Indexed OCR Text
Pages 481-500
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨١
٢٩ - كتاب الأطعمة
لأنها تمنع عن حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين , وحجة الجمهور : قوله
في أحاديث الباب: ( كلّ؛ فإني أناجي من لا تناجي). وقوله مُطّ: (أيها
الناس إنه ليس لي تحريم ما أَحلّ الله لي ) قال العلماء : ويلحق بالثوم والبصل
والكراث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها .
قال العلماء : وفي هذا الحديث دليل على منع آكل الثوم ونحوه من دخول
المسجد - وإن كان خاليا - لأنه محل الملائكة, ولعموم الأحاديث. قوله وعَ:
( من أكل من هذه الشجرة الخبيثة ) سماها خبيثة لقبح رائحتها ، قال أهل اللغة :
الخبيث في كلام العرب المكروه من قول أو فعل أو مال أو طعام أو شراب أو
شخص. قوله : (أيها الناس إنه ليس لي تحريم ما أحل الله لي , ولكنها شجرة
أكره ريحها) فيه دليل على أن الثوم ليس بحرام, وهو إجماع من يعتد به . اهـ
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣٤٣/٢): واستدل بأحاديث الباب على
أن صلاة الجماعة ليست فرض عين . قال ابن دقيق العيد لأن اللازم من منعه أحد
أمرين : إما أن يكون أكل هذه الأمور مباحا فتكون صلاة الجماعة ليست فرض
عين , أو حراما فتكون صلاة الجماعة فرضا. وجمهور الأمة على إباحة أكلها فيلزم
أن لا تكون الجماعة فرض عين. وتقريره أن يقال : أكل هذه الأمور جائز , ومن
لوازمه ترك صلاة الجماعة , وترك الجماعة في حق آكلها جائز , ولازم الجائز جائز
وذلك ينافي الوجوب .
وتعقبه الشيخ عبد العزيز بن باز في تعليقه على الفتح فقال : ليس هذا
التقرير بجيد ، والصواب أن إباحة أكل هذه الخضرات ذوات الرائحة الكريهة لا
ينافي كون الجماعة فرض عين ، كما أن حضور الطعام يسوغ ترك الجماعة لمن قدم
بين يديه مع كون ذلك مباحاً .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٢٠
.٢٩- كتاب الأطعمة
وخلاصة الكلام أن الله سبحانه يسَّر على عباده ، وجعل مثل هذه المباحات
عذراً في ترك الجماعة لمصلحة شرعية، فإذا أراد أحد أن يتخذها حيلة لترك الجماعة
حرم عليه ذلك "أهـ
وما ذهب إليه الشيخ ابن باز هو الراجح والله أعلم .
وفي منار السبيل من كتب الحنابلة (٤٢١/٢): ويكره أكل بصل وثوم
ونحوهما ككرات وفجل صرح أحمد بأنه كرهه لمكان الصلاة وعن جابر مرفوعاً "من
أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسحدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو
آدم" متفق عليه .
وما لم ينضج بطبخ لحديث أبي أيوب في الطعام الذي فيه الثوم قال فيه
أحرام هو يا رسول الله ؟ قال لا ، ولكني أكرهه من أجل ريحه .
وعن عائشة قالت "إن آخر طعام أكله رسول الله (﴿ّ فيه بصل" رواه أبو
داود وقال عمر في خطبته في البصل والثوم فمن أكلها فليمتها طبخا" رواه مسلم
والنسائي وابن ماجه .
وقال الطحاوي في شرح معاني الآثار (٢٣٩/٤): فقد أباح رسول الله
في هذه الآثار للناس أكل البصل والكراث ، وأن ذلك غير محرم ، فإن قال قائل:
هذا الذي ذكرت إنما هو على ما كان منهما قد طبخ فأما ما كان غير مطبوخ فهو
داخل في النهي الذي في الآثار الأول، قيل له قد قال رسول الله ﴿ّ فيما ذكرننا
عنه في هذه الآثار إنما كرهه لريحه وقد أباح أصحابه أكله فما كانت ريحه فيه قائمة
بعد الطبخ كان على حكمه قبل الطبخ ، إذ كان إنما كره أكله فيهما جميعا من أجل
ريحه ، فدل إباحته أكله لهم بعد الطبخ وريحه موجودة على أن أكلهم إياه قبل الطبخ
مباح لهم أيضا .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٣
٢٩ - كتاب الأطعمة
قال : فقد دل ما ذكرنا على إباحة أكلها مطبوخا كان أو غير مطبوخ
لمن قعد في بيته ، وكراهة حضور المسجد وريحه موجود ؛ لئلا يؤذي بذلك من
يحضره من الملائكة وبني آدم ، فبهذا نأخذ ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد
رحمهم الله تعالى. اهـ
(٦٠) باب أكل الجبن والسمن
٣٣٦٧ _ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ مُوسَى السُّدِّيُّ حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ هَارُونَ عَنْ سُلَيْمَانَ
التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنْ سَلْمَانَ الْغَارِسِيِّ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّمْنِ وَالْحُبْنِ وَالْفِرَاءِ قَالَ الْحَلَّالُ مَا أَحَلَ اللّهُ فِي كِتَابِ وَالْحَرَامُ مَد
حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَّفَا عَنْهُ .
