Indexed OCR Text
Pages 321-340
فَضَ [في بيان معنى: إن الت خلق آدم على صورته] ومعنى : (إنَّ اللهَ تعالى خلقَ آدَمَ على صورتِهِ ) فذلكَ على ما جاءَ في الحديثِ عَنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (١) ، وللعلماءِ فيهِ وجهانِ : فمنهُمْ مَنْ يرى للحديثِ سبباً ، وهوَ أنَّ رجلاً ضربَ وجهَ غلامِهِ ، فرآهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فنهاهُ وقالَ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَىُ صُورَتِهِ))(٢) وتأوّلُوا عودَ الضميرِ على المضروبِ. وعلى هذا : لا يكونُ للحديثِ مدخلٌ في هذا الموضع إنْ لمْ يَرِدْ موردٌ آخرُ في غيرِ هذا الموطنِ ، ويكونُ الإيماءُ بهِ إِلى غيرِ هذا المعنى المذكور في السببِ الحادثِ ، وإثباتهُ في غيرِ موطنِ ذلكَ السببِ المنقولِ ممّا يعزّ ويعسرُ ، فلنُبقِ السببَ على حالِهِ ، ولننظرْ في وجهٍ آخرَ للحديثِ غيرِ هذا ممّا يحتملُهُ ، ويحسنُ الاحتجاجُ بهِ في هذا الموطنِ . والوجهُ الآخرُ : أنْ يكونَ الضميرُ الذي في ( صورتِهِ ) عائداً على اللهِ سبحانَهُ . (١) كما رواه البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١) . (٢) روى ابن حبان في ((صحيحه)) (٥٦٠٥): ((إذا ضرب أحدكم .. فليجتنب الوجه ؛ فإن الله خلق آدم على صورته » . ٣٢١ eR ويكونُ معنى الحديثِ : إنَّ اللهَ تعالى خلقَ آدمَ على صورةٍ هيَ مضافةٌ إلى اللهِ سبحانَهُ وتعالى، وهذا العبدُ المضروبُ على صورةِ آدمَ ، فإذاً هذا العبدُ المضروبُ على الصورةِ المضافةِ إلى اللهِ تعالى، ثمَّ ينحصرُ بيانُ معنَى الحديثِ ويتوقفُ على بيانِ معنَى هذِهِ الإِضافةِ ، وعلى أيِّ جهةٍ تُحْتمَلُ في الاعتقادِ العلميِّ على اللهِ سبحانَهُ ، ففيها وجهانِ : أحدُهما : أنْ تكونَ إِضافةَ ملكِ للهِ تعالى كما يضافُ إليهِ العبدُ والبيتُ والناقةُ ، واليمينُ على أحدِ الأوجُهِ . والوجهُ الآخرُ : أنْ تكونَ إضافةَ تخصيصٍ بهِ عزَّ وجلَّ . فمنْ حملها على إضافةِ الملكِ لهُ .. رأى أنَّ المرادَ بـ( صورتِهِ ): هوَ العالمُ الأكبرُ بجملتِهِ ، وآدمُ مخلوقٌ على مضاهاةِ صورةِ العالمِ الأكبرِ ، لكنَّهُ مختصرٌ صغيرٌ؛ فإِنَّ العالمَ إذا فُصِّلَتْ أجزاؤُه بالعلم، وفُصِّلَتْ أجزاءُ آدمَ عليهِ السلامُ بمثلِهِ .. وجدْتَ أجزاءَ آدَمَ عليهِ السلامِ مشابهةٌ للعالمِ الأكبرِ ، وإذا شابهَتْ أجزاءُ جملةٍ أجزاءَ جملةٍ أخرىُ .. فالجملتانِ بلا شكِّ متشابهتانِ . فالذي نظرَ في تحليلٍ صورةِ العالمِ الأكبرِ فقسَّمَهُ على أنحاءٍ مِنَ القسمةِ، وقسّمَ آدَمَ عليهِ السلامُ كذلكَ .. فوجدَ كلَّ نحوينِ منهما يشتبهانِ . حر فمِنْ ذلكَ أنَّ العالمَ انقسمَ قسمينِ : أحدُ القسمينِ : ظاهرٌ محسوسٌ ؛ كعالمِ الملكِ . والثاني : باطنٌ معقولٌ ؛ كعالم الملكوتِ . ٣٢٢ 1 X 1 والإِنسانُ كذلكَ انقسم إلى : ظاهرٍ محسوسٍ ؛ كالعظم واللحمِ والدمِ وسائرِ أنواع الجواهرِ المحسوسَةِ ، وإلى باطنٍ معقولٍ ؛ كالروحِ والعقلِ ، والعلمِ والإرادةِ ، والقدرةِ وأشباهِ ذلكَ . وقسمةٌ أخرى : وذلكَ أنَّ العالمَ قدِ انقسمَ بالعوالمٍ إِلى : عالمِ الملكِ ؛ وهوَ الظاهرُ للحواسِّ ، وإلى عالم الملكوتِ ؛ وهوَ الباطنُ في العقولِ ، وإلى