Indexed OCR Text

Pages 621-640

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
وقالَ أبو أمامة الباهليُّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما مِنْ
عبدٍ يدخلُ الجنَّةَ إلاَّ ويجلسُ عندَ رأسِهِ وعندَ رجليهِ ثنتانِ مِنَ الحورِ العينِ ،
يغنيانِهِ بأحسنٍ صوتٍ سمعَهُ الإنسُ والجنُّ ، وليسَ بمزمارِ الشيطانِ ، ولكنْ
بتحميدِ اللهِ عزَّ وجلَّ وتقديسِهِ)) (١) .
(٣٦٩)، وعند الطبراني في ((الأوسط)) (٤٩١٤) نحوه.
=
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١١٣/٨).
٦٢١

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
بيان جل مفرقة من أوصاف أهل الجنة وردت الأخبار بها
روى أسامةُ بنُّ زيدٍ: ( أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ
لأصحابِهِ : (( ألا هلْ مشمرٌ للجنَّةِ؟ إنَّ الجنَّةَ لا خطرَ لها (١)، هيَ ورُ
الكعبةِ نورٌ يتلألأُ وريحانةٌ تهتزُّ، وقصرٌ مشيدٌ ونهرٌ مطَّردٌ، وفاكهةٌ كثيرةٌ
نضيجةٌ ، وزوجةٌ حسناءُ جميلةٌ ، في حبرةٍ ونعمةٍ في مقامِ أبداً ، ونضرةٍ في
دارٍ عاليةٍ بهيّةٍ سليمةٍ)» قالوا: نحنُ المشمِّرونَ لها يا رسولَ اللهِ ، قالَ :
(«قولوا: إنْ شاءَ اللهُ تعالى)) ثمَّ ذكرَ الجهادَ وحضَّ عليهِ)(٢).
وجاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛
هلْ في الجنَّةِ خيلٌ ؛ فإنَّها تعجبُني؟ قالَ: ((إنْ أحببتَ ذلكَ .. أُتْيتَ بفرسٍ
مِنْ ياقوتةٍ حمراءَ ، فتطيرُ بكَ في الجنةِ حيثُ شئتَ ))، وقالَ لهُ رجلٌ آخرُ :
إنَّ الإبلَ تعجبني ، فهلْ في الجنَّةِ مِنْ إِبلٍ؟ فقالَ: ((يا عبدَ اللهِ ؛ إنْ أُدخلتَ
الجنَّةَ .. فلكَ فيها ما اشتهَتْ نفسُكَ ولذَّتْ عيناكَ ))(٣).
وعنْ أبي سعيد الخدريِّ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إنَّ الرجلَ مِنْ أهلِ الجنَّةِ ليُولدُ لهُ الولدُ كما يشتهي، يكونُ حملُهُ
(١) الخَطَر : القَدْر .
(٢) رواه ابن ماجه ( ٤٣٣٢).
(٣) رواه البيهقي في (( البعث والنشور)) (٣٨٣)، وعند الترمذي (٢٥٤٣) نحوه .
٦٢٢

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
وفصالُهُ وشبابُهُ في ساعةٍ واحدةٍ )»(١)
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا استقرَّ أهلُ الجنَّةِ في
الجنَّةِ .. اشتاقَ الإخوانُ إلى الإخوانِ ، فيسيرُ سريرُ ذا إلى سريرِ ذا ،
فيلتقيانِ ، فيتحدثانِ ما كانَ بينَهُما في دارِ الدنيا ، فيقولُ : يا أخي ؛ تذكرُ
يومَ كذا في مجلسٍ كذا ، فدعونا اللهَ عزَّ وجلَّ فغفرَ لنا))(٢).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أهلُ الجنَّةِ جردٌ مردٌ ، بيضٌ
جعادٌ مكحلونَ(٣)، أبناءُ ثلاثٍ وثلاثينَ، على خلقِ آدمَ ؛ طولُهُمْ ستونَ
ذراعاً في عرضٍ سبعةِ أذرعٍ))(٤) .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أدنى أهلِ الجنَّةِ الذي لهُ ثمانونَ
ألفَ خادم ، واثنتان وسبعونَ زوجةً، ويُنصبُ لهُ قبةٌ مِنْ لؤلؤٍ وزبرجدٍ
وياقوتٍ كما بينَ الجابيةِ إلى صنعاءَ ، وإنَّ عليهِمُ التيجانَ ، وإنَّ أدنى لؤلؤةٍ
منها لتضيءُ ما بينَ المشرقِ والمغربِ))(٥) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((نظرتُ إلى الجنَّةِ؛ فإذا الرمَّانةُ مِنْ رمَّانِها
(١) رواه أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (١٦٥٦)، والبيهقي في (( البعث والنشور))
(٣٨٦)، وعند الترمذي ( ٢٥٦٣)، وابن ماجه ( ٤٣٣٨) نحوه .
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤٩/٨)، والبيهقي في ((البعث والنشور)) (٣٨٨)،
وعند البزار في (( مسنده )) ( ٦٦٦٨) نحوه .
(٣) الجعاد: جمع جعد، وهو المجتمع الخَلق .
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٩٥/٢)، ورواه الترمذي (٢٥٤٥) مختصراً .
(٥) رواه الترمذي (٢٥٦٢) .
٦٢٣