حسن
الشرح : في الحديث أن الحلال ما بين الله حله ، وجاء النص صريحاً بذلك
، وأن الحرام ما بَّن الله تعالى تحريمه وورد النص صريحاً في التحريم ، أما ما سكت
عنه الشارع فلم يبين حكمه ، فهو مما عفا عنه أي أنه ملحق بالقسم الأول وهو
الحلال ، فما لم يرد النص بتحريمه فهو عفو ؛ أي مباح ؛ مأذون فيه ، فالأصل في
الأشياء الإباحة ، حتى يدل الدليل على التحريم ، وهو مذهب الشافعي رحمه الله ،
وأما عند أبي حنيفة رحمه الله فالأصل فيها التحريم حتى يدل الدليل على الإباحة
ويظهر أثر الخلاف في المسكوت عنه كما يقول السيوطي في الأشباه
والنظائر (ص ١٣٣): ويعضد الأول قوله ﴿ " ما أحل الله فهو حلال، وما
حرّم فهو حرام ، وما سكت عنه فهو عفو ، فاقبلوا من الله ، فإن الله لم يكن لينسى
شيئاً " أخرجه البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء بسند حسن ، وروى الطبراني
أيضاً من حديث أبي ثعلبة " إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء فلا
تنتهكوها ، وحد حدوداً فلا تعتدوها ، وسكت عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٤
٢٩ - كتاب الأطعمة
عنها ، وفي لفظ " وسكت عن كثير من غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة لكم فاقبلوها
" وروى الترمذي وابن ماجه من حديث سلمان - فذكر حديث الباب وقال:
ويتخرج عن هذه كثير من المسائل المشكل حلها "
وقال الشاطبي في الموافقات (١٧٣/١): وأما النوع الثالث وهو العمل بما
هو مسكوت عن حكمه ففيه نظر فإن خلوّ بعض الوقائع عن حكم الله مما اختلف
فيه فأما على القول بصحة الخلو فيتوجه النظر وهو مقتضى الحديث .
قال : وما سكت عنه فهو عفو وأشباهه مما تقدم وأما علي القول الآخر
فيشكل الحديث إذ ليس ثَم مسكوت عنه بحال ، بل هو إما منصوص وإما مقيس
على منصوص ، والقياس من جملة الأدلة الشرعية فلا نازلة إلا ولها في الشريعة محل
حكم ، فانتفى المسكوت عنه إذًا ، ويمكن أن يصرف السكوت على هذا القول إلى
ترك الاستفصال مع وجود مظنته وإلى السكوت عن مجاري العادات مع استصحابها
في الوقائع وإلى السكوت عن أعمال أخذت قبل من شريعة إبراهيم عليه السلام
فالأول كما في قوله تعالى {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ، فإن هذا العموم
يتناول بظاهره ما ذبحوا لأعيادهم وكنائسهم .
والثاني : كما في الأشياء التي كانت في أول الإسلام على حكم الإقرار ثم
حرمت بعد ذلك بتدريج كالخمر ، فإنها كانت معتادة الاستعمال في الجاهلية ثم جاء
الإسلام فتركت على حالها قبل الهجرة وزمانا بعد ذلك ولم يتعرض في الشرع للنص
على حكمها حتى نزل {يسألونك عن الخمر والميسر} فبين ما فيها من المنافع
والمضار ، وأن الأضرار فيها أكبر من المنافع . اهـ
ويقول العلامة ابن القيم في أعلام الموقعين (٣٥٨/١): ومن ذلك الاكتفاء
بقوله تعالى: { وقد فصل لكم ما حرم عليكم} مع قوله ﴿ل " وما سكت عنه
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٥
٢٩ - كتاب الأطعمة
فهو مما عفا عنه " فكل ما لم يبين الله ولا رسوله مع ليل تحريمه من المطاعم والمشارب
والملابس والعقود والشروط فلا يجوز تحريمها ، فإن الله تعالى قد فصل لنا ما حرم
علينا ، فما كان من هذه الأشياء حراما فلا بد أن يكون تحريمه مفصلاً ، وكما أنه لا
يجوز إباحة ما حرمه الله فكذلك لا يجوز تحريم ما عفا عنه و لم يحرمه "
وقال القاضي الشوكاني في السيل الجرار (١٠٧/٤): والأصل الحل بدليل
الكتاب العزيز ، ومما يدل على هذه الأصالة ما أخرجه الترمذي وابن ماجة من
حديث سلمان الفارسي قال سئل رسول الله 38 عن السمن والجبن والفراء فقال
الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا
لكم عنه وأخرجه أيضا الحاكم في المستدرك
وأخرج البزار وقال : سنده صالح والحاكم صححه من حديث أبي الدرداء
رفعه بلفظ "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو
عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا وتلاثروما كان ربك
نسيا}.اهـ
(٦١) بَاب أَكْلِ الثَّمَارِ
٣٣٦٨ _ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارِ الْحِمْصِيُّ حَدَّثْنَا أَبِي
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عِرْقٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ أُهْدِيَ
لِلِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنَبٌّ مِنْ الطّائِ فَدَعَانِي فَقَالَ خُذْ هَذَا الْعُنْقُودَ فَأَبْلِغْهُ
أُمَّكَ فَأَكَلْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَبْلِغَهُ إِيَّاهَا فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ لَيَالٍ قَالَ لِي مَا فَعَلَ الْعُنْقُودُ هَلْ أَبْلَعْتَهُ
أُمَّكَ قُلْتُ لَا فَسَمَّانِ غُدَرَ .
