Indexed OCR Text

Pages 441-460

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٤١
٣٦ - كتاب الفتن
والنقص ، والدجال أعور مكتوب بين عينيه كافر ، يقرؤها المؤمن دون الكافر كما
سبق بيانه.
قال الخطابي فيما حكاه عنه الحافظ في الفتح (١٠٣/١٣): فإن قيل كيف
يجوز أن يجري الله الآية على يد الكافر ؟ فإن إحياء الموتى آية عظيمة من آيات
الأنبياء فكيف ينالها الدجال وهو كذاب مفتر يدعي الربوبية ؟ فالجواب أنه على
سبيل الفتنة للعباد إذا كان عندهم ما يدل على أنه مبطل غير محق في دعواه وهو أنه
أعور مكتوب على جبهته كافر يقرؤه كل مسلم , فدعواه داحضة مع وسم الكفر
ونقص الذات والقدر , إذ لو كان إلهاً لأزال ذلك عن وجهه , وآيات الأنبياء سالمة
من المعارضة فلا يشتبهان . اهـ
من أين يخرج الدجال ؟ :
في حديث أبي بكر الصديق رضي ته بيان المكان الذي يخرج الدجال منه ، وهو
أرض بالمشرق يقال لها خراسان ؛ يُعَرفُها ياقوت الحموي في معجم البلدان
(٣٥٠/٢) فيقول: وهي بلاد واسعة ، أول حدودها مما يلي العراق قصبة جوين
وبيهق ، وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان ،
وتشتمل على أمهات من البلاد منها نيسابور وهراة ومرو . اهـ أي أنها منطقة تمتد
من جنوب العراق إلى أفغانستان مروراً بإيران .
ثم إنه يسير في الأرض ، فيدخل سائر البلاد إلا مكة والمدينة ، فإنهما محرمتان
عليه ؛ فلا يقدر على دخولهما ، إذ تحرسهما الملائكة ، وتصده عنهما . كما في
حديث أنس بن مالك في مسلم قال: قال رسول الله ◌ُعَلّ "ليس من بلد إلا
سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة وليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين
تحرسها ".

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٤٢
٣٦ - كتاب الفتن
أتباعه :
جاء في حديث الصديق بظل اله أن الدجال يتبعه أقوام كأن وجوههم المجان
المطرقة ، وهم أهل خراسان من الترك وغيرهم من العجم، وسيكون اليهود كذلك
من أتباعه ، وفي بعض الأحاديث أن أكثر أتباعه من الأعراب والنساء، وما ذلك إلا
لغلبة الجهل ، وضعف العقل عليهما أكثر من غيرهما .
◌ِّ أمته إلى ما يعصمها من فتنة الدجال، فحثنا على
وقد أرشد النبي
التعوذ من فتنته ، ففي مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال : رسول
الله ◌َّ إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع " اللهم إني أعوذ بك من عذاب
جهنم ، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال "
ومما يعصم من فتنة الدجال مما حثنا عليه النبي ◌ّ حفظ آيات من فواتح
سورة الكهف وفي بعض الروايات خواتيمها كما في حديث النواس بن سمعان عند.
مسلم وفيه " من أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة الكهف "
ومن أسباب العضمة منه كذلك سكنی مكة والمدينة ، لأنه لا يدخلهما
كما بيّت الأحاديث ، وينبغي للمسلم أن يجتنبه ويبتعد عنه إذا علم بخروجه ، وذلك
لشدة الشبهات التي معه ، والخوارق الكبيرة التي تجري على يديه ، وتفتن الناس .
ومن أهم ما يعصم الله تعالى به العبد من فتنة الدجال ، الاستقامة على طاعة
الله، وتعلم التوحيد ، ومعرفة أسماء الله تعالى وصفاته التي لا يشبهه فيها أحد من
خلقه ، والاجتهاد في ما يزيد به الإيمان من العلم النافع والعمل الصالح

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٤٣
٣٦ - كتاب الفتن
هلاكُه :
بَيَّن حديث أبي أمامة في الباب أن هلاك الدجال يكون على يدي المسيح
عيسى بن مريم عليه السلام ، وذلك بعد أن يظهر الدجال على الأرض كلها ، إلا
مكة والمدينة ، ويكثر أتباعه من المفتونين والضالين ، وينجي الله منه عباده المؤمنين ،
فينزل عيسى بن مريم عليه السلام عند المنارة البيضاء ؛ شرقي دمشق ، فيلتف
الصادقون من عباد الله المؤمنين حوله ، فينطلق بهم قاصداً الدجال ؛ حيث يدركه
وهو متوجه إلى بيت المقدس، فيظفر به عند باب اللد الشرقي -وهي بلدة في
فلسطين _، فيقتله بحربته هناك ، فينهزم أتباعه من اليهود وغيرهم ، فيتبعهم المؤمنون
؛ فيقتلونهم ، حتى ينادي الحجر والشجر : يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله
، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود ، وبقتله تنطفىء فتنته العظيمة والحمد لله رب
العالمين .
٢- خروج عيسى بن مريم عليه السلام :
تبين مما سبق أن عيسى بن مريم عليه السلام ينزل من السماء إلى الأرض ،
عند المنارة البيضاء شرقي دمشق ، فيقتل الدجال ، ويُنهي فتنته ، وقد جاء في
حديث فاطمة بنت قيس في الباب صفة نزوله ، وفيه أنه ينزل بين مهرودتين معناه
كما يقول النووي : لابس ثوبين مصبوغين بورس ثم زعفران .
ومن صفة نزوله أنه يكون واضعاً كفيه على أجنحة ملكين ، إذا طأطأ رأسه
قطر ، وإذا رفعه تحدر منه جمان کاللؤلؤ .
أدلة نزوله من القرآن والسنة :
جاء ذكر عيسى في التنزيل الحكيم في آيات كثيرة ، وفي بعضها إشارات إلى
نزوله إلى الأرض ، قال تعالى {ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون.

