Indexed OCR Text
Pages 381-400
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٨١
٧- كتاب الصيام
الله بن عمرو إلى أن التطوع الذي يضيع معه واجبات الدين ويحدث بسببه إخلال
بالمهمات اللازمة كالجهاد ونحوه أنه تطوع غير محمود .
وقال الحافظ في الفتح (٢٢٥/٤): وفي قصة عبد الله بن عمرو هذه من
الفوائد غير ما تقدم هنا وفي أبواب التهجد بيان رفق رسول الله ﴿ بأمته ، وشفقته
عليهم وإرشاده إياهم إلى ما يصلحهم ، وحثه إياهم على ما يطيقون الدوام عليه ،
ونهيهم عن التعمق في العبادة لما يخشى من إفضائه إلى الملل المفضي إلى الترك ، أو
ترك البعض ، وقد ذم الله تعالى قوما لازموا العبادة ثم فرطوا فيها ، وفيه الندب إلى
الدوام على ما وظفه الإنسان على نفسه من العبادة. اهـ
وقوله " وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود .... " قال الحافظ: وإنما كان
ذلك أرفق لأن النوم بعد القيام يريح البدن ويذهب ضرر السهر وذبول الجسم
بخلاف السهر إلى الصباح وفيه من المصلحة أيضا استقبال صلاة الصبح وأذكار
النهار بنشاط وإقبال وأنه أقرب إلى عدم الرياء لأن من نام السدس الأخير أصبح
ظاهر اللون ، سليم القوى ، فهو أقرب إلى أن يخفي عمله الماضي على من يراه
أشار إلى ذلك ابن دقيق العيد. اهـ
وقال ابن القيم في الهدي (٨١/٢): فهديه الذي لا شك فيه ، أن صيام يوم
وفطر يوم أفضل من صوم الدهر وأحب إلى الله ، وسرد صيام الدهر مكروه ، فإنه
لو لم يكن مكروها لزم أحد ثلاثة أمور ممتنعة أن يكون أحب إلى الله من صوم يوم
وفطر يوم ، وأفضل منه لأنه زيادة عمل ، وهذا مردود بالحديث الصحيح "إنّ أحب
الصيام إلى الله صيام داود" وإنه لا أفضل منه ، وإما أن يكون مساويا له في الفضل
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٨٢
٧- كتاب الصيام
وهو ممتنع أيضا ، وإما أن يكون مباحا متساوي الطرفين لا استحباب فيه ولا كراهة
وهذا ممتنع ، إذ ليس هذا شأن العبادات ، بل إما أن تكون راجحة أو مرجوحة. اهـ
(٣٢) باب ما جاء في صيام نوح عليه السلام
١٧١٤ - حَدَّثْنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ
حَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِي فِرَاسٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
وَّ يَقُولُ صَامَ نُوحٌ الدَّهْرُ إِلَّا يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى. ضعيف
الشرح : الحديث ضعيف وسبق الكلام على صيام الدهر قبل أربعة أبواب .
(٣٣) باب صيام ستة أيام من شوال
١٧١٥ - حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارَ حَدَّثْنَا بَقِيَّةُ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ
:
الْحَارِثِ الذِّمَارِيُّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أَسْمَاءَ الرَّحَبِيَّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صِّلْى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ أَّهُ قَالَ مَنْ صَامَ سِنَّةُ أَيَّامٍ بَعْدَ
الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }. صحيح
١٧١٦ - حُدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ خَدَّثَّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ثُمَيْرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُمَسَ
بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي أَيُوبَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ
ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٌّ مِنْ شَوَّالِ جَانَ كَصَوْمِ الدَّهْرِ .
حسن صحيح
الشرح : دل الحديثان في الباب على فضل صيام ستة أيام من شوال وأن صيامها
مستحب وأنه يعدل مع صيام رمضان ، صيام الدهر ، وذلك بأن الحسنة بعشر أمثالها
لقول الله تعالى { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } فرمضان بعشرة أشهر وستة
أيام من شوال بستين يوما أي شهرين .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٨٣
٧- كتاب الصيام
قال في شرح السنة (٣٣٢/٦): وقد استحب قوم صيام ستة أيام من شوال
، قال ابن المبارك : هو مثل صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، واختار أن يصوم من أول
الشهر ، فإن صام ستة من شوال متفرقة فجائز ، وحكى مالك الكراهية في صيامها
عن أهل العلم . اهـ
وفي الموطأ قال يحيى الليثي (الموطأ باب ٢٢) : سمعت مالكا يقول في صيام
ستة أيام بعد الفطر من رمضان إنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم
يبلغني ذلك عن أحد من السلف وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته وأن
يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل
العلم ورأوهم يعملون ذلك. أهـ
ومعنى كلام مالك أنه كرهه لئلا يُظن وجوبه .