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
كجلدِ البعيرِ المقتَّبِ ، وإذا طيرُها كالبختِ ، وإذا فيها جاريةٌ ، فقلتُ :
يا جاريةُ؛ لمَنْ أنتِ ؟ فقالَتْ : لزيدِ بنِ حارثةَ ، وإذا في الجنَّةِ ما لا عينٌ
رأت، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خطر على قلبٍ بشرٍ)) (١) .
وقالَ كعبٌ : ( خلقَ اللهُ تعالى آدمَ عليهِ السَّلامُ بيدِهِ ، وكتبَ التوراةَ
بيدِهِ ، وغرسَ الجنَّةَ بيدِهِ، ثمَّ قالَ لها: تكلَّمِي، فقالَتْ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ
اَلْمُؤْمِنُونَ﴾﴾(٢) .
فهذهِ صفاتُ الجنَّةِ ذكرناها جملةً ثمَّ نقلناها تفصيلاً .
وقدْ ذكرَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ جملتَها فقالَ : ( إنَّ رمَّانَها مثلُ
الدلاءِ، وإنَّ أنهارَها لَمِنْ ماءٍ غيرِ آسنٍ (٣) ، وأنهارٌ منْ لبنٍ لم يتغيَّرْ طعمُهُ ،
وأنهارٌ مِنْ عسلٍ مصفىّ لمْ يصفِّهِ الرجالُ ، وأنهارٌ مِنْ خمرٍ لذَّةٍ للشاربينَ ،
لا تسفُّهُ الأحلامَ ولا تصدعُ منها الرؤوسُ .
وإنَّ فيها ما لا عينٌ رأتْ ، ولا أذنٌ سمعَتْ ، ولا خطر على قلبٍ بشرٍ ،
ملوكٌ ناعمونَ ، أبناءُ ثلاثٍ وثلاثينَ في سنٍّ واحدٍ ، طولُهُمْ ستونَ ذراعاً في
السماءِ ، كحلٌ جردٌ مردٌ ، قدْ أمنوا العذابَ واطمأنَّتْ بهمُ الدارُ .
(١) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (١١٠٢)، وابن عساكر في ( تاريخ
دمشق)) ( ١٩/ ٣٧٢)، والمقتب : عظيم الأقتاب وهي الأمعاء .
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٥٨)، وروى الحاكم في (( المستدرك))
(٣٩٢/٢) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: (( خلق الله جنة عدن وغرس
أشجارها بيده فقال لها : تكلمي ، فقالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ )).
(٣) أي: غير متغير، ليس كمياه الدنيا. ((إتحاف)) (١٠/ ٥٥١).
٦٢٤

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
وإنَّ أنهارَها لتجري على رضراضٍ مِنْ ياقوتٍ وزبرجدٍ (١)، وإنَّ عروقَها
ونخلَها وكرمَها اللؤلؤُ، وثمارَها لا يعلمُ علمَها إلاَّ اللهُ تعالى، وإنَّ ريحَها
ليُوجدُ مِنْ مسيرةِ خمسٍ مئة سنةٍ .
وإنَّ لهُمْ فيها خيلاً وإبلاً هفافةً (٢)، رحالُها وأزمَّتُها وسروجُها منْ
ياقوتٍ ، يتزاورونَ فيها .
وأزواجُهُمُ الحورُ العينُ ؛ كأنَّهنَّ بيضٌ مكنونٌ ، وإنَّ المرأةَ لتأخذُ بينَ
إصبعيها سبعينَ حلةً فتلبسُها ، فيُرىُ مُّ ساقِها مِنْ وراءِ تلكَ السبعينَ حِلةٌ .
قدْ طهّرَ اللهُ الأخلاقَ مِنَ السوءِ ، والأجسادَ مِنَ الموتِ ، لا يمتخطونَ
فيها ولا يبولونَ ولا يتغْوَّطونَ ، وإنَّما هوَ جشاءٌ ورشحُ مسكٍ ، لهم رزقُهُمْ
فيها بكرة وعشياً ، أما إنَّهُ ليسَ ليلٌ يكُّ ، الغدوُ على الرواحِ ، والرواحُ على
الغدوِّ .
وإنَّ آخرَ مَنْ يدخلُ الجنَّةَ وأدناهُم منزلةً ليُمدُّ لهُ في بصرِهِ وملكِهِ مسيرةً
مئةٍ عامٍ ، في قصورِ الذهبِ والفضةِ وخيامِ اللؤلؤِ ، ويُفسحُ لهُ في بصرِهِ حتى
ينظرَ إلى أقصاهُ كما ينظرُ إلى أدناهُ .
يُغدىُ عليهِم بسبعينَ ألفَ صحفةٍ مِنْ ذهبٍ ، ويُراح عليهمْ بمثلِها ، في كلِّ
صحفةٍ لونٌ ليسَ في الأخرى مثلُهُ، ويجدُ طعمَ آخرِهِ كما يجدُ طعمَ أوَّلِهِ .
(١) الرضراض : الحصى الصغار .
(٢) هفافة : سريعة السير .
٦٢٥

