Indexed OCR Text
Pages 261-280
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٦١
١٣ - كتاب الأحكام
والحرص عليه. اهـ
ونقل ملا علي القاري في المرقاة (٣٠٥/٧) : عن المظهر قوله " خطر القضاء
كبير وضرره عظيم ، لأنه قلما عدل القاضي بين الخصمين ، لأن النفس مائلة إلى من
يحبه أو يخدمه ، أو من له منصب يتوقى جاهه أو يخاف سلطنته وربما يميل إلى قبول
الرشوة وهو الداء العضال. اهـ
وفي حديث أنس تحذير كذلك مِن طلب ولاية القضاء والاستشراف لها ، لما
في سؤالها والتعرض لها من الحرمان من عون الله وتأييده وتوفيقه ، أما من ألزم بها من
قبل إمام المسلمين أو نائبه فقبلها - وهو لها أهل - طاعةً لولي الأمر ، وقياماً بواجب
النصح للمسلمين ، وإحقاقاً للحق ، متقرباً بكل ذلك لله رقم ، فإن الله تعالى
يفوض ملكا من ملائكته يسدده ويرشده . اهـ
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : والواجب اتخاذ ولاية القضاء دينا
وقربة فإنها من أفضل القربات ، وإنما فسد حال الأكثر بطلب الرئاسة والمال بها.اهـ
ولهذا تعجب علي عه حين بعثه الرسول و﴿ إلى اليمن قاضياً، وخاف على
نفسه من تولي القضاء بدون أهلية له ، لعلمه بأن القضاء أمره عظيم وأن الدخول فيه
بغير حقه خطره جسيم ، فلما بارك عليه النبي # ودعا له بالهداية والتوفيق في قلبه
ولسانه لأن القلب محل الفهم والبصيرة لما يدلي به الخصوم للقاضي ، وباللسان ينطق
بالعدل أو الجوْر ، فلما بارك عليه ودعا له ، كان التوفيق في القضاء دائما حليفه .
وكان له بعد ذلك من أقضى الصحابة وأشهرهم بالبراعة فيه وماذاك إلا
ببركة دعوة النبي # بذلك . والله أعلم .
يقول الحافظ في الفتح (١٢٤/١٣) : في شرح حديث البخاري قال رسول
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٦٢
--
١٣ - كتاب الأحكام
الله ﴿:" يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة فإن أعطيتها عن مسألة وكِلتَ
إليها ، وإن أعطيتها عن غير مسألة أُعنتَ عليها " قال : ومعنى الحديث أن من طلب
الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها من أجل حرصه ، ويستفاد منه أن طلب منا
يتعلق بالحكم مكروه فيدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك وأن من حرص
على ذلك لا يعان ، ويعارضه في الظاهر ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة رفعه "من
طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدلُه جورَه فله الجنة ومن غلب جورُه عدله
فله النار"، والجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يعان بسبب طلبه أن لا يحصل منه
العدل إذا ولي ، أو يحمل الطلب هنا على القصد وهناك على التولية وقد تقدم من
حديث أبي موسى إنا لا نولي من حرص ولذلك عبر في مقابله بالإعانة فإن من لم
يكن له من الله عون على عمله لا يكون فيه كفاية لذلك العمل فلا ينبغي أن يجاب
سؤاله ، ومن المعلوم أن كل ولاية لا تخلو من المشقة فمن لم يكن له من الله إعانة
تورط فيما دخل فيه وخسرٍ دنياه وعقباه فمن كان ذا عقل لم يتعرض للطلب أصلا
بل إذا كان كافياً وأعطيها من غير مسألة فقد وعده الصادق بالإعانة ولا يخفى ما في
ذلك من الفضل.اهــ
وقال ابن قدامة في المغني (٣٧٤/١١): وفيه خطر عظيم ووزر كبير لمن لم
يؤد الحق فيه ولذلك كان السلف رحمة الله عليهم يمتنعون منه أشد الإمتناع ويخشون
على أنفسهم خطره .
إلى أن قال : وكان يقال أعلم الناس بالقضاء أشدهم له كراهة ،ولعظم خطره قال
النبي څ "من جعل قاضیا فقد ذبح بغیر سکین" قال الترمذي هذا حديث حسن .