قال النووي في شرح مسلم (٣١٣/٤): فيه دلالة صريحة لمذهب الشافعي
وأحمد وداود وموافقيهم في استحباب صوم هذه الستة ، وقال مالك وأبو حنيفة
یکره ذلك.
ثم قال رحمه الله : وإذا ثبتت السنة لا تترك لترك بعض الناس أو أكثرهم أو
كلهم لها .
وقال : والأفضل أن تصام الستة متوالية عقب يوم الفطر فان فرقها أو أخرها
عن أوائل شوال إلى أواخره ، حصلت فضيلة المتابعة لأنه يصدق أنه أتبعه ستا من
شوال اهـ
وقال الكمال بن الهمام في شرح فتح القدير (٣٥٥/٢): صوم ستة من
شوال عن أبي حنيفة وأبي يوسف كراهته ، وعامة المشايخ لم يروا به بأسا . اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٨٤
٧- كتاب الصيام.
وقال ابن القيم في تهذيب السنن (عون المعبود (٩٥/٧) : فإن قيل : لم قال
"ست " والأيام مذكرة ، فالأصل أن يقال "ستة " كما قال الله تعالى {سبع ليال
وثمانية أيام} فالجواب : أما قوله ست ولم يقل ستة فالعرب إذا عدت الليالي والأيام
فإنها تغلب الليالي إذا لم تضف العدد إلى الأيام فمتى أرادوا عد الأيام عدوا الليالي
ومرادهم الأيام ، قال تعالى {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن
أربعة أشهر وعشرا}قال الزمخشري: ولو قيل وعشرة لكان لحنا. اهـ
وقبله أوضح النووي فقال : قال أهل اللغة يقال صمنا خمسا وستا وخمسة
وستة وإنما يلتزمون الهاء في المذكر إذا ذكروه بلفظه صريحا فيقولون صمنا ستة أيام
ولا يجوز ست أيام فإذا حذفوا الأيام جاز الوجهان ومما جاء حذف الهاء فيه من
المذكر إذا لم يذكر بلفظه قوله تعالى {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}. اهـ
(٣٤) باب في صيام يوم في سبيل الله
١٧١٧ - حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ زُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَثْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ الْهَادِ عُنْ
سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ الثُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَّاشِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمَ
النَّارَ مِنْ وَجْهِهِ سَبْعِينَ حَرِيفًا .
صبيع
١٧١٨ - حَدَّثْنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثْنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضِ حَدَّتْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ
اللِّيُّ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُزَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ
يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ زَحْرَحَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ حَرِيفًا .
صبـ
الغريب :
خريفاً : أي سنة .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٨٥
٧- كتاب الصيام
الشرح : في حديثي الباب بيان فضل الصيام تطوعا مع إخلاص النية لله
تعالى أي أنه صامه ابتغاء وجه الله تعالى وبهذا المعنى فسر ابن خزيمة قوله {َ ﴿ل في
الحديث " في سبيل الله " فترجم في صحيحه باب الدليل على صوم اليوم الذي
ذكرناه في سبيل الله إنما باعد الله ، صائمه به عن النار أنه إذا صامه ابتغاء وجه الله إذ
الله جل وعلا لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا .اهـ
وحمله على هذا المعنى القرطبي في المفهم كما أشار إليه الحافظ في الفتح
(٤٨/٤) .
أما ابن الجوزي فقال : إذا أطلق ذكر سبيل الله فالمراد به الجهاد وعلق
الحافظ عليه بقوله : ويحتمل أن يكون أعم من ذلك. اهـ
ويعنى الحافظ عموم قوله في سبيل الله ويتضمن الغزو والحج وسفر الطاعة في
طلب علم أو رزق أو المقيم إذا ابتغى بصومه وجه الله تعالى .