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
وإنَّ في الجنَّةِ لياقوتةً فيها سبعون ألفَ دارٍ ، في كلِّ دارٍ سبعونَ ألفَ
بيتٍ ، ليسَ فيها صدعٌ ولا ثقبٌ ) .
وقالَ مجاهدٌ : إنَّ أدنى أهلِ الجنَّةِ منزلةً لمَنْ يسيرُ في ملكِهِ ألفَ سنةٍ ،
يرى أقصاهُ كما يرى أدناهُ، وأرفعَهُمُ الذي ينظرُ إلى ربِّهِ بالغداةِ والعشيِّ(١).
وقالَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ : ليسَ أحدٌ مِنْ أهلِ الجنَّةِ إلَّ وفي يدِهِ ثلاثةُ
أسورةٍ ، سوارٌ مِنْ ذهبٍ، وسوارٌ مِنْ لؤلؤٍ، وسوارٌ مِنْ فضةٍ (٢).
وقالَ أبو هريرةَ : ( إنَّ في الجنَّةِ حوراءَ يُقالُ لها : العيناءُ ، إذا مشَتْ ..
مشى عن يمينها ويسارِها سبعون ألفَ وصيفةٍ وهيَ تقولُ : أينَ الآمرونَ
بالمعروفِ والنَّاهونَ عنِ المنكرِ ؟ ) .
٧٥٠
وقالَ يحيى بنُ معاذٍ : تركُ الدنيا شديدٌ، وفوتُ الجنَّةِ أشدُّ، وتركُ
الدنيا مهرُ الآخرةِ .
وقالَ أيضاً : في طلبِ الدنيا ذلُّ النُّفُوسِ ، وفي طلبِ الآخرةِ عزّ
التُّفُوسِ ، فيا عجباً لمَنْ يختارُ المذلةَ في طلبٍ ما يفنى، ويتركُ العزَّ في
طلبٍ ما يبقى !
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٢١)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم))
(٧٧)، ورواه الترمذي (٣٣٣٠) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)). ((إتحاف)) (٥٥٢/١٠).
٦٢٦

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
صفة الرؤية والنظر إلى وجه الله تعالى
قالَ اللهُ تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾.
وهذهِ الزيادةُ هيَ النظرُ إلى وجهِ اللهِ تعالى، وهيَ اللذَّةُ الكبرى التي
يُنسى فيها نعيمُ الجنَّةِ ، وقدْ ذكرنا حقيقتها في كتابِ المحبةِ ، وقدْ شهدَ لها
الكتابُ والسنةُ على خلافِ ما يعتقدُهُ أهلُ البدعةِ .
قالَ جريرُ بنُ عبدِ اللهِ البجليُّ : كَّا جلوساً عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ، فرأى القمرَ ليلةَ البدرِ فقالَ: (( إنَّكم سترونَ ربَّكم كما ترونَ هذا
القمرَ لا تضامونَ في رؤيتِهِ ؛ فإن استطعتُم ألاَّ تُغلبوا على صلاةٍ قبلَ طلوع
الشمسِ وقبلَ غروبِها .. فافعلوا)) ثمَّ قرأَ: ﴿وَسَيِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوع
الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِبِهَا﴾ وهوَ مُخرَّجٌ في ((الصحيحينِ))(١).
وروى مسلمٌ في (( الصحيحِ)) عنْ صهيبٍ قالَ: قرأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ قولَهُ تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ ﴾ قالَ: ((إذا دخلَ أهلُ
الجنَّةِ الجنَّةَ وأهلُ النَّارِ النَّارَ .. نادى منادٍ: يا أهلَ الجنَّةِ؛ إنَّ لكم عندَ اللهِ
موعداً يريدُ أنْ ينجزَكُمُوهُ، قالوا : ما هذا الموعدُ ؟! ألمْ يثقلْ موازينًا
ويبيضْ وجوهَنا ، ويدخلْنا الجنَّةَ ويجرْنا مِنَ النَّارِ؟! قالَ : فيُرفعُ
(١) صحيح البخاري (٥٥٤)، صحيح مسلم ( ٦٣٢) .
٦٢٧

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
الحجابُ وينظرونَ إلى وجهِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فما أُعطوا شيئاً أحبّ إليهمْ مِنَ
النَّظرِ إليهِ))(١) .
وقدْ روى حديثَ الرؤيةِ جماعةٌ مِنَ الصحابةِ ، وهذهِ هيَ غايةُ الحسنى
ونهايةُ النعمى، وكلُّ ما فصَّلناهُ مِنَ النِّعمِ عندَ هذهِ النعمةِ يُنسى ، وليسَ
السرورِ أهلِ الجنَّةِ عندَ سعادةِ اللقاءِ منتهىّ ، بلْ لاَ نسبةَ لشيءٍ مِنْ لذَّاتِ الجنَّةِ
إلى لذَّةِ اللقاءِ ، وقدْ أوجزنا الكلامَ ههنا لما فصَّلناهُ في كتابِ المحبةِ
والشوقِ والرضا ، فلا ينبغي أنْ تكونَ همةُ العبدِ مِنَ الجنَّةِ شيئاً سوى لقاءٍ
المولى ، فأمَّا سائرُ نعيم الجنَّةِ .. فإنَّهُ يشاركُ فيهِ البهيمةَ المسرحةَ في
المرعى .
(١) صحيح مسلم ( ١٨١).
٦٢٨

