Indexed OCR Text

Pages 481-500

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨١
٨- كتاب الزكاة
والسلت والأرز والذرة والدخن أو من القطنيات كالباقلا والعدس والماش والحمص
أو من الأباريز كالكسفرة والكمون والكراويا أو البزور كبزر الكتان والقثاء أو حب
البقول كالرشاد وحب الفحل والقرطم والترمس والسمسم وسائر الحبوب وتجب
أيضا فيما جمع هذه الأوصاف من الثمار كالتمر والزبيب والمشمش واللوز والفستق
والبندق ، ولا زكاة في سائر الفواكه كالخوخ والإجاص والكمثري والتفاح
والمشمش والتين والجوز ولا في الخضر كالقناء والخيار والباذنجان واللفت
والجزر. اهـ
وقال صاحب الهداية (فتح القدير (٢٤٨/٢): قال أبو حنيفة : في قليل مما
أخرجته الأرض العشر ، سواء سقي سيحا أو سقته السماء إلا الحطب والقصب
والحشيش " ثم قال المرغيناني: ولأبي حنيفة رحمه الله قوله {َ ﴾" ما أخرجت
الأرض ففيه العشر " قال: وما سقي بغرب أو دالية أو سانية ففيه نصف العشر. اهـ
واستدل الأحناف بعموم قول الله تعالى {ومما أخرجنا لكم من الأرض}
وبقوله تعالى {وآتوا حقه يوم حصاده } وبقول النبي ﴿" فيما سقت السماء
العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر "
فلم يشترط أبو حنيفة ما اشترطه الجمهور مالك والشافعي في أن يكون
الخارج من الأرض من الأقوات ولا ما اشترطه أحمد مما بيبس ويدخر ويكال .
فعلى قول أبي حنيفة يجب إخراج العشر في الخضروات كالخيار والقثاء
والباذنجان والجزر واللفت وكذلك يجب عنده إخراجها من الفواكه كالتفاح والخوخ
والكمثرى ونحوها .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٢
٨- كتاب الزكاة
وقد روى الترمذي من حديث معاذ أنه كتب إلى النبي ◌َ ◌ّ يسأله عن الخضروات
وهي البقول فقال : ليس فيها شيء وهو حديث صحيح ، وقال أبو عيسى : والعمل
على هذا عند أهل العلم أنه ليس في الخضروات صدقة .
وقال البغوي في شرح السنة (٤١/٦): وكل ثمرة أوجبنا فيها الزكاة فإنهنا
تجب ببدو الصلاح ووقت الإخراج بعد الاجتناء والجفاف وكل حب أوحبنا فيه
العشر فوقت وجوبه اشتداد الح ووقت الإخراج بعد الدياسة والتنقية، ولا حول
لها إنما الحول للمواشي والنقود لأن نماءها لا يظهر إلا بمضي الحول .
وقال الشيرازي في المهذب (٤٩٢/٥): وتجب الزكاة في كل ما تخرجه
الأرض مما يقتتات ويدخر وينبته الآدميون كالحنطة والشعير والدخن ، والذرة
والجاورس والأرز وما أشبه ذلك .
إلى أن قال: ولأن الأقوات تعظم منفعتها فهي كالأنعام في الماشية وكذلك تجب في.
القطنية وهي العدس والحمص والماش واللوبيا والباقلا والهرطمان لأنه يصلح للاقتيات
ويدخر للأكل فهو كالحنطة والشعير. اهـ
وقد رجح القاضي أبو بكر بن العربي من كبار المالكية مذهب أبي حنيفة
فقال في شرح الترمذي : وأقوى المذاهب في المسألة مذهب أبي حنيفة دليلا
وأحوطها للمساكين وأولاها قياما بشكر النعمة وعليه يدل عموم الآية والحديث
. نقله الشيخ القرضاوي في فقه الزكاة (٣٥٦/١) وأشار إليه الحافظ في الفتح
(٣٥٠/٣).

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٣
٨ - كتاب الزكاة
وقوله في حديث معاذ " خذ الحب من الحب " قال الخطابي في معالم السنن
(٤٢/٢): فيه من الفقه أن الزكاة تخرج من أعيان الأموال ولا يجوز صرف الواجب
منها إلى القيم . اهـ
وقال المناوي في الفيض (ح/٣٨٨٦): والمراد أن الزكاة من جنس المأخوذ
منه هذا هو الأصل وقد يعدل عنه الموجب . اهـ
(١٧) باب صدقة الزروع والثمار
١٨١٦ - حَدَّثَنَا إسْحَقُ بْنُ مُوسَى أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
بْنِ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ عَنْ
سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعَنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لَ﴿ّ فِيمًا
سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ. صحيح
١٨١٧ - حَدَّثْنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ أَبُو حَعْفَرٍ حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ
عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ
فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ وَالْأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ بَعْلًا الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِيِ نِصْفُ
الْعُشْرِ .
صبيع
١٨١٨ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفَّانَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ
عَّشِ عَنْ عَاصِمٍ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ حَبَلٍ قَالَ
يَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَِّي أَنْ آَخُذَ مِمَّ سَقَتْ السَّمَاءُ
وَمَا سُقِيَ بَعْلًا الْعُشْرَ وَمَا سُقِيَ بِالدَّوَالِي نِصْفَ الْعُشْرِ.
قَالَ يَحْتَى بْنُ آدَمَ الْبَعْلُ وَالْعَرِيُّ وَالْعَذْيُ هُوَ الَّذِي يُسْقَى بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْعَثَرِيُّ مَا
يُزْرَعُ بِالسَّحَابِ وَالْمَطَرِ خَاصَّةً لَيْسَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَاُ الْمَطَرِ وَالْبَعْلُ مَا كَانَ مِنْ الْكُرُومِ

: إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٤
٨- كتاب الزكاة
۔۔۔
قَدْ ذَهَبَتْ عُرُوقُهُ فِي الْأَرْضِ إِلَى الْمَاءِ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى السَّفْيِ الْخَمْسَ سِنِينَ وَالسِّبتَّ
يَحْتَمِلُ تَرْكَ السَّفْيِ فَهَذَا الْبَعْلُ وَالسَّيْلُ مَاءُ الْوَادِي إِذَا سَالَ وَالْغَيْلُ سَيْلٌ دُونَ سَمْلٍ
حسن صنيع
الغريب :
بالنضح : بالسانية ، والمراد بها الإبل التي يستقى عليها، وذكر الإبل كالمثال
وإلا فالبقرة وغيرها كذلك في الحكم قاله الحافظ في الفتح (٣٤٩/٣).
الدوالي : جمع دالية وهي آلة لإخراج الماء ..
الشرح : دلت الأحاديث في الباب على أن ما سقي من الزرع بكلفة ومؤنة
كاستخدام الآلات والدواب ونحو ذلك أن فيه نصف العشر، وما سقي بغير كلفة
ولا مؤنة سواء كان من المطر أو ماء نهر أو عين أو كان الزرع يشرب بعروقه من
الأرض أن الصدقة الواجبة فيه العشر .
قال الإمام الخطابي رحمه الله في معالم السنن (٤١/٢): فيه أن النبي:
جعل الصدقة ما خفت مؤنته وكثرت منفعته على التضعيف توسعة على الفقراء،
وجعل ما كثرت مؤنته على التنصيف رفقا بأرباب الأموال. اهـ
وتبعه الإمام البغوي في شرح السنة (٤٣/٦): فقال : وهذا قول عامة أهل.
: العلم أن في المسقي من الثمار والزروع التي تجب فيها الزكاة بماء السماء أو من نهر
يجري الماء إليه من غير مؤونة ، أو كان بعلا - وهو الذي يشرب بعرقه - ، العشر
، وفيما سقي بسانية أو نضح نصف العشر ، لأن المؤونة إذا كثرت ، قل الواجب
نظراً لأرباب الأموال ، فإذا قلت المؤونة وعمت المنفعة زيد في الواجب توسعة على
:

