Indexed OCR Text
Pages 541-560
ربع المنجيات کتاب ذکر الموت فالأمرُ إليكَ والاستعدادُ بيديكَ ، فاعملْ في أيام قصارٍ لأيامٍ طوالٍ .. تربحْ ربحاً لا منتهى السرورِهِ ، واستحقرْ عمرَكَ ، بلْ عمرَ الدنيا وهو سبعةُ آلافٍ سنةٍ ؛ فإنَّكَ لوْ صبرتَ سبعةَ آلافِ سنةٍ مثلاً لتتخلصَ مِنْ يومِ مقدارُهُ خمسونَ ألفَ سنةٍ .. لكانَ ربحُكَ كثيراً وتعبُك يسيراً . ٥٤١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات صفة يوم القيامة، ودواحيها، وأساميها فاستعدَّ يا مسكينُ لههذا اليوم العظيمِ شأنُهُ ، المديدِ زمانُهُ ، القاهرِ سلطانُهُ ، القريبِ أوانُهُ ، يومٌ ترى السماءَ فيهِ قدِ انفطرَتْ ، والكواكبَ مِنْ هولِهِ قدِ انتثرَتْ ، والنجومَ الزواهرَ قدِ انكدرَتْ، والشمسَ فيهِ قدْ كُوِّرَتْ ، والجبالَ قد سُيَِّتْ، والعشارَ قدْ عطّلَتْ، والوحوشَ قدْ حُشرَتْ ، والبحارَ قدْ سُجِّرَتْ، والنفوسَ إلى الأبدانِ قدْ زُوِّجَتْ، والجحيمَ قدْ سُعِّرَتْ ، والجنَّةَ قدْ أُزْلِفَتْ، والجبالَ قدْ نُسفَتْ، والأرضَ قَدْ مُدَّتْ . يومٌ ترى الأرضَ قدْ زُلزِلَتْ فيهِ زلزالَها، وأخرجَتِ الأرضُ أثقالَها ، يومَئذٍ يصدرُ الناسُ أشتاتاً لِيُرُوا أعمالَهُمْ. يومٌ حُمَلَتْ فيهِ الأرضُ والجبالُ فدُكَّتَا دَكَّةً واحدةً ، فيومَئذٍ وقعَتِ الواقعةُ، وانشقَّتِ السماءُ فهي يومَئذٍ واهيةٌ ، والملكُ على أرجائِها ويحملُ عرشَ ربِّكَ فوقَهمْ يومَئذٍ ثمانيةٌ ، يومَئذٍ تُعرضونَ لا تخفى منكم خافيةٌ . c يومٌّ تُسيَّرُ فيهِ الجبالُ وترى الأرضَ بارزةً . يومٌ رُجَّتِ الأرضُ فيهِ رجّاً ، وبُسَتِ الجبالُ بسّاً ، فكانَتْ هباءً منبئاً . يومٌ يكونُ الناسُ كالفراشِ المبثوثِ ، وتكونُ الجبالُ كالعهنِ المنفوشِ . يومٌ تذهلُ فيهِ كلُّ مرضعةٍ عمَّا أرضعَتْ ، وتضعُ كلُّ ذاتٍ حملٍ حملَها ، وترى الناسَ سُكارى وما همْ بسُكارى ، ولكنَّ عذابَ اللهِ شديدٌ . ٥٤٢ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت يومٌ تُبُدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ ، وبرزوا للهِ الواحدِ القهارِ . يومٌ تُنُسفُ فيهِ الجبالُ نسفاً ، فتُركُ قاعاً صفصفاً ، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً . يومٌ ترى الجبالَ تحسبها جامدةً وهيّ تمرُّ مرَّ السحابِ . يومٌ انشقَّتْ فيهِ السماءُ فكانَتْ وردةً كالدِّهانِ ، فيومَئذٍ لا يُسألُ عنْ ذنِهِ إنسٌ ولا جانٌ . ـون يومٌ يُمنعُ فيهِ العاصي مِنَ الكلامِ ، ولا يُسألُ فيهِ عنِ الإجرامِ ، بلْ يُؤخذُ بالنواصي والأقدام . يومٌ تجدُ كلُّ نفسٍٍ ما عملَتْ مِنْ خيرٍ محضراً ، وما عملَتْ مِنْ سوء تودّ لوْ أنَّ بينَها وبينَهُ أمداً بعيداً . يومٌ تعلمُ فيهِ كلُّ نفسٍ ما أحضرَتْ ، وتشهدُ ما قدَّمَتْ وأَخَّرَتْ . يومٌ تخرسُ فيهِ الألسنُ وتنطقُ الجوارحُ . يومٌ شَيِّبَ ذكرُهُ سيِّدَ المرسلينَ؛ إذْ قالَ لهُ الصِّدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ: أراكَ قدْ شبتَ يا رسولَ اللهِ ، فقالَ: (( شيَّبَتْني هودٌ وأخواتُها : الواقعةُ ، والمرسلاتُ، وعمَّ يتساءلونَ، وإذا الشمسُ كُوَّرَتْ))(١). فيا أيُّها القارىءُ العاجزُ ؛ إنَّما حظُّكَ مِنْ قراءتِكَ أن تمجمجَ القرآنَ (١) رواه الترمذي ( ٢٢٩٧) . ٥٤٣ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وتحركَ بهِ اللسانَ ، ولوْ كنتَ متفكِّراً فيما تقرؤُهُ .. لكنتَ جديراً بأنْ تنشقَّ مرارتُكَ فيما شابَ منهُ شعرُ سيِّدِ المرسلينَ صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهِ ، وإذا قنعتَ بحركةِ اللسانِ .. فقدْ حُرمتَ ثمرةَ القرآنِ ؛ فالقيامةُ أحدُ ما ذُكرَ فيها . وقدْ وصفَ اللهُ تعالى بعضَ دواهيها وأكثرَ أساميَها ؛ لتقفَ بكثرةِ أساميها على كثرةِ معانيها ، فليسَ المقصودُ بكثرةِ الأسامي تكريرَ الأسامي والألقابِ ، بلِ الغرضُ تنبيهُ أولي الألبابِ ؛ فتحتَ كلِّ اسمٍ مِنْ أسماءِ القيامةِ سٌّ، وفي كلِّ نعتٍ مِنْ نعوتِها معنىّ ، فاحرصْ على معرفةِ معانيها ، ونحنُ الآنَ نجمعُ لكَ أساميَها : فهيَ يومُ القيامةِ ، ويومُ الحسرةِ ، ويومُ النَّدامةِ ، ويومُ المحاسبةِ ، ويومُ المساءلةِ ، ويومُ المسابقةِ ، ويومُ المناقشةِ ، ويومُ المنافسةِ ، ويومُ الزَّلزلةِ ، ويومُ الدَّمدمةِ ، ويومُ الصَّاعقةِ ، ويومُ الواقعةِ ، ويومُ القارعةِ ، ويومُ الرَّاجفةِ، ويومُ الرَّادفةِ ، ويومُ الغاشيةِ، ويومُ الدَّاهيةِ، ويومُ الآزفةِ ، ويومُ الحاقَّةِ ، ويومُ الطَّامَّةِ، ويومُ الصَّاخَّةِ ، ويومُ التَّلاقِ ، ويومُ الفراقِ ، ويومُ المساقِ ، ويومُ القصاصِ ، ويومُ التََّادِ ، ويومُ الحسابِ ، ويومُ المآبِ ، ويومُ العذابِ ، ويومُ الفرارِ ، ويومُ القرارِ ، ويومُ اللقاءِ ، ويومُ البقاءِ ، ويومُ القضاءِ ، ويومُ الجزاءِ ، ويومُ البلاءِ ، ويومُ البكاءِ ، ويومُ الحشرِ ، ويومُ الوعدِ ، ويومُ العرضِ ، ويومُ الوزنِ ، ويومُ الحقِّ ، ويومُ الحكم ، ويومُ الفصلِ ، ويومُ الجمعِ ، ويومُ البعثِ ، ويومُ الفتحِ ، ويومُ الخزى ، ويومٌ عظيمٌ ، ويومٌ عقيمٌ، ويومٌ عسيرٌ ، ويومُ الدِّينِ ، ويومُ ٥٤٤ ٠ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات اليقينِ ، ويومُ النُّشورِ ، ويومُ المصيرِ ، ويومُ النفخةِ ، ويومُ الصَّيحةِ ، ويومُ الرَّجفةِ، ويومُ الرَّجَّةِ، ويومُ الزَّجرةِ ، ويومُ السَّكرةِ ، ويومُ الفزع ، ويومُ الجزع ، ويومُ المنتهى ، ويومُ المأوى ، ويومُ الميقاتِ ، ويومُ الميعادِ ، ويومُ المرصادِ ، ويومُ القلقِ ، ويومُ العرقِ ، ويومُ الافتقارِ ، ويومُ الانكدارِ ، ويومُ الانتشارِ ، ويومُ الانشقاقِ ، ويومُ الوقوفِ ، ويومُ الخروجِ ، ويومُ الخلودِ ، ويومُ الوعيدِ ، ويومُ التغابنِ ، ويومٌ عبوسٌ ، ويومٌ معلومٌ، ويومٌ موعودٌ، ويومٌ مشهودٌ ، ويومٌ لا ريبَ فيهِ ، ويومٌ تُبُلى السرائرُ . ويومٌ لا تجزي نفسٌ عنْ نفسٍ شيئاً ، ويومٌ تشخصُ فيهِ الأبصارُ ، ويومٌ لا يغني مولىّ عنْ مولىّ شيئاً، ويومٌ لا تملكُ نفسٌ لنفسٍ شيئاً ، ويومٌ يُدُّون إلى نارِ جهنَّمَ دعّاً ، ويومٌ يُسحبونَ في النارِ على وجوهِهمْ ، ويومٌ تُقُلَّبُ وجوهُهُمْ في النَّارِ ، ويومٌّ لا يجزي والدٌ عن ولدِهِ شيئاً ، ويومٌ يفرّ المرءُ مِنْ أخيهِ وأمُّهِ وأبيهِ ، ويومٌ لا ينطقونَ ولا يُؤْذِنُ لهم فيعتذرونَ ، ويومٌ لا مردَّ لهُ مِنَ اللهِ، ويومٌ همْ بارزونَ، ويومٌ هم على النارِ يُفتنونَ ، ويومٌ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ ، ويومٌ لا تنفعُ الظالمينَ معذرتُهُمْ ولهمُ اللعنةُ ولهمْ سوءُ الدارِ ، ويومٌ رُدَّتْ فيهِ المعاذيرُ وبُليَتِ السرائرُ وظهرَتِ الضمائرُ وكُشِفَتِ الأستارُ ، ويومٌ خشعَتِ الأبصارُ وسكنَتِ الأصواتُ وقلَّ الالتفاتُ وبرزَتِ الخفيَّاتُ وظهرَتِ الخطيئاتُ ، ويومٌ يساقُ العبادُ ومعَهمُ الأشهادُ ، وشابَ الصغيرُ وسكرَ الكبيرُ ، فيومَئذٍ وُضعَتِ الموازينُ ونُشرَتِ الدواوينُ ، ٥٤٥ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات وبُرِّزَتِ الجحيمُ وأُغليَ الحميمُ ، وزفرَتِ النارُ ويئسَ الكفارُ ، وسُعِّرَتِ النيرانُ وتغيَّرَتِ الألوانُ ، وخرسَ اللسانُ ونطقَتْ جوارحُ الإنسانِ . فيا أيُّها الإنسانُ ؛ ما غرَّكَ بربِّكَ الكريمِ حيثُ أغلقتَ الأبوابَ وأرخيتَ الستورَ ، واستترتَ عنِ الخلائقِ فقارفتَ الفجورَ؟! فماذا نفعَكَ وقدْ شهدَتْ عليكَ جوارحُكَ ؟! فالويلُ كلُّ الويلِ لنا معاشرَ الغافلينَ ، يرسلُ اللهُ لنا سيِّدَ المرسلينَ وينزِّلُ عليهِ الكتابَ المبينَ ، ويخبرُنا