وقال ابن دقيق العيد في شرح العمدة (٢٤٧/٢): قوله في سبيل الله "
العرف الأكثر فيه استعماله في الجهاد فإذا حمل عليه كانت الفضيلة لاجتماع
العبادتين : أعني عبادة الصوم والجهاد ، ويحتمل أن يراد بسبيل الله طاعته كيف
كانت .اهـ
وكذا قال النووي رحمه الله في شرح مسلم (٢٨٩/٤): فيه فضيلة الصيام
في سبيل الله وهو محمول على من لا يتضرر به ، ولا يفوت به حقا ، ولا يختل به
قتاله ، ولا غيره من مهمات غزوه ، ومعناه المباعدة عن النار والمعافاة منها. اهـ
وقال المناوي في فيض القدير (ح/ ٨٧٨٠): " من صام يوما في سبيل الله"
أي لله ولوجهه أو في الغزو أو الحج " بعّد الله وجهه " أي ذاته ، والعرب تقول :
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٨٦
٧- كتاب الصيام
وجه الطريق تريد به عينه" عن النار " أي نجاه منها أو عجّل إخراجه منها قبل أوان
الاستحقاق .
.. ثم قال: لكن مقيد في الغزو بما إذا لم يضعفه الصوم عن القتال ، وإلا ففطره
أفضل من صومه. اهـ
(٣٥) باب ما جاء في النهي عن صيام أيام التشريق
١٧١٩ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ
عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامُ
حسن صحيح
مِنَّى أَيَامُ أَكْلٍ وَشُرْب .
١٧٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ
عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ نَافِعٍ بْنِ خُبْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ سُحَيْمٍ أَنْ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ خَطَبَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَقَالَ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ
وَإِنَّ هَذِهِ الْآَيَّامِ أَامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ .
صبيع
الشرح : حديثا الباب ليسا صريحين في النهي عن صيام أيام التشريق، على
أن ابن خزيمة ترجم في صحيحه باب النهي عن صوم أيام التشريق بدلالة لا بتصريح
نهي ، وأورد فيه حديث مُسعود بن الحكم عن أمه أنها حدثته قالت : كأني أنظر إلى
علي على بغلة رسول الله ﴿ البيضاء في شعب الأنصار وهو يقول: أيها الناس إن
رسول الله * قال "إنها ليست أيام صوم إنها أيام أكل وشرب" .
وقال الشيخ الألباني في تخريج أحاديث صحيح ابن خزيمة (٣١٠/٣):
إسناده حسن لولا عنعنة ابن إسحق ، لكن الحديث صحيح فإن له طرقًا أخرى
وشواهد. اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٨٧
٧- كتاب الصيام
ثم قال ابن خزيمة رحمه الله : (١٩٥) باب الزجر عن صيام أيام التشريق
بتصريح نهي ، وأورد فيه حديث مرة مولى عقيل أنه دخل هو وعبد الله - أي ابن
عمرو - على عمرو بن العاص وذلك الغد أو بعد الغد من يوم الأضحى فقرب إليهم
عمرو طعاما فقال عبد الله إني صائم فقال له عمرو أفطر فإن هذه الأيام التي كان .
رسول الله 85* يأمر بفطرها وينهى عن صيامها فأفطر عبد الله فأكل وأكلت
معه. اهـ
زاده أحمد في مسنده : قال مالك : وهي أيام التشريق .
وفي تخريج أحاديث صحيح ابن خزيمة قال الألباني (٣١١/٣): إسناده
صحيح. اهـ
وقال الخطابي في معالم السنن (١٢٨/٢): لا يجوز صيامها ابتداء تطوعا ولا
نذرا ولاعن صوم التمتع إذا لم يكن المتمتع صام الثلاثة الأيام في العشر وهو قول
علي بن أبي طالب رقُّبه والحسن وعطاء وغالب مذهب الشافعي ، وقال مالك
والأوزاعي وإسحاق بن راهويه يصوم المتمتع أيام التشريق إذا فاتته الثلاث في العشر
، وروي ذلك عن ابن عمر وعائشة وعروة بن الزبير رضي الله عنهم. اهـ
وكذا قال النووي في شرح مسلم (٢٧٢/٤): وفيه دليل لمن قال لا يصح
صومها بحال وهو أظهر القولين في مذهب الشافعي وبه قال أبو حنيفة وابن المنذر
وغيرهما وقال جماعة من العلماء يجوز صيامها لكل أحد تطوعا وغيره .
ثم قال : وقال مالك والأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه يجوز
صومها للمتمتع إذا لم يجد الهدي ولا يجوز لغيره ، واحتج هؤلاء بحديث البخاري في
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٨٨
٧ - كتاب الصيام
صحيحه عن ابن عمر وعائشة قالا لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم
يجد الهدي. اهـ
وقال ابن قدامة في المغني (٩٧/٣): وجملة ذلك أن أيام التشريق منهي عن
صيامها أيضا .
لما روى نبيشة الهذلي قال قال رسول الله م /3 "أيام التشريق أيام أكل وشرب
وذكر لله ێ".
