Indexed OCR Text
Pages 21-40
مقدمات التحقيق سید. ٠ ٢١ بَيْنَ يَدَِّ الكِتَابِ بِسِْاللهِالرَّحْمِ الرّيَّةِ الحمد لله رب العالمين ، الذي فضَّل أولي العلم على من سواهم تفضيلاً ، ورفعهم إلى العلياء ، وسلك بهم المحجة البيضاء . والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين ، سيدنا أبي القاسم الأمين ، الذي قال: ((العلماء ورثة الأنبياء)) (١)، وعلى آله الأكرمين، وصحابته الغرِّ الميامين ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين. أما بعدَّد: ٧٨٠ فإنَّ شخصيّة الإمام الغزالي المجدّد كانت ولا تزال معترك الأقلام، وميداناً فسيحاً لجري الألسن في هذا المضمار ، شأنه شأن العباقرة العظام . فمنذ دوَّى اسمُه في الآفاق ، وسارت مؤلفاتُهُ مسيرَ الشمس ، وأبهرت مصنفاتُهُ الخاصَّ والعامّ .. نُسجت حول شخصيته هالات ، لا سيما وقد ولد في عصر متلاطمٍ بأمواجِ التياراتِ الفكرية . ن تفتَّحت عقليّة هذا الإمام في هذا المحيط الذي يعجُّ بالأعاصير ؛ فوهبه الله تعالى تسديداً في الأقوال ، ونوراً يبصرُ به المنهاج الإلهيَّ، وفقهاً في الدين . (١) أخرجه أبو داوود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢) عن سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه. ٢٣ فلذلك صار حجَّة الإسلام، ولسانَ الملَّة ، والذائدَ عن حوزتها ، والمجدِّد لمعالمها ، مستمدّاً من نصوص التشريع الإسلاميِّ ما يقارع به حجج المشكِّكين والمضلِّين تارةً ، والرد عليهم بطريقتهم تارةً أخرى . وهو في الحقيقة شخصيّةٌ فذَّة صدق من قال فيه : ( الغزالي لا يعرف فضلَه إلاَّ من بلغ أو كاد يبلغ الكمال في عقله )(١) . ( ب ) والخلاصة : أن هذه الشخصيّة التي كان التوفيقُ شعارَها ، والإخلاصُ دثارَها .. هي من الطراز المحمَّديِّ . 0 فقد جاء في سنَّة الحبيب صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إشاراتٌ بِيَّاتٌ إلى علم هؤلاء الأصفياء ، وجملٌ واضحاتٌ تنعت هؤلاء القوم . فقد سُئل صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن قوله تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ قال: ((هو نور يقذفه الله تعالى في القلب))، فقيل: وما علامته يا رسول الله؟ فقال: (( التجافي عن دار الغرور ، والإنابةُ إلى دار الخلود)» (٢) . وبنظرةٍ فاحصةٍ إلى سيرة هذا الإمام المجدِّد .. ندرك أن هذا الإمام (١) انظر ((طبقات الشافعية الكبرى)) (٢٠٢/٦). (٢) أخرجه الحاكم (٣١١/٤) عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . ـة ٢٤ رحمه الله تعالى منخرطٌ في هذا السّلْك ، يشملُه هذا التفسيرُ النبويُّ بطريقٍ واضح لا لَبْسَ فيها ولا غموض ، حتى قال فيه شيخه إمام الحرمين : ( إنه بحرٌ مغدقٌ )(١) . بل كان يفخر بتلْمذَته على يديه ، ويعدُّ ذلك من مناقبه ، هذا وهو طالب علم ينادم حلقات الأئمة الأعلام ، ويلازم