْ سِمَاكِ عَنْ النُّعْمَان
بْنِ بَشِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ يَلْتَوِي فِي
الْيَوْمِ مِنْ الْجُوعِ مَا يَجِدُ مِنْ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ .
صحيح
٤١٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعِ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى أَنْبَأَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ّ يَقُولُ مِرَارًا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ!
مَا أَصْبَحَ عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ حَبِّ وَلَا صَاعُ تَمْرٍ .
د
وَإِنْ لَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعَ نِسْوَةٍ .
٤١٤٨ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتَى حَدَّثْنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنٍ بَذِيَةَ عَنْ أَبِى عُبَيْدَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َلَّ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٨
٣٧- كتاب الزهد
مَا أَصْبَحَ فِي آلِ مُحَمَّدٍ إِلَّامُدُّ مِنْ طَعَامٍ أَوْ مَا أَصْبَحَ فِي آلِ مُحَمَّدٍ مُدٌّ مِنْ طَعَامِ
صبيع
٤١٤٩- حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَكْرَمِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ
الْكُوْفَةِ عَنْ أَبِهِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ْ فَمَكَثْنَا ثَلَاثَ لَيَالِ لَنَا
نَقْدِرُ ( أَوْ لَا يَقْدِرُ ) عَلَى طَعَامٍ .
ضعيف
٤١٥٠ - حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سُعِيدٍ حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ يَوْمًا بِطَعَامٍ سُخْنٍ فَأَكَلَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ الْحَمْدُ
لِلّهِ مَا دَخَلَ بَطْنِي طَعَامٌ سُخْرٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا. ضعيف
(١١) باب ضجاع آل محمد كما
٤١٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرِ وَأَبُو خَالِدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ
عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ ضِجَاعُ رَسُولِ اللّهِ وَّ أَدَمَا حَشْوُهُ لِيفٌ !.
صحيح
٤١٥٢ - حَدَّثَنَا وَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ
عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ وَّ أَتَى عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَهُمَا فِي حَمِيلٍ لَهُمَا
(وَالْخَمِيلُ الْقَطِيفَةُ الْبَيْضَاءُ مِنْ الصُّفِ ) قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴿لَ جَهَّزَهُمَا بِهَا
وَوَسَادَةٍ مَحْشُوَّةٍ إِذْخِرًا وَقِرْبَةٍ .
صحيح
٤١٥٣- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنِي
سِمَاكٌ الْحَنَفِيُّ أَبُو زُمَيْلٍ حَدَّثَنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ
دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ّ وَهُوَ عَلَى حَصِيرٍ قَالَ فَجَلَسْتُ فَإِذَا عَلَيْهِ إِزَارٌ وَلَيْسَ
عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثْرَ فِي حَنْبِهِ وَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرِ نَحْرِ الصَّاعِ وَقَرَظِ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٩
٣٧- كتاب الزهد
فِي نَاحِيَةٍ فِي الْغُرْفَةِ وَإِذَا إِهَابٌ مُعَلَّقٌ فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ فَقَالَ مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ
الْخَطَّابِ! فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَمَالِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثِّرَ فِي جَنْبِكَ وَهَذِهِ
خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى وَذَلِكَ كِسْرَى وَفَيْصَرُ فِي الْثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ وَأَنْتَ نَبِيُّ
اللَّهِ وَصَفْوَتُهُ وَهَذِهِ خِزَانْتُكَ قَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمْ
الدُّنْيَا ؟ قُلْتُ بَلَى .
حسن
٤١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبٍ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
فُضَيْلٍ عَنْ مُحَالِدٍ عَنْ عَامِرٍ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ أُهْدِيَتْ ابْنَهُ رَسُولِ اللَّهِ لَّ
إِلَيَّ فَمَا كَانَ فِرَاشُنَا لَيْلَةَ أُهْدِيَتْ إِلَّا مَسْكَ كَبْشٍ .
ضعيف
(١٢) باب معیشة أصحاب النبي ڭ
٤١٥٥- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ
زَائِدَةً عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لِ﴿ يَأْمُرُ
بالصَّدَقَّةِ فَيَنْطَلِئُ أَحَدُنَا يَتَحَامَّلُ حَتَّى يَجِيءَ بِالْمُدِّ وَإِنْ لِأَحَدِهِمْ الْيَوْمَ مِائَةَ أَلْفٍ .