عالمِ الجبروتِ ؛ وهوَ المتوسّطُ الذي أخذَ بطرفٍ مِنْ كلِّ عالَمٍ منها ، والإنسانُ كذلكَ انقسمَ إلى ما يشابِهُ هذِهِ القسمةَ . فالمشابِهُ لعالم الملكِ : الأجزاءُ المحسوسَةُ وقدْ علمْتَها . والمشابِهُ لعالم الملكوتِ : فمثلُ الروحِ والعقلِ والقدرةِ والإِرادةِ وأشباهِ ذلكَ . والمشابِهُ لعالم الجبروتِ : كالإدراكاتِ الموجودةِ بالحواسِّ ، والقُوَى الموجودة بأجزاءِ البدنِ . وقسمةٌ أخرى : وذلكَ أنَّ العالمَ إنْ خُلِّلَ إلى ما عُلِمَ مِنْ أجزائِهِ بالاستقراءِ .. فرأسُ الإنسانِ يشابهُ سماءَ العالمِ ؛ مِنْ حيثُ إنَّ كلَّ ما علا فهوَ سماءٌ ، وحواسُّهُ تشابهُ الكواكب والنجومَ ؛ مِنْ حيثُ إنَّ الكواكبَ أجسامٌ مشِقَّةٌ تستمدُّ مِنْ نورِ الشمسِ فتضيءُ بها . والحواسُّ أجسامٌ لطيفةٌ مُشِفَّةٌ تستمدٌّ مِنَ الروحِ ، فتضيءُ بذلكَ المدركات . ٣٢٣ /٢٧. وروحُ الإنسانِ مشابهةٌ للشمسِ ، فضياءُ العالم ، ونموُّ نباتِهِ ، وحركةُ حيوانِهِ وحياتُهُ فيما يظهرُ بتلكَ الشمسِ . وكذلكَ روحُ الإنسانِ بهِ حصلَ في الظاهرِ نموُّ أجزاءٍ بدتِهِ ، ونباتُ شعرِهِ ، وخلقُ حيوانِهِ ؛ وجُعلتِ الشمسُ وسطَ العالمِ ، وهيَ تطلعُ بالنهارِ ، وتغربُ بالليلِ ، وجُعلتِ الروحُ وسطَ جسمِ الإِنسان ، وهيَ تغربُ بالنومِ ، وتطلعُ باليقظةِ . ونفسُ الإنسانِ تشابهُ القمرَ ؛ مِنْ حيثُ إنَّ القمرَ يستمدُّ مِنَ الشمسِ ، ونفسُهُ تستمدٌّ مِنَ الروح، والقمرُ خالفَ الشمسَ ، والنفسُ خالفتِ الروحَ ، والقمرُ آيةٌ ممحوَّةٌ ، والنفسُ مثلُها، ومَحْوُ القمرِ في ألَّ يكونَ ضياؤُه منهُ، ومَحْوُ النفسِ في أنَّهُ ليسَ عقلُها منها . ويعتري الشمس والقمرَ وسائرَ الكواكبِ كسوفٌ ، ويعتري النفسَ والروحَ وسائرَ الحواسِّ غيبٌ وذهولٌ . وفي العالمٍ نباتٌ ومياهٌ ورياحٌ وجبالٌ وحيوانٌ ، وفي الإنسانِ نباتٌ ؛ وهوَ الشعرُ ، ومياهٌ ؛ وهوَ العرقُ والدموعُ والريقُ والدمُ ، وفيهِ جبالٌ ؛ وهيَ العظامُ ، وحيوانٌ ؛ وهيَ هوائُ الجسمِ ، فحصلتِ المشابهةُ على كلِّ حالٍ . ولمَّا كانتْ أجزاءُ العالم كثيرةً ، ومنها ما هيَ لنا غيرُ معروفةٍ ولا معلومةٍ .. كانَ في استقصاءِ مقابلةِ جميعِها تطويلٌ، وفيما ذكرناهُ ما يحصلُ بهِ لذوي العقولِ تشبيهٌ وتمثيلٌ . ٣٢٤ فإنْ قلتَ : أراكَ فرقْتَ بينَ النفسِ والروحِ ، وجعلتَ كلَّ واحدٍ منهما غيرَ الآخرِ ، وهذا قلَّما تُساعَدُ عليهِ ؛ إذْ قدْ كثرَ الخلافُ في ذلكَ . فاعلمْ : أَنَّهُ إنَّما على الإنسانِ أنْ يبنيَ كلامَهُ على ما يعلمُ ، لا على ما يجهلُ سواهُ، وأنْتَ لوْ علمْتَ النفسَ والروحَ .. علمْتَ أنَّهما اثنانِ. فإنْ قلتَ: فقدْ سبقَ في (( الإحياءِ)) أنَّهما شيءٌ واحدٌ ، وقلتَ في هذِهِ الإجابة : إنَّ النفسَ ليسَ مِنْ أسماءِ الروحِ(١)، فالذي سبقَ في (( الإِحياءِ)) ورأيتَ في هذِهِ الإجابةِ هوَ شيءٌ واحدٌ . قلنا : ولا يتناقضُ ما قلناهُ الآنَ ، وذلكَ لأنَّ لها معنىً يُسمَّى بالروحِ تارةً ، وبالنفسِ أخرى ، وبغيرِ ذلكَ . ثمَّ لا يبعدُ أنْ يكونَ لها معنىّ آخرُ ينفردُ باسم النفسِ فقطْ، ولا يُسمَّى بروحٍ ولا بغيرِ ذلكَ ، فهذا آخرُ الكلام في أحدٍ وجهي الإضافةِ الذي هوَ في ضميرِ ( صورتِهِ ) . والوجهُ الآخرُ : وهوَ أنَّ مَنْ حملَ إضافةَ الصورةِ إلى اللهِ تعالى على معنَى التخصيصِ بهِ .. فذلكَ لأَنَّ اللهَ سبحانَهُ أنباً بأنَّهُ : حيٍّ قادرٌ ، سميعٌ بصيرٌ، عالمٌ مريدٌ ، متكلُّمٌ فاعلٌ، وخلقَ آدَمَ عليهِ السلامُ حيّاً قادراً ، سميعاً بصيراً ، عالماً مريداً، متكلِّماً فاعلاً، فكانَتْ لآدمَ عليهِ السلامُ (١) في غير (ث، ذ) : ( إن النفس من أسماء الروح) . ٣٢٥ سي صورةٌ محسوسَةٌ ، مكوَّنَةٌ مخلوقةٌ ، مقدرةٌ بالفعل ، وهيَ للهِ تعالىُ مضافةٌ باللفظِ . وذلكَ أنَّ هُذهِ الأشياءَ لمْ تجتمعْ معَ صفاتِ آدمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ إلاّ في الأسماءِ التي هيَ عبارةٌ تُلفظُ فقطْ ، ولا يُفْهَمُ مِنْ ذلكَ نفيُ الصفاتِ ؛ فليسَ هوَ مرادَنا . وإنَّما مرادُنا تباينُ ما بينَ الصورتينِ بأبعدِ وجوهِ الإِمكانِ ، حتَّى لمْ تجتمعْ معَ صفاتِ اللهِ تعالىُ إلَّ في الأسماءِ الملفوظِ بها لا غيرُ ، وفراراً أنْ يُثْبَتَ اسمُ صورةٍ للهِ تعالى ، ويُطلقَ عليها حالةُ الوجودِ ، تعالى اللهُ عَنْ ذلكَ وتقذَّسَ . فافهمْ هذا؛ فإنَّهُ مِنْ أدقِّ ما يقرعُ سمعَكَ ، ويلِجُ قلبَكَ ، ويظهرُ لعقلِكَ . 1 ولهذا قيلَ لكَ : فإنْ كنتَ تعتقدُ الصورةَ الظاهرةَ المدرَكَةَ بالحواسِّ ، ومعناهُ : إنْ حملتَ إحدى الصورتينِ على الأخرى في الوجودِ .. تكنْ مشبِّهاً مطلقاً . ومعناهُ : لتتيقَّنْ أَنكَ مِنَ المشبّهينَ لا مِنَ المنزِّهينَ ، فَأَقِرَّ على نفسكَ بالتشبيهِ معتقداً ، ولا تنكرْهُ كما قيلَ : كنْ يهوديّاً صِرْفاً، وإلاَّ .. فلا تلعبْ بالتوراةِ ؛ أيْ : تتلبسُ بدينِهِمْ وتريدُ ألاَّ تُنْسَبَ إليهِمْ؛ وتعتكفُ على قراءةِ التوراةٍ ولاً تعملُ بها . ٣٢٦ G وإنْ كنتَ تعتقدُ الصورةَ الباطنةَ .. فكنْ منزِّهاً مجلاً ومقدِّساً مخلصاً ؛ أيْ : ليسَ تعتقدُ مِنَ الصورةِ المضافةِ في الضميرِ إلى اللهِ تعالى إلاَّ الأسماءَ دونَ المعانِي ، وتلكَ المعانِي المسماةُ لا يقعُ عليها اسمُ صورةٍ على حالٍ . وقدْ حُفِظَ عَنِ الشبليِّ رحمَهُ اللهُ تعالى في معنَى ما ذكرناهُ مِنْ هذا الوجهِ قولٌ بليغٌ مختصرٌ، حينَ سُئلَ عَنْ معنَى الحديثِ فقالَ : خلقَهُ اللهُ على الأسماءِ والصفاتِ ، لا على الذاتِ . فإنْ قلتَ : وكذا قالَ ابنُ قتيبةً في كتابِهِ المعروفِ بـ(( تناقضٍ الحديثِ))(١) ، حينَ قالَ: (هوَ صورةٌ لا كالصورِ ) فِلِمَ أُخِذَ عليهِ في ذلكَ، وأُقَيمَتْ عليهِ الشناعَةُ بهِ، واطُرِحَ قولُهُ، ولمْ يرضَهُ أكثرُ العلماءِ وأهلُ التحقيقِ ؟!(٢) . فاعلمْ : أنَّ الذي ارتكبَهُ ابنُ قتيبةَ عفا اللهُ عنهُ نحنُ أشدُّ إعراضاً عنهُ ، وأبلغُ في الإِنكارِ عليهِ ، وأبعدُ الناسِ عَنْ تسويغ قولِهِ ، وليسَ هوَ الذي أَلْمَمْنا نحنُ بهِ ، وأفدناكَ بحولِ اللهِ وقوَّتِهِ إياهُ . (١) اختلف في اسم هذا الكتاب، وهو مطبوع بعنوان (( تأويل مختلف الحديث))، انظر مقدمة كتاب (( المعارف)» لابن قتيبة ( ص ٤٥). (٢) انظر ((شرح صحيح مسلم)) (١٦٦/١٦)، و((فتح الباري)) (١٨٣/٥). ٣٢٧ كن C's بلْ بدا لي منكَ(١) أنكَ لمْ تفهَمْ غرضَنا ، وذهلْتَ عَنْ عقلِ مرادِنا ، حينَ لمْ تفرقْ بينَ قولِنا وبينَ ما قالَهُ ابنُ قتيبةَ . أَلَمْ نخبرْكَ أنَّنَا