أولي المعرفة ، حتى بلغ الشأو القصيَّ في العلم والمعرفة ، وتوَّج ذلك بالتنسك الصوفيِّ المستقيم على هدىّ ومعرفةٍ ؛ حتَّى أشرقت روحه في صفاء ، وبلغ مراتب قال هو عنها : ( لا يصح البوح بها لمن لم يكن من أهلها ) . ولذلك طرح الدنيا وملذاتها ، وقد جمعت له زخارفها تحت قدميه ، فما بهرته مظاهرها ، ولا فتنته شهواتها ؛ لأن روحه تسامت فوق مظاهر المادة . ويرحم الله تعالى الحافظ العراقي حين قال: ( إنه - أي: ((الإحياء)). من أجَلٌّ كتب الإسلام في معرفة الحلال والحرام ، جمعَ فيه بين ظواهر الأحكام ، ونزع إلى سرائر دَقَّت عن الأفهام ، ولم يقتصر فيه على مجرد الفروع والمسائل ، ولم يبحر في اللُّجَّة بحيث يتعذّر الرجوع إلى السَّاحل ، بل مزج فيه عِلْمَي الظاهر والباطن ) . بل ذكر التاج السبكي رحمه الله تعالى في (( الطبقات)) عن قول بعض (١) انظر (( طبقات الشافعية الكبرى)) (١٩٦/٦). ٢٥ المحققين : ( لو لم يكن للناس في الكتب التي صنفها الفقهاء الجامعون في تصانيفهم بين النقل والنظر والفكر والأثر غيره .. لكفى)(١). ولا نريد الاسترسال في وصف («الإحياء))؛ فإن هذا سيجعل المقال بطيناً ، ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد . G أحبه ولئن كان بعض المتقدِّمين والمتأخّرين أسرفوا في الطَّعن على هذا الإمام رحمه الله تعالى ، ونسبوه إلى الجهل بالُّنَّة النبويَّة ، وبأنه حاطب ليل ، وجروا في هذا الميدان مليّاً .. إلا أن هذا الطّعن في الحقيقة لبسَ عباءة الإسراف ، وعمامةَ التحامل . ذلك لأنه وإن قال هو عن نفسه في كتابه ((قانون التأويل)): ( بضاعتي في علم الحديث مزجاة)(٢)، إلا أن هذا منه رحمه الله تعالى تواضعٌ وتبيانٌ أنه ليس متبحراً فيه كسائر العلوم الأخرى ، وهذا مجردُ تقليل لشأنه فيه ، واعتراف بالفضل لأهل الاختصاص ، وإلا .. فإن الواقعَ العمليَّ الذي شهد به الحافظ العراقيُّ الذي خرج أحاديثه - وهو أعرف بها من غيره - أن في ((الإحياء)) آلاف الأحاديث الصحيحة والحسنة التي استشهد بها الغزاليُّ ، (١) طبقات الشافعية الكبرى (٦/ ٢٥٢). (٢) قانون التأويل (ص ٣٠). ٢٦ وتسرَّبت بعضُ الأحاديث الضعيفة وقليلٌ جدّاً دونها في فضائل الأعمال . وقد قال إمام المحدثين أحمد ابن حنبل رضي الله عنه : ( إذا روينا في الحلال والحرام .. تشدَّدنا، وإذا روينا في فضائل الأعمال .. تساهلنا)(١). وهل الذي يروي في كتبه آلاف الأحاديث تكون بضاعته مزجاة ، كلا والله، ولكن هذا هو عينُ عبقريَّة هذا الإمام المجدِّد. ومن الأدلَّة اليقينيّةِ على بصر الإمام بالسُّنَّة النبويَّة أن كتابه (( الوجيز )) - وهو مختصرٌ فقهي - معظم عباراته تشير إلى أحاديث نبويَّة ، بل في كثيرٍ من المواطن يذكر الحكم الفقهيَّ بعبارة الحديث نفسِه ، وهذا ما دفع الإمام أبا القاسم عبد الكريم بن محمد الرافعي المتوفى سنة ( ٦٢٣هـ) ، إلى أن يُعنى ببيان الأحاديث التي أشار إليها الغزاليُّ أو اعتمد عليها في ((وجيزه))، وهو كتابه الشهير المفيد: (( العزيز شرح الوجيز)) (٢). (د ) وقد انعقدت كلمة الأكابر أن الإمام الغزاليَّ رحمه الله تعالى هو مجدِّدُ (١) انظر ((جامع الأصول)) (١٠٩/١). (٢) قال ابن السبكي في ((طبقات الشافعية)) (٢٨١/٨): (تحرز بعض أصحابنا عن تسميته بـ(( العزيز)) أي: لأن العزيز اسم من أسماء الله الحسنى، واختار تسميته بـ( فتح العزيز ))) . ٢٧ مقلى . القرن الخامس بلا منازع ؛ لأنه الإمام الذائع الصِّيت بلا مدافع ، وقد صحَّ عنه صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كلِّ مئةِ سنةٍ من يجدِّدُ لها دينها))(١). قال أهل العلم : إن معنى التَّجديد : هو أن يبيِّن المجدِّدُ السُّنَّة من البدعة ، ويؤيِّد أهل العلم والاتباع ، ويذل أهل الضلال والابتداع . G وهذه هي سمات الإمام الغزالي التي تحقق بها ، وقد أشار إلى تجديده واتفاق الكلمة على ذلك الإمامُ السيوطيُّ في أرجوزته المسماة ( تحفة المهتدين بأخبار المجدِّدين )) فقال : [من الرجز] وَأَلْخامِسُ الْحَبْرُ هُوَ الْغَزَالِي وَعَدُّهُ مَا فِيهِ مِنْ جِدَالِ وقد كان الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يرى أنه أحد المجدِّدين كما نلمح ذلك في قوله وهو يستعرض الأسباب التي دعته إلى العودة للتدريس بعد انقطاعه عنه فيقول : ( وانضاف إلى ذلك منامات من الصَّالحين كثيرةٌ متواترةٌ ، بأن هذه الحركة مبدأ خير ورشد ، قدَّرها الله سبحانه وتعالى على رأس هذه المئةِ ، وقد وعد الله سبحانه بإحياء دينه على رأس كلِّ مئة سنة ، فاستحكم الرجاء ، وغلب حسن الظَّنِّ بسبب هذه الشهادات ، ويسّر الله تعالى الحركة إلى نيسابور للقيام بهذا المهمّ)(٢). حة (١) أخرجه أبو داوود (٤٢٩١)، والحاكم (٥٢٢/٤) عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) المنقذ من الضلال ( ص ٢٩). ـحة. ٢٨ وبنظرةٍ عجلى إلى منهج الإمام بصورة عامة في مؤلفاته التي يقارع فيها فكر أهل الأهواء بالعقل والنقل .. نجده في هذا الميدان يدرأ التعارض بين العقل والنقل ، ويظهر بفقهه العميق التلاحم بينهما ؛ وهذا من المطالب السامية لمن يحمل هذا العلم الشرعي ؛ ورداً على أهل البدع القائلين بوجود التباين بين النقول وما تقتضيه الأفهام والعقول . وهذا أحد العوامل التي جعلته أهلاً للتلقب بحجة الإسلام . ولذلك فإن التوافق بين العقل والنقل في سفرنا هذا نجده ماثلاً في كثير من نصوصه . 3 وهذه الميزة التي انفرد بها الإمام الغزالي عن كثير من أضرابه واحدةٌ من كثير من مآثرة الجليلة ومناقبه النبيلة التي رفعته على بساط العبقرية ، ومنحته هذه المكانة السامية . وهذا نص للإمام من عشرات النصوص المنتثرة في ثنايا مؤلفاته ، قال رحمه الله تعالى : ( لا يمكن أن يكون هناك تناقض بين العقل والدين ، أو بين العقل والشرع ؛ فالعقل كالأُسّ ، والشرع كالبناء ، ولا يمكن