قَالَ شَقِيقٌ كَأَنَّهُ يُعَرِّضُ بِنَفْسِهِ .
صبيع
٤١٥٦ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِي نَعَامَةَ سَمِعَهُ مِنْ خَالِدِ بْنِ
عُمَيْرٍ قَالَ خَطَبْنَا عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَابِعَ سَبْعَةٍ مَعَ رَسُولِ
اللَّهِ ﴿ّ مَا لَنَا طَعَامٌ تَأْكُلُهُ إِلَّا وَرَقُ الشَّجَرِ حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقُنَا . صحيح
٤١٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ عَبَّاسِ الْجُرَيْرِيِّ قَللَ
سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ جُوعٌ وَهُمْ سَبْعَةٌ قَالَ
فَأَعْطَانِ النَّبِيُّ ◌َ﴿ّ سَبْعَ تَمَرَاتٍ لِكُلِّ إِنْسَانٍ تَمْرَّةٌ .
صحيح - دون قوله لكل إنسان تمرة .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٠
٣٧ - كتاب الزهد
٤١٥٨ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَخَْى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُنَيْنَةَ عَنْ
مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ يَحْبَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَاطِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبْرِ بْنِ
الْعَوَّامِ عَنْ أَبِهِ قَالَ لَمَّ نَزَلْبَتْ { ثُمَّلَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ } قَالَ الزُّبَيْرُ وَأَيُّ نُعِينَمِ
نُسْأَلُ عَنْهُ وَإِنَّمَا هُوَ الْأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالْمَاءُ. قَالَ أَمَا إِنَّهُ سَيَكُونُ. حسن
٤١٥٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثْنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ
وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ بَعَثْنَا رَسُولُ اللَّهِ:﴿ وَنَحْنُ ثَلَاثُ مِائَةٍ
نَحْمِلُ أَزْوَإِدَنَا عَلَى رِقَابِنَا فَفَنِيَ أَزْوَادُنَا حَتَّى كَانَ يَكُونُ لِلرَّحُلِ مِنَّا تَمْرَةٌ فَعِيَلَ يَا أَبَا
عَبْدِ اللَّهِ وَأَيْنَ تَقَعُ الَّمْرَةُ مِنْ الرَّحُلِ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَقَدْنَاهَا وَأَتَيْنَ الْبَحْرَ
فَإِذَا نَحْنُ بِحُوتٍ قَدْ قَذَفَهُ الْبَحْرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ ثَمَانِيَةً عَشْرَ يَوْمًّا .
صبيع
الغريب :
الزبيبة : الغنم التي تكون في البيت وليست بسائمة .
الدقَل : التمر الرديء اليابس .
الصاع : وهو مِكْيَالٍ يَسَع أرْبَعَة أُمْداد .
والمدُّ مُخْلَفٌ فيه؛ فقيل هو رِطْل وتُلُثْ بالعِرَاقِيِّ, وبِه يقولُ الشافعيّ
وفُقهاء الحجاز ، وقيل هو رطْلان، وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العِراق, فيكونُ
الصاع خمسةَ أرْطال وثلثاً, أو ثمانية أرْطال. (النهاية ٦٠/٣)
والُد : مكيال يقدر بملء الكفين .
أُدَمَ : هو الجلد المدبوغ .
الإذخر : هو حشيشة طيبة الرائحة ، تسقف بها البيوت فوق الخشب
القرظ : نبت يدبغ به الجلد .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩١
٣٧- كتاب الزهد
الإهاب : الجلد ، قال في النهاية : يقال للجلد إهاب قبل الدبغ ، فأما بعده
فلا .
المَسْك : الجلد .
القرح : الجراح .
الشِّدْق : جانب الفم .
الشرح: في أحاديث هذه الأبواب بيان ما كان عليه رسول الله ـ من
التجافي عن الدنيا، وضيق الحال فيها ، والرضا بالكفاف منها ، إيثاراً لما عند الله
تعالى، وليعطي لأمته المثل الأعلى، والأسوة الحسنة في الإقبال على الآخرة ، والزهد
في الدنيا، فليس ثَمّ عزاءٌ للفقير المؤمن أحسن من تأمله سيرة الرسول الكريم وَطَّ
، وكيف أنه كان - أحياناً _يطوي جوعاً ما يجد أدنى التمر يسد به رمقه، وكان
الشهر يمرّ فما يطبخ في بيته طعام، اختياراً منه { ثّ لهذه الحال ، إذ لو أراد التوسع
والتبسط في الدنيا ، لوسّع الله عليه .