أَثْبَتْنا الصورةَ في التسمياتِ ، وهوَ أثبتَها في حالةٍ للذاتِ ، فأينَ مِنَ الجوزاءِ ورقاءُ تنزعُ ؟! والذي يغلب على الظنِّ في ابنِ قتيبةَ رحمهُ اللهُ أنَّه لمْ تقرَعْ سمعَهُ هذِهِ الدقائقُ التي أشَرْنا إليها ، وأخرَجْناها إلى حيِّزِ الوجودِ بتأييدِ اللهِ تعالى بالعبارةِ عنها . وإنَّما ظهرَ لهُ شيءٌ لمْ يكنْ لهُ بهِ إِلْفٌ، فتحيَّرَ وعلاهُ الدهشُ ، فتوقَّفَ بينَ ظاهرِ الحديثِ الذي يُوجِبُ عندَ ذوي القصورِ تشبيهاً ، وبينَ التأويلِ الذي ینفیه . فأثبتَ المعنى المرغوبَ عنهُ، وأزالَ(٢) نفيَ ما خافَ مِنَ الوقوع فيهِ ، فَلَمْ يتأثَّ لهُ اجتماعُ ما رامَ ، ولا نظامُ ما افترقَ ، فقالَ : ( هوَ صورةٌ لا كالصور)، ولكلِّ ساقطةٍ لاقطةٌ، فتبادَرَ الناسُ إلى الأخذِ عنهُ(٣). (١) في غير (ث ، ذ) : (بل يدل منك) . (٢) في (ر، ش، خ): (وأراد ). (٣) في (ث، ذ): (عليه ). ٣٢٨ i فَضَك [في بيان معنى: فاطوالطريق، فإِنَّك بالواد المقدس طوى] ومعنَى ( فاطوِ الطريقَ فإنَّكَ بالوادِي المقدَّسِ طوىّ) أيْ : دُْ على ما أنتَ عليهِ مِنَ البحثِ والطلبِ ؛ فإِنَّكَ على هدايةٍ ورشدٍ . والوادِي المقدَّسُ : عبارةٌ عَنْ مقامِ الكليمِ موسى عليهِ السلامُ معَ اللهِ تعالى في الوادِي ، وإنَّما تقدَّسَ الوادِي بما أنزلَ اللهُ فيهِ مِنَ الذكرِ ، وسُمِعَ مِنْ كلامِ اللهِ تعالى . وأُقيمَ ذكرُ الوادِي مُقَامَ ما حصلَ فيهِ ، فحذفَ المضافَ وأقامَ المضافَ إليهِ مُقامَهُ ، وإلاَّ .. فالمقصودُ ما حُذِفَ لا ما ظَهَرَ بالقولِ ؛ إذِ المواضعُ لا تأثيرَ لها ، وإنَّما هيَ ظروفٌ . ٣٢٩ فَضَ [في بيان معنى: فاستمع بر قلبك لما يومى] ومعنَى قولِهِ : ( فاستمعْ بسرٍّ قلبكَ لِمَا يُوحَى، فلعلكَ تجدُ على النارِ هدىً، ولعلكَ مِنْ سرادقاتِ المجدِ (١) تُنادى بما نُودِيَ بهِ موسى: إنِّي أنا ربُّكَ ) أيْ : فرِّغْ قلبكَ مِنَ السوىُ لِمَا يَرِدُ عليكَ مِنْ فوائِدِ المزيدِ ، ومواريثِ الصدقِ ، وثمارِ المعارفِ ، وأرباحٍ سلوكِ الطريقِ ، وبشاراتٍ قربِ الوصولِ . و( سؤُّ القلبِ) كما تقولُ : أذنُ الرأسِ ، وسمعُ الأذنِ . و( ما يُوحَى) أيْ: ما يَرِدُ مِنْ قبلِ اللهِ تعالى بواسطةِ ملَكِ، أَوْ إلقاءٍ في رُوعِ ، أَوْ مكاشفةٍ بحقيقةٍ ، أوْ ضربِ مثلٍ معَ العلمِ بتأويلِهِ . ومعنَى ( لعلَّكَ) : حرفُ ترجّ ، ومعناهُ: إنْ لَمْ تدركْكَ آفةٌ تقطعُكَ عَنْ سماعِ الوحي مِنْ إعجابٍ بحالٍ ، أَوْ إضافةٍ دعوىّ إلى النفسِ ، أَوْ قنوع بما وصلْتَ إليهِ ، واستبدادٍ بهِ عَنْ غيرِهِ . و(سرادقاتُ المجدِ ) : هيَ حجبُ الملكوتِ . و( ما نُودِيَ بهِ موسى عليهِ السلامُ) : هوَ علمُ التوحيدِ الذي وقعَتِ (١) في غير (ث، ذ): ( سرادقات العز). ٣٣٠ العبارةُ اللطيفةُ عنهُ بقولِهِ حينَ قالَ لهُ : ( يا موسَى ؛ إنِّي أنا اللهُ لاَ إلهَ إلاَّ أنا فاعبدْنِي ) . والمنادى باسمِهِ أزلاً وأبداً هوَ اسمُ موسى ، لا اسمُ السالكِ؛ لأنَّهُ الموجودُ في كلام اللهِ تعالى في أزلِ الأزلِ قبلَ أنْ يُخلَقَ موسَىْ لا إِلى أَوَّلٍ ، وكلامُ اللهِ تعالى صفةٌ لهُ، فلا تتغيَّرُ إذاً كما لا يتغيَّرُ هوَ ؛ إذْ ليسَتْ صفاتُهُ المعنويةُ لغيرِهِ ، وهوَ الذي لا يحولُ ولا يزولُ . وقدْ زلَّ قومٌ عظُمَ افتراؤُهُمْ حينَ حملُوا صدورَ هذا القولِ على اعتقادِ اكتسابِ النبوّةِ ، وعياذاً باللهِ تعالىُ منْ أنْ يَحتَملَ هذا القولُ ما حكَوْهُ مِنَ المذهبِ السوءِ . وهمْ يعرفونَ أنَّ كثيراً ممَّنْ يكونُ بحضرةِ مِلِكٍ مِنْ ملوكِ الدنيا وهوَ يخاطِبُ إنساناً آخرَ قدْ ولاَّهُ ولايةً كبيرةً ، وفوَّضَ إليهِ عملاً عظيماً ، وحباهُ حِباءً خطيراً ، وهوَ يناديهِ باسمِهِ ويأمرُهُ بما يمتثلُ مِنْ أمرِهِ ، ثمَّ إنَّ السامعَ للملِكِ الحاضرَ معَهُ غيرَ المولَّى لمْ يشارِكِ المولّى والمخلوعَ عليهِ والمفوَّضَ إليهِ في شيءٍ ممَّا وُلِّيَ وأَعطِيَ، ولمْ يجبْ لهُ بسماعِهِ ومشاهدتِهِ أكثرُ مِنْ حُظوةِ القربةِ ، وشرفِ الحضورِ ، ومنزلةِ المكاشفةِ مِنْ غيرِ وصولٍ إلى درجةِ المخاطَبِ بالولايةِ ، والمفوَّضِ إليهِ الأمرُ . وكذلكَ هذا السالكُ المذكورُ إذا وصلَ في طريقِهِ ذلكَ ؛ بحيثُ يصلُ بالمكاشفةِ والمشاهدةِ واليقينِ التامِّ الذي يُوجِبُ المعرفةَ والعلمَ بتفاصيلِ ٣٣١ المعلوم .. فلا يمتنعُ أنْ يسمعَ ما يُوحَى لغيرِهِ مِنْ غيرِ أنْ يُقصدَ هوَ بذلكَ ؛ إذْ هوَ محلُّ سماع الوحي على الدوامِ ، وموضعُ الملائكةِ ، وكفى بها أنَّها حضرةُ الربوبيَّةِ . وموسى عليه السلامُ لمْ يستحقَّ الرسالةَ والنبوَّةَ، ولا استوجَبَ التكليمَ وسماعَ الوحي مقصوداً بذلكَ بحلولِهِ في هذا المقام الذي هوَ المرتبةُ الثالثةُ فقطْ . بلْ قدِ استحقَّ ذلكَ بفضلِ اللهِ تعالى ورحمتِهِ حينَ خصَّهُ بمعنى آخرَ يزيدُ على ذلكَ المقام أضعافاً ، يجاوزُ المرتبةَ الرابعةَ ؛ لأنَّ آخرَ مقاماتِ الأولياءِ أولُ مقاماتِ الأنبياءِ . وموسى عليهِ السلامُ نبيٌّ مرسلٌ ، فمقامُهُ أعلى بكثيرِ ممَّا نحنُ آخذونَ في أطرافِهِ ؛ لأنَّ هذا المقامَ الذي هوَ المرتبةُ الثالثةُ ليسَ مِنْ غاياتٍ مقاماتٍ الولايةِ ، بلْ هوَ إلى مبادِيِها أقربُ منهُ إلى غاياتِها . فمَنْ لمْ يفهمْ درجاتِ المقاماتِ ، وخصائصَ النبواتِ ، وأحوالَ الولاياتِ .. كيفَ يتعرَّضُ للكلام فيها والطعنِ على أهلِها ؟! هذا لا يُعلَمُ إلَّ لمَنْ لا يعرفُ أنَّهُ مؤاخَذٌ بكلامِهِ ، محاسبٌ بظنِّهِ ويقينهِ ، مكتوبةٌ عليهِ خطراتُهُ، محفوظةٌ عليهِ لحظاتُهُ، مُحْصَاةٌ عليهِ يقظاتُهُ وغفلاتُهُ ، فما يلفظُ مِنْ قولٍ إِلاَّ لديهِ رقيبٌ عتيدٌ . ٣٣٢ 1 1 ۔ فإِنْ قلتَ : أراكَ قدْ أوجبتَ لهُ سماعَ نداءِ اللهِ تعالى، ونداءُ اللهِ : كلامُهُ، والله تعالى يقولُ: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضِ مِّنْهُم مَن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ فقدْ نبَّهَ أنَّ تكليمَ اللهِ تعالى لمَنْ كلَّمَهُ مِنَ الرسلِ إنَّما هوَ على سبيلِ المبالغةِ في التفضيلِ ، وهذا لا يصلحُ أنْ يكونَ لغيرِهِ ممَّنْ ليسَ بنبيٍّ ولا رسولٍ . فنقولُ : إذا نبَذْنا التشعيبَ ، وقصَدْنا درءَ الشكِّ العارضِ في مسالكِ الحقائقِ .. فنقولُ: ليسَ في الآيةِ ما يَرُدُّ ما قلنا ولا يكسِرُهُ ؛ لأنَّا ما أوجَبْنا أنْ يكلِّمَهُ قصداً ، ولا يتحرَّاهُ بالخطابِ عمداً . وإنَّما قلنا : إنَّهُ يجوزُ أنْ يسمعَ ما يخاطِبُ بهِ اللهُ تعالىُ غيرَهُ ممَّنْ هوَ أعلى منهُ ، فليسَ مَنْ سمعَ كلامَ إنسانٍ مثلاً ممَّا يُكلِّمُ بهِ غيرُ السامع يقالُ فيهِ : إِنَّهُ كَلَّمَهُ . وقدْ حُكِيَ : أنَّ طائفةٌ مِنْ بني إسرائيلَ سمعُوا كلامَ اللهِ تعالى الذي خاطبَ بهِ موسَى عليهِ السلامُ حينَ كَلَّمَهُ(١). ثمَّ إذا ثبتَ ذلكَ .. لمْ تجبْ لَهُمْ بهِ درجةُ موسَى عليهِ السلامُ ، ولا المشاركةُ في نبوّتِهِ ورسالتِهِ . على أنَّا تقولُ: نفسُ ورودِ الخطابِ إِلى السامعينَ مِنَ اللهِ تعالى يمكنُ الاختلافُ فيهِ ، فيكونُ النبيُّ المرسلُ يسمعُ كلامَ اللهِ عزَّ وجلَّ الذاتيَّ القديمَ (١) أورده الرازي في ((مفاتيح الغيب)) (١٣٥/٣). ٣٣٣ بلا حجابٍ في السمع ، ولا واسطةٍ بينَهُ وبينَ القلبِ ، ومَنْ دونَهُ يسمعُهُ على غيرِ تلكَ الصورةِ بما يُلقَى في رُوعِهِ ، وبما يُنادَى بِهِ في سمعِهِ أَوْ سرِّهِ وأشباهِ ذلكَ؛ كما ذُكِرَ أنَّ قومَ موسَىُ عليهِ السلامُ حينَ سمعُوا كلامَ اللهِ سبحانَهُ معَ موسَىُ عليهِ السلامُ أنَّهُمْ سمعُوا صوتاً كالشَُّّور(١) ، وهوَ القَرِنُ (٢). فإذا صحَّ ذلكَ .. فبتباينِ المقاماتِ اختلفَ ورودُ الخطابِ ، فموسَى عليهِ السلامُ سمعَ كلامَ اللهِ تعالى بالحقيقةِ التي هيَ صفةٌ لهُ بلا كيفٍ ولا صورةِ نظمٍ بحروفٍ ولا أصواتٍ ، والذينَ كانُوا معهُ أيضاً سمعوا صوتاً مخلوقاً جُعِلَ لهُمْ علامةٌ ودلالةً على صحّةِ التكليمِ ، وخلقَ اللهُ سبحانَهُ لهُمْ بذلكَ العلمَ الضروريَّ، وسُمِّيَ ذلكَ الذي سمعُوه كلامَ اللهِ تعالى ؛ إذْ كانَ دلالةٌ عليهِ ، كما تُسمَّى التلاوةُ وهذِهِ الحروفُ المكتوبُ بها القرآنُ كلامَ اللهِ تعالى ؛ إِذْ هِيَ دلالةٌ عليهِ . فإِنْ قلتَ : فما يبقَى على السامع إذا سمعَ كلامَ اللهِ تعالى الذي يستفيدُ بهِ معرفةً وحدانيتِهِ وفِقْهَ أمرِهِ ونهيِهِ ، وفهْمَ مرادِهِ وحكمِهِ بما يلحقُهُ العلمُ الضروريُّ ؟ (١) في (ث، ذ) : ( كالصور) . (٢) انظر ((تفسير القرطبي)) (٢/٢)، والشبور والقرن بمعنى: البوق. ٣٣٤ فما أرى فائدةَ النبيِّ المرسلِ إلاَّ بأنْ يشتغلَ بإصلاحِ الخلقِ دونَهُ ، ولوْ كانَ هوَ عوضاً منهُ .. أجزأَ عنهُ وقامَ مقامهُ . فاعلمْ : أنَّ هذا الذي أوجبَ عثورَكَ ودوامَ زللِكَ، واعتراضَكَ على العلومِ بالجهلِ ، وعلى الحقائقِ بالمخايلِ .. أنَّكَ (١) بعيدٌ عَنْ غورِ المطالبِ ، قعيدٌ في شرَكِ المعاطبِ ، فقيدٌ صوبَ الصوابِ ، عنيدٌ عندَ صحبٍ (٢) السحابِ . حرة إنَّ الذي استحقَّ بهِ الناظرُ السالكُ الواصلُ إلى المرتبةِ الثالثةِ سماع نداءِ اللهِ تعالى معنَىَ ومقامٌ وحالٌ وخاصِّيةٌ ، والذي استحقَّ بهِ الرسولُ النبوّةَ والرسالةَ والتكليمَ معنَىّ آخرُ ، ومقامٌ وحالٌ وخاصّيةٌ أعلىُ مِنْ تلكَ الأولىُ وأجلُّ وأكبرُ ، وبينَهُما ما بينَ السماءِ والأرضِ ، وما بينَ مَنِ استحقَّ المواجهةَ بالخطابِ والقصدَ بهِ وبينَ مَنْ لا يستحقُّ أكثرَ مِنْ سماعِهِ حينَ يخاطَبُ بهِ غيرُهُ ، فهذا معَ الإشارةِ باختلافِ ورودِ الخطابِ إليهِما ممَّا يُوجِبُ ويقرِّرُ تباينَ ما بينَهُما، فإِنْ فهمْتَ الآنَ، وإلاَّ .. فدعْنِي لا تَدُرْ بخيالي(٣) . (١) في كل النسخ: ( أنت ) ، ولعل الصواب ما أثبت ، والله أعلم . (٢) في (ت، ث، ذ) : ( عن سح ) . (٣) في (ت، ث، ذ) : ( بحالي ) . ٣٣٥ بون حن -يجن فإِنْ قيلَ: ألمْ يقلِ اللهُ تعالى: ﴿فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ: أَحَدًا عَه إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَسُولٍ﴾ وسماعُ كلام اللهِ تعالى بحجابٍ أوْ بغيرِ حجابٍ ، وعلمُ ما في الملكوتِ ومشاهدةُ الملائكةِ ، وما غابَ عنِ المشاهدةِ والحسِّ .. مِنْ أجلِّ الغيوبِ ، فكيفَ يطلعُ عليها مَنْ ليسَ برسولٍ ؟ قلنا : في الكلام حذفٌ يُدَلُّ على صحَّةِ تقديرِهِ بالشرع الصادقِ ، والمشاهدةِ الضروريةِ ، وهوَ أنْ يكونَ معناهُ : إلاَّ مَنِ ارتضَى مِنْ رسولٍ، ومَنِ اتَّبْعَ الرسولَ بإخلاصٍ واستقامةٍ، أوْ عَمِلَ بما جاءَ بهِ ؛ لأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: «أَتَّقُوا فرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ))(١)، وهلْ يُتَّقَى إلاَّ في علمٍ ما غابَ عنهُ أنْ ينكشِفَ لهُ ؟! وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مُحَدَّثُونَ .. فَعُمَرُ))(٢) ، أوْ كما قالَ . وقالَ: ((الْمُؤْ مِنُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ))(٣). وفي القرآنِ العزيزِ: ﴿ قَالَ الَّذِى عِندَهُ عِلٌْ مِنَ الْكِتَبِ أَنَاْ ءَانِكَ بِهِ، قَبْلَ أَن يَزْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ فعلِمَ ما غابَ عَنْ غيرِهِ مِنْ إِمكانٍ إتيانِ ما وعدَ بهِ، وزادَ أنَّهُ قدرَ عليهِ ، ولمْ يكنْ نبيّاً ولا رسولاً . (١) رواه الترمذي (٣١٢٧) . (٢) رواه البخاري (٣٤٦٩) . (٣) رواه الديلمي في «الفردوس)) (٦٥٥٤) . ٣٣٦ وقدْ أنبأَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى عَنْ ذي القرنينِ مِنْ إخبارِهِ عَنِ الغيبِ ، وصدقِهِ فيهِ حينَ قالَ: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَّى جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا﴾ وإنْ كانَ وقَع الاختلافُ في نبؤَّةِ ذي القرنينِ عليهِ السلامُ .. فالإجماعُ على أنَّهُ ليسَ برسولٍ ، وهوَ خلافُ المشروطِ في الآيةِ . وإنْ رامَ أحدٌ المدافعةَ بالاحتيالِ لِمَا أخبرَ بهِ ذو القرنينِ ، وما ظهرَ على يدِ الذي كانَ عندَهُ علمٌ مِنَ الكتابِ ، وأرادَ أنْ يجوِّزَهُ على عمرَ .. لا يفرِّقُ بينَ الشبهِ والحقائقِ ، فما يصنعُ فيما جرى للخضرِ ، وما أنبأَ اللهُ سبحانَهُ عنهُ وأظهرَهُ عليهِ مِنَ العلومِ الغيبيَّةِ ؟! وهوَ بعدَ أنْ يكونَ نبيّاً فليسَ برسولٍ على الوفاقِ مِنَ الجميع ، والله تعالى يقولُ: ﴿إِلَّا مَنِ أَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾ فدلَّ على أنَّ في الآيةِ حذفاً ينضافُ معناهُ إلى ما ظهرَ مِنَ الكلامِ . فكانَ سعدٌ رضيَ اللهُ عنهُ يرى الملائكةَ عليهِمُ السلامُ وهُمْ غيبُ اللهِ تعالى(١). وأعلمَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ بما في البطنِ وهوَ مِنْ غيبِ اللهِ عزَّ وجلَّ(٢). وشواهدُ هذا في الشرع كثيرةٌ تُعجِزُ المتأوَّلَ وتبهرُ المعانِدَ . هذا ؛ والقولُ بتخصيصِ العموم أظهرُ مِنَ المجرة(٣)، وأشهرُ ممَّا نقلَ (١) كما رواه مسلم (٢٣٠٦) . (٢) كما رواه مالك في ((الموطأ)) (٧٥٢/٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٦٩/٦). (٣) في