ثم قال رحمه الله : ولا يحل صيامها تطوعا في قول أكثر أهل العلم . اهـ
قلت والأرجح قول مالك والشافعي بجواز صيامها للمتمتع إذا لم يجد الهدي
، ولا يجوز لغيره ، وهو اختيار البخاري كما أشار إليه الحافظ في الفتح (٢٤٢/٤):
ومال إليه الحافظ مغلبا عموم الآية في قوله تعالى { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في
الحج } على عموم قول ابن عمر وعائشة في البخاري لم يرخص في أيام التشريق أن
يصمن إلا لمن يجد الهدي " وقال : وفي تخصيص عموم المتواتر - أي القرآن هنا -
بعموم الآحاد نظر ، لو كان الحديث مرفوعا فكيف وفي كونه مرفوعا نظر ، فعلى
هذا يترجح القول بالجواز وإلى هذا جنح البخاري. اهـ
أي إلى جواز صيامها للمتمتع خاصة ولا تجوز لغيره .
وقال القاضي عياض في مشارق الأنوار (٢٤٩/٢): وأيام التشريق قال
مالك الأيام المعدودات هي أيام التشريق ، وقال - أي مالك - في موضع آخر هي
الأيام التي نهى النبي ◌ّ عن صيامها وقال غيره: سميت بذلك لأنهم كانوا يشرقون
فيها لحوم الأضاحي أي يقطعونها ويقددونها. اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٨٩
٧- كتاب الصيام
٣٦) باب في النهي عن صيام يوم الفطر والأضحى
١٧٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثْنَا يَحْتَى بْنُ يَعْلَى التَّيْسِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
عُمَيْرٍ عَنْ فَرَعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ صَوْمٍ
يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى .
صحيح
١٧٢٢ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ
شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَّرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ
◌َ نَهَى عَنْ صِيَامٍ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى أَمَّا يَوْمُ الْفِطْـرِ فَيَوْمُ
فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ وَيَوْمُ الْأَضْحَى تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ لَحْمٍ نُسُكِكُمْ. صحيح
الشرح : الحديثان في الباب صريحان في النهي عن صوم يومي العيد ؛ فيحرم
صومهما بلا خلاف عند أهل العلم .
قال البغوي في شرح السنة (٣٤٩/٦): اتفق أهل العلم على أن صوم يوم
العيد لا يجوز ولو نذر صومه لا ينعقد عند أكثر العلماء ، وقال أصحاب الرأي :
ينعقد وعليه صوم يوم آخر ، وسئل ابن عمر عن رجل نذر ألا يأتي عليه يوم إلا
صام ، فوافق يوم أضحى أو فطر فقال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ،
لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر ولا يرى صيامهما. أهـ
والحديث رواه البخاري وترجم له باب من نذر أن يصوم أياما ، فوافق
النحر أو الفطر " قال الحافظ ابن حجر في شرحه (٥٩١/١١): انعقد الإجماع على
أنه لا يجوز له أن يصوم يوم الفطر ولا يوم النحر لا تطوعا ولا عن نذر سواء عينهما
أو أحدهما بالنذر ، أو وقعا معا أو أحدهما اتفاقا، فلو نذر لم ينعقد نذره عند
الجمهور.اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩٠
٧- كتاب الصيام
- --
وقال المرداوي في الإنصاف (٣٥١/٣): ولا يجوز صوم يومي العيدين عن
:
فرض ولا تطوع وإن قصد صيامهما كان عاضيا ولم يُحْزه عن فرض. اهـ
وحكى النووي الإجماع على تحريم صومهما فقال في شرح مسلم (٢٧١/٤)
: وقد أجمع العلماء على تجريم صوم هذين اليومين بكل حال اهـ
وقال الزرقاني في شرح الموطأ (٢٣٩/٢): قال المازري: ذهب مالك إلى
أن من نذر صوم أحد العيدين لا ينعقد ولا يلزمه قضاؤه ، وقال أبو حنيفة : يقضي
، وإن صامه أجزأه، والحجة عليه حديث " لا نذر في معصية". اهـ
(٣٧) باب صيام يوم الجمعة
١٧٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ عَنْ
الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ
صَوْمٍ يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِلَّا بِيَوْمٍ قَبْلَهُ أَوْ يَوْمٍ بَعْدَهُ ..
صحيح
١٧٢٤ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ حُبَيْرِ بْنِ
شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّدِ بْنِ جَعْفَرِ قَالَ سَأَلْتُ حَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتٍ
أَنَّهَى النَِّيُّ ◌َّ عَنْ صِيَامٍ أَوْمِ الْجُمُعَةِ قَالَ نَعَمْ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ. صحيحٍ.