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
- فى سعة رحمة الله تعالى
باسـ
ختم به الكتاب على سبيل التفاؤل بذلك
-
فقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يعجبُهُ الفألُ(١)، وليسَ لنا مِنَ
الأعمالِ ما نرجو بهِ المغفرةَ ، فنقتدي برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في
التفاؤلٍ ، ونرجو أنَّ يختمَ عاقبتنا بالخيرِ في الدنيا والآخرةِ ، كما ختمنا
الكتابَ بذکرٍ رحمةِ الله تعالى .
فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَشَآءُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِنْ رَّحْمَةِ
اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَُّ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ
يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
ونحنُ نستغفرُ اللهَ تعالى مِنْ كلِّ ما زلَّتْ بهِ القدمُ ، أو طغى بهِ القلمُ في
كتابنا هذا وفي سائرٍ كتبنا .
ونستغفرُهُ منْ أقوالِنا التي لا توافقُها أعمالُنا .
ونستغفرُهُ ممَّ اذَّعيناهُ وأظهرناهُ مِنَ العلمِ والبصيرةِ بدينِ اللهِ تعالى معَ
التقصيرِ فيهِ .
(١) رواه البخاري (٥٧٥٦)، ومسلم (٢٢٢٤) .
٦٢٩

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
ونستغفرُهُ مِنْ كلِّ علمٍ وعملٍ قصدنا بهِ وجهَهُ الكريمَ ثمَّ خالطَهُ غيرُهُ .
ونستغفرُهُ مِنْ كلِّ وعدٍ وعدناهُ بهِ مِنْ أنفسِنا ثمَّ قصَّرنا في الوفاءِ بهِ .
ونستغفرُهُ مِنْ كلِّ نعمةٍ أنعمَ بها علينا فاستعملناها في معصيتِهِ .
ونستغفرُهُ منْ كلِّ تصريح وتعريضٍ بنقصانِ ناقصٍ وتقصيرِ مقصرٍ كنَّا
متصفینَ بهِ .
ونستغفرُهُ منْ كلِّ خطرةٍ دعتْنا إلى تصنُّعٍ وتكلُّفِ تزيّناً للنَّاسِ في كتابٍ
سطرناهُ ، أوْ كلامٍ نظمناهُ ، أو علمٍ أفدناهُ أوِ استفدناهُ .
ونرجو بعدَ الاستغفارِ منْ جميعِ ذلكَ كلِّهِ لنا ولمَنْ طالعَ كتابنا هذا أو
كتبَهُ أو سمعَهُ .. أنْ يكرمَهُ اللهُ تعالى بالمغفرة والرحمةِ والتَّجاوزِ عَنْ جميعِ
السيئاتِ ظاهراً وباطناً ؛ فإنَّ الكرمَ عميمٌ ، والرحمةَ واسعةٌ ، والجودَ على
أصنافِ الخلائقِ فائضٌ ، ونحنُ خلقٌ مِنْ خلقِ اللهِ تعالى ، لا وسيلةَ لنا إليهِ
إلاَّ فضلُهُ وكرمُهُ ؛ فقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهِ عزَّ
وجلَّ مئةَ رحمةٍ ، أنزلَ منها رحمةً واحدةً بينَ الجنِّ والإنسِ والطيرِ والبهائمِ
والهواءٌّ؛ فبها يتعاطفونَ وبها يتراحمونَ، وأَخَّرَ تسعاً وتسعينَ رحمةً يرحمُ
بها عبادَهُ يومَ القيامةِ))(١) .
ويُروىُ أنَّهُ إذا كانَ يومُ القيامةِ .. أخرجَ اللهُ تعالى كتاباً مِنْ تحتِ العرشِ
(١) رواه مسلم ( ٦٤٦٩)، وعند البخاري ( ٦٠٠٠) نحوه .
٦٣٠

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
فيهِ : إنَّ رحمتي سبقَتْ غضبي ، وأنا أرحم الراحمينَ ، فيخرجُ منَ النَّار مثلَ
أهلِ الجنَّةِ(١) .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يتجلَّى اللهُ عزَّ وجلَّ لنا يومَ
القيامةِ ضاحكاً فيقولُ: أبشروا معشرَ المسلمينَ ؛ فإنَّهُ ليسَ مِنْكم أحدٌ إلاَّ
وقدْ جعلتُ مكانَهُ في النَّارِ يهوديّاً أو نصرانياً))(٢).
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يُشفِّعُ اللهُ تعالى آدمَ يومَ القيامةِ مِنْ
جميعٍ ذريَّتِهِ في مئة ألفِ ألفٍ وعشرةِ آلافٍ ألفٍ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ يومَ القيامةِ
للمؤمنينَ : هلْ أحببتُم لقائي ؟
فيقولونَ : نعمْ يا ربّنا، فيقولُ: لِمَ ؟ فيقولونَ : رجَونا عفوَكَ
ومغفرتَكَ ، فيقولُ : قدْ أوجبتُ لكمْ مغفرتي)) (٤) .
(١) رواه عبد الرزاق في ((مصنفه)) (٢٠٨٥٨)، وروى البخاري (٧٤٢٢)، ومسلم
(١٥/٢٧٥١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم:
(( لما قضى الله الخلق .. كتب عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي)).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٠٧/٤ - ٤٠٨)، وروى مسلم (٢٧٦٧) من حديث
أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان يوم
القيامة .. دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول : هذا فكاكك من
النار)) .
(٣) رواه الطبراني في «الأوسط)) ( ٦٨٣٦).
(٤) رواه أحمد في (( المسند)) (٢٣٨/٥).
٦٣١

کتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
حر
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ : أخرجوا
مِنَ النَّارِ مَنْ ذكرَني يوماً أَوْ خافَني في مقامٍ)) (١) .
G
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا اجتمعَ أهلُ النَّارِ في النَّارِ
ومَنْ شاءَ اللهُ معَهُمْ منْ أهلِ القبلةِ .. قالَ الكفارُ للمسلمينَ : ألمْ تكونوا
مسلمينَ ؟! قالوا : بلى .
قالوا : ما أغنىُ عنْكُم إسلامُكُمْ إِذْ أنتُمْ معَنا في النَّارِ، فيقولونَ : كانَتْ
لنا ذنوبٌ فأُخذنا بها .
فيسمعُ اللهُ عزَّ وجلَّ ما قالوا ، فيأمرُ بإخراج مَنْ كانَ في النَّارِ مِنْ أهلِ
القبلةِ ، فيُخرجونَ ؛ فإذا رأى ذلكَ الكفارُ .. قالوا: يا ليتَنَا كَّا مسلمينَ
فنخرجَ كما أُخرجوا)) .
وقرأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ
مُسْلِمِينَ﴾(٢).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((للهُ أرحمُ بعبدِهِ المؤمنِ مِنَ
الوالدةِ الشفيقةِ بولدِها))(٣).
(١) رواه الترمذي (٢٥٩٤) .
(٢) رواه الحاكم في (( المستدرك)) (٢٤٢/٢) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله
عنه ، وعند النسائي في ((الكبرى)) (١١٢٠٧) نحوه من حديث جابر رضي الله عنه .
(٣) رواه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤) .
٦٣٢

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
وقالَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ : ( مَنْ زادَتْ حسناتُهُ على سيئاتِهِ يومَ القيامةِ ..
فذاكَ الذي يدخلُ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ ، ومَنِ استوَتْ حسناتُهُ وسيئاتُهُ ..
فذاكَ الذي يُحاسَبُ حساباً يسيراً ثمَّ يدخلُ الجنَّةَ ، وإنَّما شفاعةُ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَنْ أوبقَ نفسَهُ وأثقلَ ظهرَهُ)(١).
ويُروى أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قالَ لموسىُ عليهِ السَّلامُ : ( يا موسىُ ؛ استغاثَ
بكَ قارونُ فلمْ تغْهُ، وعزَّتي وجلالي ؛ لوِ استغاثَ بي .. لأغثتُهُ وعفوتُ
عنهُ)(٢) .
وقالَ سعدُ بنُ بلالٍ (٣): يُؤمرُ يومَ القيامةِ بإخراج رجلينٍ مِنَ النَّارِ ،
فيقولُ اللهُ تباركَ وتعالى : ذلكَ بما قدَّمَتْ أيديكما وما أنا بظلام للعبيدِ ،
ويأمرُ بردِّهِما إلى النَّارِ ، فيعدو أحدُهُما في سلاسلِهِ حتى يقتحمَها ، ويتلكَأُ
الآخرُ ، فيُؤْمرُ بردِّهما ويسألُهُما عن فعلِهِما .
فيقولُ الذي عدا إلى النَّارِ : قدْ ذقتُ مِنْ وبالِ المعصيةِ ما لمْ أكنْ أتعرَّضُ
لسخطِكَ ثانيةً .
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤١٣/٢٧).
(٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٩٨/٦١).
(٣) قال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٥٦١/١٠): ( كذا في بعض النسخ ، وفي
بعضها : سعيد بن بلال ، وكل منهما خطأ ، والصواب : بلال بن سعد ، هو ابن تميم
الأشعري أو الكندي ، أبو عمرو أو أبو زرعة الدمشقي العابد الفاضل ... ) .
٦٣٣

