Indexed OCR Text
Pages 401-420
قيل : إن تصانيفه وزعت على أيام عمره فأصاب كل يوم كراس . ثم سار إِلى القدس ، مقبلاً على مجاهدة النفس ، وتبديل الأخلاق ، وتحسين الشمائل ، حتى مرن على ذلك . ثم عاد إلى وطنه طوس ، لازماً بيته ، مقبلاً على العبادة ، ونصح العباد وإِرشادهم ، ودعائهم إلى الله تعالى ، والاستعداد للدار الآخرة ، يرشد الضالين ، ويفيد الطالبين ، دون أن يرجع إلى ما انخلع عنه من الجاه والمباهاة . وكان معظم تدريسه في التفسير والحديث والتصوف حتى انتقل إلى رحمة الله تعالى يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الأولى سنة خمس وخمس مئة ، خصه الله تعالى بأنواع الكرامة في أخراه كما خصه بها في دنياه(١). قيل : وكانت مدة القطبية للغزالي ثلاثة أيام على ما حكي في كرامات الشيخ سعيد العمودي نفع الله به . وذكر الشيخ عفيف الدين عبد الله بن أسعد اليافعي رحمه الله تعالى بإسناده الثابت إلى الشيخ الكبير القطب الرباني شهاب الدين أحمد الصياد اليمني الزبيدي - وكان معاصراً للغزالي نفع الله بهما - قال : بينما أنا ذات يوم (١) تاريخ دمشق (٢٠٠/٥٥)، مرآة الجنان (١٧٧/٣-١٧٨)، المهمات (٢٧٦/١). ٤٠١ قاعد ؛ إذ نظرت إلى أبواب السماء مفتحة ؛ وإذا عصبة من الملائكة الكرام قد نزلوا ومعهم خلع خضر ، ومركوب نفيس ، فوقفوا على قبر من القبور ، وأخرجوا صاحبه وألبسوه الخلع ، وأركبوه وصعدوا به من سماء إلى سماء إلى أن جاوز السماوات السبع ، وخرق بعدها ستين حجاباً ، ولا أعلم إلى أين بلغ انتهاؤه ، فسألت عنه فقيل لي : هذا الإمام الغزالي ، وكان ذلك عقیب موته رحمه الله تعالى(١) . ورأى في النوم السيد الجليل أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقد باهى موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام بالإمام الغزالي وقال: ((أفي أمتكما حبر كهذا؟)) قالا: لا(٢). وكان الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه يقول لأصحابه : من كانت له منكم إلى الله حاجة .. فليتوسل بالغزالي . وقال جماعة من العلماء رضي الله عنهم ؛ منهم الشيخ الإمام الحافظ ابن عساكر في الحديث الوارد عن النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، في أن الله تعالى يحدث لههذه الأمة من يجدد لها دينها على رأس كل مئة سنة (٣): (١) مرآة الجنان (٣٢٨/٣ -٣٢٩). (٢) ذكرها اليافعي في ((مرآة الجنان)) (٣٢٩/٣)، والسبكي في (( طبقات الشافعية الكبرى)» (٦ / ٢٥٧) . (٣) رواه أبو داوود (٤٢٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ٤٠٢ ----- إنه كان على رأس المئة الأولى : عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه . وعلى رأس المئة الثانية : الإِمام الشافعي رضي الله عنه . وعلى رأس المئة الثالثة : الإِمام أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه (١). وعلى رأس المئة الرابعة : أبو بكر الباقلاني رضي الله عنه . وعلى رأس المئة الخامسة : أبو حامد الغزالي رضي الله عنه(٢). وروي ذلك عن الإِمام أحمد ابن حنبل رضي الله عنه في الإِمامين الأولين ؛ أعني : عمر بن عبد العزيز والشافعي(٣). ومناقبه رضي الله عنه أكثر من أن تحصر ، وفيما أوردناه مقنع وبلاغ . ومن مشهورات مصنفاته : ((البسيط))، و((الوسيط))، و((الوجيز))، و((الخلاصة)) في الفقه. و((إحياء علوم الدين))، وهو من أنفس الكتب وأجملها. (١) في هامش ( ظ، غ): (قال الإمام النووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) [٣٩/٢]: والمشهور : أن المجدد على رأس المئة الثالثة الإمام ابن سريج المكنى الباز الأشهب ، والله أعلم ) . (٢) تبيين كذب المفتري (ص٥٣)، وانظر ((مرآة الجنان)) (٣٠٣/٢)، و ((تاريخ الإسلام)) ( ١٧٩/٢٣ ). (٣) رواه البيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٢٠٨/١). ٤٠٣ وله في أصول الفقه: ((المستصفى))، و((المنخول)). و(( المنتحل)) في علم الجدل، و((تهافت الفلاسفة))، و((محك