وكذلك كان فراشه ◌َّ؛ كطعامه، من التواضع ورقة الحال ، وكذلك
فراش ابنته فاطمة عليها السلام ، فلم يكن جهازها التي زوجها به سوى خميلة من
الصوف، ووسادة محشوة بالإذخر، وقربة لحفظ الماء، هكذا أخذ البي ﴿﴿ نفسه
وأهل بيته ، بالعزائم الكبيرة ، لتمضي أُمتُه خلفه على نفس المنهج ، متخففة من
أثقال الدنيا وملذاتها ، متحررة من جواذب النفس اللحوحة ، ومطالبها التي لا
تنقضي ، لتتفرغ لما هو أعظم وأسمى وأشرف ؛ لعبادة الله ، ونصرة دينه ، وكذلك
كان حال أصحابه رضوان الله عليهم ، قبل فتح خيبر ، وحتى بعد الفتوحات ظلوا
متصفين بالاعتدال ، والإقبال على الآخرة ، والقيام بحق الله فيما بأيديهم من أموال.
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٢
٣٧- كتاب الزهد.
على أن الأمة بعد ذلك لم تمض على هذا المنوال من الزهد والقناعة ، ولا
قريباً منه، بل سقط معظمها في مستنقع الدنيا، فأسرتهم بعلاذها وشهواتها وفتنتها ،
فتوسعوا في المطاعم والمشارب والمراكب والمساكن ، وتركوا كثيراً مما أُمروا به ،
فصاروا إلى الضعف والترهل ، وفقدوا هيبتهم في نظر عدوهم ، والسبب في ذلك
أهم نسوا وصایا نبیھم الکريم څ ، وغاب عنھم هديه وسنته.
ونقل الحافظ في الفتح (٢٩٣/١١) قول ابن بطال: فيه دليل على فضل
الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفر نعيم الآخرة
وإيثاراً لما يبقى على ما يفنى, فينبغي أن تقتدي به أمته في ذلك. اهـ
ونقل عن الطبري: قوله: استشكل بعض الناس كون النبي ◌ُّ وأصحابه
کانوا یطوون الأيام جوعا مع ما ثبت أنه کان یرفع لأهله قوت سنة , وأنه قسم بین
أربعة أنفس ألف بعير مما أفاء الله عليه , وأنه ساق في عمرته مائة بدنة فنحرهنا
وأطعمها المساكين , وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم وغير ذلك , مع من كان معنه
من أصحاب الأموال كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم مع بذلهم أنفسهم
وأموالهم بين يديه , وقد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصفه .
وحث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك , والجواب
أن ذلك كان منهم في حالة دون حالة لا لعوز وضيق بل تارة للإيثار وتارة لكراهة
الشبع ولكثرة الأكل انتهى. وما نفاه مطلقا فيه نظر لما تقدم من الأحاديث آنفا ,
وقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن عائشة " من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر
فقد كذبكم , فلما افتتحتُ قريظة أصبنا شيئا من التمر والودك " وتقدم في غزوة
خيبر من رواية عكرمة عن عائشة " لما فتحت خيبر قلنا الآن نشبع من التمر " وتقدم
في كتاب الأطعمة حديث منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية بنت شيبة عن
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٣
٣٧- كتاب الزهد
عائشة " توفي رسول الله له حين شبعنا من التمر) وفي حديث ابن عمر " لما
فتحت خیبر شبعنا من التمر "
والحق أن الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكة ، ثم لما
هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح , فلما
فتحت لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم كما تقدم ذلك واضحا في كتاب
الهبة. وقريب من ذلك قوله ﴿ " لقد أُخفت في الله وما يخاف أحد ولقد
أوذيت في الله وما يؤذي أحد , ولقد أتت عليَّ ثلاثون من يوم وليلة مالي ولبلال
طعام يأكله أحد إلا شيء يواريه إبط بلال " أخرجه الترمذي وصححه، وكذا
أخرجه ابن حبان بمعناه. نعم كان ◌َُ ◌ّ يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع
والتبسط في الدنيا له , كما أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة " عرض علي ربي
ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت : لا يا رب , ولكن أشبع يوما وأجوع يوما,
فإذا جعت تضرعت إليك , وإذا شبعت شكرتك".