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
ويقولُ الذي تلكَّأَ : حسْنُ ظِنِّي بكَ كانَ يشعرُني ألَّ تردّني إليها بعدَما
أخرجتَنَي مِنْها، فيأمرُ بهما إلى الجنَّةِ(١).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ينادي منادٍ مِنْ تحتِ العرشِ
يومَ القيامةِ: يا أمَّةَ محمَّدٍ ؛ أمَّا ما كانَ لي قِبَلَكُمْ .. فقدْ وهبتُهُ لكُمْ،
وبقيَتِ التبعاتُ فتواهبوها، وادخلوا الجنَّةَ برحمتي)) (٢).
ويُروى أنَّ أعرابياً سمعَ ابنَ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ يقرأُ: ﴿وَكُنْتُمْ عَ شَفَا
حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِّنْهَا﴾ فقالَ الأعرابيُّ: واللهِ ؛ ما أنقذَهُم مِنْها وهوَ يريدُ
أنْ يوقعَهُم فيها .
فقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( خذوها مِنْ غيرِ فقيهٍ )(٣) .
وقالَ الصنابحيُّ : دخلتُ على عبادةَ بنِ الصامتِ وهوَ في مرضٍ
الموتِ ، فبكيتُ ، فقالَ : مهلاً ؛ لِمَ تبكي ؟ فواللهِ ، ما مِنْ حديثٍ
سمعتُهُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لكم فيهِ خيرٌ .. إلاَّ حدثتكموهُ إلاَّ
حديثاً واحداً ، وسوفَ أحدٌتُكُموهُ اليومَ وقدْ أُحيطَ بنفسي ، سمعتُ
رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: (( مَنْ شهدَ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأنَّ
(١) رواه أبو نعيم في « الحلية)) (٢٢٦/٥) من حديث بلال بن سعد .
(٢) رواه الديلمي في ((الفردوس بمأثور الخطاب)) (٨٨٧١) من حديث أنس رضي الله
عنه .
(٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ٥٠٧) .
٦٣٤

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
محمَّداً رسولُ اللهِ .. حرَّمَ اللهُ عليهِ النَّارَ))(١).
وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إنَّ اللهَ سيخلصُ رجلاً مِنْ أمَّتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ ، فينشرُ
عليهِ تسعةً وتسعينَ سجلاً ، كلُّ سجلٍّ مثلُ مدِّ البصرِ .
ثمَّ يقولُ: أتنكرُ مِنْ هذا شيئاً؟ أظلمَكَ كتبَتَي الحافظونَ ؟ فيقولُ :
لا يا ربِّ .
فيقولُ : أفلكَ عذرٌ ؟ فيقولُ : لا يا ربِّ .
فيقولُ: بلى ، إنَّ لكَ عندَنا حسنةً ، وإنَّهُ لا ظلمَ عليكَ اليومَ ، فيخرجُ
بطاقةً فيها : أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ ،
فيقولُ: يا ربِّ؛ ما هذهِ البطاقةُ معَ هذهِ السجلاَتِ ؟! فيُقالُ: إنَّكَ
لا تُظُلمُ .
قالَ : فتُوضعُ السجلَتُ في كفَّةٍ والبطاقةُ في كفَّةٍ ، فطاشَتِ السجلاتُ
وثقلَتِ البطاقةُ، فلا يثقلُ معَ اسمِ اللهِ شيءٌ))(٢).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في آخرِ حديثٍ طويلٍ يصفُ فيهِ
القيامةَ والصِّراطَ: ((إِنَّ اللهَ تعالى يقولُ للملائكةِ : مَنْ وجدتُمْ في قلبهِ مثقالَ
(١) رواه مسلم (٢٩) .
(٢) رواه الترمذي (٢٦٣٩)، وابن ماجه (٤٣٠٠).
٦٣٥

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
دينارٍ مِنْ خيرٍ .. فأخرجُوهُ مِنَ النَّارِ ، فيخرجونَ خلقاً كثيراً ، ثمَّ يقولونَ:
ربَّنا؛ لَمْ نذرْ فيها أحداً ممَّنْ أمرتَنَا بهِ ، ثمَّ يقولُ : ارجعوا ، فمَنْ وجدتُم
في قلبِهِ مثقالَ نصفِ دينارٍ مِنْ خيرٍ .. فأخرجوهُ ، فيخرجونَ خلقاً كثيراً ، ثمّ
يقولونَ : ربَّنا؛ لَمْ نذرْ فيها أحداً ممَّنْ أمرتَنَا ، ثمَّ يقولُ: ارجعوا ، فمَنْ
وجدتَمَ في قلبِهِ مثقال ذرَّةٍ مِنْ خيرٍ .. فأخرجوهُ، فيخرجونَ خلقاً كثيراً ، ثمّ
يقولونَ : ربَّنا؛ لَمْ نذرْ فيها خيراً )) .
فكانَ أبو سعيد الخدريُّ يقولُ : إنْ لم تصدقُوني بهذا الحديثِ ..
فاقرؤوا إنْ شئتُمْ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةُ يُضَعِفُهَا وَيُؤْتٍ مِنْ
لَّدُنَّهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ .
((فيقولُ اللهُ تعالى : شفعَتِ الملائكةُ، وشفعَ النبيُّونَ ، وشفعَ
المؤمنونَ ، ولم يبقَ إلاَّ أرحم الراحمينَ ، فيقبضُ قبضةً فيخرجُ منها قوماً لمْ
يعملوا خيراً قطُّ قدْ عادوا حمماً ، فيلقيهمْ في نهرٍ في أفواهِ الجنَّةِ يُقالُ لهُ :
نهرُ الحياةِ ، فيخرجونَ منهُ كما تخرجُ الحِبَّةُ في حميلِ السيلِ ، ألا ترونَها
تكونُ ممَّا يلي الحجرَ أو الشجرَ ، ما يكونُ إلى الشمسِ أصفرُ وأخضرُ ،
وما يكونُ مِنْها إلى الظلِّ أبيضُ)).
فقالوا : يا رسولَ اللهِ ؛ كأنَّكَ كنتَ ترعى بالباديةِ .
قالَ: (( فيخرجونَ كاللؤلؤِ في رقابِهِمْ الخواتيمُ، يعرفُهُمْ أهلُ الجنَّةِ
يقولونَ: هؤلاءِ عتقاءُ اللهِ الذينُ أدخلَهُمُ اللهُ الجنَّةَ بغيرِ عملٍ عملوهُ ولا خيرٍ
٦٣٦