١٧٢٥ - حَدَّثْنَا إسْحَقُ بْنُ مَنْصُورِ أَنْبَأَنَا أَبُو دَاوُدَ حَدَّثَّنَا شَيْبَانُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرْ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَلْمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، حسن
.
الشرح : دلت أحاديث الباب على عدم جواز إفراد يوم الجمعة بالصيام.
قال ابن القيم في الزاد (٨٥/٢): وكان من هديه ◌ُه كراهة تخصيص يوم
:
الجمعة بالصوم فعلا منه وقولا ، فصح النهي عن إفراده بالصوم. اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩١
٧- كتاب الصيام
قال النووي في شرح مسلم (٢٧٤/٤) : في هذه الأحاديث الدلالة الظاهرة
لقول جمهور أصحاب الشافعي وموافقيهم أنه يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن
يوافق عادة له فإن وصله بيوم قبله أو بعده أو وافق عادة له بأن نذر أن يصوم يوم
شفاء مريضه أبدا فوافق يوم الجمعة لم يكره لهذه الأحاديث. اهـ
وقال يحيى الليثي : سمعت مالكا يقول : سمعت مالكا يقول لم أسمع أحدا من
أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة ، وصيامه حسن وقد
رأيت بعض أهل العلم يصومه ، وأراه كان يتحراه اهـ
وتعقبه الإمام النووي بقوله : والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره ، وقد
ثبت النهى عن صوم يوم الجمعة فيتعين القول به ، ومالك معذور فانه لم يبلغه قال
الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه. اهـ
وخالف أبو بكر بن العربي المالكي مالكاً هنا وقال بالحديث في العارضة
(٢٠٦/٢): وهذا من إنصافه رحمه الله ، والقول بكراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم
هو قول أحمد . قال المرداوي في الإنصاف (٣٤٧/٣): وإفراد يوم الجمعة يكره ،
وهذا المذهب ، عليه جماهير الأصحاب ، ونص عليه ، قال المجد : لا نعلم فيه خلافا،
وقال الآجري : يحرم صومه . اهـ
وأما حديث ابن مسعود في الباب فقد استدل به الحنفية على جواز صيام يوم
الجمعة بلا كراهة ورد عليهم الحافظ في الفتح (٢٣٤/٤) : فقال : وليس فيه حجة
لأنه يحتمل أن يريد كان لا يتعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها ولا يضاد
ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعا بين الحديثين. اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩٢
٧- كتاب الصيام
(٣٨) باب ما جاء في صيام يوم السبت
١٧٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَِنْ
خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا
تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيَمَا اقْتُرِضَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا عُودَ عِنْسَبِ أَوْ
لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيَمُصَّهُ .
صبيع
حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ
مَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ
فَذَكَرَ نَحْوَهُ .
الغريب :
لحاء شجرة : قشرتها .
الشرح : في الحديث النهي عن إفراد يوم السبت بالصيام ، وقد اختلف
النقاد في هذا الحديث ، فقال مالك : هو كذب ، وقال الترمذي هو حديث حسن
، وقال أبو داود هو منسوخ ، وقال النسائي : هو حديث مضطرب ، وأعله الحافظ
أيضا بالاضطراب ، في التلخيص (٢٢٩/٢).
وناقش الشيخ الألباني في إرواء الغليل الحافظ ابن حجر مناقشة طويلة
(١١٨/٤- ١٢٥): وبين أن الاضطراب الواقع في الحديث غير قادح فيه ، وانتهى
إلى تصحيحه ، ونقل الحافظ في التلخيص قول الحاكم : وله معارض بإسناد صحيح
ثم روى عن كريب قول ابن عباس أن ناسا من أصحاب رسول الله و بعثوه إلى
أم سلمة قال: أسألها عن الأيام التي كان رسول الله وَّ أكثر لها صياما فقالت يوم
السبت والأحد فرجعت إليهم ، فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها ، فقالت : صدق.