وقول جابر في حديث الحوت "ففني أزوادنا حتى كان يكون للرجل منا تَمرة "
قال الباجي في شرح المنتقى (حديث ١٧٣) : ولما فني زادهم ببعض الطريق
وأمر أبو عبيدة بأزواد الجيش فجمعت فيحتمل - والله أعلم - أن يفعل ذلك أبو
عبيدة لرأي رآه وموافقة أهل الجيش أجمع له على ذلك ورضاهم به وإن كان
يجوز أن يكون بعضهم أكثر زادا من بعض ويكون فيهم من فني زاده جملة إلا
أنهم أردوا التواسي وقد روي عن النبي ◌ُ ◌ّ أنه قال: إن الأشعريين إذا أرملوا
جمعوا زادهم فتواسوا فيه فهم مني وأنا منهم ويحتمل أن يكون أبو عبيدة حكم
بذلك بينهم حين رأى أن منهم من قد فني زاده وخاف عليه سرعة الهلاك
ومنهم من له زاد يكفيه وليس بموضع ابتياع ولا تسبب فألزمهم أبو عبيدة
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٤
٣٧ - كتاب الزهد
التساوي فيما عندهم من الزاد ولم يذكر في الحديث ثمنا وظاهر هذا أنه کان
على وجه التراضي, والله أعلم فكان أبو عبيدة بن الجراح رضه يقوهم منه كل
يوم يسيراً يسيراً استدامة للزاد وتسوية بين الناس حتى لم يصبهم إلا ثمرة تمرة
وفنيت بعد ذلك ففقدوا الانتفاع بها ولعلهم كانوا يضيفون إلى ذلك ما أمكن
من حشيش وورق شجر حتى انتهوا إلى البحر وهذا يدل على اليسير . اهـ
وفي حديث علي أن رسول الله وَ لّ أتى علياً وفاطمة وهما في خميل لهما "
قال ابن الأثير في النهاية (٨١/٢): حمل: فيه "أنه جَهَّز فاطمة رضي الله عنها في
حَمِيل وقِرّبَةٍ وَوِسَِادة أدمٍ "الخَمِيل والخَمِيلة: القَطيفَة، وهي كل ثَوْب له خَمْل منْ
أي شيء كان . وقيل : الجَميلُ الأسْوَد من الثِّيَابِ. اهـ
(١٣) باب في البناء والخراب
٤١٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبِ خَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي السَّفَرِ عَنْ عَيْدِ اللَّهِ
R
بْنِ عَمْرِو قَالَ مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ وَنَحْنُ نُعَالِجُ خُصًّا لَنَا فَقَالَ
مَا هَذَا فَقُلْتُ خُصٌّ لَنَا وَهَى نَحْنُ نُصْلِحُهُ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أُرَى الْأَمْرَ إِلَا أَعْجَلَ مِنْ ذَلِكَ. صبيع
٤١٦١ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدُّمَشْقِيُّ حَدَّثْنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثْنَا عِيسَى بْنُ
عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَبِي فَرْوَةً خَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ أَبِي طَلْحَةً عَنْ أَنَسٍ قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللّهِ
صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبَّةٍ عَلَى بَابِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ مَا هَذِهِ قَالُوا قُيَّةٌ بَنَاهَـا
فُكَانٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ّ كُلُّ مَالِ يَكُونُ هَكَذَا فَهُوَ وَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَّةِ
فَبَلَغَ الْأَنْصَارِيِّ ذَلِكَ فَوَضَعَهَا فَمَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ فَلَمْ يَرَهَّا فَسَأَلَّ
عَنْهَا فَأُخْبَرَ أَنَّهُ وَضَعَهَا لِمَا بَلَغَهُ عَنْكَ فَقَالَ يَرْحَمُهُ اللَّهُ يَرْحَمُهُ اللَّهُ. ضعيفْ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٥
٣٧- كتاب الزهد
٤١٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ سَعِيدٍ بِنِ عَمْرِو بْنِ
سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ عَنْ أَبِهِ سَعِيدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنَيْتُ بَيْنَا يُكِنِّنِي مِنْ الْمَطَرِ وَيُكِّنِي مِنْ الشَّمْسِ مَا أَعَانَنِي عَلَيْهِ خَلْقُ اللَّهِ
صبيع
تَعَالَى .
٤١٦٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ مُوسَى حَدَّتَّنَا شَرِيكٌ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ
مُضَرِّب قَالَ أَتَيْنَا خَبَّابًا نَعُودُهُ فَقَالَ لَقَدْ طَالَ سُقْمِي وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَّ يَقُولُ لَا تَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ لَتَعَنَّهُ وَقَالَ إِنَّ الْعَبْدَ لَيُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلُّهَا إِلَّا فِي
التُّرَابِ أَوْ قَالَ فِي الْبِنَاءِ .
صحيح
الشرح : في أحاديث هذا الباب حث على قِصر الأمل ، واجتناب الركون
إلى الدنيا ، والتوسع في البنيان ، وامتلاك المساكن المرضية، وتغليب الاهتمام بها
أصحابه على
صَلى الله
على طاعة الله تبارك وتعالى ، والجهاد في سبيله ، وإنما حثُ النبي
ترك اتخاذ البناء ، -والمراد الزائد منه عن الضرورة ، - حثهم على ذلك حتى لا تكون
البيوت الواسعة المريحة فتنة لأصحابها حين يدعون إلى الخروج للجهاد في سبيل الله ،
فينظر أحدهم إلى بيته الجميل فربما شقّ عليه فراقه، فيترك الجهاد. فأراد النسبي ◌َ *
أن يتخففوا من أثقال الدنيا ، لينهضوا حين يُدعَون للجهاد في خفة ورغبة وشوق .
قال الحافظ في الفتح (٩٢/١١): قوله ( باب ما جاء في البناء ) أي من منع
وإباحة. والبناء أعم من أن يكون بطين أو مدر أو بخشب أو من قصب أو من شَعر .
وفي ذم البناء مطلقا حديث خباب رفعه قال " يؤجر الرجل في نفقته كلها
إلا التراب " أو قال " البناء " أخرجه الترمذي وصححه وأخرج له شاهدا عن أنس
يلفظ " إلا البناء فلا خير فيه" وللطيراني من حديث جابر رفعه " إذا أراد الله بعبد
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٦
٣٧ - كتاب الزهد
شرا خضر له في اللبن والطين حتى يبني " ومعنى " خضّر "بمعجمتين حسِّن, وزنا
ومعنى .
وهذا كله محمول على ما لا تمسّ الحاجة إليه مما لا بد منه للتوطن وما يقي
البرد والحر , وقد أخرج أبو داود أيضا من حديث أنس رفعه " أما أن كل بناء وبال
على صاحبه إلا ما لا , إلا ما لا" أي إلا ما لا بد منه قوله ( ما أعانني عليه أحد من
خلق الله ) هو تأكيد لقوله " بنيت بيدي" وإشارة إلى خفة مؤنته .
(١٤) باب التوكل واليقين
٤١٦٤- حَدَّثْنَا حَرْمَلَهُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيْعَةَ عَنْ ابْنِ
هُبَيْرَةَ عَنْ أَبِ تَمِيمِ الْحَيْشَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ:﴿ يَقُولُ
لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكُلْتُمْ عَلَى اللَّهِ جَقَّ تَوَكُلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَعْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحٌ
بطَّانًا .
٤١٦٥ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ بِسَّلَّامِ ثْـِ
شُرَحْبِيلٌ أَبِي شُرَحْبِيلَ عَنْ حَبَّةَ وَسَوَاءِ ابْنَيْ خَالِدٍ قَالَا دَخَلْنَا عَلَى النَّبِيِّ لَّ وَهُوَ
يُعَالِجُ شَيْئًا فَأَعْنَّاهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَا تَيْفَسَا مِنْ الرِّزْقِ مَا تَهَرَّزَتْ رُءُوسُكُمَا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ
تَلِدُهُ أُمُّهُ أَحْمَرَ لَيْسَ عَلَيْهِ قِشْرٌ ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلْ .
ضعيف
٤١٦٦ - حَدَّثْنَا إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَثْبَأَنَا أَبُو شُعَيْبٍ صَالِحُ بْنُ زُرَيْقِ الْعَطَّارُ حَدَّثَنْـ
سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُمَحِىُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُلَّيِّ بْنِ رَبَّحٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ
الْعَاصِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ: ﴿ إِنَّ مِنْ قَلْبِ ابْنِ آدَمَ بِكُلِّ وَادِ شُعْبَةٌ فَمَنْ اتَّبَعَ قَلْبُهُ
الشُّعَبَ كُلَّهَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِأَيِّ وَاد ◌َهْلَكَهُ وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ التَّشَعُّبَ .