وقيل في هذا الحديث إنه لم يخرج مخرج الذم للقضاء وإنما وصفه بالمشقة
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٦٣
١٣ - کتاب الأحكام
فكأن من وليه قد حمل على مشقة كمشقة الذبح . اهـ
ويقول ابن فرحون المالكي في تبصرة الحكام مع فتح العلام (١٣/١): اعلم
أن أكثر المؤلفين من أصحابنا وغيرهم بالغوا في الترهيب والتحذير من الدخول في
ولاية القضاء ، وشددوا في كراهية السعي فيها ، ورغبوا في الإعراض عنها ، والنفور
والهرب منها حتى تقرر في أذهان كثير من الفقهاء والصلحاء أن من ولي القضاء فقد
سهل عليه دينه وألقى بيده إلى التهلكة ورغب عما هو الأفضل ، وساء اعتقادهم فيه
وهذا غلط فاحش يجب الرجوع عنه والتوبة منه ، والواجب تعظيم هذا المنصب
الشريف ومعرفة مكانته من الدين ، فيه بعثة الرسل وبالقيام به قامت السماوات
والأرض وجعله النبي 8# من النعم التي يباح الحسد عليها فقد جاء من حديث ابن
مسعود عن النبي # أنه قال": لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالا فسلطه
على هلكته في الحق ، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعمل بها. اهـ
(٢) باب التغليظ في الحيف والرِّشوة
٢٣١١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادِ الْبَاهِلِيُّ حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا مُحَالِدٌ
عَنْ عَامِرٍ عَنْ مَسْرُوقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ
حَاكِمٍ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَلَكْ آخِذٌ بِقَفَاهُ ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى
السَّمَاءِ فَإِنْ قَالَ أَلْقِهِ أَلْقَاهُ فِي مَهْوَاةٍ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا. ضعيف
٢٣١٢ - حَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِلَالِ عَنْ عِمْرَانَ الْقَطَّانِ عَنْ حُسَيْنِ
يَعْنِي ابْنَ عِمْرَانَ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ النََّانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ قَالَ رَسُولُ
حسن
.
اللَّهِ وَ﴿ّ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَحُرْ فَإِذَا جَارَ وَكْلَهُ إِلَى نَفْسِهِ
٢٣١٣ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثْنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبِ عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٦٤
١٣ - كتاب الأحكام
بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعْنَهُ اللَّهِ عَلَى الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي .
صبيح
الغريب : الحيف : الظلم والجور .
الرشوة : قال ابن الأثير في النهاية (٢٢٦/٢) فيه لعن الله الراشِيَ والُرْتَشِيَ
والرائِشَ. الرِّشْوة والرُّشْوةِ الوُصلة إلى الحاجة بالمصانعة وأصله من الرشاء الذي
يُتَوصَّل به إلى الماء فالراشي مَن يُعطِي الذي يُعِينه على الباطل والْمُرْتَشِي الآخِذُ
والرائش الذي يُسعى بينهما يَسْتزيد لهذا ويَسْتنقِص لهذا فأمَّا ما يُعْطَى تَوصُّلا إلى
أخْذِ حق أو دَفْع ظُلْم فغير داخل فيه رُوِي أن ابن مسعود أُخِذ بأرض الحبشة في
شيء فأعْطَى دينارين حتى خُلّي سبيله ورُوي عن جماعة من أئمة التابعين قالوا لا
بأس أن يُصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم
الراشي : هو المعطي للرشوة .
المرتشي: الآخذ لها .
الشرح : في حديث عبد الله بن أبي أوفى بيان أن الله تعالى مع القاضي العادل
المعظّم لحدود الله ، يؤيده ويسدده ويفهمه ، ما لم يجُر ؛ أي ما لم يظلم ، ويتبع
الهوى، ويتجاوز حدود الله تعالى ، ويخون الأمانة التي وليها، فإنه إن فعل ذلك
وكله الله تعالى إلى نفسه، ومن وكل إلى نفسه ، حرم التوفيق من الله تعالى فلا يجني
إلا الخذلان .
ولقد صدق نبي الله شعيب عليه السلام حين قال "وما توفيقي إلا بالله عليه
توكلت " أي وما رشدي وفلاحي إلا بيد الله تعالى .
وفي الحديث جواز قبول ولاية القضاء لمن أخذها بحقها واتقى الله فيها، لأن
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٦٥
١٣ - كتاب الأحكام
معية الله تعالى المشار إليها في الحديث معية خاصة لا تكون إلا لعبد يحبه الله ويرضى
عنه قال تعالى { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } وغير ذلك من الآيات
التي تشير إلى هذا النوع من المعية ، وهي معية تأييد وتوفيق وتسديد .
وفي حديث عبد الله بن عمر بيان حكم الرشوة وهو ما يدفع من مال لذي
سلطان لأخذ ما لا يستحق ، وهي حرام بل من الكبائر لما ورد في شأنها من اللعن
لفاعلها.
قال الإمام الذهبي في كتابه الكبائر (ص ١٣٠) : الكبيرة الثانية والثلاثون :
أخذ الرشوة على الحكم. قال الله تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل
وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإِثم وأنتم تعلمون} أي لا
تدلوا بأموالكم إلى الحكام أي لا تصانعوهم بها ولا ترشوهم ليقتطعوا لكم حقا
لغيركم وأنتم تعلمون أنه لا يحل لكم .