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٤٤
٣٦ - كتاب الفتن
وإنه لعلم للساعة} ومعنى قوله تعالى {وإنه لعلم للساعة} أي علامة وأمارة على
قيامها وفسرها ابن عباس رضي الله عنهما بأنه خروج عيسى بن مريم عليه السلام
قبل يوم القيامة ، رواه الإمام أحمد في مسنده ، وصححه الشيخ أحمد شاكر ..
وفي قول الله تعالى {وقولِهِم ◌ِنَّا قَتَلْنا المسيحَ عيسى بنَ مريم رسولَ الله وما
قتلوه وما صلبوه ولكنْ شُبِّه لهم } فهذه الآيات صريحة في الدلالة على أن اليهود لم
يقتلوا المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ولا صلبوه ، كما يزعمون قبحهم الله، بلى
رفعه الله إليه في السماء ، فهو هناك حي ببدنه وروحه لم يمت، وسيتزل في آخر
الزمان فيقتل الدجال ، وأتباعه من اليهود ، ويكسر الصليب ويضع الجزية ويقتل
الخترير، ويحكم فيعدل، ويكون حكمه بشريعة محمد وماّ، فيظهر الأمن والبركة،
ويعم الرخاء ويفيض المال، وتشيع المحبة بين المسلمين، كما صرحت بذلك
الأحاديث المتواترة ، ثم إنه عليه السلام يوافيه أجله فيموت كما يموت كل البشر ،
وكما مات سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، ويصلي عليه المسلمون
،ويدفن في الأرض ، ويرى الناس جميعاً أنه بشر ، ويظهر للعالمين كذب النصارى
وضلالهم فيما ادعوه من ألوهيته. ولا شك في ذلك كله ، وهو معتقد أهل السنة
قاطبة ، وهو الحق ، لا يماري فيه إلا ضال .
قال الطحاوي ( شرح الطحاوية ص ٥٦٤) : ونؤمن بأشراط الساعة : من
خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه السلام من السماء ، ونؤمن بطلوع
الشمس من مغربها ، وخروج دابة الأرض من موضعها . اهـ
وفي طبقات الحنابلة (٢٤٣/١) يحكي ابن أبي يعلى: عن الإمام أحمد بن
حنبل رضي الله عنه قوله : أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول
الله وَّ والاقتداء بهم وترك البدع وكل بدعة فهي ضلالة والإيمان أن المسيح

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٤٥
٣٦ - كتاب الفتن
الدجال خارج مكتوب بين عينيه كافر والأحاديث التي جاءت فيه والإيمان بأن ذلك
كائن وأن عيسى عليه السلام ينزل فيقتله بباب لد. اهـ
وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على تفسير الطبري (٤٦٠/٦): نزول
عيسى عليه السلام في آخر الزمان : مما لم يختلف فيه المسلمون ، لورود الأخبار
المتواترة الصحاح عن النبي ◌َّ بذلك. قال: وهذا معلوم من الدين بالضرورة ؛ لا
يؤمن من أنكره .اهـ
وقال ابن كثير في تفسيره لقول الله تعالى من سورة غافر { إنا لننصر رسلنا
في الحياة الدنيا .. }(٩٠/٤): ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة
والسلام إماما عادلا وحكما مقسطا فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود ويقتل
الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام وهذه نصرة عظيمة وهذه
سنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقر
أعينهم ممن آذاهم .
وقال عند تفسيره لقول الله تعالى من سورة الزخرف { وإنه لعلم للساعة}
(١٤٣/٤): وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله وَطّ أنه أخبر بترول عيسى عليه
السلام قبل يوم القيامة إماما عادلا وحكما مقسطا. اهـ
وقال البغوي في شرح السنة (٨١/١٥): قوله"يكسر الصليب" يريد إبطال
النصرانية، والحكم بشرع الإسلام ، ومعنى "قتل الخترير "تحريم اقتنائه وأكله، وإباحة
قتله .
(لطيفة): ترجم الإمام الذهبي لعيسى عليه السلام في كتابه " تجريد أسماء
الصحابة" ، فقال : عيسى بن مريم عليه السلام : صحابي وني ، فإنه رأى النبي
ليلة الإسراء ، وسلّم عليه ، فهو آخر الصحابة موتاً. اهـ

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٤٦ :
٣٦ - كتاب الفتن
٣- يأجوج ومأجوج :
أصلهم :
هم من ذرية آدم وحواء عليهما السلام ، ويخرجون في آخر الزمان،
فیفسدون علی الناس معايشهم .
ويأجوج ومأجوج لفظان عربيان، مشتقان من أجيج النار: تَوَقّدها، أو
من الأجاج ، الماء الملح الشديد الملوحة ، أو من الأج: الإسراع والهرولة ، وقيل من
ماج : إذا اضطرب، ويؤيده قول الله تعالى {وتر كنا بعضهم يومئذ يموج في بعض}،
وذلك عند خروجهم من السد. ( من النهاية لابن الأثير ٢٥/١)
أما إذا كان الاسمان أعجميين فليس لهما اشتقاق .
صفتهم :
هم رجال أشداء، لا قِبَل لأحد بقتالهم ، لكثرة عددهم ، وقوة أبدانهم،
وجلدهم في الحروب ، ومن أوصافهم ؛ أنهم صغار العيون ، عراض الوجوه ، كأن
وجوههم المجان المطرقة ، أبي كالتروس ، ويشبه أن يكونوا من الترك ، وخروجهم في
آخر الزمان علامة على قرب الساعة .
وقد ذكروا في القرآن في قوله تعالى { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل
حدب ينسلون ، واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا
قد کنا في غفلة من هذا بل کنا ظامین } وفي قوله تعالى من سورة الكهف {قالوا يا.
ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن
تجعل بيننا وبينهم سدا} .
فإذا جاء الوقت المقدر لخروجهم ، اندك ذاك السد ، واندفعوا خارجين ، في
جموع غفيرة ، فينشرون الرعب في الناس ، ويعيثون في الأرض فساداً .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٤٧
٣٦ - كتاب الفتن
وفي السنة النبوية تفصيل خبرهم ، ففي الصحيحين من حديث زينب بنت
جحش رضي الله عنها أن رسول الله وَ ﴿ دخل عليها يوماً فزعاً يقول: "لا إله إلا
الله ، ويل للعرب من شر قد اقترب ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه
(وحلق بإصبعيه الإبهام والتي تليها ) قالت زينب بنت جحش : فقلت يا رسول الله !
أفنهلك وفينا الصالحون ؟ قال: نعم ؛ إذا كثر الخبث"
وفي الباب هنا أن عددهم كثير حتى إنهم ليشربون كل الماء من بحيرة طبرية ،
وأن عيسى عليه السلام وأصحابه من المؤمنين يدعون عليهم ، فيستجيب الله تعالى
لدعائهم ؛ فيرسل على يأجوج ومأجوج وباء فتاكاً فيحصدهم حصداً ، فيصبحون
قتلى ، كموت نفس واحدة ، ويملأ نتن جثثهم الأرض ، فيتوجه عيسى عليه السلام
وأصحابه بالدعاء إلى الله ، فيرسل الله تعالى طيراً كأعناق الإبل فتحملهم ،
فتطرحهم حيث شاء الله، ثم يرسل الله تعالى مطراً يغسل الأرض ويطهرها من آثار
جثثهم ، وبعدها يأمر الله تعالى الأرض أن تخرج ثمرتها ، ويلقي الله البركة في هذه
الثمار حتى إن الجماعة من الناس ليأكلون من الرمانة الواحدة ويستظلون بقشرها ،
ويبارك الله تعالى في حليب الإبل والبقر والغنم . وبينما هم على هذه الحال الرغدة ،
يرسل الله تعالى ريحاً طيبة ، فتقبض روح كل مسلم ، ويبقى شرار الناس ؛
يتهارجون تهارج الحمر ،أي يفعلون ما يفعل الحمر من المسافدة والمشاكسة، وعلى
هؤلاء تقوم الساعة ، نسأل الله العافية .
٤- الخسوفات الثلاثة :
أصل الخسوف في اللغة : المغيب ، ومنه خسف الأرض ، وهو سَوْخها بما
عليها . كما في مشارق الأنوار للقاضي عياض (٢٤٧/١).