ضعيف
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٦
٢٩ - كتاب الأطعمة
٣٣٦٩ _ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطّلْحِيُّ حَدَّثْنَا نُقَيْبُ بْنُ حَاجِبٍ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ
عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الزُّبِيْرِيِّ عَنْ طَلْحَةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِيَدِهِ
سَفَرْ جَلَةٌ فَقَالَ دُونَكَهَا يَا طَلْحَةُ فَإِنَّهَا تُحِمُّ الْفُؤَادَ.
ضعيف الإسناد
الشرح : الحديثان ضعيفان .
(٦٢) بَاب النَّهْيِ عَنْ الْأَكْلِ مُنْبَطِحًا
٣٣٧٠ _ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ عَنْ
الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِمْ عَنْ أَبِهِ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ
وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى وَجْهِهِ .
حسن
الشرح : فيه النهي عن الأكل منبطحاً ، لأنه مخالف للأدب ، غير جار على
مقتضى العقل ، ولا على قواعد الطب، إذ لا يأمن من يأكل على هذه الحال أن
يغصّ بطعامه ، ويحصل له ضرر وأذى .
وقد صح عن رسول الله ول أنه قال: "لا آكل متكئاً" وقال: " إنما أجلس كما
يجلس العبد ، وآكل كما يأكل العبد " .
***
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٧
٣٠ - كتاب الأشربة
٣٠ - كتاب الأشربة
(١) باب الخمر مفتاح كل شر
٣٣٧١ - حَدَّثْنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ ح وَ حَدَّثْنَا
إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْحَوْهَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ جَمِيعًا عَنْ رَاشِدٍ أَبِي مُحَمَّدٍ
الْحِمَّانِيِّ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أُمّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِيِ الدَّرْدَاءِ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي
وَّ لَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرِّ .
صحيح
٣٣٧٢ - حَدَّثْنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّبَّنَا مُنِيرُ بْنُ
الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَادَةَ بْنَ نُسَيِّ يَقُولُ سَمِعْتُ خَّبَ بْنَ الْأَرَتِّ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِيَّاكَ وَالْخَمْرَ فَإِنَّ خَطِيئَتَهَا تَفْرَعُ الْخَطَايَا كَمَا أَنْ شَجَرَتَهَا
تَفْرَعُ الشَّجَرَ .
صحيح
الشرح: في الحديثين أن الخمر مفتاح كل شر، ولا غرو ، فهي أم
الخبائث ، وإحدى الموبقات الكبائر، ولما كان السكران لا يتورع عن حرام ، وربما
تكلم بالكفر ، أو زنى أو قتل وهو لا يدري ما يفعل ، بل ربما قصد واحدة من
محارمه بسوء والعياذ بالله، لما كان الأمر كذلك كانت الخمر حقا مفتاح كل شر .
ويقول الشيخ البسام في نيل المآرب (٥٦١/٤): ولو لم يكن فيها إلا
ذهاب العقل لكفى ، سبباً للتحريم ، فكيف يشرب المرء تلك الآثمة التي تزيل عقله ،
فيكون بحال يضحك منها الصبيان ، ويتصرف تصرف المجانين ، فَداءٌ هذا بعض
أمراضه ، كيف يرضاه عاقل لنفسه؟ ! . اهــ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٨
٣٠ - كتاب الأشربة
--
قال الله تعالى { إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل
الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يُوقِع بينكم العداوة والبغضاءِ
في الخمر والميسر ويصدَّكم عن الصلاة فهل أنتم منتهون} .
وقد عدها الإمام الذهبي من الكبائر في كتابه الموسوم بذلك (ص٧٩) فقال:
وذهب عبد الله بن عمرو إلى أن الخمر من أكبر الكبائر ، وهى بلا ريب أم الخبائث
، وقد لُعن شاربها في غير حديث. اهـ
(٢) بَاب مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ
٣٣٧٣ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعِ
عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ
يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ .
٣٣٧٤ حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّتْنَا يَحْتِى بْنُ حَمْرَةَ قَالَ حَدَّثَنِي زَيِّدُ بْنُ وَاقِدٍ أَنْ
خَالِدَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُسَيْنٍ حَدَّثَّهُ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةً أَنْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَ قَالَ
مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ. صحيح
الشرح : الحديثان صريجان في أن من شرب الخمر في الدنيا حرم منبها في
الآخرة ، ولما كانت الخمر من شراب أهل الجنة كما في القرآن {مثل الجنة التي وعد
المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة
للشاربين وأنهار من عسل مصفّى } ، لما كانت كذلك قال بعض أهل العلم إن
شارب الخمر لا يدخل الجنة ، لأن حرمانه من الشرب من أنهار الخمر فيها هو من
لازم عدم دخولها أصلاً وممن قال بذلك الخطابي في معالم السنن (٢٦٥/٤) قال:
معناه لا يدخل الجنة ، لأن شراب أهل الجنة خمر إلا أنه لا غَوْل فيها ولا نزف. اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٩
٣٠ - كتاب الأشربة
وتعقبه ابن عبد البر في الاستذكار (٢٩٦/٢٤) فقال: وهذا مذهب غير
مرضي عندنا إذا كان على القطع في إنفاذ الوعيد ، ومحمله عندنا أنه لا يدخل الجنة
إلا أن يغفر له إذا مات غير تائب عنها كسائر الكبائر وكذلك قوله لم يشربها في
الآخرة معناه عندنا إلا أن يغفر له فيدخل الجنة ويشربها ، وهو عندنا في مشيئة الله ،
إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه بذنبه ، فإن عذبه بذنبه ثم دخل الجنة برحمته، لم
يحرمها إن شاء الله، ومن غفر له فهو أحرى أن لا يحرمها. "اهـ
ويبين الإمام النووي في شرح مسلم (١٩١/٧) معنى حرمانه منها في
الآخرة فيقول : معناه أنه يحرم شربها في الجنة وإن دخلها ، فإنها من فاخر شراب
الجنة فيمنعها هذا العاصي بشربها في الدنيا ، قيل إنه ينسى شهوتها في الدنيا لأن الجنة
فيها كل ما يشتهى ، وقيل لا يشتهيها وإن ذكرها ، ويكون هذا نقص نعيم في
حقه تمييزاً بينه وبين تارك شربها. اهـ
وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى (ح رقم ١٥٩٧): قوله : "من
شرب الخمر في الدنيا ثم لم يتب منها حرمها في الآخرة " بيان منه 8 أن التوبة
منها معرضة لشاربها ممكنة له مقبولة منه لمن وفقه الله لها وأنعم عليه بها فإنه ربما
خيف على المكلف المدمن على معاصيه أن يمنع من التوبة ويحرمها ويحال بينه وبينها
نسأل الله العصمة ونعوذ به من الحرمان .
وقوله {وَ ﴿ حرمها في الآخرة يريد والله أعلم أنه وإن دخل الجنة بعد العقوبة
له أو العفو عنه فإنه يحرم خمر الجنة ويقتضي أن في الآخرة شرابا يسمى بهذا الاسم
قال الله تعالى {وأنهار من خمر لذة للشاربين} فيحرمه المصِرُّ على شرب الخمر وإن
دخل الجنة.اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٠
٣٠ - كتاب الأشربة
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣٣/١٠): ويؤخذ من قوله" ثم لم يتب
منها " أن التوبة مشروعة في جميع العمر ما لم يصل إلي الغرغرة. انتهى.
(٣) باب مُدمِن الخمر
٣٣٧٥ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّحِ قَالَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ
سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَصْبِهَاِيِّ عَنْ سُهَبْلٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ كَعَابِدٍ وَثَنِ .
حسن
٣٣٧٦ حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عُتْبَةَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ بْنِ
خَلْبَسٍ عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ عَنْ أَبِ الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلِّمَ قَالَ لَا يُدْخُلْ
الْجَنَّةَ مُدْمِنُ خَمْرٍ .
صحيح
الشرح : في الحديثين بيان شدة الوعيد لشارب الخمر ، المصرّ على شربها،
بالحرمان من الجنة ، وأنه بإدمانه للخمر ، وإصراره على شربها قد أبعد نفسه عن
الرحمة والمغفرة ، فشأنه شأن عابد الوثن في استحقاقه النار ، وحرمانه من الجنة ، إلا
أن یتوب ویقلع ، فإن تاب تاب الله عليه ، وفي اقتران المدمن للخمر بعابد الوثن في
حديثي الباب بيان قبح إدمان الخمر وعظيم جرمه ، وإلا فليس الإصرار على الكبيرة
مخرج من الملة كعبادة الوثن عند أهل السنة . .
وعرّف المناوي في كتابه " التعاريف" (٢ /١٤٦) مدمن الخمر فقال : "
من شربها ونيته الشرب كلما وجدها ".
وفي تعريف المناوي يظهر معنى الإقامة على الكبيرة والإصرار عليها حتى
جاءه الموت قبل أن يتوب ، فهذا لا يدخل الجنة ابتداء ، وإنما يعذب في النار على
كبيرته التي مات عليها ثم يخرج من النار إلى الجنة بتوحيده وإيمانه ، وقد يشمله عفو
الله تعالى فلا يدخل النار أصلاً، أو تنفعه شفاعة النبي ◌َ﴿ والله أعلم .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩١
٣٠ - كتاب الأشربة
وذكر ابن كثير في تفسيره (٢٦٤/٣) حديث عبد الله بن عمر عند أحمد :
قال رسول الله وَّ ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة العاق
لوالديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث ، وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم
القيامة العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنّان بما أعطى".
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (١٧١/٨): قوله" مدمن الخمر كعابد
وثن" : هذا وعيد شديد وتهديد ما عليه مزيد ؛ لأن عابد الوثن أشد الكافرين كفرا
فالتشبيه لفاعل هذه المعصية بفاعل العبادة للوثن من أعظم المبالغة والزجر لمن كان له
قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.". اهـ
وحديث أبي هريرة هذا ذكره ابن الجوزي في العلل المتناهية (٦٧١/٢) بينما
حسنه الألباني هنا .
(٤) بَاب مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ
٣٣٧٧- حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا
الْأَوْزَاعِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ لَّ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا وَإِنْ مَاتَ دَخَلَ
النَّارَ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ . وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْيَعِينَ
صَبَاحًا فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَإِنْ عَادَ فَشَرِبَ فَسَكِرَ لَمْ تُقْبَلْ
لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا فَإِنْ مَاتَ دَخَلَ النَّارَ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَإِنْ عَادَ كَانَ
حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ رَدَغَةِ الْحَبَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رَدَغَةُ
الْخَبَالِ قَالَ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ .
صبيع
الشرح : في الحديث شدة الوعيد لشارب الخمر ، وأنه من كبائر الذنوب ،
وأن شاربها لا تقبل له صلاة حال إصراره على شربها ، وعدم توبته ، وفيه سعة
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٢
٣٠ - كتاب الأشربة
رحمة الله تعالى ، وقبوله توبة الثائبين ، وفيه بيان شدة أخذه للمتمردين المتهاونين
بحدود الله ، فإنه سبحانه {غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب }
وأورد المازري في كتابه تعظيم قدر الصلاة (٥٨٧/٢) حديث الحسن في
: الرجل يتكلم والإمام يخطب قال لا جمعة له ويصلي الجمعة مع الإمام . قال أبو عبد
الله ونظير ذلك قوله "من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين يوما"، فلو أن رجلا
شرب الخمر ثم جاء يستفتيّ لم يجز أن يقال له دع الصلاة أربعين يوماً فإنك إن
صليت لم تقبل منك بل قد أجمعوا أن عليه أن يصلي وأنه إذا صلى فصلاته جائزة
وليس له أن يعيد صلاة أربعين اهـ
: ونقل المباركفوري في تحفة الأحوذي (٦٠١/٥) قول النووي : إن لكل
طاعة اعتبارين ، أحدهما: سقوط القضاء عن المؤدي ، وثانيهما ترتيب حصول
الثواب ، فعبر عن عدم ترتيب الثواب بعدم قبول الصلاة . وخص الصلاة بالذكر
لأنها سبب حرمتها أو لأنها أم الخبائث على ما رواه الدارقطني عن ابن عمر كمذ أن
الصلاة أم العبادات كما قال الله تعالى {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} وقيل
إنما خص الصلاة بالذكر لأنها أفضل عبادات المدن فإذا لم يقبل منها فلأن لا يقبل
منها عبادة أصلا كان أولى . اهـ
(٥) باب ما یکون منه الخمر
٣٣٧٨- حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَمَامِيُّ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا أَبُو كَثِيرِ
السُّحَيْمِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ الْخَمْرُ مِنْ هَلْتَيْنِ
g
الشَّحَرَيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنْبَةِ .
صبيع
٣٣٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَثْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبِ أَنْ
خَالِدَ بْنَ كَثِيرِ الْهَمْدَانِيَّ حَدَّثَّهُ أَنْ السَّرِيِّ بْنَ إِسْمَعِيلَ حَدَّثَّهُ أَنَّ الشَّعْبِيَّ حَدَّثَهُ أَنْهُ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٣
٣٠ - كتاب الأشربة
سَمِعَ الثُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِنَّ مِنْ الْحِنْطَةِ حَمْرًا وَمِنْ الشَّعِيرِ
حَمْرًا وَمِنْ الزَّبِيبِ حَمْرًا وَمِنْ النَّمْرِ خَمْرًا وَمِنْ الْعَسَلِ خَمْرًا .
صحيح
الشرح : في الحديثين دليل على أن الخمر تكون من التمر والرطب والعنب
والزبيب والحنطة والشعير والعسل ، فكل ما تخمر من هذه الأشياء وبلغ حد
الإسكار ، فهو خمر يحرم شربه ، فالخمر هي كل ما خامر العقل وغطّاه وستره ،
وعطّله عن أداء وظيفته في تمييز الحسن من القبيح ، وهو قول الجمهور ؛ مالك
والشافعي وأحمد ، أما أبو حنيفة وأصحابه فقالوا: ليس الخمر إلا من العنب ، وقال
الجمهور : الخمر اسم لكل مسكر .
وروى مسلم حديث أبي هريرة في الباب وشرحه الإمام النووي (١٦٩/٧)
فقال: قوله وُّل: "الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة" , وفي رواية:
( الكرمة والنخلة ) وفي رواية: "الكرم والنخل" في هذا دليل على أن الأنبذة
المتخذة من التمر والزهو والزبيب وغيرها تسمى خمرا , وهي حرام إذا كانت
مسكرة , وهو مذهب الجمهور كما سبق , وليس فيه نفي الخمرية عن نبيذ الذرة
والعسل والشعير وغير ذلك , فقد ثبت في تلك الألفاظ أحاديث صحيحة بأنها كلها
خمر وحرام .