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
قدَّموهُ ، ثمَّ يقولُ : ادخلوا الجنَّةَ ، فما رأيتُم .. فهوَ لكُمْ .
فيقولونَ : ربَّنا ؛ أعطيتَنَا ما لمْ تعطِ أحداً مِنَ العالمينَ ، فيقولُ اللهُ
تعالى: لكُمْ عندي أفضلُ مِنْ هذا، فيقولونَ: يا ربَّنا ؛ أيُّ شيءٍ أفضلُ مِنْ
هذا ؟!
فيقولُ : رضائي عنْكُم فلا أسخطُ عليكُمْ بعدَهُ أبداً)) رواه البخاريُّ
ومسلمٌ في ((صحيحيهما))(١) .
وروى البخاريُ أيضاً عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما قالَ : خرجَ علينا
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ فقالَ: (( عُرضَتْ عليَّ الأممُ ، يمرُّ
النبيُّ معَهُ الرجلُ ، والنبيُّ معَهُ الرجلانِ ، والنبيُّ ليسَ معَهُ أحدٌ ، والنبيُّ معهُ
الرهطُ ، فرأيتُ سواداً كثيراً فرجوتُ أنْ تكونَ أمَّتي ، فقيلَ لي : هذا موسى
وقومُهُ ، ثمَّ قيلَ لي : انظرْ ، فرأيتُ سواداً كثيراً قدْ سدّ الأفقَ ، فقيل لي :
انظرْ هكذا وهكذا ، فرأيتُ سواداً كثيراً ، فقيل لي: هؤلاءِ أمَّتُكَ ، ومعَ
هؤلاءِ سبعون ألفاً يدخلونَ الجنَّةَ بغيرِ حسابٍ )) .
فتفرَّقَ النَّاسُ ولمْ يبيِّنْ لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فتذاكرّ ذلكَ
أصحابُهُ فقالوا : أمَّا نحنُ .. فوُلدنا في الشِّركِ، ولكنَّا آمنًّا باللهِ ورسولِهِ ،
هؤلاءِ همْ أبناؤُنا، فبلغَ ذلكَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: ((همُ
(١) صحيح البخاري (٧٤٣٩)، صحيح مسلم ( ١٨٣ ).
٦٣٧

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
الذينَ لا يكتوون، ولا يسترقونَ، ولا يتطيّرونَ ، وعلىُ ربِّهِمْ
يتوَّلُونَ )).
فقامَ عَكَّاشةُ فقالَ : أنا مِنْهُم يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: (( نعمْ)) ثمَّ قامَ آخرُ
فقالَ: أنا مِنْهم يا رسولَ اللهِ ؟ فقالَ: ((سبقَكَ بِها عكَّاشةُ))(١) .
وعَنْ عمرٍو بنِ حزم الأنصاريِّ قالَ : تغيَّبَ عنَّا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ثلاثاً لا يخرجُ إلَّ لصلاةٍ مكتوبةٍ ثُمَّ يرجعُ ، فلمَّا كانَ اليومُ الرابعُ ..
خرجَ إلينا ، فقلنا : يا رسولَ اللهِ ؛ احتبستَ عنَّا حتى ظننَّا أنَّهُ قدْ حدثَ
حدثٌ ، قالَ: ((لمْ يحدثْ إلَّ خيرٌ، إنَّ ربي عزَّ وجلَّ وعدَني أنْ يدخلَ مِنْ
أمَّتي الجنَّةَ سبعينَ ألفاً لا حسابَ عليهِمْ، وإنِّي سألتُ ربي في هذهِ الثلاثةِ
الأيامِ المزيدَ ، فوجدتُ ربي ماجداً واجداً كريماً ، فأعطاني معَ كلٌّ واحدٍ مِنَ
السبعينَ ألفاً سبعينَ ألفاً )).
قالَ: ((قلتُ: يا ربِّ؛ وتبلغُ أمَّتي هذا؟ قالَ: أكملُ لكَ العددَ مِنَ
الأعرابِ)) (٢) .
وقالَ أبو ذرٍّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((عرضَ لي جبريلُ
في جانبِ الحرّةِ فقالَ : بشِّرْ أمَّتَكَ أنَّهُ مَنْ ماتَ لا يشركُ باللهِ شيئاً دخلَ
ـجر
٢
جن
(١) صحيح البخاري ( ٥٧٥٢ ).
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٤٢٩/١).
٦٣٨