النظر )) . و((معيار العلم))، و((المقاصد)) و((المضنون به على غير أهله)). و((مشكاة الأنوار))، و((المنقذ من الضلال))، و((حقيقة القولين)). وكتاب (( ياقوت التأويل في تفسير التنزيل)) أربعين مجلداً . وكتاب (( أسرار علم الدين )). وكتاب (( منهاج العابدين))، و(( الدرة الفاخرة في كشف علوم الآخرة))، وكتاب (( الأنيس في الوحدة)). وكتاب ((القربة إلى الله عز وجل))، وكتاب (( أخلاق الأبرار والنجاة من الأشرار )). وكتاب ((بداية الهداية))، وكتاب ((جواهر القرآن))، و((الأربعين في أصول الدين)). وكتاب (( المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى))، وكتاب ((ميزان العمل)) . وكتاب ((القسطاس المستقيم))، وكتاب « التفرقة بين الإِسلام والزندقة)) . ـحن ٤٠٤ - وكتاب ((الذريعة إلى مكارم الشريعة))، وكتاب ((المبادىء والغايات)). وكتاب (( كيمياء السعادة))، وكتاب ((تلبيس إبليس))، وكتاب (( نصيحة الملوك )) . وكتاب ((الاقتصاد في الاعتقاد))، وكتاب (( شفاء العليل في القياس والتعليل))، وكتاب ((المقاصد)). وكتاب ((إلجام العوام عن علم الكلام))، وكتاب ((الانتصار))، وكتاب (( الرسالة اللدنية)) . وكتاب (( الرسالة القدسية))، وكتاب ((إثبات النظر))، وكتاب ((المأخذ)) . وكتاب ((القول الجميل في الرد على من غيّر الإِنجيل))، وكتاب (( المستظهري)) . وكتاب ((الأمالي))، وكتاب في علم أعداد الوفق وحدوده ، وكتاب ((مقصد الخلاف)). وجزء في الرد على المنكرين في بعض ألفاظ ((إحياء علوم الدين)). وكتبه كثيرة ، وكلها نافعة . ٤٠٥ وقال يمدحه تلميذه الشيخ الإِمام أبو العباس الأقليشي المحدث الصوفي صاحب كتاب (( النجم والكواكب)) (١) : [من الطويل] وأنت الذي علَّمتَنَا سننَ الرُّشدِ أبا حامدٍ أنتَ المخصَّصُ بالمجدِ وتُقذُّنا من طاعةِ النازغ المردي وضعتَ لنا ((الإِحياءَ)) تُحيي نفوسَنا تعاقِبُها كالدرِّ نُظَمَ في العقدِ فربعُ عباداتٍ وعاداتُهُ التي المنجٍ من الهلكِ المبرِّحِ والبعدِ وثالثُها في المهلكاتِ وإِنَّهُ ليسرحُ بالأرواحِ في جنَّةِ الخلدِ ورابعها في المنجياتِ وإنَّهُ ومنها صلاحٌ للقلوبِ من الحقدِ ومنها ابتهاجٌ للجوارحِ ظاهرٌ وأما سبب رجوعه إلى هذه الطريقة واستحسانه لها : فذكر رحمه الله في كتابه (( المنقذ من الضلال)) ما صورته : ( أما بعد : فقد سألتني أيها الأخ في الدين أن أبث لك غاية العلوم وأسرارها ، وغاية المذاهب وأغوارها ، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرق ، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد إلى يفاع الاستبصار ، وما استفدته أولاً من علم الكلام ، وما اجتويته ثانياً من طرق أهل التعليم (٢)، القاصرين لدرك الحق على تعليم الإِمام ، وما ازدريته (١) نقلها عنه اليافعي في ((مرآة الجنان)) (٣/ ١٨٠). (٢) اجتويته : كرهته . ٤٠٦ ثالثاً من طرق أهل التفلسف ، وما ارتضيته آخراً من طرق أهل التصوف ، وما تنخَّلَ لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل أهل الحق ، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة ، وما دعاني إلى معاودته بنيسابور بعد طول المدة ؟ فابتدرت لإِجابتك إلى طلبتك ، بعد الوقوف على صدق رغبتك ، فقلت مستعيناً بالله تعالى ومتوكلاً عليه ، ومستوفقاً منه وملتجئاً إليه : اعلموا - أحسن الله إرشادكم ، وألان إلى قبول الحق انقيادكم - : أن اختلاف الخلق في الأديان والملل ، ثم اختلاف الأئمة في المذاهب على كثرة الفرق وتباين الطرق .. بحر عميق غرق فيه الأكثرون ، وما نجا منه إِلا الأقلون ، وكل فريق يزعم أنه الناجي ، وكل حزب بما لديهم فرحون . ولم أزل في عنفوان شبابي مذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين ، إلى أن أناف السن على الخمسين ، أقتحم لجة البحر العميق ، وأخوض غمرته خوض الجَسور ؛ لا خوض الجبان الحَذور ، وأتوغل في كل مظلمة ، وأهجم على كل مشكلة ، وأقتحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذاهب كل طائفة ؛ لأميز بين محق ومبطل ، ومستنٌّ ومبتدع . ـيو لا أغادر باطنياً إلا وأحب أن أطلع على باطنيته . ولا ظاهرياً إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته . ٤٠٧ ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على فلسفته . ولا متكلماً إِلا وأجتهد في الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته . ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صوفيته . ولا متعبداً إِلا وأريد ما يرجع إليه حاصل عبادته . ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته . وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري .. غريزة من الله وفطرة وضعها الله في جبلتي ، لا باختياري وحيلتي ، حتى انحلت عني رابطة التقليد ، وانكسرت عني العقائد الموروثة على قرب عهد مني بالصبا ؛ إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشوءٌ إلا على التنصُّر ، وصبيان اليهود لا يكون لهم نشوءٌ إلا على التهود ، وصبيان الإِسلام لا يكون لهم نشوءٌ إلا على الإِسلام ، وسمعت الحديث المروي عن النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوَّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ))(١)، فتحرك باطني إلى طلب الفطرة الأصلية ، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدِينَ ، والأُستاذِينَ ، والتمييز بين هذه التقليدات ، وأوَائلها تلقينات ، وفي تمييز الحق منها من الباطل اختلافات . ـة® (١) رواه البخاري (١٣٨٥)، ومسلم ( ٢٦٥٨) . ٤٠٨ فقلت في نفسي أولاً : إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور ، ولا بد من طلب حقيقة العلم ما هي ؟ فظهر لي أن العلم اليقيني : هو الذي ينكشف به المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب ، ولا يقارنه إمكان الغلط كالوهم ، ولا يتسع العقل لتقدير ذلك ، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارناً لليقين مقارنةً لو تحدى بإِظهار بطلانه مثلاً من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً .. لم يؤثر ذلك شكاً وإمكاناً . فإِني إذا علمت أن العشرة أكثر من الواحد ، لو قال لي قائل : الواحد أكثر من العشرة ، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعباناً وقلبها وشاهدت ذلك منه .. لم أشك في معرفتي لكذبه ، ولم يحصل معي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه ، وأما الشك فيما علمته .. فلا . ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ، ولا أتيقنه من هذا النوع من اليقين .. فهو علم لا ثقة به ، ولا أمان معه ، وكل علم لا أمان معه .. ليس بعلم يقيني . ثم فتشت عن علومي ، فوجدت نفسي عاطلاً عن علم موصوف بهذه الصفة ، إلا في الحسيات والضروريات ، فقلت : الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المستيقنات إلا من الجليات ، وهي الحسيات والضروريات ، فلا بد من إحكامها أولاً ؛ لأتبين أن يقيني بالمحسوسات ٤٠٩ وأماني من الغلط في الضروريات .. من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليدات ، أو من جنس أمان أكثر الخلق في النظريات ، أم هو أمان محقق لا تجوُّز فيه ولا غائلة له ؟ فأقبلت بجد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات ، أنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها ؟ فانتهى بعد طول التشكك بي إلى أنه لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات ، وأخذ يتسع الشك فيها . ثم إني ابتدأت بعلم الكلام ، فحصلته وعُلِّقته ، وطالعت كتب المحققين منهم ، وصنفت ما أردت أن أصنفه ، فصادفته علماً وافياً بمقصوده ، غير واف بمقصودي . ولم أزل أتفكر فيه مدة ، وأنا بعد على مقام الاختيار ؛ أصمم عزمي على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يوماً وأحل العزمَ يوماً ، وأقدم فيه رجلاً وأؤخر فيه أخرى ، ولا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة [بكرة] .. إلا حمل عليها جند الشهوة حملة فيفترها عشية . فصارت شهوات الدنيا تجاذبني ، بسبب ميلها إلى المقام ، ومنادي الإيمان ينادي : الرحيلَ الرحيلَ ، فلم يبق من العمر إلا القليل ، وبين يديك السفر الطويل ، وجميع ما أنت فيه من العمل رياء وتخييل ، وإن لم تستعد الآن للآخرة .. فمتى تستعد ؟! وإن لم تقطع الآن هذه العلائق .. فمتى تقطعها ؟! فعند ذلك تنبعث الرغبة ، وينجزم الأمر على الهرب والفرار . ٤١٠ ثم يعود الشيطان ويقول : هذه حالة عارضة ، إياك أن تطاوعها ؛ فإِنها سريعة الزوال ، وإن أَذعنت لها ، وتركت هذا الجاه الطويل العريض ، والشأن العظيم الخالي عن التكدير والتنغيص ، والأمر السالم الخالي عن منازعة الخصوم .. ربما التفتت إليه نفسك ، ولا تتيسر لك المعاودة . X فلم أزل أتردد بين التجاذب بين شهوات الدنيا والدواعي قريباً من ستة أشهر ، أولها رجب من سنة ست وثمانين وأربع مئة . وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ؛ إذ أقفل الله على لساني حتى اعتقل عن التدريس ، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً تطييباً لقلوب المختلفة إليّ ، فكان لا ينطق لساني بكلمة ، ولا أستطيعها ألبتة . حتى أورثت هذه العُقْلَة في اللسان حزناً في القلب (١) ، بطلت معه قوّة الهضم ومراءة (٢) الطعام والشراب ، وكان لا تنساغ لي شربة ، ولا تنهضم لي لقمة ، وتعدى ذلك إلى ضعف القوى ، حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج ، وقالوا : هذا أمر نزل بالقلب ، ومنه سرى إلى المزاج ، فلا سبيل إليه بالعلاج إلا بأن يتروح السر عن الهم المهم . (١) العقلة : التواء في اللسان عند إرادة الكلام ، والمراد هنا: الحُبْسَةُ ، وهي امتناع وتعذر الكلام . (٢) في النسخ: (ومري)، والمثبت من ((المنقذ من الضلال)). ٤١١ ١/٥٠ ثم لما أَحسست بعجزي ، وسقط بالكلية اختياري .. التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له ؛ فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه ، وسهَّل على قلبي الإعراضَ عن المال والجاه ، والأهل والأولاد. وأظهرتُ غرض الخروج إلى مكة ، وأنا أدبر في نفسي سفر الشام ؛ حذراً من أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على غرضي في المقام بالشام . فتلطفتُ بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم ألاَّ أعاودها أبداً ، واستهزأ بي أئمة العراق كافة ؛ إذ لم يكن فيهم من يجوِّز أن يكون للإعراض عما كنت فيه سبب دينيٌّ ؛ إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين ، فكان ذلك هو مبلغهم من العلم . ثم ارتبك الناس في الاستنباطات ، فظنَّ مَنْ بَعُدَ عن العراق أن ذلك لاستشعار من جهة الولاة . وأما من قرب منهم .. فكان يشاهد لجاجهم في التعلق بي والإنكار عليَّ، وإعراضي عنهم وعن الالتفات إلى قولهم ؛ فيقولون : هذا أمر سماوي ، ليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإِسلام وزمرة العلم . ففارقت بغداد ، وفارقت ما كان معي من مال ، ولم أدخر من ذلك إلا قدر الكفاف ، وقوت الأطفال ؛ ترخصاً بأن مال العراق مرصد للمصالح ؛ لكونه وقفاً على المسلمين ، ولم أر في العالم ما يأخذ العالم لعياله أصلح منه . ٤١٢ ثم دخلت الشام ، وأقمت فيه قريباً من سنتين ، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة، والرياضة والمجاهدة؛ اشتغالاً بتزكية النفس ، وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله تعالى ؛ كما كنت حصلته من علم الصوفية . وكنت أعتكف مدة بمسجد دمشق ، أصعد منارة المسجد طول النهار وأغلق بابها على نفسي . [ثم رحلت منها إلى بيت المقدس ، أدخل كل يوم الصخرة وأغلق بابها على نفسي] . ثم تحرك بي داعية فريضة الحج ، والاستمداد من بركات مكة والمدينة ، وزيارة النبي صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه وسلامه ، فسرت إِلى الحجاز . ثم جذبتني الهمم ودعوات الأطفال إلى الوطن ، وعاودته بعد أنت كنت أبعد الخلق عن أن أرجع إليه ، وآثرت العزلة حرصاً على الخلوة ، وتصفية القلب للذكر . .65 وكانت حوادث الزمان ، ومهمات العيال ، وضرورات المعيشة تغير في وجه المراد ، وتشوش صفوة الخلوة ، وكان لا يصفو لي الحال إلا في أوقات متفرقة . لكِنِّي مع ذلك لا أقطع طمعي عنها ، فيدفعني عنها العوائق وأعود إليها ، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين . ٤١٣ وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إِحصاؤها واستقصاؤها . والقدر الذي ينبغي أن نذكره ليُنتفعَ به : أني علمت يقيناً : أن الصوفية هم السالكون لطريق الله خاصة ، وأن سيرتهم أحسن السير ، وطريقتهم أصوب الطرق ، وأخلاقهم أزكى الأخلاق ، بل لو جمع عقل العقلاء ، وحكمة الحكماء ، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئاً من سيرتهم وأخلاقهم ، ويبدلوه بما هو خير منه .. لم يجدوا إليه سبيلاً ! فإِنَّ جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة ، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به . وبالجملة : ماذا يقول القائل في طريقة أول شروطها : تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى ، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحرم في الصلاة : استغراق القلب بذكر الله ، وآخرها الفناء بالكلية في الله تعالى ، وهو أقواها بالإِضافة إلى ما تحت الاختيار ) انتهى(١). قال العراقي : فلما نفذت كلمته ، وبعد صيته ، وعلت منزلته ، وشدت إليه الرحال ، وأذعنت له الرجال .. شرفت نفسه عن الدنيا، واشتاقت إلى الأخرى ، فاطَّرحها ، وسعى في طلب الباقية ، وكذلك النفوس الزكية ؛ (١) المنقذ من الضلال (ص ٢٩-٧١) مختصراً . ٤١٤ كما قال عمر بن عبد العزيز : (إنَّ لي نفساً توّاقة ذوّاقة ، لما نالت الدنيا .. تاقت إلى الآخرة)(١) . قال بعض العلماء : رأيت الغزالي رضي الله عنه في البرية وعليه مرقعة وبيده عكازة وركوة ، فقلت له : يا إِمام ؛ أليس التدريس ببغداد أفضل من هذا ؟ فنظر إليَّ شزراً وقال : لما بزغ بدر السعادة في فلك الإرادة ، وظهرت شموس الوصل .. وعدتُ إلى مصحوبِ أولِ منزلٍ تركْتُ موی لیلی وسعدى بمعزلٍ منازلُ مَنْ تهوىُ رويدَكَ فانزلٍ (٢) ونادتنيَ الأشواقُ مهلاً فهذهِ تم تعريف الأحياء بفضائل الإحياء: بمنه وكر من والحمر شدرب العالمين وهوحسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النّصير (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣٢/٥). (٢) البيتان من الطويل، وأوردهما ابن العماد في ((شذرات الذهب)) (٢٢/٦) وفيه زيادة بيت : لغزليّ نسَّاجاً فكسَّرتُ مغزلي غزلتُ لهم غزلاً دقيقاً فلم أجدْ ٤١٥ خاتمة الشخة (ط) وكان الفراغ من كتابته ضحوة يوم الأربعاء وعشرين خلت من شهر رمضان المعظم سنة ( ١٢٥٥هـ ) خمس وخمسين بعد المئتين والألف. وذلك بقلم مقتنيه لنفسه جعفر بن محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الله بن علوي الحداد علوي . وبهامشها : ( بلغ مقابلة من نسخة المنقول منه ) خاتمة الشّخة (غ) وكان الفراغ من كتابته ضحوة يوم الخميس وتاسع وعشر من شهر صفر الخير سنة ( ١٢٦٧ هـ) ، وذلك بقلم أفقر عباد الله في الأرض المسكين سالم بن عبد الله بن حمد بن عمر بن عبد الباسط ، اغفر اللهم له ووالديه ومعلميه وجميع المسلمين . فاتة الشَّخّ (ح) تم كتاب (( تعريف الأحياء بفضائل الإحياء )) بعون الله وحسن توفيقه ، وصلى الله على خير خلقه ، محمد وآله وصحبه أجمعين ، والحمد لله رب العالمين . ن ٤١٦ الحمد لله وقد نظمت معاني قول الشيخ الغزالي : (وبالجملة ماذا يقول القائل ... إلى آخر المقالة) ، فقلت : زم مبداه طهر القلب بالتحقيق ماذا يقول الناس في طريق يارب طهر قلبنا يا حسبنا عما سوى الله العظيم ربنا بذكر مولانا الكريم ربي وعقده استغراق كل القلب في الله ربي خالق البرية وختمه الفناء بالكلية ٤١٧ مـ ٥٠. ٥٧٧ . ٢٠٢/٧ المصادر والمراجع ٤١٩ رة 1