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٤٨
٣٦ - كتاب الفتن
والمراد بالخسوفات الثلاثة في الأحاديث : الخسوفات التي هي من أشراط
الساعة الكبرى ..
وهي خسف بالمشرق ، وخسف بالمغرب ، وخسف في جزيرة العرب ، وستكون
خسوفات كبيرة ؛ تضرب مساحات عظيمة في مشارق الأرض ومغاربها وفي جزيرة
العرب ، ولم يقع من هذه الخسوفات شيء بعد ، على أنه قد وقع خسوفات صغيرة
في أماكن متفرقة، وفي أزمان متباعدة ، وليست هي المرادة في الأحاديث . بل المراد
: الخسوفات العامة الكبيرة ، وهذه إنما تقع إذا ظهر الخبث في الناس ، وفشت المعاصي
في الأرض ، وقد ظهر الآن الخبث، وفشت المعاصي ، وكأن العالم قد دنا من زمان
الخسف ، وأوشك أن يلاقي العذاب المرتقب .
٥- الدخان :
ومن أشراط الساعة الكبرى المنتظرة ظهور الدخان ، وهو دخان حقيقي يملأ
ما بين السماء والأرض ، فيأخذ الكافر أخذاً شديداً ؛ يثقب مسامعه ، ويكون أثره
على المؤمن هيناً سهلاً كأثر الزكام . وهذا هو الراجح من قولي أهل العلم في تفسير
الدخان في قول الله تعالى { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين}، والقول الثاني
أن المراد بالدخان ما توعد الله تعالى به قريشاً حين صدوا عن رسول الله
وعارضوا دعوته ، فأصبحوا يرون في السماء كهيئة الدخان ، وإليه ذهب عبد الله بن
مسعود بنظُلُّه، وبيّن أن النبي ◌َّ دعا على قريش حين أبطئوا عن الإسلام فقال:"
: اللهم أعنِّي عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حتى هلكوا فيها ، وأكلوا الميتة
والعظام ، ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان. ورجحه ابن جرير
الطبري .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٤٩
٣٦ - كتاب الفتن
وما وقع كان خيالاً رأوه من شدة الهزال والضعف بسبب الجوع ، أما
الدخان الذي هو آية على قرب الساعة ، فإنه لم يأت بعد ، وهو من علامات
الساعة الكبرى ، وإليه ذهب ابن عباس وجماعة من الصحابة ، وهو الصواب والله
أعلم .
قال القرطبي في تفسيره لقول الله تعالى {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان
مبين } : وفي الدخان أقوال ثلاثة : الأول أنه من أشراط الساعة لم يجىء بعد وأنه
يمكث في الأرض أربعين يوما يملأ ما بين السماء والأرض فأما المؤمن فيصيبه مثل
الزكام وأما الكافر والفاجر فيدخل في أنوفهم فيثقب مسامعهم ويضيق أنفاسهم وهو
من آثار جهنم يوم القيامة وممن قال إن الدخان لم يأت بعد : علي وابن عباس وابن
عمر وأبو هريرة وزيد بن علي والحسن وابن أبي ملكية وغيرهم وروى أبو سعيد
الخدري مرفوعا أنه دخان يهيج بالناس يوم القيامة يأخذ المؤمن منه كالزكمة وينفخ
الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه ، ذكره الماوردي .
القول الثاني: أن الدخان هو ما أصاب قريشا من الجوع بدعاء النبي من
صَلى الله
حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخانا قاله ابن مسعود قال : وقد كشفه
الله عنهم ولو كان يوم القيامة لم يكشفه عنهم .
وقيل : هو إخبار عن دنو الأمر كما تقول : هذا الشتاء فأعدّ له . اهـ
٦- طلوع الشمس من مغربها :
ومن علامات الساعة الكبرى طلوع الشمس من مغربها ، وهي ثابتة بالقرآن
والسنة ، وهي من أعظم الآيات على دنو الساعة ، وعندها لا يقبل من كافر إيمان ،
ولا من عاص توبة ، وذلك إلى قيام الساعة، قال الله تعالى {يوم يأتي بعض آيات
ربك لا ينفع نفساً إيمانُّها لم تكنْ آمَنَتْ من قبل أو كسَبتْ في إيمانها خيراً} ،

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٥٠
٣٦ - كتاب الفتن:
قال القرطبي : قال العلماء : وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من مغربها
!
لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس وتفتر
کل قوة من قوی البدن قیصیر الناس كلهم لإيقافهم بدنو القيامة في حال من حضره
الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم فمن تاب في
مثل هذه الحال لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت قال : إن الله
يقبل توبة العبد ما لم يغرغر أي تبلغ روحه رأس حلقه وذلك وقت المعاينة الذي
يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله
وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة کل من شاهد ذلك أو کان کالشاهد له مردودة ما
عاش لأن علمه بأن الله تعالى ونبيه
وبوعده قد صار ضرورة.اهـ
صلاته
قال ابن كثير في تفسيرها (٢٠٣/٢): أي إذا أنشأ الكافر إيمانا يومئذ لا
يقبل منه فأما من كان مؤمنا قبل ذلك فإن كان مُصلحا في عمله فهو بخير عظيم وإِنْ
كان لم يكن مصلحا فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه توبته كما دلت عليه الأحاديث
المتقدمة وعليه يحمل قوله تعالى {أو كسبت في إيمانها خيراً} أي لا يقبل منها كسب
عمل صالح إذا لم يكن عاملا به قبل ذلك وقوله تعالى {قل انتظروا إنا منتظرون }
تهديد شديد للكافرين ووعيد أكيد لمن سوَّف بإيمانه وتوبته إلى وقت لا ينفعه ذلك
وإنما كان هذا الحكم عند طلوع الشمس من مغربها لاقتراب الساعة وظهور
أشراطها كما قال {فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها فأتى
لهم إذا جاءتهم ذكراهم} وقوله تعالى {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده
وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا}.اهـ