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٥
٨- كتاب الزكاة
الفقراء ، ولذلك وجبت الزكاة في النَّعم إذا كانت سائمة ، فإن كانت معلوفة فلا
زكاة فيها لكثرة مؤونتها. اهـ
ومثله قال الحافظ الزيلعي تعليقا على أحاديث الباب في نصب الراية
(٢//٣٩٤) .
وقال صديق حسن خان في الروضة (٤٨٣/١): فإن الذي هو أقل تعانيا
وأكثر ريعا أحق بزيادة الضريبة ، والذي هو أكثر تعانيا وأقل ريعاً أحق
بتخفيفها .اهـ
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٤٨/٧): معنى الحديث عند جماعة أهل
الحجاز وجمهور أهل العراق ، إذا بلغ المقدار خمسة أوسق ، وكان ما تجب فيه
الزكاة من الثمار والحبوب ، فحينئذ يجب فيه العشر ونصف العشر ولا فرق بين أن
يرد هذا في حديثين أو في حديث واحد ويدل على صحة هذا المذهب مع استفاضة
في أهل العلم أنه لم يأت عن النبي ﴿ ولا عن أحد من أصحابه ولا من التابعين
بالمدينة أنه أخذ الصدقة من الخضر والبقول وكانت عندهم موجودة فدل على أن
ذلك معفو عنه كما عفي عن الدور والدواب . اهـ
وقد قرر ابن قدامة في المغني (٥٥٨/٢) ما ذكرناه في المسألة وقال : لا نعلم
في هذا خلافا وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وغيرهم ،
والأصل فيه قول النبي ◌ُّ " فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وما
سقي بالنضح نصف العشر" رواه البخاري ، قال أبو عبيد: العثري ما تسقيه السماء
وتسميه العامة العدي .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٦
٨ - كتاب الزكاة
إلى أن قال رحمه الله ؛ مبينا الحكمة من التفرقة بين ما سقي بكلفة وما سقي
بغير كلفة : ولأن للكلفة تأثيراً في إسقاط الزكاة جملة بدليل العلوفة - يعني أن
العَلوفة لا زكاة فيها بخلاف السائمة فإن فيها الزكاة - فبأن يؤثر في تخفيفها أولى
ولأن الزكاة إنما تجب في المال النامي وللكلفة تأثير في تعليل النماء فأثرت في تقليل
الواجب فيها. اهـ
ثم أضاف رحمه الله : فإن سقي نصف السنة بكلفة ونصفها بغير كلفة ففيه.
ثلاثة أرباع العشر وهذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفا
لأن كل واحد منهما لو وجد في جميع السنة لأوجب مقتضاه فإذا وجد في نصفها
أوجب نصفه وإن سقي بأحدهما أكثر من الآخر اعتبر أكثرهما فوجب مقتضاه
وسقط حكم الآخر، نص عليه - أي أحمد - اهـ
وقال أبو جعفر الطحاوي فيما نقله عنه ابن عبد البر في التمهيد (٥٠/٧):
قد اتفق الجميع على أنه لو سقاه بماء المطر يوما أو يومين أنه لا اعتبار به ولا يجعل
لذلك حصة فدل على أن الاعتبار بالأغلب .اهـ
(١٨) باب خَرْص النخل والعنب
١٨١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ وَالزُّبِيْرُ بْنُ بَكْارٍ قَالَا حَدَّثَنَا ابْنُ
نَافِعِ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ النَّمَّارُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَتَّابٍ ثْنٍ
أَسِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَبْعَثُ عَلَى النَّاسِ مَسِنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ
كُرُومَهُمْ وَثِمَارَهُمْ . ضعيف
١٨٢٠ - حَدَّثْنَا مُوسَى بْنُ مَرْوَانَ الرَّقِّيُّ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ أَيُوبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ عَنْ
مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ اقْتَجَ

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٧
٨- كتاب الزكاة
خَيْبَرَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَهُ الْأَرْضَ وَكُلِّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَقَالَ لَهُ
أَهْلُ خَيْرَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْأَرْضِ فَأَعْطِنَاهَا عَلَى أَنْ نَعْمَلَهَا وَيَكُونَ لَنَا نِصْفُ الثَّمَرَةِ
وَلَّكُمْ نِصْفُهَا فَرَعَمَ أَنَّهُ أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ حِينَ يُصْرَّمُ النَّخْلُ بَعَثَ إِلَيْهِمْ
ابْنَ رَوَاحَةَ فَحَزَرَ النَّخْلَ وَهُوَ الَّذِي يَدْعُونَهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ الْخَرْصَ فَقَالَ فِي ذَا كَذَا
وَكَذَا فَقَالُوا أَكْثَرْتَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ رَوَاحَةَ فَقَالَ فَأَنَا أَحْزِرُ النَّخْلَ وَأُعْطِيكُمْ نِصْفَ الَّذِي
قُلْتُ قَالَ فَقَالُوا هَذَا الْحَقُّ وَبِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ فَقَالُوا قَدْ رَضِينَا أَنْ تَأْخُذَ بِالَّذِي
قُلْتَ .
حسن
الغريب :
الخرص : هو حرز ما على النخل من الرطب تمرا .
الشرح : دل الحديثان في الباب على أن الخرص في النخيل والعنب ثابت من
هدي النبي ◌َّ وأن ذلك كان من أجل تقدير الثمار على أربابها لتحديد النصاب
ومقدار الواجب فيها من الزكاة، فكان و لم يرسل الرجل الخبير الأمين إذا بدا
صلاح الثمار فيقدر ما على النخيل والأعناب من الرطب والعنب ثم يخمن ويحرز كم
يكون قدرها تمرا وزبيبا ليعرف مقدار الزكاة الواجبة فيها ، فإذا جفت الثمار طالب
أربابَ المال بما سبق تقديره فيه مع مراعاة التسامح فيما يمكن أن يأكلوه عادة من
الرطب والعنب وما يكرموا به أضيافهم أو يهدونه لجيرانهم ونحو ذلك من المروءات
التي اعتادها المسلمون .
والآثار عن السلف في الخرص كثيرة جدا .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٨
٨- کتاب الزكاة
وبه قال جماهير أهل العلم ، وأنكره أصحاب الرأي والأحاديث الصحيحة
صريحة في فعل النبي ◌َّ له وإرسال بعض أصحابه للقيام به، واستمر العمل به في
عصر الصحابة ومن بعدهم ، والسنة إذا ثبتت لا يبالي من عمل بها بمن خالفها.
ومن جهة النظر فإن الذين أنكروا الخرص قالوا : إن ذلك كان تخويفا
للأكرة "المزارعين" لئلا يخونوا ، فأما أن يلزم به حكم فلا ، وذلك أنه ظن وتخمين
وفيه غزر " ومعناه أن الخرص كان إجراء إداريا يقصد منه الحفاظ على حق الفقراء
في الصدقات، وإذا كان قد وجد في زمن النبي ﴿ من تخش خيانته حتى احتيج
لمثل هذا الإجراء، فماذا يتصور أن يحتاجه أهل الأزمان المتأخرة عن زمنه مُ طّ
لحماية حق الله في المال .
ورد الخطابي أيضاً في معالم السنن (٤٤/٢) على أصحاب الرأي في إنكارهم
الخرص : فقال: العمل بالخرص ثابت " وقال: وبقي الخرص يعمل به رسول الله
طول عمره، وعمل به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وعامة الصحابة على
تجويزه والعمل به ، ولم يذكر عن أحد منهم فيه خلاف. فأما قولهم إنه ظن وتخمين
فليس كذلك ، بل هو اجتهاد في معرفة مقدار الثمار وإدراكه بالخرص الذي هو
نوع من المقادير والمعايير ، كما يعلم ذلك بالمكاييل والموازيين وإن كان بعضها
أحصر من بعض ، وإنما هذا كإباحته الحكم بالاجتهاد عند عدم النص منع كونه
معرضا للخطأ ، ثم قال : وباب الحكم بالظاهر باب واسع لا ينكره عالم اهـ
وقال رحمه الله في بيان فائدة الخرص ومعناه : إن الفقراء شركاء أرباب
الأموال في الثمر ، فلو منع أرباب المال من حقوقهم ومكن الانتفاع بها إلى أن تبلغ
الثمرة غاية جفافها ، لأضر ذلك بهم ، ولو انبسطت أيديهم فيها لأخل ذلك بحصة