ضعيف
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٧
٣٧- كتاب الزهد
٤١٦٧ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ
حَابِرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ لاَّ يَقُولُ لَا يَمُوتَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ
باللّهِ .
صبيع
٤١٦٨- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَثْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ عَحْلَانَ عَنْ الْأَعْرَجِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ نَ﴿ قَالَ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ
الضَّعِيفِ وَفِي كُلِّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَلَا تَعْجِزْ فَإِنْ غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ قَدَرُ اللَّهِ
وَمَا شَاءَ فَعَلَ وَإِيَّاكَ وَالَّوْ فَإِنَّ اللَّوْ تَغْتُحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ.
صبيع
الشرح : في أحاديث الباب الحث على حسن التوكل على الله ، وقوة الثقة
فيه تبارك وتعالى ، وأن السعي والتكسب لا ينافيان التوكل ، بل لا يكون العبد
متوكلاً على الله حق التوكل إلا إذا صحب توكلُه سعيّ وطلبٌ للرزق .
وتعليق القلب إنما يكون بالله الرزاق سبحانه ، لا بالسبب ، فتعليق القلب بالأسباب
ليس من شأن المؤمنين ، والتوكل على الله عبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله ، كما
أن ترك الأسباب فسوق ، واتباع لغير سبيل المؤمنين ، فالمؤمن يتوكل على الله ،
ويغدو لطلب الرزق ، متوكلاً على الله . وليس في الحديث ما يشير إلى ترك الطلب
والتكسب ، بل فيه الدليل على السعي والكسب، بذكر حركة الطير وخروجها من
أعشاشها ، طلباً للرزق ، فيرزقها الله تعالى فتعود شبعة ، وكذلك الإنسان ، لو
توكل على الله حق التوكل ، وأيقن أن رزقه على الله، وعالج الأسباب ، لرزقه الله
كما يرزق الطير .
ويشنع الغزالي رحمه الله على جهال الصوفية وأحوالهم في تركهم الأسباب
فيقول فيما ينقله عنه المناوي : وقد يُظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك
التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة أو كلحم على وضم, وهذا
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٨
٣٧- كتاب الزهد
ظن الجهال , فإن ذلك حرام في الشرع , والشرع قد أثنى على المتو کلین فکیف ینال
مقام من مقامات الدين محظور من محظورات الدين , بل نكشف عن الحق فيه فنقول
: إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعمله إلى مقاصده .
وقال الإمام أبو القاسم القشيري : اعلم أن التوكل محله القلب , وأما الحركة
بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب بعدما يحقق العبد أن الرزق من قِبَل الله تعالى , فإن
تعسر شيء فبتقديره وإن تيسر شيء فبتيسيره .
وقوله ◌ّ في حديث جابر" لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن الظن بالله
"وقال الخطابي في معالم السنن (٣٠١/١) :: إنما يحسن الظن بالله من حبن عمله,
فكأنه قال أحسنوا أعمالكم يحسن ظنكم بالله ,فمن ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون
أيضا حسن الظن بالله من ناحية [ جهة ] الرجاء وتأميل العفو.
وتعقبه النووي فقال في شرح المهذب فقال: معنى تحسين الظن بالله تعالى أن
يظن أن الله تعالى يرحمه ويرجو ذلك بتدبر الآيات والأحاديث الواردة في كرم الله
تعالى وعفوه وما وعد به أهل التوحيد وما سيبدلهم من الرحمة يوم القيامة كما قال
سبحانه وتعالى في الحديث الصحيح: " أنا عند ظن عبدي بي " هذا هو الصواب في
معنى الحديث وهو الذي قاله جمهور العلماء . وشد الخطابي فذكر تأويلاً آخر أن
معناه أحسنوا أعمالكم حتى يحسن ظنكم بربكم , فمن حسن عمله حسن ظنه.
ومن ساء عمله ساء ظنه , وهذا تأويل باطل نبهت عليه لئلا يغتر به انتهى .