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩٣
٧- كتاب الصيام
وكان يقول : "إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم" ورواه النسائي
حظ الله
والبيهقي وابن حبان وروى الترمذي من حديث عائشة قالت "كان رسول الله
يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين" ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء
والخميس. اهـ
وترجم ابن خزيمة في صحيحه : باب الرخصة في يوم السبت إذا صام يوم
الأحد بعده (٣١٨/٣): وذكر حديث كريب وإرسالهم إياه إلى أم سلمة " وحسنه
الألباني في تعليقه على ابن خزيمة وقال ابن خزيمة رحمه الله : فقد رخص رسول الله
ولد في صوم يوم السبت إذا صام صائم يوم الجمعة قبله. اهـ
وتبعه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (ص/٣٣٣): فاختار مسلك الجمع
بين الحديثين فقال : وليس هذا الحديث - أي حديث أم سلمة - بخلاف - الأول - أي
حديث عبد الله بن بسر لأن ذلك الحديث نهى عن صوم يوم السبت مفردا ، وهذا
مقرونا بالأحد .اهـ
وهذا أعدل الأقوال ، وحكاه ابن القيم في الزاد (٧٩/٢): عن جماعة من
أهل العلم ، وقال : لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة ، فإن النهي عن صومه إنما
هو إفراده ، وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم
وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد ، قالوا : ونظير هذا أنه نهى عن إفراد يوم
الجمعة بالصوم إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده . اهـ
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩٤
٧- كتاب الصيام
(٣٩) باب صيام العشر
١٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمِ الْبَطِينِ عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ حُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَّاسِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ أَيَّامِ
الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ يَعْنِي الْعَشْرَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللّهِ وَلَا
الْجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ
يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ .
صيغ
١٧٢٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ بْنِ عَبِيدَةً حَدَّثَنَا مَسْعُودُ بْنُ وَاصِلٍ عَنْ النَّهَّاسِ بْنِ فَهْمٍ
عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُبَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ مَا مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا أَيَّامُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ أَيَّامِ الْعَشْرِ
وَإِنْ صِيَامَ يَوْمٍ فِيهَا لَيَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ وَلَيْلَةٍ فِيهَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ. ضعيف
١٧٢٩ - حَدَّثْنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ
الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ِّ صَامَ الْعَشْرَ قَطُ .
صحيح
الشرح : مقصود أحاديث الباب بيان فضل الأيام العشر الأول من ذي
الحجة ، وأن ثواب العمل الصالح فيها أكبر من ثواب مثله في غيرها ، وحسب هذه
الأيام من الفضل أن يكون البر والعمل الصالح فيها يفوق الجهاد إذا سلِم المجاهد ،
:
: وعاد بنفسه وماله ، مع ما علمنا من عظيم فضل الجهاد ، وأنه ذروة سنام الإسلام ،
وحسب هذه الأيام فضلا أيضا أن يقسم الله تعالى بها في سورة من التتريل فقال جل
شأنه { والفجر وليال عشر ال} قال ابن كثير في التفسير (٥٣٩/٤): والليالي العشر
المراد بها عشر ذي الحجة كما قاله ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩٥
٧- كتاب الصيام
السلف والخلف ، وقد ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس - ثم ذكر حديث
الباب - اهـ
والصيام من أعمال البر فيستحب صيام التسع الأولى منها إذ العاشر هو يوم
العيد ويحرم صومه كما هو معلوم وحسبها كذلك فضلا أن فيها يوم عرفة وصومه
يكفر سنة آتية وسنة ماضية .
قال الحافظ في شرحه (٤٦٠/٢) : واستدل به على فضل صيام عشر ذي
الحجة لاندراج الصوم في العمل ، واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد وأجيب بأنه
محمول على الغالب ولا يرد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت ما
رأيت رسول الله 3* صائما العشر قط لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك
العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته. اهـ
وحديث عائشة المشار إليه رواه مسلم عنها في صحيحه.
وقال النووي في شرحه (٣٢٨/٤): قال العلماء : هذا الحديث مما يوهم
كراهة صوم العشر والمراد بالعشر هنا الأيام التسعة من أول ذي الحجة ، قالوا :
وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة بل هي مستحبة استحبابا شديدا
لاسيما التاسع منها وهو يوم عرفة .
ثم قال رحمه الله: فيتأول قولها لم يصم العشر أنه لم يصمه لعارض مرض أو
سفر أو غيرهما أو أنها لم تره صائما فيه ، ولا يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس
الأمر ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي
وَالثّ قالت "كان رسول الله وظل يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩٦
٧- كتاب الصيام
من كل شهر الاثنين من الشهر والخميس، ورواه أبو داود وهذا لفظه وأحمد
والنسائي وفي روايتهما وخميسين. اهـ
وتناول الطحاوي هذا الاستشكال في مشكل الآثار (٧٨/٤) باب (٤٦٠)
قال : قال قائل : فكيف يجوز أن يكون العمل في هذه الأيام من الفضل ما قد ذكره
رسول الله وَّ له فيها، ثم يتخلف هو عن الصوم فيها، وهو من أفضل الأعمال،
فكان جوابنا له عن ذلك أنه قد يجوز أن يكون رسول الله وَ﴿ لم يكن يصوم فيها
على ما قالت عائشة ، لأنه إذا صام فيها ضعف عما يعمل ما أعظم منزلة من الصوم
، وأفضل مته ومن الصلاة ومن ذكر الله وقراءة القرآن ، كما روي عن عبد الله بن
مسعود في ذلك مما كان يختاره لنفسه .