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله وَلّ " لعن الله الراشي والمرتشي في
الحكم" أخرجه الترمذي ، وقال حديث حسن ، وعن عبد الله بن عمرو لعن رسول
الله ◌َّ الراشي والمرتشي قال العلماء فالراشي هو الذي يعطي الرشوة والمرتشي هو
الذي يأخذ الرشوة وإنما تلحق اللعنة الراشي إذا قصد بها أذية مسلم أو ينال بها ما لا
يستحق أما إذا أعطى ليتوصل إلى حق له ويدفع عن نفسه ظلماً فإنه غير داخل في
اللعنة وأما الحاكم فالرشوة عليه حرام أبطل بها حقا أو دفع بها ظلما وقد روي في
حديث آخر إن اللعنة على الرائش أيضا وهو الساعي بينهما. اهـ
وسبقه شيخ الإسلام ابن تيمية في أنه لو دفع ما يدفع به عن نفسه مظلمة ،
أو ليتحصل على حق له جاز فقال رحمه الله في مجموع الفتاوى (٢٨٦/٣١): ولهذا
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٦٦
١٣٠ - كتاب الأحكام
قال العلماء إن من أهدى هدية لولى أمر ليفعل معه ما لا يجوز كان حراما على
المهدي والمهدى إليه وهذه من الرشوة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم لعن
الله الراشي والمرتشي والرشوة تسمى البرطيل والبرطيل فى اللغة هو الحجز المستطيل
فاه فأما إذا أهدى له هدية ليكفّ ظلمه عنه أو ليعطيه حقه الواجب كانت هذه
الهدية حراما على الآخذ وجاز للدافع أن يدفعها إليه كما كان النبي صلى الله عليه
وسلم يقول إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها ناراً قيل يا رسول الله فلِمَ
تعطيهم ؟ قال يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل. اهـ
ومن قبل شيخ الإسلام قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله في معالم السنن
(١٦١/٤): فأما إذا أعطى ليتوصل به إلى حق أو يدفع عن نفسه ظلما فإنه غير
داخل في هذا الوعيد.اهـ
(٣) باب الحاكم يجتهد فيصيب الحق
٢٣١٤ - حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ
بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي فَيْسِ
مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاحْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حُكَمَ فَاحْتَهَدَ فَأَخْطَأَ
فَلَهُ أَجْرٌ .
قَالَ يَزِيدُ فَحَدَّثْتُ بِهِ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالَ هَكَذَا حَدَّثَنِهِ أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي
صحيح
هُرَيْرَةً .
٢٣١٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ حَدَّثْنَا أَبُو هَاشِمٍ قَالَ لَوْلَا
حَدِيثُ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقُضَاةُ ثَلَاثَةُ اثْنَانِ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٦٧
١٣ - كتاب الأحكام
فِي النَّارِ وَوَاحِدٌ فِي الْحَّةِ رَجُلٌ عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ وَرَجُلٌ قَضَى
لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ جَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ - لَقُلْنَا: إِنْ
الْقَاضِيَ إِذَا اجْتَهَدَ فَهُوَ فِى الْجَنَّةِ .
صبيع
الشرح : يشير الحديث إلى أن القاضي إذا كان عالما صالحا وبذل وسعه في
تحري الحق والقضاء بالعدل فهو مأجور وإن أخطأ ، أما إن أصاب فله أجران أجر
اجتهاده وتحرِّيه العدل ، وأجر لإصابته .
يقول الإمام الخطابي في معالم السنن (١٦٠/٤): إنما يؤجر المخطيء على
اجتهاده في طلب الحق لأن اجتهاده عبادة ولا يؤجر على الخطأ بل يوضع عنه الإثم
فقط ، وهذا فيمن كان جامعاً لآلة الاجتهاد عارفا بالأصول عالما بوجوه القياس فأما
من لم يكن محلاً للاجتهاد فهو متكلف ولا يعذر بالخطأ بل يخاف عليه أعظم
الوزر. اهـ
وأما إذا قبل ولاية القضاء وهو غير عالم ، وأقدم على القضاء بجهل فإنه آثم
، وهو أحد القاضيين الذين أخير البي ﴿ أنهما في النار .
يقول صاحب عارضة الأحوذي (٢٩٧/٣): الذي يقضي بالجور قد أتى
كبيرة من أعظم الكبائر في ظلم العباد ، ونقض عهد الله من بعد ميثاقه ، وما أبعده
من المغفرة المطلقة ، والذي يقضي بالجهل لا تقصر مرتبته عنه. اهـ
(٤) باب لا يحكم الحاکم وهو غضبان
٢٣١٦ - حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَأَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ
الْجَحْدَرِيُّ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٦٨
١٣ - كتاب الأحكام
الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا يَقْضِي
الْقَاضِي بَيْنُ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ .
صحیع
قَالَ هِشَامٌ فِي حَدِيثِهِ لَا يَنْبَغِي لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ .
الشرح : لما كان الغضب يخرج المرء من حالة الاعتدال ، ويشوش عليه
فكره ، فيضعف سداد نظره ، ويختل معه اتزان عقله الذي هو قوام أهليته
وصلاحيته، لما كان هذا شأن الغضب نهي القاضي عن القضاء وهو غضبان .
قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله في معالم السنن (١٦٥/٤): الغضب يغير
العقل ويحيل الطباع عن الاعتدال ولذلك أمر عليه السلام الحاكم بالتوقف في الحكم
ما دام به الغضب فقياس ما كان في معناه من جوع مفرط وفزع مدهش أو مرض
موجع قياس الغضب في المنع من الحكم. اهـ
وشرحه ابن دقيق العيد في عمدة الأحكام (٣٩٥/٤): فقال: النص وارد في
المنع من القضاء حالة الغضب وذلك لما يحصل للنفس بسببه من التشويش الموجي
لاختلال النظر وعدم استيفائه على الوجه ، وعدّاه الفقهاء بهذا المعنى إلى كل ما.
يحصل منه ما يشوش الفكر والجوع والعطش ، وهو قياس مظنة على مظنة .
إلى أن قال : وكأن الغضب إنما خُصّ لشدة استيلائه على النفس وصعوبة
مقاومته. اهـ
فإن قضى في حالة الغضب صح قضاؤه ، وهو قول الجمهور ، واستدلوا
بقضاء النبي ◌ّ للزبير بشراج الجرة بعد أن أغضبه خصم الزبير حين قال : آن كلن
ابن عمتك؟، وتعقب بأن النبي ◌ّ معصوم فلا يخرجه الغضب عن العدل
والإنصاف وهذا ليس لغيره وُّ فتبقى الكراهة من القضاء مع الغضب. والله أعلم.
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٦٩
١٣ - كتاب الأحكام
وهذا ما أجاب به الطحاوي في مشكل الآثار (١٨٠/١).
وقال المزني في مختصره : قال الشافعي رحمه الله : ومعقول في قول رسول
الله وَلّ" لا يحكم الحاكم ولا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان " أنه أراد أن
يكون القاضي حين يحكم في حال لا يتغير فيها خلقه ولا عقله. اهـ
قال الماوردي في الحاوي (٨٤/٢٠): وهذا صحيح، ينبغي للقاضي أن
يعتمد بنظره الوقت الذي يكون فيه ساكن النفس ؛ معتدل الأحوال ؛ ليقدر على
الاجتهاد في النوازل ، ويحترس من الزلل في الأحكام .
وقال : فإذا لحق القاضي حال تغير فيها عقله أو خلقه أو فهمه من غضب أو
حزن أو فرح أو مرض أو جوع أو عطش ، توقف عن الحكم حتى يعود إلى سكون
نفسه وكمال عقله، وهدوء طبعه ، وظهور فهمه. اهـ
(٥) باب قضية الحاكم لا تحل حراما ولا تحرم حلالا
٢٣١٧ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ
زَيْتَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكُمْ
تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَإِنَّمَا
أَقْضِي لَكُمْ عَلَى نَحْوِ مِمَّا أَسْمَعُ مِنْكُمْ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأُخُذْهُ
فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ يَأْتِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
صحيح
٢٣١٨ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلْ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَمَنْ قَطَعْتُ لَهُ
مِنْ حَقِّ أَخِيهِ قِطْعَةً فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ. حسن صدام
٠٠
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧٠٠
١٣٠ - كتاب الأحكام
الغريب :
ألحن : أبلغ وأعلم بالحجة . قاله النووي في شرح مسلم .
الشرح : دل الحديثان في الباب على أن حكم الحاكم أو قضاء القاضي لا
يحل حراما ولا يحرم حلالا ، أي أنه لا ينفذ إلا في الظاهر ، فإذا كان المدعي كاذباً
فيما ادعاه وشهد الشهود زوراً ، وحكم القاضي بما ظهر له فلا يحل للمحكوم له
أخذ ما حکم له به ؛ لأنه يعلم أن ليس له حق فيه ، وأن القاضي حکم ما ظهر له
، وأن حقيقة الأمر بخلاف ما ظهر للقاضي وهذا قول جماهير أهل العلم من السلف
الخلف .
يقول الإمام الشافعي رحمه الله في الأم (١٩٨/٦): في هذا الحديث دلالة
على أن الأئمة إنما كلفوا القضاء على الظاهر لقول رسول الله و 3 "فمن قضيتُ له
بشيء من حق أخيه" فأخبر ◌َ أن قد يكون هذا في الباطن محرما على من قضى له
به وأباح القضاء على الظاهر ودلالة على أن قضاء الإمام لا يحل حراما ولا يحرم
حلالا.اهـ
وقوله مثل "إنما أنا بشر "يقول الإمام النووي في شرح مسلم (٢٤٦/٦)
معناه التنبيه على حالة البشرية ، وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئا
إلا أن يطلعهم الله تعالى على شئ من ذلك ، وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما
يجوز عليهم ، وأنه إنما يحكم بين الناس بالظاهر والله يتولى السرائر ؛ فيحكم بالبينة
وبالیمین ونحو ذلك من أحکام الظاهر مع إمکان کونه في الباطن خلاف ذلك ولكنه
إنما كلف الحكم بالظاهر ..