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٨٩
٨- کتاب الزكاة
الفقراء منها ، إذا ليس مع كل أحد من التقية - أي التقوى والورع - ما تقع به
الوثيقة -أي تحصل به الثقة _ في أداء الأمانة، فوضعت الشريعة هذا العيار ليتوصل
به أرباب الأموال إلى الانتفاع ويحفظ على المساكين حقوقهم ، وإنما يفعل ذلك عند
أول وقت بدو صلاحها قبل أن يؤكل ويستهلك ليعلم حصة الصدقة منها فيخرج
بعد الجفاف بقدرها تمرا وزبيبا. اهـ
وبمثله في فائدة الخرص قال ابن عبد البر في التمهيد (٨٧/٧): وأضاف: والأصل أن
أرباب الأموال أمناء والخرص لا يخرجهم عن ذلك لأنهم لم يخرص عليهم إلا رفقا
بهم وإحسانا إليهم على حسب ما ذكرنا من إطلاقهم للتصرف في ثمارهم وحفظ ما
يجب للمساكين فيها من حين طيبها .
والرفق بأرباب الأموال ، والتسامح في تقدير ثمارهم ومراعاة ظروفهم وما
يحتاجون إليه من الثمار لطعامهم وضيوفهم كان هدي الصحابة رضوان الله عليهم
وفعلهم في هذه المسألة فقد كان عمر بن الخطاب رضيالله يأمر الخراص أن يخرصوا
ويرفعوا عن الناس قدر ما يأكلون أي يتركوه لهم فلا يعدونه في خرصهم .
قال الموفق بن قدامة في المغني (٤٦٧/٢): وينبغي أن يبعث الإمام ساعيه إذا
بدا صلاح الثمار ليخرصها ويعرف قدر الزكاة ويعرف المالك ذلك وممن كان يرى
الخرص عمر بن الخطاب وسهل بن أبي حثمة ومروان والقاسم بن محمد والحسن
وعطاء والزهري وعمرو بن دينار وعبد الكريم بن أبي المخارق ومالك والشافعي
وأبو عبيد وأبو ثور وأكثر أهل العلم. اهـ

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٠
٨- کتاب الزكاة
وقال ابن المنذر في كتابه الإجماع برقم ٩٥: وأجمعوا على أن الخـارض إذا
خرص وأصابته - أي الثمر - جائحة لا شيء عليه إذا كان ذلك قبل الجذاذ. اهـ أي
قبل القطع والقطف .
وقال أبو عيسى الترمذي في باب " ما جاء في الخرص" من سننه: إذا
أدركت الثمار من الرطب والعنب مما فيه الزكاة بعث السلطان خارصا يخرص
عليهم والخرص أن ينظر من يبصر ذلك فيقول يخرج من هذا الزبيب كذا وكذا ومن
التمر كذا وكذا فيحصي عليهم وينظر مبلغ العشر من ذلك فيثبت عليهم ثم يخلي
بينهم وبين الثمار فيصنعون ما أحبوا فإذا أدركت الثمار أخذ منهم العشر هكذا
فسره بعض أهل العلم وبهذا يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. اهـ
حكمه :
· قال الحافظ في الفتح (٣٤٦/٣): وفي هذا الحديث مشروعية الخرص
ثم قال : وقال الجمهور : هو مستحب ، إلا إن تعلق به حق محجور مثلا ،
أو كان شركاؤه غير مؤتمنين ؛ فيجب لحفظ مال الغير ، واختلف أيضا هل يختص
بالنخل أو يلحق به العنب أو يعم كل ما ينتفع به رطبا وجافا ؟ بالأول قال شريح
القاضي وبعض أهل الظاهر ، والثاني قول الجمهور، وإلى الثالث نحا البخاري . اهـ
(١٩) باب النهي أن يُخْرِج في الصدقة شرَّ ماله
١٨٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ بَكْرُ بْنُ حَلَفٍ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ
جَعْفَرِ حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ أَبِي عَرِيبٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَبِيِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَلِكٍ
الْأَشْجَعِيِّ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ وَقَدْ عَلْقَ رَجُلٌ أَقْنَاءٌ أَوْ قِنْوًا