تصور أحدهما بدون الآخر ، فلا نفع في أساس بدون بناء ، ولا ثبات لبناءٍ بدون أساس )(١). (١) معارج القدس في مدارج معرفة النفس ( ص ٥٧ ). ٢٩ (هـ) عاش الإمام الغزاليُّ رحمه الله تعالى في عصرٍ من عصور الإسلام الذَّهبيّة ؛ خصوصاً في المجالات العلمية ؛ حيث كانت المدارس المتنوّعة والمتخصِّصة ، ومنها المدارس النظامية نسبةً إلى نظام الملك . وكان الإمام الغزاليُّ رحمه الله تعالى أيام إقامته بالمعسكر يحضر مجلس نظام الملك للمناظرة والدِّفاع عن عقيدة أهل السُّنَّة التي كان النظام القيِّمَ السياسيَّ عليها في عصره . ٠٨٥٠ ـرة ـحر وكان نظام الملك سنَّاً ، صوفيّاً ، شديد التعلُّق بالصُّوفيّةِ ، شديدً التَّعَصُّب لهم ولمبادئهم ، مسرفاً أشدَّ الإسراف في البذل عليهم ، وإعداد التكايا لهم وخدمتهم ، وتوفير الفراغ لهم لتعبدهم وصفاء أوقاتهم ، حتى واجه الخليفة بتلك المقولة المأثورة عنه وهو يعاتبه لإسرافه في النَّفقة عليهم وشغله بهم ، فقال له : ( لقد أقمنا لك عباداً بالليل ، لو صاحوا .. لزلزلت الدُّنيا بخصومك ، ومادت بهم الأرض ) . والذي يهمنا في هذه المقدمة : أن الصُّوفيَّة الحقَّة التي تعشَّقها الإمام الغزاليُّ رحمه الله تعالى ، وخالطت شغاف فؤاده .. هي التي بسط طرائقها بعلمه وحكمته ، وأبان للناس أحوالها ، بعيداً عن الغلو والتهالك ، وأحكم لها أصولها ؛ حتى غدت قواعدُها راسيةً ، واستقامت على يده كعِلْم مؤصَّلٍ يعجُّ بآدابه وسلوكه . ٣٠ وما أحوجنا في هذا العصر الذي أتخم أهله بالمادِّيّات ، وأشغل أوقاتهم بالملهيات ، وظهر من القلوب الجفاء والقسوة ، وتلاشى الصفاءُ الروحيُّ عند الجمهرة، ما أحوجنا إلى هذا السِّفْر العظيم: ((إحياء علوم الدين)) فإنه البلسم لأدواءِ القلوب ، المقرِّب إلى رضا علام الغيوب . ثم إن النفس لتنفر من مهاجمة الأحياء للأموات ، ولا سيما إن كان المنتقدون أقل شأناً في العلم من أولئك ؛ على حد قول المثل : ( من قل علمه .. كثر انتقاده ) . وهذا ليس من فعل أهل المروءات ، ولا هو منهج أهل التقوى الذين امتدحهم التنزيل في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَّءُ و مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِآلْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ زَّحِيمُ﴾ . على أن بعضهم يغرق في عبارات الإمام ويتحير ويقف حمار الشيخ في العقبة ، ومع ذلك يصول بقلمه على الإمام ويجول كأنما هذا من أوجب الواجبات ، وربما كان الغرض الأوحد طلب الشهرة على حساب المشهورين. ٥٫٠٠٠ ( و ) ودار المنهاج التي اضطلعت بإخراج الأسفار النَّفيسة في حُللٍ قشيبةٍ .. لا تزال مشمِّرةٌ عن ساعد الإنجاز ؛ فهي تخرج لنا جواهر الكتب بين الفينة ٣١ والأخرى ، حتى لقد أصبح يُشار إليها بالبنان ، وينوِّه بها طلبةُ العلم في كلِّ مكان ، وعلى وجه الخصوص كتب السادة الشافعية . فقد أخرجت لنا بفضل الله ، ثم بفضل عزمات صاحبها كتباً كانت في الدَّهاليز مطمورةً ، وما نسمع عنها إلا بواسطة المشايخ أو النقل ، فأشرقت بضياء الطباعة ، وازدانت بحُلل التَّحقيق ، وطارت يمنةً ويسرةً ، وتلقَّفها طلبةُ العلمِ فِي شَغَفٍ ونَهَم ، وأصبح الحلم حقيقةً ، ولا سيَّما وقد أخرجت لنا (( نهاية المطلب)» الحاوي لأصول المذهب وفروعه ، وغيره من الأسفار العظام لأئمة أعلام؛ كـ((البيان)) للإمام العمراني، و((النجم الوهاج في شرح المنهاج)) للإمام الدميري، و((حاشية التَّمَسي على المنهج القويم)) في سبع مجلدات ، وغيرها من النفائس . ولأنَّ ((إحياء علوم الدين )) جامعٌ للفقه والسلوك ، وأسلوبه تبرٌ مسبوك ، والناس في هذه الأيام النَّكدة بحاجة إليه وإلى أمثاله ؛ ليخُدَّ من انجذابهم إلى المادِّيّات والملذات ، والإعناق مليّاً لميدان الشَّهواتِ .. فإن الدار قامت بخدمة هذه الموسوعة الدِّينيّة خدمةً متميِّزةً تليق بمستواها العلميِّ ، وتسهِّل على الناظر العثورَ على ما يريد ، وهي بذلك تسهمُ إسهاماً حقيقياً في نشر الثقافة الإسلاميّةِ والوعي الدينيّ . (ز ) وختاماً : فإن الدار وهي تهدي إلى الأمة الإسلامية هذا السفر النفيس ٣٢ فا في عشر مجلدات محققاً على نحو عشرين مخطوطة جلبت من أصقاع الأرض .. لترجو وتتفاءل أن يكون بروز هذا الكتاب بداية للفرج الإلهي على الأمة الإسلامية التي تئن تحت وطأة الاختلاف والفرقة ، وتكالب الأعداء عليهم . - ----- سائلين المولى جل وعلا أن يرفع عنا مقته وغضبه ، وأن يهيىء لنا من أمرنا رشداً ، ويدفع عنا السوء ، ويجنبنا الفتن والمحن ، ما ظهر منها وما بطن ؛ إنه سميع مجيب . ومحمد تدرب العالمين وَكتبَةُ أبو عبد الباري محمد عبد الرحمن شميلة الأحدل ٣٣ R سند (إحياء علوم الدين)) أروي كتاب ((إحياء علوم الدين)) وسائر مؤلفات الإمام الغزالي بالإجازة المعتبرة : عن شيخي المعمر بقية السلف الفقيه الزاهد السيد أبي عبد الله حمود بن أحمد بن عبد الرحمن بن حسين شميلة الأهدل حفظه الله تعالى ونفع به(١) ، عن الشيخ العلامة قاضي المراوعة السيد عبد الرحمن بن محمد الأهدل ، عن والده العلامة السيد محمد بن عبد الرحمن الأهدل ، والعلامة السيد محمد طاهر بن عبد الرحمن الأهدل ، كلاهما عن العلامة الحجة شيخ الإسلام السيد محمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل ، عن عمّه العلامة السيد الحسن بن عبد الباري الأهدل ، عن الإمام العلامة محدث اليمن السيد عبد الرحمن بن سليمان الأهدل الزبيدي صاحب (( النفس اليماني)) ، عن إمام المسندين وخاتمة الحفاظ المحدثين السيد أبي الفيض محمد مرتضى بن محمد الزبيدي الحسيني نزيل مصر ، عن العلامة المسند الثقة أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سعيد عقيلة المكي ، عن محدث الحجاز المسند أبي الأسرار حسن بن علي يحيى العجيمي ، عن الإمام المسند الوارث صفي الدين أحمد بن