وعموم الحديث يؤيد قول النووي في وجوب تأميل العبد العفو من ربه،
سواء كان العبد محسناً أم مسيئاً ، والله تعالى عند حسن ظن عبده به ، أما قول
الخطابي فوجهه - والله أعلم - أن الواقع عجز المسيئ عن إحسان الظن بربه ، حتى لو
ذكِّر به ، فإنه والعياذ بالله يجد نفسه مسيئاً ، ويتذكر جرائمه وظلمه وفسقه قيذهب
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٩
٣٧- كتاب الزهد
ليحسن الظن فلا يقدر ، فهذا الذي قصده الخطابي رحمه الله، وكأنه يقول : إن
إحسان الظن بالله يتفاوت فيه الناس ، فمن كمل إيمانه ، وكان الغالب عليه الصلاح
والاستقامة كمل حسن ظنه بربه ، فيبعث على ذلك ، ومن كان الغالب من حاله
التفريط والظلم والفسوق ضعف عن إحسان الظن الذي ينفعه .
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في الفوائد (ص٢٠٩) : والله سبحانه قد أمر
العبد بأمر ، وضمن له ضماناً ، فإن قام بأمره بالنصح والصدق والإخلاص
والاجتهاد ، قام الله سبحانه له بما ضمنه له من الرزق والكفاية ، والنصر وقضاء
الحوائج ، فإنه سبحانه ضمن الرزق لمن عبده ، والنصر لمن توكل عليه واستنصر به ،
والكفاية لمن كان هو همّه ومراده ، والمغفرة لمن استغفره ، وقضاء الحوائج لمن صدقه
في طلبها ، ووثق به ، وقوي رجاؤه وطمعه في فضله وجوده ، فالفطن الكيس إنما
يهتم بأمره وإقامته وتوفيته لا بضمانه ، فإنه الوفي الصادق ، ومن أوفى بعهده من الله
فمن علامات السعادة صرف اهتمامه إلى أمر الله دون ضمانه ، ومن علامات
الحرمان فراغ قلبه من الاهتمام بأمره وحبه وخشيته والاهتمام بضمانه . والله
المستعان. اهـ
وأورد المناوي في فيض القدير (٣٩٦/٥) أبياتاً حسنة في الحث على
التوكل نسبها لشيخ الإسلام الصابوني ، والصحيح أنها لأبي العتاهية ، يقول فيها:
أردتَ فإن اللهَ يقضي ويقدرُ
تو گّل على الرحمن في كل حاجة
يُصِبْهُ وما للعبد ما يتخيّر
متى ما يُرِدْ ذو العرش أمراً بعبده
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٠٠
٣٧- كتاب الزهد
وينجو لعَمْرُ اللهِ من حيث يحذر
وقد يهلك الإنسانُ من وجْه أَمْنه
وقال النووي في شرح مسلم (ح٢٨٧٧) قال العلماء : هذا تحذير من
القنوط، وحث على الرجاء عند الخاتمة , وقد سبق في الحديث الآخر قوله سبحانه
وتعالى : " أنا عند ظن عبدي بي" .
وقال العلماء : معنى ( حسن الظن بالله تعالى ) أن يظن أنه يرحمه ويعفو عنه
, قالوا: وفي حالة الصحة يكون خائفا راجيا, ويكونان سواء , وقيل: يكون
: الخوف أرجح , فإذا دنت أمارات الموت غلّب الرجاءَ أو مَّضه ; لأن مقصود
الخوف : الانكفاف عن المعاصي والقبائح, والحرص على الإكثار من الطاعات
والأعمال , وقد تعذر ذلك أو معظمه في هذا الحال , فاستحب إحسان الظن
المتضمن للافتقار إلى الله تعالى , والإذعان له. اهـ
وقال القرطبي عند تفسيره قول الله تعالى من سورة التوبة { وإن خفتم
عيْلةٍ} (٦٨/٨): السادسة: في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في
الرزق جائز وليس ذلك بمناف للتوكل وإن كان الرزق مقدراً، وأمر الله وقَسْمه
مفعولا، ولكنه علقه بالأسباب حكمة ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من
القلوب التي تتوكل على رب الأرباب . وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل قال
*: "لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا
وتروح بطانا " فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق
ابن العربي : ولكن شيوخ الصوفية قالوا : إنما يغدو ويروح في الطاعات فهو السبب
الذي يجلب الرزق قالوا: والدليل عليه أمران: أحدهما قوله تعالى: {وأمر أهلك
بالصلاة واصطبر عليهما لا نسألك رزقا نحن نرزقك} الثاني قوله تعالى: {إِليه
يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} فليس ينزل من محله وهو السماء إلا ما