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٥١
٣٦ - كتاب الفتن
٧- الدابة :
ومن علامات قرب الساعة ظهور دابة الأرض ،وذلك حين يزداد فسق
الناس وعتوهم ، وتماديهم في العصيان والطغيان ، وإعراضهم عن آيات الله ،
ورفضهم الاستجابة للمواعظ والنصح ، فإذا بلغ حالهم إلى هذا أخرج الله لهم دابة
من الأرض تكلمهم فيعلمون عند ذاك أنهم مستحقون للعذاب لكفرهم بالله
وإعراضهم عن آياته .
وهي دابة تنطق وتعقل ، فتكون للناس آية ، وظهورها ثابت بالقرآن
والسنة ، قال تعالى { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن
الناس كانوا بآياتنا لا يؤمنون }، وفي حديث أبي هريرة في الباب أنها تخرج ومعها
خاتم سليمان ، وعصا موسى ، فتجلو وجه المؤمن بالعصا ، وتخطم أنف الكافر
بالخاتم ، وقد اختلف أهل العلم في تعيينها ، ورجح القرطبي في التفسير أنها فصيل
ناقة صالح.
وقال الشيخ سيد قطب رحمه الله في تفسيره (٢٦٦٧/٥): ومما يلاحظ أن
المشاهد في سورة النمل مَشاهد حوار ، وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير
والجن وسليمان عليه السلام ، فجاء ذكر الدابة وتكليمها الناس متناسقاً مع مشاهد
السورة وجوِّها، محققاً لتناسق التصوير في القرآن ، وتوحيد الجزئيات التي يتألف منها
المشهد العام . اهـ
قال ابن الجوزي في زاد المسير (١٩٠/٦): قوله تعالى {وإذا وقع القول
عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض } وقع بمعنى وجب .
قال : وفي المراد بالقول ثلاثة أقوال :

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٥٢
٣٦ - كتاب الفتن
أحدها : العذاب قاله ابن عباس ، والثاني : الغضب قاله قتادة ، والثالث : الحجة قاله
ابن قتيبة .
وأما متى يقع ذلك ؟ ففيه قولان :
أحدهما : إذا لم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر، قاله ابن عمر وأبو سعيد
الخدري
والثاني : إذا لم يرج صلاجهم . حكاه أبو سليمان الدمشقي وهو معنى قول أبي
العالية والإشارة بقوله عليهم إلى الكفار الذين تخرج الدابة عليهم . اهـ
وفي معنى وقع القول قال الشوكاني في فتح القدير (١٥١/٤): واختلف في
معنى وقوع القول عليهم ، فقال قتادة : وجب الغضب عليهم ، وقال مجاهد : حق
القول عليهم بأنهم لا يؤمنون ، وقيل : حق العذاب عليهم ، وقيل : وجب السخط
، والمعاني متقاربة. وقيل المراد بالقول : ما نطق به القران من مجىء الساعة وما فيها
من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها ، وقيل : وقع القول بموت العلماء وذهاب.
العلم ، وقيل: إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ، والحاصل أن المراد بوقع
وجب والمراد بالقول مضمونه. اهــ
***

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٥٣
٣٧- كتاب الزهد
٣٧ - كتاب الزهد
(١) باب الزهد في الدنيا
٤١٠٠ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ الْقُرَشِيُّ حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةً
بْنِ حَلْبَسٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي ذَرِّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ لَيْسَ الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا بِتَحْرِ الْحَلَالِ وَلَا فِي إِضَاعَةِ الْمَالِ وَلَكِنْ
الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ مِنْكَ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ وَأَنْ تَكُونَ فِي
تَوَابِ الْمُصِيبَّةِ إِذَا أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ مِنْكَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أَبْقِيَتْ لَكَ .
قَالَ هِشَامٌ كَانَ أَبُو إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ يَقُولُ مِثْلُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْأَحَادِيثِ كَمِثْلٍ
ضعيف جداً
الْإِبْرِيِ فِي الذّهَبِ .
٤١٠١- حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ
أَبِي فَرْوَةَ عَنْ أَبِي خَلَّادٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ مَّ إِذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ
قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا وَقِلَةَ مَنْطِقٍ فَاقْتُرِبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ ضعيف.
٤١٠٢ - حَدَّثْنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ أَبِي السَّفَرِ حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادِ حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَمْرِو
الْقُرَشِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي خَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ قَالَ أَتَّى النَّبِيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلْنِى عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي
اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ
وَأَزْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ .
صبيع
٤١٠٣ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ أَثْبَأَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ سَمُرَةً
بْنِ سَهْمٍ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ تَزَلْتُ عَلَى أَبِي هَاشِمٍ بْنِ عُتْبَةً وَهُوَ طَعِينٌّ فَأَتَاهُ مُعَاوِيَةُ