ثم قال رحمه الله: ولو شاء الله تعالى لأطلعه 33 على باطن أمر الخصمين
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧١
١٣ - كتاب الأحكام
فحكم بيقين نفسه من غير حاجة إلى شهادة أو يمين لكن لما أمر الله تعالى أمته باتباعه
والاقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه أجرى له حكمهم في عدم الإطلاع على باطن
الأمور ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه ، فأجرى الله تعالى أحكامه على الظاهر
الذي يستوي فيه هو وغيره ليصح الإقتداء به وتطيب نفوس العباد للانقياد للأحكام
الظاهرة من غير نظر إلى الباطن. اهــ
قال الخطابي في معالم السنن (١٦٣/٤): وقد أجمع العلماء في هذا في
الدماء والأموال ، وإنما الخلاف في أحكام الفروج .
فقال أبو حنيفة إذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق وشهد لها شاهدان به ،
فقضى الحاكم بالتفرقة بينهما وقعت فيما بينهما وبين الله ومك وإن كانا شاهدي
زور وجاز لكل واحد من الشاهدين أن ينكحها وخالفه أصحابه في ذلك. اهـ
ورد ابن عبد البر في التمهيد (٣٣٥/١١): على قول أبي حنيفة المذكور
فقال: هذا خلاف سنة رسول الله { 30 في قوله "فمن قضيت له بشيء من حق أخيه
فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار" ومن حق هذا الرجل عصمة زوجته التي لم
يطلقها .اهـ
وقال في الاستذكار (١٨/٢٢): والصحيح في ذلك ما ذهب إليه مالك و
الشافعي وجمهور فقهاء المسلمين أنه لا يحل للشاهد بالزور أن يتزوجها وهو عالم بأن
زوجها لم يطلقها وكذلك غيره إذا علم لم يحل له. اهـ
وقال العيني في عمدة القاري (٢٥٦/٢٤): وقال الشعبي وأبو حنيفة ومحمد
: ما كان من تمليك مال فهو على حكم الباطن ، وما كان من ذلك من قضاء بطلاق
أو نكاح بشهود ظاهرهم العدالة وباطنهم الجراحة ، فحكم الحاكم بشهادتهم على
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧٢
١٣ - كتاب الأحكام
ظاهرهم الذي تعبد الله أن يحكم بشهادة مثلهم معه ، فذلك يجزيهم في الباطن لكفايته
في الظاهر "اهـ.
ولم يعلق العيني على هذا القول الشاذ وكأنه يراه والله أعلم . وما ذكره العيني
منقول من شرح معاني الآثار للطحاوي (٤ /١٥٥) إلا أن الطحاوي قال في آخر
جملة منه : فذلك يحرم في الباطن كحرمته في الظاهر "اهـ
(٦) باب من ادعى ما ليس له وخاصم فيه
٢٣١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ أَبُو عُبَيْدَةً
حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِهِ حَدَّثَنِ الْحُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ حَدَّثَنِي
يَحْبَى بْنُ يَعْمَرَ أَنْ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيِيَّ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ
يَقُولُ مَنْ ادْعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا وَلْيْتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنْ النَّارِ .
صبيع
٢٣٢٠- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَوَاءِ حَدَّثَنِي عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءِ عَنْ حُسَيْنِ
الْمُعَلِّمِ عَنْ مَطَرِ الْوَرَّاقِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللّهِ حَثَّىَ
يَنْزِعَ .
صبيح
الشرح : حديث أبي ذر رواه أيضا مسلم بتمامه وفيه ليس من رجل ادغى
لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر ، ومن ادعى ما ليس له فليس منا ، وليتبوأ مقعده من النار.
،ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه "وفيه تحريم
دعوی ما ليس له إذ هو كذب وتدلیس ،فلو ادعى لنفسه حق غيره من المال فهو من
أكل مال الناس بالباطل وهو حرام وإن كانت الدعوى لا تتعلق بحقوق الغير وإنما
يدعي لنفسه من العلم والجاه ونحوهما ما ليس له فهو تدليس وغش ولا يجوز بحال.
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧٣
١٣ - کتاب الأحكام
قوله : "فليس منا "قال النووي في شرح مسلم (٣٢٧/١) معناه ليس على
هدينا وجميل طريقتنا كما يقول الرجل لابنه لستَ مني . اهـ
وقوله وُّلة "فليتبوأ مقعده من النار "قال المناوي في فيض القدير (ح
٨٣٧٢):قال القاضي : لا يحمل مثل هذا الوعيد في حق المؤمن على التأبيد. اهـ
وقال النووي : معناه فليتزل منزلة منها أو فليتخذ منزلا بها وأنه دعاء أو خبر
بلفظ الأمر وهو أظهر القولين ومعناه : هذا جزاؤه فقد يجازى وقد يعفى عنه وقد
يوفق للتوبة فيسقط عنه ذلك ، وفي هذا الحديث تحريم دعوى ما ليس له في كل
شيء سواء تعلق به حق لغيره أم لا ، وفيه أنه لا يحل له أن يأخذ ما حكم له به
الحاكم إذا كان لا يستحقه . اهـ
وأما حديث ابن عمر فمعناه تحريم الإعانة على الظلم والإعانة على أي
معصية محرمة قال الله تعالى { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم
والعدوان}.