غير (ش، خ): (الحواة) . ٣٣٧ مون الكافَّةُ ، ويُحتمَلُ أنْ يكونَ المرادُ في الآيةِ بالرسولِ المذكور فيها : ملَكَ الوحي الذي بواسطتِهِ تنجلي العلومُ ، وتنكشفُ الغيوبُ. فمتَى لمْ يرسلِ اللهُ عزَّ وجلَّ ملَكاً بإعلام غيبٍ ؛ إمَّا بخطابٍ مشافهةٍ ، أَوْ إلقاءِ معنىً في رُوعٍ ، أَوْ ضربٍ مثلٍ في يقظةٍ أوْ منامٍ .. لمْ يكنْ إلى علمٍ ذلكَ الغيبِ سبيلٌ ، ويكونُ تقديرُ الآيةِ : فلا يُظهِرُ على غيبهِ أحداً إلاَّ مَنِ ارتضَى مِنْ رسولٍ أنْ يرسلَهُ إلى مَنْ يشاءُ مِنْ عبادِهِ في يقظةٍ أَوْ منامٍ ؛ فإِنَّهُ يطلعُ على ذلكَ الغيبِ أيضاً . وتكونُ فائدةُ الإِخبارِ بهذا في الآيةِ : الامتنانَ على مَنْ رزقَهُ اللهُ تعالى علمَ شيءٍ مِنْ مكنوناتِهِ ، وإعلامَهُ أنَّهُ لمْ يصلْ إِليها بنفسِهِ ولا بمخلوقٍ سواهُ ، إلاَّ باللهِ تعالىُ حينَ أرسلَ إليهِ المَلَّكَ بذلكَ، وبعثَهُ إليهِ حتّى يبرأَ المؤمنُ مِنْ حولِهِ وقوَّتِهِ ، ومِنْ حولِ كلِّ مخلوقٍ وقوّتِهِ ، ويرجعَ إلى اللهِ تعالى وحدَهُ، ويتحققَ أنَّهُ لا يردُ عليهِ شيءٌ مِنْ علمٍ أوْ معرفةٍ أوْ غيرِ ذلكَ إلاَّ بإرادته ومشيئتِهِ . ويحتملُ وجهاً آخرَ : وهوَ أنْ يكونَ معناهُ - واللهُ أعلمُ - : فلا يُظهرُ على غيبهِ أحداً إلاَّ مَنِ ارتضَى بذلكَ (١) مِنْ سائرٍ خلقِهِ ، وأصنافٍ عبادِهِ ، ويكونُ معنَى ( مِنْ رسولٍ) أيْ : على يدِ رسولٍ مِنَ الملائكةِ، واللهُ أعلمُ . جن ـبة ـدة. (١) كذا (ث، ذ)، وفى غيرهما: ( ... ارتضى من رسول، ويريد من سائر ... ). ٣٣٨ فَضَ [في بيان معنى: ولا تتَخَطَ رقاب الصِّدْيقّين] ومعنَى ( ولا تتخطَّ رقابَ الصديقينَ) وقلتَ : وما الذي أوصلَهُ إلى مقامهِمْ ، أَوْ جاوزَ بهِ ذلكَ وهوَ في المرتبةِ الثالثةِ حالَ المقربينَ ؟ فاعلمْ : أَنَّهُ ما وصلَ حيثُ ظننتَ ، فكيفَ يجاوزُهُ ؟ وإنَّما خاصِّيةُ مَنْ هوَ في رتبةِ الصديقيّةِ عدمُ السؤالِ ؛ لكثرةِ التحقيقِ بالأحوالِ . وخاصِّيةُ مَنْ هوَ في رتبةِ القربِ كثرةُ السؤالِ ؛ طمعاً في بلوغ الآمالِ . ومثالُهما فيما أُشِيرَ إليهِ مثالُ إنسانينِ دخلا في بستانٍ ، وأحدُهُما يعرفُ جميعَ أنواع نباتِ البستانِ ، ويتحقَّقُ أنواعَ تلكَ الثمارِ ، ويعلمُ أسماءَها ومنافعَها ، فهوَ لا يسألُ عنْ شيءٍ ممَّا يراهُ ، ولا يحتاجُ إلى أنْ يُخبِرَ بهِ ، والثاني لا يعرفُ ممَّا رأى شيئاً ، أوْ يعرفُ بعضاً ويجهلُ أكثرَ ممَّا يعرفُ ، فهوَ يسألُ ليصلَ إلى علمِ الباقِي . وكذلكَ مَنْ تكلَّمْنا عليهِ حينَ أكثرَ السؤالَ عساهُ يتجاوزُ بسؤالهِ حالَهُ ، ويتخلفُ عَنْ مقامِهِ إلى ما هوَ أعلى منهُ ، وكانَ غيرَ مرادٍ لذلكَ ؛ إمَّا في ذلكَ الوقتِ ، أَوْ أبدَ الأبدِ . وتلكَ العلومُ لا تنالُ بالكسبِ ، وإنَّما تنالُ بالمنح الربانيةِ ، فقيلَ لهُ : ٣٣٩ لا تتخطَّ رقابَ الصديقينَ بالسؤالِ؛ فذلكَ ممَّا لا يُتَخَطَّى بهِ(١) ، وليسَ هوَ مِنَ الطرقِ الموصلَةِ إِلى مقامهِمْ ، فارجعْ إلى الصدِّيقِ الأكبرِ ، فاقتدِ بهِ في أحوالِهِ وسيرتِهِ ، فعساكَ ترزقُ مقامَهُ ، فإِنْ لمْ يكُنْ .. فتبقَى على حالِ القربِ ، وهوَ تلوُّ الصدّيقيةِ ، فهذا معناهُ ، واللهُ أعلمُ . (١) في (ث ، ذ) : ( مما لا تحظى به ) . ٣٤٠ ---