وفي هذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تصريح بتحريم جميع الأنبذة المسكرة ,
وأنها كلها تسمى خمرا , وسواء في ذلك الفضيخ ونبيذ التمر والرطب والبسر
والزبيب والشعير والذرة والعسل وغيرها , وكلها محرمة , وتسمى خمرا , هذا
مذهبنا وبه قال مالك وأحمد والجماهير من السلف والخلف , وقال قوم من أهل
البصرة : إنما يحرم عصير العنب , ونقيع الزبيب النبيء , فأما المطبوخ منهما,
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٤
٣٠- كتاب الأشربة
والنييء والمطبوخ مما سواهما فحلال ما لم يشرب ويسكر , وقال أبو حنيفة: إنما
يحرم بعصير ثمرات النخل والعنب .
قال : والنبيء منه حرام , قال: ولكنه لا يجد شاربه , هذا كله ما لم يشرب
ويسكر , فإن أسكر فهو حرام بإجماع المسلمين , واحتج الجمهور بالقرآن والسنة.
أما القرآن فهو أن الله تعالى نبه على أن علة تحريم الخمر كونها تصد عن ذكر الله
وعن الصلاة , وهذه العلة موجودة في جميع المسكرات , فوجب طرد الحكم في
الجميع .
والأحاديث الصحيحة الكثيرة التي ذكرها مسلم وغيره , كقوله
كل مسكر حرام " وقوله: " نهى عن كل مسكر " وحديث" كل مسكر خمر
وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما - الذي ذكره مسلم هنا في آخر كتاب
الأشربة: " أن رسول الله مَ﴿ قال: كل مسكر خمر وكل مسكر حرام" , وفي
رواية له : " كل مسكر خمر وكل حمر حرام" وحديث النهي عن كل مسكر أسكر
عن الصلاة . "اهـ
ويرجح ابن عبد البر في التمهيد (٤٤٧/٩_٤٥١) مذهب الجمهور وينتقد
قول الأحناف ويضعف ما احتجوا به من آثار فيقول: وأما السنة فالآثار الثابتة كلها
في هذا الباب تقضي على صحة قول أهل الحجاز وقد روى أهل العراق فيما ذهبوا
إليه آثاراً لا يصح شيء منها عند أهل العلم بالحديث
ثم يشير إلى أثر عبد الله بن عمر ظه قال سمعت عمر يخطب على منبر
المدينة، قال: يا أيها الناس، ألا إنه قد نزل تحريم الخمر يوم نزل، وهي من خمسة:
من العنب، والتمر والعسل، والجنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل".
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٥
٣٠- كتاب الأشربة
قال ابن عبد البر: وحسبك به عالما باللسان والشرع ." وقال : وهذا أبين
ما يكون في معنى الخمر يخطب به عمر بالمدينة على المنبر بمحضر جماعة الصحابة
وهم أهل اللسان ولم يفهموا من الخمر إلا المعنى الذي ذكرنا .".اهـ
وأما حديث النعمان بن بشير في الباب فرواه أيضاً الترمذي وأبو داود وقلل
الخطابي في شرحه في معالم السنن (٢٦٢/٤): فيه تصريح من النبي و﴿ّ بما قاله عمر
وَلُّه من كون الخمر عن هذه الأشياء ، وليس معناه أن الخمر لا يكون إلا من هذه
الخمسة بأعيانها ، وإنما جرى ذكرها خصوصاً لكونها معهودة في ذلك الزمان ، فكل
ما كان في معناها من ذرة وسلت ولب ثمرة وعصارة شجرة فحكمه حكمها."اهـ
(٦) باب لُعنت الخمر على عشرة أوجه
٣٣٨٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَعِيلَ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ
الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِيِّ وَأَبِي طُعْمَةَ
مَوْلَاهُمْ أَنَّهُمَا سَمِعَا ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُعِنَتْ الْحَمْرُ
عَلَى عَشْرَةٍ أَوْجُهٍ بِعَيْنِهَا وَعَاصِرِهَا وَمُعْتَصِرِهَا وَبَائِعِهَا وَمُبْتَاعِهَا وَحَامِلِهَا وَالْمَحْمُوْلَةٍ
إِلَيْهِ وَآكِلٍ ثَمَنِهَا وَشَارِبِهَا وَسَاقِيهَا .
صبيع
٣٣٨١- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ
شَبِيبٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ أَوْ حَدَّثَنِي أَنَسٌ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِي الْخَمْرِ
عَشَرَةٌ عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَالْمَعْصُورَةً لَهُ وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ لَهُ وَبَائِعَهَا وَالْمَبْيُوعَةَ
لَهُ وَسَاقِيَهَا وَالْمُسْتَقَاةَ لَهُ حَتَّى عَدَّ عَشَرَةً مِنْ هَذَا الضَّرْبِ.
صبيع
(٧) بَابِ التِّجَارَةِ فِي الْخَمْرِ
٣٣٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ حَدَّثْنَا
الْأَعْمَشُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَاتُ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٦
٣٠ - كتاب الأشربة
مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرِّبَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَرَّمَ التِّجَلَرَةِ
فِي الْخَمْرِ .
صحيح
٣٣٨٣- حَدََّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثْنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ
عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ بَلَغَ عُمَرٍ أَنَّ سُمُرَةَ بَاعَ حَمْرًا فَقَالَ قَاتَلَ اللَّهُ سَمُرَةً أَلَمْ يَعْلَمْ أَنْ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْيُهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ الشَُّحُومُ
فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا .