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩١
٨ - كتاب الزكاة
وَبِيَدِهِ عَصَا فَجَعَلَ يَطْعَنُ يُدَقْدِقُ فِي ذَلِكَ الْقِنْوِ وَيَقُولُ لَوْ شَاءَ رَبُ هَذِهِ الصَّدَقَةِ
تَصَدَّقَ بِأَطْيَبَ مِنْهَا إِنَّ رَبَّ هَذِهِ الصَّدَقَةِ يَأْكُلُ الْحَشَفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . حسن
٢٨٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْتَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّنُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ
الْعَنْقَزِيُّ حَدَّثْنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرِ عَنْ السُّدِّيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ }
قَالَ نَزَلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانَتْ الْأَنْصَارُ تُخْرِجُ إِذَا كَانَ جِدَادُ النَّخْلِ مِنْ حِيطَانِهَا أَقْنَاءَ
الْبُسْرِ فَيُعَلِّقُونَهُ عَلَى حَبْلٍ بَيْنَ أُسْطُوَانَيْنِ فِي مَسْجِدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَيَأْكُلُ مِنْهُ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ فَيَعْمِدُ أَحَدُهُمْ فَيُدْخِلُ فِئْوًا فِيهِ الْحَشَفُ يَظُنُّ أَنَّهُ جَائِرٌ
فِي كَثْرَةِ مَا يُوضَعُ مِنْ الْأَقْنَاءِ فَزَلَ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ {وَلَا تَيْمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ
} يَقُولُ لَا تَعْمِدُوا لِلْحَشَفِ مِنْهُ تُنْفِقُونَ {وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِنَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ } يَقُولُ
لَوْ أَهْدِيَ لَكُمْ مَا قَبِلْتُمُوهُ إِلَّا عَلَى اسْتِحْيَاءٍ مِنْ صَاحِبِهِ غَيْظًا أَنَّهُ بَعَثَ إِلَيْكُمْ مَا لَمْ
يَكُنْ لَكُمْ فِيهِ حَاجَةٌ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ صَدَقَاتِكُمْ .
صبيع
الغريب :
القنو : في النهاية (١١٦/٤) : القنو: العِذْق بما فيه من الرطَب، وجمعه
أقناء .
الحشف : اليابس الفاسد من التمر ، وقيل الضعيف الذي لا نوى له كالشِّيص .
(النهاية ٣٩١/١)
جداد النخل : قطع ثمرتها .
الحيطان : البساتين .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٢
٨- كتاب الزكاة
الشرح : الحديثان في الباب ينهيان المسلم أن يعمد إلى الرديء من ماله
فيتصدق به، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا ، وفي الحديث والآية توبيخ وتقريع
وتخويف لمن يفعل ذلك، ففي الآية { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } أي لو
أن مثل هذا أُهدي إليكم ما قبلتموه إلا على استحياء من صاحبه فكيف ترضون
لإخوانكم مالا ترضونه لأنفسكم ؟! ، وكيف تشحّون بما رزقكم الله وتبخلون ،
ولا تجودون بأطيب ما عندكم ابتغاء وجه الله .
: قال الحافظ ابن كثير في تفسيرها : قال ابن عباس: أمرهم بالإنفاق من
أطيب المال وأجوده وأنفسه ، ونهاهم عن التصدق برذالة المال ودنيئه وهو خبيثه فان
الله طيب لا يقبل إلا طيبا ولهذا قال {ولا تيمموا الخبيث} أي تقصدوا الخبيث
{منه تنفقون ولستم بآخذيه} أي لو أعطيتموه ما أخذتموه إلا أن تتغاضوا فيه فالله
أغنى منكم فلا تجعلوا لله ما تكرهون وقيل معناه {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون }
أي لا تعدلوا عن المال الحلال وتقصدوا إلى الحرام فتجعلوا نفقتكم منه .
قال: والصحيح القول الأول. اهـ
ورجح القول الأول أيضا ابن الجوزي في زاد المسير فقال : وفي الخبيث
قولان : أحدهما أنه الرديء قاله الأكثرون وسبب الآية يدل عليه. اهـ
ونصره صاحب تفسير المنار فقال : إن أسلوب الآية يأبى أن يراد بالطيبات
هنا أنواع الحلال وبالخبيث المحرم ، وقواعد الشرع لا ترضاه ، وما ورد في سبب
نزول الآية يؤيد أسلوبها وهو أن بعض المسلمين كانوا يأتون بصدقتهم من حشف
التمر وهو رديئه .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٣
٨ - كتاب الزكاة
وقوله في الحديث " واعلموا أن الله غني عن صدقاتكم " جاء على معنى قوله
تعالى في نهاية الآية {واعلوا أن الله غني حميد} قال ابن كثير في تفسيرها (٣٢٩/١)
: أي وإن أمركم بالصدقات وبالطيب منها فهو غني عنها وما ذاك إلا أن يساوي
الغني الفقير كقوله { لن ينال اللهَ لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم }
وهو غني عن جميع خلقه ، وجميع خلقه فقراء إليه ، وهو واسع الفضل لا ينفذ ما
لديه ، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب فليعلم أن الله غني واسع العطاء كريم
جواد وسيجزيه بها ويضاعفها له أضعافا كثيرة من يقرض غير عديم ولا ظلوم،
وهو الحميد أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ؛ لا إله إلا هو ولا رب
سواه. اهـ
(٢٠) باب زكاة العسل
١٨٢٣ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيْعٌ وَسَعِيدُ بْنُ
عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي سَيَّرَةَ الْمُتَعِيُّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ
لِي نَحْلًا قَالَ أَدِّ الْعُشْرَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ احْمِهَا لِي فَحَمَاهَا لِي . حسن
١٨٢٤ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى حَدَّثْنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادِ حَدَّتْنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ حَدَّثْنَا
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ حَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو عَنْ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْعَسَلِ الْعُشْرَ .
حسن صبيع
الشرح : اختلف أهل العلم في زكاة العسل ،هل تجب أم لا فذهب مالك
والشافعي إلى أنه لا زكاة فيه ، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى القول بوجوب الزكاة
فيه .