محمد بن يونس القُشَاشي ، عن الإمام (١) لشيخنا العلامة المعمر والفقيه المنور السيد أبي عبد الله حمود أحمد حسين شميلة الأهدل ترجمة ضافية في مقدمة كتاب ((إفادة السادة العمد)) ( ص ٣٥) طبعة دار المنهاج . ٣٤ المجتهد الشمس محمد بن شهاب الدين أحمد بن حمزة الرملي ، عن شيخ الإسلام القاضي أبي يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الأنصاري ، عن إمام الحفاظ والمحدثين أبي الفضل أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني ، عن شيخ الإقراء ومسند القاهرة أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد بن عبد الواحد التنوخي ، عن قاضي القضاة مسند الشام الإمام أبي الفضل التقي سليمان بن حمزة بن أحمد المقدسي الحنبلي ، عن المسند الأمين أبي حفص عمر بن كرم الدينوري ، عن الإمام الحافظ المفيد أبي الفرج عبد الخالق بن أحمد اليوسفي البغدادي ، عن المؤلف حجة الإسلام والمسلمين أبي حامد محمد بن محمد الغزالي . (ح ) كما يرويها شيخنا العلامة المعمر السيد حمود بن أحمد بن عبد الرحمن بن حسين شميلة الأهدل حفظه الله تعالى بالإجازة العامة : عن أخيه العلامة السيد أحمد ميقري بن أحمد بن عبد الرحمن حسين بن شميلة الأهدل ، عن العلامة قاضي المراوعة السيد عبد الرحمن بن محمد الأهدل . بالإسناد المتقدم إلى الإمام الغزالي رحمه الله تعالى . مكتَبَهُ عمر سالم سعيد بالخيف ٣٥ ترحمّة الإمام المجيّد، أعجوبة الزّمان، المتكلّم النظار زين الدّين ، أبي حامد محمّد بن محمّد بن محمّد بن أحمد الطّوميّ الطّابراني الشافعيّ حجة الإسلام الغزالي رَضِىَ اللهُعَنْهُ (٤٥٠ - ٥٠٥هـ = ١٠٥٨- ١١١١م) قال الفقير إلى الله تعالى .. الشّريف محمّد بن الحسن بن عبد الله الحسيني الواسطىّ عنا الله عنهما .. في كتابه « المطالب العلية في مناقب الشافعية»(١): منهمُ(٢) الإمامُ حجَّةُ الإِسلامِ الغزّاليُّ رضيَ اللهُ عنهُ ، القائمُ على رأسِ (١) وهو مخطوط مصور عن نسخة مكتبة فيض الله ، من مقتنيات المكتبة السليمانية بإستنبول ، برقم (١٥٢٥). وقد زيد في هذه الترجمة من ((تاريخ دمشق)) (٢٠٠/٥٥) و((طبقات فقهاء الشافعية)» لابن الصلاح (٢٤٩/١)، و(( سير أعلام النبلاء)) (٣٢٢/١٩)، و((الوافي بالوفيات)) (٢٧٤/١)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (١٩١/٦)، و((البداية والنهاية)) (١٤/١٤)، و((إتحاف السادة المتقين)) (٦/١). C وجديرٌ بالذكر : أن الإمام عبد الغافر الفارسي (ت ٥٢٩هـ) هو أول من ترجم للإمام الغزالي في كتابه (( السياق ( وهو ذيل على ((تاريخ نيسابور)) للحاكم ، وهو مضمن بالكامل في ترجمة الإمام الغزالي عند السبكي في (( طبقاته )). (٢) أي : من أئمة الشافعية . ٣٦ الخمسِ مئةٍ ، المبشَّرُ به في الحديثِ(١): محمدُ بنُ محمدِ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ الطوسيُّ الطابرانيُّ الشافعيُّ، الإمامُ أبو حامد