صبيع
الشرح : في حديثي ابن عمر وعائشة لعن كل مشارك في ارتكاب هذه
الكبيرة وإن لم يشرب ، لأن كل واحد من المذكورين في الحديث تعاون على الإثم
والعدوان ، وقام بدور في إيقاع هذه المعصية ، وإيجادها ، ولا شك أن من يعطي
الإذن ببيعها ، أو يوافق على صنعها وشربها لمن أراد أن يشربها في بلاد المسلمين ، لا
شك أن من فعل ذلك من حكام المسلمين ، وأولياء أمورهم ، أنه داخل في هذا
اللعن ، وذلك بأنهم سهلوا الحرام للناس وهيئوه لهم ، وكان الواجب عليهم ، طاعة
الله ورسوله ، بمنع بيع الخمر وصناعتها، والترويج لها ومعاقبة من يفعل شيئاً من
ذلك وإقامة حدود الله تعالى ، تجنباً لشرور الخمر، واتقاءً لأضرارها في الدين
والنفس والجسم .
(وفي قوله " وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها " تجريم التجارة فيها، وهو ما عقد
له المصنف باب "التجارة في الخمر".
قال الموفق ابن قدامة في المغني (٢٨٤/٤): فصل: ولا يجوز بيع الخمر ولا
التوكيل في بيعه ولا شرائه ، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير
جائز ، وقال أبو حنيفة : يجوز للمسلم أن يوكل ذميا في بيعها وشرائها. وهو غير
صحيح .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٧
٣٠- كتاب الأشربة
فإن عائشة روت أن النبي ◌ُّ قال "حرمت التجارة في الخمر" وعن جابر
"أنه سمع النبي ◌َّ عام الفتح وهو بمكة يقول إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة
والخترير والأصنام" ، فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن
وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال لا هو حرام" .
ثم قال رسول الله وَ ﴿ "قاتل الله اليهود إن الله تعالى حرم عليهم شحومها
فجملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه" متفق عليه .
ومن وكل في بيع الخمر وأكل ثمنه فقد أشبههم في ذلك ولأن الخمر نجسة
محرمة يحرم بيعها والتوكيل في بيعها كالميتة والخترير ولأنه يحرم عليه بيعه فحرم عليه
التوكيل في بيعه كالخترير. اهـ
قال ابن حزم في المحلى (٤٩٠/٧): مسألة "ولا يحل بيع الخمر لا لمؤمن ولا
الكافر ولا بيع الخنازير ، وقال : فمن باع من المحرم الذي ذكرنا شيئا فسخ
أبداً"اهـ
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٤٢٥/٤): قال جمهور العلماء: العلة في
منع بيع الميتة والخمر والخنزير النجاسة ، فيتعدى ذلك إلى كل نجاسة ، وقال :
وأجمعوا على تحريم بيع الميتة والخمر والخترير.
وقال : قوله : "بلغ عمر بن الخطاب أن فلانا باع خمرا" في رواية مسلم
وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان بن عيينة بهذا الإسناد " أن سمرة بدع
خمرا فقال : قاتل الله سمرة " زاد البيهقي من طريق الزعفراني " عن سفيان عن سمرة
بن جندب " قال ابن الجوزي والقرطبي وغيرهما اختلف في كيفية بيع سمرة للخمر
على ثلاثة أقوال : أحدها أنه أخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فباعها منهم
معتقدا جواز ذلك , وهذا حكاه ابن الجوزي عن ابن ناصر ورجحه وقال : كان
٤٩٨
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٠- كتاب الأشربة
ينبغي له أن يوليهم بيعها فلا يدخل في محظور وإن أخذ أثمانها منهم بعد ذلك لأنه لم
يتعاط محرما ويكون شبيها بقصة بريره حيث قال " هو عليها صدقة ولنا هدية".
والثاني قال الخطابي : يجوز أن يكون باع العصير ممن يتخذه خمرا , والعصير يسمى
خمرا كما قد يسمى العنب به لأنه يؤول إليه قاله الخطابي , قال : ولا يظن بسمرة أنه
باع عين الخمر بعد أن شاع تحريمها , وإنما باع العصير . والثالث أن يكون خلل
الخمر وباعها , وكان عمر يعتقد أن ذلك لا يحلها كما هو قول أكثر العلماء.
واعتقد سمرة الجواز كما تأوله غيره أنه يحل التخليل , ولا ينحصر الحل في تخليلها
بنفسها , قال القرطبي تبعا لابن الجوزي : والأشبه الأول . قلت : ولا يتعين على
: الوجه الأول أخذها عن الجزية بل يحتمل أن تكون حصلت له عن غنيمة أو غيرها .
وقد أبدى الإسماعيلي في " المدخل " فيه احتمالاً آخر , وهو أن سمرة علم تجريم
" الخمر ولم يعلم تحريم بيعها ولذلك اقتصر عمر على ذمه دون عقوبته, وهذا هو
الظن به .