ثم ساق بسنده أثرا عن ابن مسعود نظريته أنه كان لا يكاد يصوم فإذا صام
صام ثلاثة أيام من كل شهر ويقول : إني إذا صمت ضعفت عن الصلاة ، والصلاة
أحب إلي من الصوم ، فيكون ما ذكرته عائشة عنه من تركه الصيام في تلك الأيام
لأجل تشاغله فيه بما هو أفضل منه ، وإن كان الصوم بها له من الفضل ما له . اله:
وقال الموفق في المغني (١٠٥/٣): وأيام عشر ذي الحجة كلها شريفة مفضلة
يضاعف العمل فيها ويستجب الاجتهاد في العبادة فيها .اهـ
(٤٠) باب صيام يوم عرفة
١٧٣٠ - حَدَّثْنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ أَنْبَأَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ حَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ
اللّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِي قَتَادَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضِيَامَ
يَوْمٍ عَرَفَةَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَىَّ اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالَّتِي بَعْدَهَ. صحيح
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩٧
٧- كتاب الصيام
١٧٣١ - حَدَّثْنَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارِ حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ حَمْرَةَ عَنْ إِسْحَقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ
عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ قَادَةَ بْنِ الثَّعْمَانِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ وَّ يَقُولُ مَنْ صَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ غُفِرَ لَهُ سَنَّةٌ أَمَامَهُ وَسَنَةٌ بَعْدَهُ . صحيحٍ
١٧٣٢ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنِي
حَوْشَبُ بْنُ عَقِيلٍ حَدَّثَنِي مَهْدِيِّ الْعَبْدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةً فِي
بَيْتِهِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ نَّهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلْمَ عَنْ صَوْمٍ يَوْمٍ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ .
ضعيف
الشرح : دل حديث أبي قتادة على فضل يوم عرفة ، وأن صيامه يكفر الله
به من ذنوب صائمه سنة آتية وسنة ماضية ، ونقل النووي في شرح مسلم
(٣٠٨/٤): عن أهل العلم أنهم قالوا: والمراد بها الصغائر، أي الذنوب المكفرة ، ثم
أشار رحمه الله إلى أنه إن لم تكن صغائر ، يرجى التخفيف من الكبائر فان لم يكن
رفعت درجات. اهـ
وقال ابن قدامة في المغني (١٠٥/٣) : ويوم عرفة يوم شريف عظيم وعيد
كريم وفضله كبير ، وقد صح عن النبي ◌َّ أن صيامه يكفر سنتين. اهـ
واستحب أكثر أهل العلم إفطاره بعرفة ، وذلك ليتقوى بالفطر على الابتهال
والدعاء وإليه ذهب مالك والشافعي ، وهو الأفضل فقد روى البخاري ومسلم عن
أم الفضل بنت الحارث أن ناساً تماروا عندها يوم عرفة في رسول الله ﴿ فقال
بعضهم : هو صائم ، وقال بعضهم : ليس بصائم ، فأرسلت إليه أم الفضل بقدح لبن
وهو واقف على بعيره بعرفة ، فشرب منه" .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩٨
٧- كتاب الصيام
قال الموفق في المغني (١٠٦/٣): أكثر أهل العلم يستحبون الفطر يوم عرفة
بعرفة وكانت عائشة وابن الزبير يصومانه ، وقال قتادة : لا بأس به إذا لم يضعف
عن الدعاء. اهـ
وقال ابن القيم في الهدى (٧٧/٢): وكان من هديه رَّ إفطار يوم عرفة
بعرفة ، ثبت عنه ذلك في الصحيحين .