الغزّاليُّ(٢). حجَّةُ الإسلام والمسلمينَ ، إمامُ أئمَّةِ الدينِ ؛ مَنْ لمْ تَرَ العيونُ مثلَهُ لساناً وبياناً ونطقاً، وخاطراً وذكاءً وطبعاً ، أحدُ الأَثَمَّةِ في التصنيفِ والترتيبٍ والتقريبٍ والتعبيرِ والتحقيقِ والتحريرِ . ولدَ بطوسِ ، سنةَ خمسينَ وأربع مئةٍ ( ٤٥٠هـ)، وهيَ السنةُ التي ماتَ فيها الماورديُّ وأبو الطيبِ الطبريُّ رحمهُمُ اللهُ تعالى . وكانَ والدُهُ يغزلُ الصوفَ ويبيعُهُ في دَكَّانِهِ بطوسّ ، فلمَّا احتضَر .. أوصى بولديهِ ( محمدٍ وأحمدَ ) إلى صديقٍ لهُ صوفيٍّ صالحٍ . فعلَّمَهما الخطَّ، وفَنِيَ ما خلَّفَ لهما أبوهما ، وتعذَّرَ عليهِما القوتُ ، فقالَ لهما : أرى لكما أنْ تلجأ إلى المدرسةِ كأنَّكما طالبا علمٍ !! فصارا إلى مدرسةٍ لطلبِ الفقهِ ، حيثُ قالَ الغزاليُّ رحمه الله تعالى : ( فصِرْنا إلى المدرسةِ ، نطلبُ الفقهَ، ليسَ المرادُ سوى تحصيلِ القوتِ ، فكانَ تعلُّمُنا لذلكَ لا للهِ ، فأبىُ أَنْ يكونَ إلاَّ للهِ ) . (١) الذي أخرجه أبو داوود (٤٢٩١)، والبيهقي في ((معرفة السنن والآثار)) (٢٠٨/١) عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن اللهَ يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مئة سنةٍ مَن يُجدِّدُ لها دينَها )) . (٢) الغزالي: رُويَ بتشديدِ الزايٍ ، نسبةً إلى والدهِ الذي عملَ غزّالاً، وهذا هو القولُ المشهورُ ، ورويَ بتخفيفِ الزاي ؛ نسبةً إلى غزالةَ كسحابةٍ ، قريةٍ من قرى طوسٍ . :. 57 ٣٧ فاشتغلَ الغزاليُّ ببلدِهِ طوسِ ، وقطعَ قطعةً كبيرةً في الفقهِ على الإمامِ أحمدَ الراذَكانيِّ . ثمَّ ارتحلَ إلى جرجانَ بعدما اشتدَّ عودُهُ إلى الإمام أبي نصرِ الإِسماعيليِّ فأقامَ عندَهُ حتى كتبَ عنهُ ((التعليقةً)) . ثُمّ قدمَ نيسابورَ مختلفاً إلى درسِ إمام الحرمينِ أبي المعالي الجوينيِّ في طائفةٍ مِنَ الشَّانِ مِنْ طوسَ، وجدَّ واجتهدَ حتَّى تخرَّجَ عنْ مدَّةٍ قريبةٍ ، وبَّ الأقرانَ ، وحملَ القرآنَ ؛ وصارَ أنظرَ أهلِ زمانِهِ ، وأوحدَ أقرانِهِ في أيامٍ إمامٍ الحرمينِ . وكانَ الطلبةُ يستفيدونَ منهُ ، ويُدرِّسُ لهُمْ ويرشدُهُمْ ، ويجتهدُ في نفسِهِ ، وبلغَ الأمرُ بهِ إلى أنْ أخذَ في التَّصنيفِ في حياةِ الإِمامِ الجوينيِّ ، فصنَّفَ (( المنخولَ)) في أصولِ الفقهِ ، فحينَ نظرَ فيهِ شيخُهُ الجوينيُّ قالَ: ( دفتْشَي وأنا حيٌّ، هلَ صبرْتَ حتى أموتَ)(١). ثمَّ بقيَ كذلكَ إلى انقضاءِ أيامِ الإِمامِ الجوينيِّ ، فخرجَ مِنْ نيسابورَ ، (١) ليست هذه العبارة التي قالها الإمام الجويني صادرة عن غيرةٍ علميةٍ كما يتوهم بعض الناس ، وإنما المقصود بيان مدى رسوخ ونبوغ الإمام الغزالي في هذا العلم وتفوقه على أقرانه ، وهذا تنبيه على أنه يجب أن يحمل كلام العلماء على أحسن المحامل تحسيناً للظن فيهم ، وهذا ما صرَّح به السلف الصالح . وإن من سوء الأدب تسارع بعض أقلام