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٥٤
٣٧٠ - كتاب الزهد
يَعُودُهُ فَبَكَى أَبُوِ هَاشِمٍ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ مَا يُبْكِيكَ أَيْ خَالِ أَوَجَعٌ يُشْفِرُكَ أَمْ عَلَى الدُّنْيَا
فَقَدْ ذَهَبَ صَفْوُهَا قَالَ عَلَّى كُلِّ لَا وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ عَهِدَ إِلَيَّ
عَهْدًا وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ تَبَعْتُهُ قَالَ إِنَّكَ لَعَلَّكَ تُدْرِكُ أَمْوَالًا تُقْسَمُ بَيْنَ أَقْوَامٍ وَإِنَّمَا
يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَدْرَكْتُ فَحَمَعْتُ . حسن
٤١٠٤ - حَدَّثْنَا الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ حَدَّثْنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ
ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ قَالَ اشْتَكَى سَلْمَانُ فَعَادَهُ سَعْدٌ فَرَآهُ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا يُبْكِيكَ يَا
أَخِي أَلَيْسَ قَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْسَ أَلَيْسَ قَالَّ سَلْمَانُ مَّا
أَبْكِي وَاحِدَةً مِنْ اثْنَيْنِ مَا أَبْكِي ضِيًّا لِلدُّنْيَا وَلَا كَرَاهِيَةً لِلْآخِرَةِ وَلَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدُ إِلَيَّ عَهْدًا فَمَا أُرَانِي إِلَّا قَدْ تَعَدَّيْتُ قَالَ وَمَا عَهِدَ إِلَيْكَ قَالَ
عَهِدَ إِلَّ أَنَّهُ يَكْفِي أَحَدَكُمْ مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ وَلَا أُرَانِ إِلَّا قَدْ تَعَدَّيْتُ وَأَمَّا أَنْتُ يَِنَا
سَعْدُ فَاتَّقِ اللَّهَ عِنْدَ حُكْمِكَ إِذَا حَكَمْتَ وَعِنْدَ قَسْمِكَ إِذَا قَسَمْتَ وَعِنْدَ هَمِّكَ إِذَا
هَمَمْتَ .
صبيع
قَالَ ثَّابِتٌ : فَلَغَنِي أَنَّهُ مَا تَرَكَ إِلَّا بِضْعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا مِنْ نَفَقَةٍ كَانَتْ عِنْدُهُ
.
الغريب :
يُشتِّرُك أي يُفْلِقُكِ يقَالِ شَهِر وشُئِر فهو مَشِئُورٌ وأشْأَزَه غيره وأصلُه الشأُرُ
وهو الموضعُ الغليظُ الكثيرُ الحجارة (النهاية ٤٣٦/٢)
الشرح : اشتمل حديث سهل بن سعد الساعدي على وصيتين نبويتين
عظيمتين ؛ إحداهما الزهد في الدنيا، والثانية : الزهد فيما في أيدي الناس ، وأن
الأول مقتض لمحبة الله تعالى والثاني مقتض لمحبة الناس .
والأحاديث في ذم الدنيا والتعلق بها ، والانشغال بجمع فضولها عن أمر
الآخرة، كثيرة، ولهذا تواردت أقوال الأئمة وأهل العلم من السلف الصالح في

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٥٥
٣٧ - كتاب الزهد
التحذير من الاغترار بالدنيا والافتتان بزينتها ، والحث على علو الهمّة والتحافي عن
الدنيا ، والانشغال بما هو أنفع وأبقى من العمل الصالح .
والزهد الحقيقي مداره على صحة اليقين بالله الرزاق ، وقوة هذا اليقين ،
فمن كان قويّ الإيمان ، صحيحَ اليقين ، وثق بالله في أموره كلها ، وأحسن التوكل
عليه ، وترك المزاحمة على فضول الدنيا ، وانشغل بمحاب الله تعالى من أنواع العبادة
، فيما فتح الله له ، من ذكر وصلاة ، وصدقة ، وعلم ، ودعوة إلى الله ، وأمر
بالمعروف ونهي عن المنكر ، وجهاد في سبيل الله .
فإذا انشغل بذلك ورضي بما قسم الله له من نعم الدنيا ، ووطن نفسه على
القناعة بما رزق منها وعلى التقلل من أمرها ، في الطعام ، واللباس ، والمراكب ،
والرياسات المشتملة على حب الدنيا ، والترفع فيها على الناس ، ارتاح قلبه ، وذلك
أن الاستكثار منها مما يجلب الهمّ والغمّ .
على أن ما جاء من رئاستها ، مما تعيّن علي العبد القيام به ، إذا كان ممن
وهبه الله تعالى العلم، والصلاح ، وقوة النفس ، فعليه أن يقوم حيث أقامه الله تعالى
، خدمة للدين، وإصلاحاً للناس ، ولا يقول : أزهد في الرياسة لما فيها من وجاهة ،
وزينة، وما تدعو إليه من التفاخر والكبر، بل يقبلها إن علم في نفسه مقدرة على
الإصلاح والنفع ، والسلامة من الظلم ، والسكوت عن المنكرات ، ونحو ذلك مما
يضره في دينه ، فإن خشي وقوع شيء من ذلك فلا يقبل ، فالعاقل الموفق لا يعدل
بالسلامة في دينه شيئاً ، ولهذا قالوا : إنما الزهد في القلب ، كما أُثر عن غير واحد
من سلفنا الصالحين.
فحُسْن التوكل على الله تعالى ، وصدق اليقين به سبحانه هو عين الغنى ،
فمن تحقق من ذلك كان زاهداً ، وكان غنياً ، وإن خلت يدُه من فضول الدنيا .