قال المناوي في فيض القدير (ح/٨٤٧٤): قوله " لم يزل في سخط الله " أي
غضبه الشديد " حتى يترع" أي يقلع عما هو عليه من الإعانة ، وهذا وعيد
شديد يفيد أن ذا كبيرة ولذلك عدّه الذهبي من الكبائر. اهـ
(٧) باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه
٢٣٢١ - حَدَّثْنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى الْمِصْرِيُّ حَدَّثْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَثْبَأَنَا ابْنُ حُرَيْجِ
عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنٍ عَبَّاسٍ أَنْ رَسُولَ اللّهِ ﴿لَ قَالَ لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ
ادْعَى نَاسٌ دمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ وَلَكِنْ الْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ .
صحيح
٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَيْرِ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثْنَا وَكِيعٌ وَأَبُو
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧٤
١٣ - كتاب الأحكام
مُعَاوِيَةَ قَالَا حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ
مِنْ الْيُهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي رَسُولُ
اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ لَكَ بَيَِّةٌ قُلْتُ لَا قَالَ لِلْيَهُودِيِّ احْلِفْ قُلْتُ إِذًا يَخْلِفُ
فِيهِ فَيَذْهَبُ بِمَالِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنْا
قَلِيلًا } إِلَحْ الْآيَةِ .
صبيع
الغريب :
البينة : اسم لما يبين الحق وعند الفقهاء الشاهدان أو الشاهد ويمين المدعي .
الشرح ؛ في حديث ابن عباس دليل على أن من ادعى على شخص أنه
غصب منه مالاً أو جحد له ديناً فأنكر المدعى عليه فالقول قول المدعى عليه ، مع
يمينه وعلى المدعي أن يقدم البينة على صحة دعواه ، وإلا ردت الدعوى .
وصورة ذلك أن يقدم المدعي دعواه إلى القاضي أن فلاناً ؛ أي المدعى عليه
غصب منه مالا ، أو جحد له دينا ، أو أتلف له زرعا ، أو نحو ذلك من الدعلوى ،
فيقول القاضي للمدعى عليه : ما تقول فيما ادعاه عليك ، فإن أقر حكم عليه: بالحق
الذي ادعاه عليه خصمه ، وألزمه برده ، وإن أنكر سأل القاضي المدعي : ألك بينة ؟
فإن كان له بينة ، قدمها فإن كانت بينة معتبرة وقبلها القاضي حكم له بما ادعاه.
وقامت عليه البينة ، فإن قال لا بينة لي ، أو قدم بينة وكانت غير مقبولة عند القاضي
سأله القاضي إن كان يحب أن يجلِّف خصمه ، فإن طلب ذلك وحلف المدعى عليه
رد القاضي الدعوى ، فإن امتنع المدعى عليه عن الحلف حكم القاضي عليه بالنكول
وألزمه بالدعوى .
قال ابن القيم في أعلام الموقعين (٩٥/١) تبعاً لشيخ الإسلام ابن تيمية في
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧٥
١٣ - كتاب الأحكام
مجموع الفتاوى (٣٩٢/٣٥): البينة في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسم لكل
ما يبين الحق فهي أعم من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين أو
الشاهد واليمين ، ولا حجر في الاصطلاح ما لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه
فيقع بذلك الغلط في فهم النصوص وحملها على غير مراد المتكلم منها اهـ
وقال البغوي في شرح السنة ( ١٠٠/١٠) : وفي الحديث دليل على أن من
ادعى عيناً في يد آخر، أو ديناً في ذمته ، فأنكر ، أن القول قول المدعى عليه مع يمينه
، وعلى المدعي البينة وهو قول عامة أهل العلم . اهـ
وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بعموم ذلك في الأموال والحدود
والنكاح ونحوه ، قال الحافظ في الفتح (٢٨١/٥): واستثنى مالك النكاح والطلاق
والعتاق والفدية فقال لا يجب في شيء منها اليمين حتى يقيم المدعي البينة ولو شاهداً
واحداً.اهـ
قال الإمام مالك في الموطأ في باب القضاء باليمين مع الشاهد (٢ /٧٢٢) :
وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة ولا يقع ذلك في شيء من الحدود ولا في
نكاح ولا في طلاق ولا في عتاقة ولا في سرقة ولا في فرية. اهـ
قال الزرقاني في شرحه (٤٩٣/٣): بإجماع القائلين باليمين مع الشاهد. اهـ
وقال صديق حسن خان في كتابه "ظفر اللاضي بما يجب في القضاء على
القاضي" (ص/١٤٠) : اليمين حق ثابت للمدعي ثبوتاً منصوصاً عليه بالأدلة
الصحيحة مجمعاً عليه عند جميع أهل الإسلام ، فإذا قال المدعي : أنا أطلب يمين
خصمي هذا المنكر لحقي كانت إجابته إلى هذا حقاً ثابتاً لازماً متعيناً بالنص
والإجماع. أهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧٦
١٣ - كتاب الأحكام
ونقل ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (٢٤٠/٢) : قال ابن المنذر
: أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ، قال: ومعنى
قوله البيئة على المدعي يعني أنه يستحق بها ما ادعي لأنها واجبة عليه يؤخذ بها على
كل حال .
وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين : أحدهما أن البيئة على
المدعي أبداً واليمين على المدعى عليه أبداً ، وهو قول أبي حنيفة ووافقه طائفة من.
الفقهاء والمحدثين كالبخاري ، وطردوا ذلك في كل دعوى حتى في القسامة ، وقالوا:
. لا يحلف إلا المدعى عليه ، ورأوا أن لا يقضي بشاهد ولا يمين لأن اليمين لا تكون
إلا على المدعى عليه ، ورأوا أن اليمين لا ترد على المدعي لأنها لا تكون إلا في
جانب المنكر المدعى عليه .
القول الثاني في المسألة : أنه يرجح جانب أقوي المتداعيين وتجعل اليمين في
جانبه. هذا مذهب مالك وكذا ذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أنه مذهب
أحمد.اهـ
وفي حديث الأشعث بن قيس إثبات تحليف المدعى عليه إذا لم يكن مع المدعي بينة.
وذكر السيوطي في لباب النقول (ص ٥٤) أن سبب نزول الآية هو ما جاء
في حديث الباب مما كان بين الأشعث بن قيس واليهودي .
والحديث رواه الشيخان ، وروى البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى
أن رجلا أقام سلعة له في السوق فحلف بالله لقد أعطى بها ما لم يعطه ليوقع فيها
رجلا من المسلمين فنزلت هذه الآية {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا}
قال الحافظ في الفتح (٢١٣/٨): وفيه قول الأشعث أن قوله تعالى {والذين
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧٧
١٣ - كتاب الأحكام
يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} نزلت فيه وفي خصمه حين تحاكما في البئر
، وحديث عبد الله بن أبي أوفى أنها نزلت في رجل أقام سلعة في السوق .... "وأنه لا
منافاة بينهما ، ويحمل على أن الترول كان بالسببين جميعا "اهـ
(٨) باب من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالا
٢٣٢٣- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ ثُمَيْرِ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةً قَالَا حَدَّثَنَا
الْأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهُوَ فِيهَا فَاحِرٌ يَقْتُطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ
غَضْبَانُ .
صحیع
٢٣٢٤ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدٍ
بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ أَنْ أَبَا أُمَامَةَ الْحَارِثِيَّ حَدَّثَّهُ أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللَّهِ صَّلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا يَغْتُطِعُ رَجُلٌ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِهِ إِلَّا
حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الْحَنَّةَ وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ
شَيْئًا يَسِيرًا قَالَ وَإِنْ كَانَ سِوَاكًا مِنْ أَرَاكِ .
صحيـ
(٩) باب اليمين عند مقاطع الحقوق
٢٣٢٥ - حَدَّثْنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ حَدَّثْنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةً ح و حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ
الْحَحْدَرِيُّ حَدَثْنَا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى قَالَا حَدَّثَنَ هَاشِمُ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
نِسْطَاسٍ عَنْ حَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَ﴿َّ مَنْ حَلَفَ بِيَمِينِ آئِمَةٍ عِنْدَ
مِنْبَرِي هَذَا فَلْتَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنْ الَّارِ وَلَوْ عَلَى سِوَاكِ أَخْضَرَ .
صحيح
٢٣٢٦ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَزَيْدُ بْنُ أَخْرَمَ قَالَا حَدَّثَنَا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثْنَا
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧٨
١٣ - كتاب الأحكام
الْحَسَنُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ فَرُّوخَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْبَى وَهُوَ أَبُو يُونُسَ الْقُويُّ قَالَ سَمِعْتُ
أَبَا سَلَّمَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَنَا
يَحْلِفُ عِنْدَ هَذَا الْمِنْبَرِ عَبْدٌ وَلَا أَمَّةٌ عَلَى يَمِينِ آيَمَةٍ وَلَوْ عَلَى سِوَاكِ رَطْبٍ إِلَّا وَحَبَتْ
لَهُ النَّارُ .
صحيح
الغريب :اليمين الفاجرة: هي اليمين التي يعتمد صاحبها الكذب فيها وهي.