المعاصرين إلى التحدث عن هؤلاء العلماء بكلمات متعرية عن لباس الأدب وإجلال أهل العلم . ٣٨ وصارَ إلى المعسكرِ ، واحتلَّ مِنْ مجلسِ الوزيرِ نظام المُلكِ محلَّ القَبولِ ، وأقبلَ عليهِ الصَّاحبُ لعلوِّ درجتِهِ ، وظهورِ اسمِهِ ، وحسنِ مناظرتِهِ ، وجري عبارته . وكانَتْ تلكَ الحضرةُ محطَّ رحالِ العلماءِ ، ومقصدَ الأثمَّةِ الفصحاءِ ، فوقعَتْ للغزاليِّ اتفاقاتٌ حسنٌ مِنَ الاختلاطِ بالأئمَّةِ ، وملاقاةِ الخصوم اللُّدٌّ، ومناظرةِ الفحولِ، ومنافرةِ الكبارِ، فظهرَ اسمُهُ في الآفاقِ ، وارتفقَ بذلكَ أكملَ الارتفاقِ ، حتى أدَّتْ بهِ الحالُ إلى أنْ رُسمَ للمصيرِ إلى بغدادَ للقيام بتدريسِ المدرسةِ الميمونةِ النِّظاميَّةِ بها . فصارَ إليها سنةَ (٤٨٤هـ)، وأُعجبَ الكلُّ بتدريسِهِ ومناظرتِهِ ، وما لقيَ مثلَ نفسِهِ ، وتلقَّاهُ الناسُ ، وأُعجبُوا بمناظرتِهِ وفضائلِهِ ، وصارَ بعدَ إمامةِ خراسانَ إمامَ العراقِ . ثُمَّ نظرَ في علم الأصولِ وكانَ قدْ أحكمَها ، فصنَّفَ فيهِ تصانيفَ ، أعظمُها (( المستصفى)). وجدَّدَ المذهبَ في الفقهِ ، فصنَّفَ فيهِ تصانيفَ، مِنْها: (( البسيطُ)) و(( الوسيطُ)) و((الوجيزُ)) و((الخلاصةُ)). وسبكَ الخلافَ ، فحرَّرَ أيضاً فيهِ تصانيفَ . وعلَتْ حشمتُهُ ودرجتُهُ في بغدادَ ، حتى كانَتْ تغلبُ حشمةَ الأكابرِ والأمراءِ ودارِ الخلافةِ . ٣٩ ـون ثمَّ جاءَتْهُ السعادةُ الحقيقيّةُ ؛ وهيَ العزوفُ عنِ الدنيا والزَّهادةُ فيها .. فانقلبَ الأمرُ مِنْ وجهٍ آخرَ ، وظهرَ عليهِ بعدَ مطالعةِ العلوم الدقيقةِ وممارسةٍ الكتبِ المصنَّفةِ فيها أنَّهُ سلكَ طريقَ التزهُّدِ والتألُّهِ ، وطرحَ الحشمةَ ، وتركَ ما نالَ مِنَ الدرجةِ ، وأخذَ في الاشتغالِ بأسبابِ التقوى وزادِ الآخرةِ ؛ فخرجَ عنْ جميع ما كانَ فيهِ . وقصدَ الحجَّ سنةَ (٤٨٨هـ)، ثمَّ رجعَ إلى دمشقَ سنةَ ( ٤٨٩هـ)، وأقامَ بها قريباً مِنْ عشرِ سنينَ بجامعِها بالمنارةِ الغربيّةِ منها ، واجتمعَ بالفقيهِ نصرٍ المقدسيِّ في زاويتهِ التي تعرفُ اليومَ بالغزاليةِ . وأخذَ في التَّصانيفِ المشهورةِ التي لمْ يُسبقْ إليها ؛ مثلٍ: « إحياء علومٍ الدينِ ))، والكتبِ المختصرةِ منها؛ مثلِ (( الأربعينَ))، وغيرِها مِنَ الرسائلِ التي مَنْ تَأَمَّلَها .. علمَ محلَّ الرجلِ مِنْ فنونِ العلمِ . وما أحسنَ ما قيلَ : ( أُحصيَتْ كتبُ الغزّاليِّ التي صنَّفَها، ووُزِّعَتْ على عمرِهِ، فخصَّتْ كلَّ يومٍ أربعُ كراريسَ ، وذلكَ فضلُ اللهِ يؤتيهِ مَنْ يشاءُ)(١) . وأخذَ في مجاهدة النفسِ ، وتغييرِ الأخلاقِ ، وتحسينِ الشمائلِ ، وتهذيبِ المعاشِ ، فانقلبَ شيطانُ الرعونةِ ، وطَلَبُ الرئاسةِ والجاهِ ، والتخلُّقُ بالأخلاقِ الذميمةِ .. إلى سكونِ النَّفْسِ ، وكرم الأخلاقِ ، والفراغ عنِ الرسومِ والتَّزبيناتِ ، والتزتي بزيِّ الصالحينَ ، وقصرِ الأملِ. (١) بستان العارفين ( ). ٠ ٤ - 1