٤٥٦
إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٧ - كتاب الزهد
وليس وجود المال مع المرء ماتعاً ومعارضاً لأن يكون زاهداً في الدنيا ، بل
إنه يكون من الزاهدين إذا اكتسب ماله من الحلال ، وأنفقه في محابّ الله ، فوصل.
منه أرجامه ، وأحسن إلى جيرانه ، أو جهّز غازياً، أو خلفه من هذا المال في أهله
بخير، أو غير ذلك من وجوه البر والإحسان ، فهذا زهد الراشدين العالمين ؛ لا زهد
الجاهلين ، وقد سئل الإمام أحمد عمّن معه مال : هل يكون زاهداً ؟ فقال : إن كان
لا يفرح بزيادته ، ولا يحزن بنقصه .
ومراد أحمد رحمه الله ، التنبيه على ألا يكون المال فتنة ينشغل المرء به فيذهب
معه عقله حيث ذهب ، فيدور حول المالى سرورُه وأحزانه ، فينسى أمر الآخرة .
أما إذا فرح بالمزيد من الربح في تجارته لما يُمَكّنه ذلك من زيادة العمل
الصالح ، والتقرب إلى الله تعالى، ففرحه بهذه النية هو من العمل الصالح، وكذا
حزنه على تلف ماله ، الذي يستغني به عما في أيدي الناس ، ويكتفي به عن
الوقوف بأبواب السلاطين ، فيصون دينه عن النقص ، فحزنه هذا ليس مذموماً ، بل
المذموم ما كان حزناً مجرداً على فوات الدنيا ، لشدة تعلقه بها . وقد روي أن سفيان
الثوري حزن على تجارة له غرقت ، فعوتب في ذلك ، فقال : إنما مالي قوام ديني .
فكل ما أصاب العبد في الدنيا من المال يريد به الدنيا وتفاخرها وزينتها فهو
متاع الغرور ، لأنه يلهيه عن طلب الآخرة ، وكل ما كان منها بلاغاً إلى ما هو خير
منها ، فليس بمذموم ، وليس هو من متاع الغرور .
يقول أبو سليمان : ليس الزاهد من ألقى هموم الدنيا واستراح منها ، إنما
الزاهد من زهد في الدنيا، وتعب فيها للآخرة. فالزاهد في الدنيا على هذا النحو
يحبه الله ، والزاهد فيما في أيدي الناس يحبه الناس ، فقد روي أن أعرابياً سأل ناساً
سع

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٥٧
٣٧- كتاب الزهد
من أهل البصرة : من سيد القوم في بلدكم ؟ فقالوا : الحسن ، أي البصري ، فقال :
بم سادهم ؟ قالوا : احتاج الناس إلى علمه ، واستغنى هو عن دنياهم.
وقال ربيعة : رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها ، ووضعها في حقها .
وقال سفيان الثوري : الزهد في الدنيا قصر الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا
بلبس العباء . وقال : كان من دعائهم : اللهم زهِّدنا في الدنيا ، ووسِّع علينا منها ،
ولا تزْوها عنا فترغِّبنا فيها .
وروى ابن أبي الدنيا في كتابه "اليقين" عن عمّار قوله : كفى بالموت واعظاً
، وكفى باليقين غنى ، وكفى بالعبادة شغلاً .
وقال ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (١٨٠/٢): قيل لأبي
حازم الزاهد : ما مالك ؟ قال : لي مالان ؛ لا أخشى معهما الفقر : الثقة بالله ،
واليأس مما في أيدي الناس. اهـ
وقيل له : أما تخاف الفقر ؟ فقال : أنا أخاف الفقر ومولاي له ما في
السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى ؟!
وقال الفضيل بن عياض: أصل الزهد الرضا عن الله رَحَق ، وقال : القنوع
هو الزهد وهو الغنى.
قال ملا علي القاري في المرقاة (١٦٠/٩): قوله: ( الزهادة في الدنيا أي
ترك الرغبة فيها ( ليست بتحريم الحلال ) كما يفعله بعض الجهال زعما منهم أن
هذا من الكمال فيمتنع من أكل اللحم أو الحلواء ، والفواكه ، وليس الثوب الجديد
ومن التزوج ونحو ذلك وقد قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما
أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين }

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٥٨
٣٧- كتاب الزهد
" ولا إضاعة المال" أي بتضييعه وصرفه في غير محله بأن يرميه في بحر أو
يعطيه للناس من غير تمييز بين غني وفقير، وحاصله أنه لا عبرة بالزهادة
الظاهرة. اهـ
يشير ملا علي القاري رحمه الله إلى ما اشتهر عن جهلة المتصوفة من إضاعة
المال على النحو المذكور ، اعتقادا منهم أن إمساكهم للمال يقدح في الإيمان ،
ويفسد الولاية، وهذا من الجهل، ولو أنهم إذ رزقوا شيئاً من نعم الله ، أمسكوا
منها قدر حاجتهم ، وحاجة أهليهم ، ثم تقربوا بما زاد على ذلك إلى الله ، بالتصدق
بها في سبيل الله، لا رميها أو إتلافها لكان خيراً لهم وأقوم ، والله أعلم.
وفي الصحيحين أن سعد بن أبي وقاص مرض فعاده النبي ◌ّ ، فعرض
سعد على النبي ◌ُ ◌ّ أن يتصدق بثلثي ماله، فقال له النبي ﴿: لا، فقال سعد:
بالشطر فقال: لا ثم قال ﴿: "بالثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء
خیر من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ".
وقول سلمان نظرته في حديث أنس "فما أُراني إلا قد تعديت" هو من فرط
خشيته لله تعالى ، وعظيم فقهه في أن لنعم الله تعالى على العباد تبعات ، وأنهم
موقوفون بين يدي الله تعالى ومسئولون عنها ، وهو أيضاً من تمام تواضعه
والترول بنفسه عن منزلتها ، هضماً لها لتنهض إلى المزيد من الطاعة ، والإقبال على
الآخرة.
وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (٢٣٥/٦) قول ابن الجوزي عما تركه
الزبير بن العوام ظلله من ثروة طائلة: فيه رد على من كره جمع الأموال الكثيرة من
جهلة المتزهدين ، قال الحافظ : وتعقب بأن هذا الكلام لا يناسب مقامه من حيث

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٥٩
٣٧- كتاب الزهد
كونه لِجاً بالوعظ ، فإن من شأن الواعظ التحريض على الزهد في الدنيا والتقلل
منها ، وكون مثل هذا لا يكره للزبير وأنظاره لا يطرد. اهـ
(٢) باب الهمّ بالدنيا
٤١٠٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةً عَنْ عُمَرَ بْنِ
سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيِهِ قَالَ خَرَجَ زَيْدُ
بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ قُلْتُ مَا بَعَثَ إِلَيْهِ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِشَيْءٍ سَلَّلَ
عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ سَأَلْنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ لَّ سَمِعْتُ رَسُولَ مَلُ
يَقُولُ مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ
الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَحَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ
وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ. صحيح
٤١٠٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا حَدَّتْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
ثُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ النَّصْرِيِّ عَنْ نَهْشَلٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَالَ عَبْدُ
اللّهِ سَمِعْتُ نَّكُمْ وَّ يَقُولُ مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمَّ وَاحِدًا هَمَّ الْمَعَادِ كَفَهُ اللّهُ هَمَّ
دُنْيَاهُ وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِى أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِ.
حسن
٤١٠٧ - حَدَّثْنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ
زَائِدَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي خَالِدِ الْوَالِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَدْ رَفَعَهُ قَالَ
يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَا ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأُ صَدْرَكَ غِنِّى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ وَإِنْ لَمْ
تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ .
ـيم
مـ

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٦٠
٣٧ - كتاب الزهد
الشرح : في هذه الأحاديث وعيد من الله شديد لمن كانت الدنيا أكبرَ همّه ،
فهو مقبل عليها بكليته ، يجمع حطامها ، في نهم لا ينقضي ، منشغل بذلك عن
الآخرة ، فمن كانت هذه حاله ، عوقب بشتات القلب ، فلا يزال لاهثاً وراء المال
والمناصب والشهوات ، يعبّ منها ، لكنه لا يشبع ولا يرتوي ، ولا يكتفي ، بل
يظل في طلب المزيد ، غافلاً عن أنه لا يأتيه إلا ما كتب الله له من الرزق ، وأن حاله
هذا هو عين الفقر، حيث لا تنتهي حاجته ، ولا يحصل له الرضى بما جمع من المال
، وهو معنى قوله ﴿ في الحديث: " وجعل فقره بين عينيه".
وفي المقابل حال الرجل الصالح الذي جعل الآخرة همه ، فهو في سعي دائم
لتحصيل الحسنات ، والوصول إلى مرضاة رب الأرض والسماوات ، مع حُسن
توكله على الله، فهذا يجمع الله له أمره ، ويرزقه القناعة والرضى وغنى النفس،
ويبارك له في ماله وصحته وأولاده ، وهذا هو الغِنى الحقيقي .
فالمذموم في الأحاديث من أكبّ على الدنيا يجمع حطامها ، في انقطاع عن
الآخرة، أما من كان له تجارة ناجحة ، يسعى في نمائها، وهو مؤمن، يعمل
الصالحات ، غيرَ غافل عن أمر آخرته ، قائماً بحق الله تعالى في ماله ، فيخرج زكاته
، ويتصدق في سبيل الله ، فهو من الفريق الثاني الذي جعل الآخرة همه .
وفي الحديث القدسي " يا ابن آدم تفرغ لعبادتي ، أملأ صدرك غنى .. " بيان
أن على المسلم أن يفرغ قلبه من كل شوائب الشرك بالله تعالى ، وأن يكون قلبه
مملوءاً بتوحيد الله تعالى ، وأن يحقق العبودية له سبحانه، فلا يعبد سواه ، إذا هو
وحده المعبود بحق ، إليه وحده الإنابة ، وفيه وحده الرجاء ، وعليه وحده التوكل ،
كما أن له وحده نركع ونسجد ، قال تعالى { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي
لله رب العالمين لا شريك له } كما تشتمل العبودية أيضاً في معناها على كل ما يلزم