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
الجنَّةَ ، فقلتُ : يا جبريلُ ؛ وإنْ سرقَ وإنْ زنى؟ قالَ : نعمْ ، وإنْ
سرقَ وإنْ زنى ، قلتُ : وإنْ سرقَ وإنْ زنى؟ قالَ : وإنْ سرقَ وإنْ زنى ،
قلتُ : وإنْ سرقَ وإنْ زنى؟ قالَ : وإنْ سرقَ وإنْ زنى وإن شربَ
الخمرَ))(١).
وقالَ أبو الدرداءِ: قرأَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ
رَبِِّ جَنَّثَانِ﴾، فقلتُ: وإنْ زنى وإنْ سرقَ يا رسولَ اللهِ؟ فقالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ
مَقَامَ رَبِّهِ جَّكَانِ﴾، فقلتُ: وإنْ زنى وإنْ سرقَ؟ فقالَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ،
◌ََّانِ﴾، فقلتُ: وإنْ زنى وإنْ سرقَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((وإنْ رغِمَ أنفُ
أبي الدرداءِ))(٢).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا كانَ يومُ القيامةِ .. دُفعَ إلى
كلِّ مؤمنٍ رجلٌ مِنْ أهلِ المللِ فقيلَ لهُ : هذا فداؤُكَ مِنَ النَّارِ ))(٣).
وروى مسلمٌ في (( الصحيح)) عنْ أبي بردةَ : أنَّهُ حدَّثَ عمرَ بنَ عبدٍ
(١) رواه البخاري (٦٤٤٣)، ومسلم (٣٣/٩٤).
(٢) رواه النسائي في ((الكبرى)) (١١٤٩٧)، وفي (ب): (أبو ذر) بدل ( أبو الدرداء )
وهي رواية البخاري (٥٨٢٧) ومسلم (٩٤) ولفظهما: (( ما من عبد قال : لا إله
إلا الله ثم مات على ذلك .. إلاَّ دخل الجنة، قلت ، وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن
زنى وإن سرق ، قلت : وإن زنى وإن سرق ؟ قال : وإن زنى وإن سرق ، قلت : وإن
زنى وإن سرق ؟ قال: وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي ذرِّ )».
(٣) رواه مسلم ( ٢٧٦٧) بنحوه .
٦٣٩

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
G
العزيزِ عنْ أبيهِ أبي موسى، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: (( لا يموتُ
رجلٌ مسلمٌ إلاَّ أدخلَ اللهُ تعالى مكانَةُ النَّارَ يهوديّاً أو نصرانيّاً » .
فاستحلفَهُ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ : باللهِ الذي لا إلهَ إلاَّ هوَ ثلاثَ مرَّاتٍ ؛
أنَّ أباهُ حدَّثَةً عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فحلفَ لهُ(١).
ورُوي أنَّهُ وقفَ صبيٌّ في بعضِ المغازي يُنادى عليه فيمَنْ يزيدُ في يومٍ
صائفٍ شديدِ الحرِّ ، فبصرَتْ بهِ امرأةٌ في خباءِ القوم ، فأقبلَتْ تشتدُّ ، وأقبلَ
أصحابُهَا خلفَها، حتى أخذَتِ الصبيَّ وألصقَتْهُ إلى بطنِها، ثمَّ ألقَتْ ظهرَها
على البطحاءِ وجعلَتْهُ على بطنِها تقيهِ الحرَّ وقالَتْ: ابني ابني ، فبكى النَّاسُ
وتركوا ما هُمْ فيهِ ، فأقبلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتى وقفَ عليهِمْ ،
فأخبروهُ الخبرَ ، فسُرَّ برحمتِهِمْ ثمَّ بِشَّرَهُمْ فقالَ: ((أعجبتُمْ منْ رحمةِ هذهِ
لابنِها؟)) قالوا: نعمْ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((فإنَّ اللهَ تباركَ وتعالى
أرحمُ بُكُمْ جمیعاً مِنْ هذهِ بابنها » .
فتفرَّقَ المسلمونَ على أفضلِ السرورِ وأعظمِ البشارةِ (٢).
فهذهِ الأحاديثُ وما أوردناهُ في كتابِ الرجاءِ ، يبشِّرُنا بسعةِ رحمةِ اللهِ
(١) صحيح مسلم ( ٢٧٦٧ /٥٠) .
(٢) رواه البخاري ( ٥٩٩٩)، ومسلم ( ٢٧٥٤) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه
مع اختلاف .
وقد ختم المصنف كتابه بهذا الحديث العظيم الوقع في القلوب لأمور :
11
٦٤٠