ثم قال : وقد ذُكر لفطره بعرفة عدة حكم منها أنه أقوى للعبادة اهب
وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه في كتاب الصوم "باب كراهية صوم يوم
عرفة بعرفة : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم ، يستحبون الإفطار بعرفة
ليتقوى به الرجل على الدعاء وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة. اهـ
وقوله " إني أحتسب على الله " قال ابن الأثير في النهاية (٣٨٢/١): إنما قيل
من ینوي بعمله وجه الله احتسبه. اهـ
وقال القاضي عياض في المشارق (٢١١/١) : الاحتساب والحسبان بالكسر
والحسبة وهو ادخار الأجر، وأن يحسبه في حسناته. اهـ
(٤١) باب صيام يوم عاشوراء
١٧٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثْنَا ◌َزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ
الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ
صحیع
عَاشُورَاءَ وَيَأْمُرُ بِصِيَامِهِ .
١٧٣٤ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنِ أَبِي سَهْلِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنْ أَيُوبَ عَنْ سَعِيدِ بْن
◌ُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ وَّ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِّيَّامًا فَقَالَ مَا هَذَا قَالُوا
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٣٩٩
٧- كتاب الصيام
هَذَا يَوْمٌ أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَأَغْرَقَ فِيهِ فِرْعَوْنَ فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا فَقَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَّنَحْنُ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ .
صبيع
١٧٣٥ - حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّتَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ حُصَيْنِ عَنْ الشَّعْبِيِّ
عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ صَيْفِيِّ قَالَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَّلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ
مِنْكُمْ أَحَدٌ طَعِمَ الْيَوْمَ قُلْنَا مِنَّا طَعِمَ وَمِنَّا مَنْ لَمْ يَطْعَمْ قَالَ فَأَيِّمُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ مَنْ كَانَ
طَعِمَ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْ فَأَرْسِلُوا إِلَى أَهْلِ الْعَرُوضِ فَلْيُتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ قَالَ يَعْنِي أَهْلَ
الْعَرُوضِ حَوْلَ الْمَدِينَةِ .
صبيع
١٧٣٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبَّلسٍ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ قَالَ أَبُو عَلِيِّ رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ
يُونُسَ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبِ زَادَ فِيهِ مَخَافَةً أَنْ يَفُوتَهُ عَاشُورَاءَ . صحيح
١٧٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ أَثْبَأَنًا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
◌َُّ ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَّلْى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَوْمًا يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَصُومَهُ فَلْيَصُمْهُ
وَمَنْ كَرِهَهُ فَلْيَدَعْهُ .
صبيع
١٧٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ أَثْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنَ غَيْلَانُ بْنُ حَرِيرٍ عَنْ عَبْدٍ
اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ الزِّمَّانِيِّ عَنْ أَبِي قَنَادَةً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِيَامُ
يَوْمٍ عَاشُورَاءَ إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ .
الغريب :
أهل العَروض : أهل مكة والمدينة وما حولهما .
إهداء الديباجة بشرح سنن ابن ماجة
٤٠٠
٧- كتاب الصيام
الشرح : دلت الأحاديث في الباب هنا وفي معظم كتب السنة على فضل
يوم عاشوراء، وعلى الترغيب في صومه ، وأن صيامه يكفر السنة التي قبله ، كما
رواه مسلم من حديث أبي قتادة ، وكان يوم عاشوراء تعظمه قريش قبل الإسلام،
وتصومه وكان النبي ولا يصومه ويأمر بصيامه، فلما فرض صيام رمضان قال: ما ﴾
من شاء صامه أي عاشوراء- ومن شاء تركه فسقط وجوبه ، وبقي استحبابه وكان
اليهود يعدونه عيدا، ولهذا أحب النبي ◌َّ صيامه مخالفة لهم، وخاصة أنه أخبر أن
سبب صيام اليهود له أن الله نجا فيه موسى وأغرق فيه فرعون فصامه موسى شكرا
فلهذا فهم يصومونه فقال النبي ◌ّ : "نحن أحق بموسى منهم".
القول في تعيينه :.
اختلف أهل العلم في تعيينه فقال بعضهم هو العاشر من المحرم ، وقال
آخرون هو التاسع وأكثر أهل العلم على أنه العاشر .
وصيامه سنة مستخبة ، وقد أجمع أهل العلم على ذلك ، وحكى فيه الإجماع
ابن عبد البر في التمهيد (٤٠٦/٧): فقال: لم يختلف العلماء أن يوم عاشوراء ليس
:
حکمه :
بفرض صيامه. اهـ
وحكاه الحازمي في الاعتبار (ص/٢٠٥): فقال : أجمع أهل العلم على أن
صوم عاشوراء مندوب إليه. اهـ
وإليه مال ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ (ص/٣٢١): فقال: كان صوم
يوم عاشوراء فريضة يعني ثم نسخت فرضيته وبقي على الاستحباب ، وترجم بعده