قوله : " حرمت عليهم الشحوم " أي أكلها , وإلا فلو حرم عليهم بيعها لم
يكن لهم حيلة فيما صنعوه من إذابتها . قوله : (فجملوها ) بفتح الجيم والميم أي
أذابوها , يقال جمله إذا أذابه
وفيه تحريم بيع الخمر وقد نقل ابن المنذر وغيره في ذلك الإجماع. اهـ
(٨) باب الخمر يسمونها بغير اسمها.
٣٣٨٤ - حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثْنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ حَدَّثْنَا
ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ
عَلَيْهِ وَسَلْمَ لَا تَذْهَبُ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامُ حَتَّى تَشْرَبَ فِيهَا طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَبُّونَهَا
صحيح
بِغَيْرِ اسْمِهَا .
إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٩
٣٠ - كتاب الأشربة
٣٣٨٥- حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ حَدَّثْنَا عَبْدُ اللّهِ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ أَوْسِ الْعَبْسِيُّ
عَنْ بِلَالِ بْنِ يَحْتَى الْعَبْسِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ ابْنٍ مُخَيْرِيرٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ
السِّمْطِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَشْرَبُ نَاسٌ
مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ .
صبيع
الشرح : في الأحاديث ذم الحيل التي يقصد منها إبطال الأحكام الشرعية ،
بتحليل ما حرّم الله تعالى ، فالحكم الشرعي الثابت بالأدلة الشرعية من الكتاب ، أو
السنة ، أو كليهما ، لا يتغير بتغيير أسماء المسميات ، فالخمر ما خامر العقل ، وحصل
به السكر أياً كان الشراب الذي أسكر .
وقد وقع ما أخبر به النبي ◌َّ وهو تغيير اسم الخمر إلى أسماء جديدة،
يقصدون من ذلك الخداع والتضليل ، { وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون}
قال صاحب عون المعبود (١٥٣/١٠): قوله : (يسمونها بغير اسمها ):
قال التوربشتي : أي يتسترون في شربها بأسماء الأنبذة . وقال ابن الملك : أي
يتوصلون إلى شربها بأسماء الأنبذة المباحة كماء العسل وماء الذرة ونحو ذلك
ويزعمون أنه غير محرم , لأنه ليس من العنب والتمر , وهم فيه كاذبون لأن كل
مسكر حرام . قال القاري : فالمدار على حرمة المسكر ، قال : وأما التشبه بشرب
الخمر فهو منهي عنه إذا تحقق ولو في شرب الماء واللبن وغيرهما . اهـ
وقال الشاطبي في الموافقات (٣٨٠/٢) وعلى الجملة فهو تحيل على قلب
الأحكام الثابتة شرعا إلى أحكام أخر بفعل صحيح الظاهر لغو في الباطن كانت
الأحكام من خطاب التكليف أو من خطاب الوضع ، وقال : الحيل في الدين بالمعنى
المذكور غير مشروعة في الجملة والدليل على ذلك ما لا ينحصر من الكتاب والسنة
لكن في خصوصات يفهم من مجموعها منعها والنهي عنها على القطع. اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٠ - كتاب الأشربة
وقال ابن حزم في إحكام الأحكام (٤٣٨/٤) : وليست الأسماء موضوعة
على المسميات إلا إما بتوقيف وإما باصطلاح ولا موقف إلا الله . اهـ
وقال العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين (١٠٥/٣): وقد أشار النبي ◌َ ﴿ إلى
: أن من الأمة من يتناول المحرم ويسميه بغير اسمه ، فقال "ليشربن ناس من أمتي الخمر
يسمونها بغير اسمها يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض
ويجعل منهم القردة والخنازير" رواه أحمد وأبو داود ، وفي مسند الإمام أحمد مرفوعا
يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها وفيه عن عبادة بن الصامت عن
النبي مُ﴿" يشرب ناس من أمتي الخمر باسم يسمونها إياه" وفي سنن ابن ماجه مش
حديث أبي أمامة يرفعه لا تذهب الليالي والأيام حتى يشرب طائفة من أمتي الخمر
يسمونها بغير اسمها"، قال شيخنا نظريته: وقد جاء حديث آخر يوافق هذا مرفوعاً
وموقوفا من حديث ابن عباس "يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة.
أشياء يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه والسحت بالهدية والقتل بالرهبة والزنا
بالنكاح والربا بالبيع وهذا حق فان استحلال الربا باسم البيع ظاهر كالحيل الربوية
التي صورتها صورة البيع وحقيقتها حقيقة الربا ومعلوم أن الربا إنما حرم لحقيقته
ومفسدته لا لصورته واسمه فهب أن المرابي لم يسمه ربا وسماه بيعا فذلك لا يخرج
حقيقته وماهيته عن نفسها وأما استحلال الخمر باسم آخر فكما استحل المسكر من
غير عصير العنب وقال لا أسميه حمرا وإنما هو نبيذ وكما يستحلها طائفة من المجان إذا
مزجت ويقولون خرجت عن اسم الخمر كما يخرج الماء بمخالطة غيره له عن اسم
الماء المطلق وكما يستحلها من يستحلها إذا اتخذت عقيدا ويقول هذه عقيد لا حمر
ومعلوم أن التحريم تابع للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة فإن إيقاع العداوة