اليمين الغموس . قال الذهبي في كتاب الكبائر (ص١٠٠) سميت غموسا لأنها تغمس
الحالف في الإثم ، وقيل تغمسه في النار. اهـ
الشرح : في حديث الباب ترهيب من الإقدام على اليمين الغموس التيّ
يعتمد الكذب فيها لا سيما من كان يأكل بها مال أخيه المسلم ، فإنها حرام ، بل من.
كبائر الذنوب وعظائم الموبقات ، وقد عدها الذهبي رحمه الله في الكبائر فقال في
الكبيرة الثامنة والعشرين (ص ١١٦): قال الله تعالى {ولا تأكلوا أموالكم بينكم
بالباطل } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني باليمين الباطلة، يقتطع بها الرجل
مال أخيه ، والأكل بالباطل على وجهين :
أحدهما : أن يكون على جهة الظلم نحو الغصب والخيانة والسرقة .
والثاني : على جهة الهزل واللعب كالذي يؤخذ في القمار والملاهي ونحو ذلك، وفي.
صحيح البخاري أن رسول الله و قال: إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق
فلهم النار يوم القيامة "
وفي صحيح مسلم ذكر النبي ◌َ ◌ّ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يده
إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذّي بالحرام
؛ فأنى يستجاب لذلك" وعن أنس قال "قلت يا رسول: الله أدع الله أن يجعلني
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٢٧٩
١٣ - كتاب الأحكام
مستجاب الدعوة فقال ◌َلّ يا أنس أطب كسبك تجب دعوتك فإن الرجل ليرفع
اللقمة من الحرام إلى فيه فلا يستجاب له دعوة أربعين يوما".
ثم قال : وجاء عنه څے
أنه قال من لم يبال من أين اكتسب المال لم يبال
الله من أي باب أدخله النار "
وقوله " مَّ في حديث أبي أمامة " إلا حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار "
قال النووي في شرح مسلم (٤٤٠/١) : ثم إن هذه العقوبة لمن اقتطع حق
المسلم ومات قبل التوبة أما من تاب فندم على فعله ورد الحق إلى صاحبه وتحلل منه
وعزم على أن لا يعود فقد سقط عنه الإثم .
إلى أن قال : وفيه بيان غلظ تحريم حقوق المسلمين وأنه لا فرق بين قليل
الحق وكثيره لقوله ﴿ّ "وإنْ قضيب من أراك". اهـ
والتقييد بكون اليمين عند منبر رسول الله - هو من باب تغليظ اليمين ،
وذهب البخاري إلى أن المدعى عليه يحلف حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من
موضع إلى غيره . وترجم بذلك في صحيحه وقال : قضى مروان باليمين على زيد
بن ثابت على المنبر فقال : أحلف له مكاني فجعل زيد يحلف ، وأبى أن يحلف على
المنبر فجعل مروان يعجب منه " وقال الحافظ في الفتح : قوله "باب يحلف المدعى
عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره" أي وجوبا وهو
قول الحنفية والحنابلة ، وذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ ففي المدينة عند المنبر
وبمكة بين الركن والمقام وبغيرهما بالمسجد الجامع واتفقوا على أن ذلك في الدماء
والمال الكثير لا في القليل. اهـ
وقال صاحب عون المعبود (٩/ ٧٤) : وذهب بعض أهل العلم إلى أن
إهداء الديباجة بشرخ سنن ابن ماجة
٢٨٠
١٣ - کتاب الأحكام
ذلك موضع اجتهاد للحاكم.اهـ
وتغليظ اليمين بالمكان يقول فيه ابن رشد في بداية المجتهد (٤٦٧/٢): ليس
فيه إجماع من الصحابة. اهـ
ويقول ابن حزم في المحلى (٤٧٠/٨): فصح أنها لو وجبت اليمين في مكان
دون مكان وفي حال دون حال لبينها عليه الصلاة والسلام فإذا لم يبين ذلك فلا
يخص باليمين مكان دون مكان ولا حال دون حال. أهـ
وقوله لل " يقتطع بها حق مال امريء مسلم" .
قال الصنعاني في سبل السلام (١٤٨٥/٤): وذكر المسلم خرج مخرج
الغالب وإلا فالذمي مثله في هذا الحكم . اهـ
(١٠) باب بما يستحلف أهل الكتاب
٠ ٢٣٢٧- حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةً
عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ
فَقَالَ أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ الثَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى .
صحیع
٢٣٢٨ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُجْمَّدٍ حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ مُحَالِدٍ أَثْبَأَنَا عَامِرٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِيَهُودَِّيْنِ أَنْشَدْتُكُمَا بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ
الثَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامِ .
ـحيم
حـ
الغريب :
: أنشدك : أسألك وأقسم عليك .
الشرح : حديث البراء رواه أيضا مسلم وأحمد وأبو دود وقصته كما يرويها
البراء بعض ◌ُّه قال: مُرّ على النبي ◌ُ﴿ بيهودي محمماً؛ أي مسوّد الوجه، محلوداً،