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٤
٨ - كتاب الزكاة
قال الشافعي في الأم (٣٩/٢): لا صدقة في العسل ولا في الخيل، فإن تطوع
أهلهما بشيء قبل منهم وجعل في صدقات المسلمين. اهـ
وقال ابن قدامة في المغني (٥٧٧/٢): ومذهب أحمد أن في العسل العشرَ ،
قال الأثرم : سئل أبو عبد الله : أنت تذهب إلى أن في العسل زكاة ؟ قال : نعم
أذهب إلى أن في العسل زكاة ؛ العشر ، قد أخذ عمر منهم الزكاة ، قلت: ذلك
على أنهم تطوعوا به ، قال : لا ، بل أخذه منهم.
:
إلى أن قال: وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وابن المنذر: لا
زكاة فيه ؛ لأنه مائع خارج من حيوان أشبه اللبن ، قال ابن المنذر ليس في وجوب
الصدقة في العسل خبر يثبت ولا إجماع فلا زكاة فيه ، وقال أبو حنيفة إن كان في
أرض العشر ففيه الزكاة وإلا فلا زكاة فيه. اهـ
ثم أجاب على قولهم " أشبه اللبن " فقال: أما اللبن فإن الزكاة وجبت في
أصله وهي السائمة بخلاف العسل . اهـ
وفي الهداية (فتح القدير ٢٥٢/٢) قال المرغيناني: وفي العسل العشر إذا أخذ
من أرض العشر. اهـ
وقال الكمال ابن الهمام في فتح القدير في شرح الهداية: قيد به لأنه لو أخذ
من أرض الخراج لم يجب فيه شيء . اهـ
وقال ابن القيم في الزاد (١٣/٢): واختلف أهل العلم في هذه الأحاديث.
وحكمها فقال البخاري : ليس في زكاة العسل شيء يصح ، وقال الترمذي : لا
يصح عن النبي ◌َّ في هذا الباب كثير شيء، وقال ابن المنذر: ليس في وجوب
:صدقة العسل حديث يثبت عن رسول الله و ﴿ ولا إجماع، فلا زكاة فيه، وقال:

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٥
٨ - كتاب الزكاة
الشافعي : الحديث في أن في العسل العشر ضعيف ، وفي أنه لا يؤخذ منه العشر
ضعيف ، إلا عن عمر بن عبد العزيز ، قال هؤلاء : وأحاديث الوجوب كلها
معلولة.
ثم ساق رحمه الله من أدلة الموجين للزكاة فيه طائفة من الأحاديث التي لا
يخلو أي منها من مقال ، وعلق عليها بقوله : وذهب أحمد وأبو حنيفة وجماعة إلى
أن في العسل زكاة، ورأوا أن هذه الآثار يقوي بعضها بعضا ، وقد تعددت مخارجها
واختلفت طرقها ، ومرسلها يعضد بمسندها .
وروى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : جاء هلال
أحد بنى متعان إلى رسول وَ ﴿ل بعشور نحل له، وسأله أن يحمي واديا يقال له "سلبة
" فحمى له رسول مش ذلك الوادي ، فلما ولي عمر بن الخطاب ، كتب سفيان
بن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك ، فكتب عمر : إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى
رسول الله ﴿ من عشور نحله فاحم له " سلبة" وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من
شاء .
قال الخطابي في معالم السنن (٤٣/٢): في هذا دليل على أن الصدقة غير
واجبة في العسل وأن النبي ◌َ ◌ّ إنما أخذ العشر من هلال المتعي إذ كان قد جاء بها
متطوعا ، وحمى له الوادي إرفاقا ومعونة له بدل ما أخذ منه ، وعقل عمر بن
الخطاب المعنى في ذلك ، فكتب إلى عامله يأمره بأن يحمي له الوادي إن أدى إليه
العشر وإلا فلا ، ولو كان سبيله سبيل الصدقات الواجبة في الأموال لم يخبره في ذلك
، وكيف يجوز عليه ذلك مع قتاله في كافة الصحابة مع أبي بكر مانعي الزكاة . اهـ

إهداء الدیباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٦
٨ - كتاب الزكاة
وإلى عدم وجوب الزكاة فيه ذهب ابن حزم في المحلى (٣٩/٤) فقال: فلا يجوز
إيجاب فرض زكاة في مال لم يصح عن رسول الله ﴿ ﴿ فيه إيجابها. اهـ
وقال ابن رشد في بداية المجتهد (٢٥٣/١): فالجمهور - يعني مالكا و
الشافعية - على أنه لا زكاة فيه ، وقال قوم فيه الزكاة - يعني أبا حنيفة وأحمد -
وسبب اختلافهم في تصحيح الأثر الوارد في ذلك وهو قوله عليه الصلاة والسلام في
كل عشرة أزق زقّ" خرجه الترمذي وغيره. اهـ
قال الحافظ في التلخيص (١٧٧/٢): رواه الترمذي من حديث ابن عمر
وقال : في إسناده مقال ولا يصح وفي إسناده صدقة السمين وهو ضعيف الحفظ وقد
: خولف وقال النسائي هذا حديث منكر ورواه البيهقي وقال تفرد به صدقة وهو
ضعيف . اهـ
وقد تبين من عرض أقوال أهل العلم أنه لم يصح عن رسول الله 5* في
وجوب الزكاة في العسل حديث ، وليس لدى الموجبين للزكاة فيه سوى النظر،
وهو مما لا ينحسم به النزاع، وعليه يترجح قول المالكية والشافعية بناء على أن
الأصل ألا يجب في مال زكاةً بغير دليل كما ذكر ابن حزم رحمه الله . إلا أن كلام
: الحافظ ابن القيم رحمه الله في الزاد بأن الآثار الواردة في وجوبه وإن كانت معلولة،
إلا أنها يقوي بعضها بعضا ، وقد تعددت مخارجها واختلفت طرقها ومرسلها
يعضض بمسندها ، جعلنا نميل مع قول وسط بين قول الموجبين وقول المانعين وهو
قول أبي عبيد في كتاب الأموال وقد نقله الشيخ القرضاوي في كتابه فقه الزكاة
(٤٢٥/١) قال أبو عبيد: وأشبه الوجوه في أمره عندي أن يكون أربابه - أي العسل
- يؤمرون بأداء صدقته ، ويحثون عليها ، ويكره هم منعها ، ولا يؤمن عليهم المأثم في

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٧
٨ - كتاب الزكاة
كتمانها من غير أن يكون ذلك فرضا عليهم كوجوب صدقة الأرض والماشية ، ولا
يجاهد أهله على منع صدقته كما يجاهد مانعو ذينك المالين ، وذلك أن السنة من
رسول الله و لم تصح فيه كما صحت فيهما ولا وجدت في كتب صدقاته. إلى
أن قال رحمه الله فهذا حدها : أن يكون تركها تفريطا وجفاء من مانعيها في الدين ،
وليس بحكم يؤخذ على الكره والرضا . اهـ
وهو قول ظاهر الرجحان والله أعلم .
نصاب العسل والواجب فيه :
يرى أبو حنيفة أن في قليله وكثيره العشر ، وخالفه صاحبه أبو يوسف فقلل
فيه العشر إذا بلغ خمسة أوسق أي ٦٥٣ كيلو جرام على ما قايسه الشيخ القرضاوي
في فقه الزكاة .
وفيه العشر إن خلا تحصيله من الكلفة والمشقة ، وإلا فنصف العشر لقول
عمر : "ما كان في السهل ففيه العشر، وما كان منه في الجبل ففيه نصف العشر "
ذكره الشيخ القرضاوي عن أبي عبيد في الأموال .
(٢١) باب صدقة الفطر
١٨٢٥ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ الْمِصْرِيُّ أَثْبَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ
شَعِيرٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ
١٨٢٦ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَمْرِو حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٌّ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسِ
عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا
مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى كُلِّ حُرِّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أَكْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ. صحيح

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٨
٨- كتاب الزكاة
١٨٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ ذَكْوَانَ وَأَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ قَلَا حَدَّثْنَا
مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو ◌َزِيدَ الْخَوْلَانِيُّ عَنْ سَّارِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّدَفِيِّ عَنْ
عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَّاسٍ قَالَ فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ ظُهْرَةً
لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّعْرِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةٌ لِلْمَسَاكِينِ فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ
وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ. حسن
١٨٢٨ - حَدَثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ
الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةً عَنْ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلْمَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا نَزَلَتْ الزَّكَاةُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا
وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ
١٨٢٩ - حَدَّثْنَا عَلِيُّ بْنُ مُجَمَّدٍ حَدَّتْنَا وَكِيعٌ عَنْ دَاوُدَ بْنِ قَيْسِ الْفَرَّاءِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ كُنَّا يُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ إِذْ جَانَ
فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ صَاعًا مِنْ تَمْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ
صَاعًا مِنْ أَقِطٍ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ الْمَّدِينَةَ فَكَلِنَ
فِيمَا كُلِّمَ بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ لَّا أُرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ إِلَّا تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ هَّدَا
فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ لَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ
اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْدًا مَا عِشْتُ .. صحيح
١٨٣٠ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ الْمُؤَذِّنِ حَدَّثْنَ
عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ عَنْ عُمَرَ بْنٍ سَعْدٍ مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرِ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِير أَوْ
صَاعًا مِنْ سُلْتٍ .
صحيح

إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٩٩
٨- کتاب الزكاة
الغريب : الصاع : أربعة أمداد ، والمد حفنة بكفي رجل معتدل الكفين .
الأقط : جبن اللبن المستخرج زبده كما فسره صاحب المشرق (٤٨/١)،
وفسره ابن الأثير في النهاية (٥٧/١) بأنه لبن مجفف يابس مستحجر يطبخ به .
سمراء الشام : هي الحنطة .
الشرح : صدقة الفطر أو زكاة الفطر هي الزكاة التي تجب بالفطر من
رمضان وهي طهرة للصائم وطعمة للمساكين .
حكمها :
وهي فريضة على كل مسلم سواء كان ذكرا أو أنثى ، صغيرا أو كبيرا ،
غنيا أو فقيرا ، وبه قال كافة أهل العلم ، وذهب أصحاب الرأي إلى أنها واجبة ،
والواجب عندهم أدنى رتبة من الفريضة ، واستدل الجمهور بما روى البخاري من
حديث ابن عمر أن رسول الله - فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من
شعير على العبد والحر ، والذكر والأنثى ، والصغير والكبير من المسلمين.
وحكى ابن المنذر الإجماع على فرضيتها فقال في الإجماع المسألة (١٠٥) :
وأجمعوا على أن صدقة الفطر فرض .
وقال في (١١٠): وأجمعوا على أن لا زكاة على الجنين في بطن أمه وانفرد
ابن حنبل فكان يحبه ولا يوجبه. اهـ
مقدارها :
بينت الأحاديث أن الواجب في زكاة الفطر صاع من تمر أو شعير أو زبيب
أو أقط .

٠٠
. إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٥٠٠
٨- كتاب الزكاة
قال البغوي في شرح السنة (٧٤/٦): وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز
أقل من صاع من أي نوع أخرج ، وهو قول جماعة من الصحابة منهم أبو سعيد
الخدري وبه قال الحسن وجابر بن زيد ، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد
واسحق، وذهب جماعة من أصحاب النبي ﴿ وغيرهم إلى أنه لا يجوز من البر
نصف صاع ، ولا يجوز من غيره أقل من ضاع وهو قول الثوري وابن المبارك
وأصحاب الرأي .
وقال ابن القيم في الزاد (١٩/٢): والمعروف أن عمر بن الخطاب جعل
نصف صاع من بر مكان الصاع من هذه الأشياء ذكره أبو داود . اهـ وصححه
محققا الزاد . وأشار ابن القيم إلى أن إخراجها نصف صاع من برّ ، وصاعاً من غيره
هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .
إخراج القيمة :
وقد منع الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد من إخراج القيمة في زكاة
الفطر وكذا ابن حزم .
وأجاز أبو حنيفة إخراج القيمة ، وقد روي ذلك عن عمر بن العزيز
والحسن البصري .
وقال الخرقي في مختصره : ومن أعطى القيمة لم تجزئه .
وشرحه الموفق بن قدامة في المغني (٦٦١/٢) فقال: قال أبو داود: قيل
· لأحمد وأنا أسمع : أُعطي دراهم ؟ - يعني في صدقة الفطر - قال : أخاف أن لا
يجزئه ؛ خلاف سنة رسول الله والله