بهذهِ الصفاتِ مِنْ نعوتِ يومِ الدينِ ، ثمَّ يعرِّفُنا غفلتَنَا ويقولُ: ﴿اقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ هُ مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّهِمْ تُحْدَثٍ إِلَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾، ثُمَّ يعرِّفُنا قربَ القيامةِ فيقولُ: ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ﴿ إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا : ﴿هُ وَنَرَنَّهُ قَرِيبًا﴾، ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ثمَّ يكونُ أحسنُ أحوالِنا أن نتخذَ دراسةَ هذا القرآنِ عملاً ، فلا نتدبرُ معانيَهُ ، ولا ننظرُ في كثرةٍ أوصافِ هذا اليوم وأساميهِ ، ولا نستعدُّ للفرارِ مِنْ دواهيهِ ، فنعوذُ باللهِ مِنْ هذهِ الغفلةِ إنْ لمْ يتداركْنا اللهُ بواسعٍ رحمتِهِ . ٥٤٦ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت صفة المساءلة ثمَّ تفكّرْ يا مسكينُ بعدَ هذهِ الأهوالِ فيما يتوجَّهُ عليكَ مِنَ السؤالِ شفاهاً مِنْ غيرِ ترجمانٍ ، فتُسألُ عنِ القليلِ والكثيرِ ، والنقيرِ والقطميرِ ، فبينا أنتَ في كربِ القيامةِ وعرقِها وشدَّةِ عظائمِها ؛ إذْ نزلَتْ ملائكةٌ مِنْ أرجاءِ السماءِ بأجسامٍ عظامٍ وأشخاصٍ ضخام ، غلاظُ شدادٌ ، أُمروا أنْ يأخذوا بنواصي المجرمينَ إلى موقفِ العرضِ على الجبَّارِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهِ عزَّ وجلَّ ملكاً ما بينَ شفري عينيهِ مسيرةُ مئةٍ عامٍ))(١) فما ظنَّكَ بنفسِكَ إذا شاهدتَ مثلَ هؤلاءِ الملائكةِ أُرسلوا إليكَ ليأخذوكَ إلى مقامِ العرضِ ، وتراهمْ على عظمٍ أشخاصِهِمْ منكسرينَ لشدَّةِ اليوم ، مستشعرينَ ممَّا بدا مِنْ غضبِ الجبارِ على عبادِهِ ، وعندَ نزولِهِمْ لا يبقى نبيٌّ ولا صديقٌ ولا صالحٌ إلَّ ويخرُّون الأذقانِهِمْ خوفاً مِنْ أنْ يكونوا همُ المأخوذينَ ، فهذا حالُ المقرّبينَ ، فما ظنُّكَ بالعصاةِ المجرمينَ ؟! وعندَ ذلكَ يبادرُ أقوامٌ مِنْ شدةِ الفزع فيقولونَ للملائكةِ : أفيكمْ ربُّنا ؟ وذلكَ لعظمٍ موكبِهِمْ وشدةِ هيبتِهِمْ ، فتفزعُ الملائكةُ مِنْ سؤالِهِمْ إجلالاً لخالقِهِمْ عنْ أنْ يكونَ فيهمْ ، فنادوا بأصواتِهِم منزِّهينَ لمليكِهِمْ عمَّا توقَّمَهُ (١) قال الحافظ العراقي: ( لم أره بهذا اللفظ). ((إتحاف)) (١٠ /٤٦٥)، وشفري عينيه : أي : طرفيهما . ٥٤٧ 0 کتاب ذکر الموت ربع المنجيات أهلُ الأرضِ وقالوا : سبحانَ ربّنا ما هوَ فينا ، ولكنَّهُ آتٍ مِنْ بعدُ . وعندَ ذلكَ تقومُ الملائكةُ صفاً محدقينَ بالخلائقِ مِنَ الجوانبِ ، وعلى جميعِهِمْ شعارُ الذلِّ والخضوعِ وهيئةُ الخوفِ والمهابةِ ؛ لشدَّةِ اليومِ . وعندَ ذلكَ يصدقُ اللهُ تعالى قولَهُ: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ فَلَنَقُضَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلِّمٍ وَمَا كُنَّا غَيِينَ﴾، وقولَهُ : وَلَنَسْئَلَّ الْمُرْسَلِينَ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينٌّ لَهُ عَمَّا كَانُوْ يَعْمَلُونَ﴾. فيبدأُ سبحانَهُ بالأنبياءِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَّاً إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّهُ الْغُيُوبٍ ﴾، فيا لشدَّةِ يومٍ تذهلُ فيهِ عقولُ الأنبياءِ ، وتنمحي علومُهُمْ مِنْ شدَّةِ الهيبةِ ؛ إذْ يُقالُ لهمْ: ماذا أُجبتُم وقدْ أُرسلتُم إلى الخلائقِ ، وكانوا قدْ علموا ، فتدهشُ عقولُهُمْ فلا يدرونَ بماذا يجيبونَ ، فيقولونَ مِنْ شذّةِ الهيبةِ: لا علمَ لنا إنَّكَ أنتَ علَّمُ الغيوبِ ! وهمْ في ذلكَ الوقتِ صادقونَ ؛ إذْ طارَتْ فيهِ العقولُ وانمحَتِ العلومُ إلى أنْ يقويَهُمُ اللهُ تعالى . فيُدعى نوحٌ عليهِ السَّلامُ فيُقالُ لهُ : هلْ بِلَّغتَ ؟ فيقولُ : نعمْ، فيُقالُ لِأَمَّتِهِ : هلْ بلَّغَكُمْ؟ فيقولونَ : ما أتانا مِنْ نذيرٍ . ويُؤتى بعيسىُ عليهِ السَّلامُ فيقولُ اللهُ تعالى لهُ : أأنتَ قلتَ للنَّاس اتخذوني وأميَ إلهينِ مِنْ دونِ اللهِ ؟ فيبقى متشحطاً تحتَ هيبةِ هذا السؤالِ سنينَ ، فيا لعظمٍ يومٍ تَقَامُ فيهِ السِّياسةُ على الأنبياءِ بمثلِ هذا السؤالِ ! ثمَّ تقبلُ الملائكةُ فينادونَ واحداً واحداً : يا فلانُ بنَ فلانةَ ؛ هلمَّ إلى ٥٤٨ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت موقفِ العرضِ ، وعندَ ذلكَ ترتعدُ الفرائصُ ، وتضطربُ الجوارحُ ، وتبهتُ العقولُ، ويتمنَّى أقوامٌ أنْ يُذهبَ بهمْ إلى النَّارِ ولا تُعرضَ قبائحُ أعمالِهِمْ على الجبَّارِ ، ولا يُكشفَ سترُهم على ملأِ الخلائقِ. وقبلَ الابتداءِ بالسؤالِ يظهرُ نورُ العرشِ ، وأشرقَتِ الأرضُ بنورِ ربِّها ، وأيقنَ كلُّ عبدٍ بإقبالِ الجبارِ لمساءلةِ العبادِ ، وظنَّ كلُّ واحدٍ أنَّهُ ما يُرادُ أحدٌ سواهُ، وأنَّهُ المقصودُ بالأخذِ والسؤالِ دونَ مَنْ عداهُ ، فيقولُ الجبارُ سبحانَهُ وتعالى عندَ ذلكَ : يا جبريلُ ؛ ائتني بالنَّارِ ، فيأتيها جبريلُ ويقولُ لها : يا جهنَّمُ ؛ أجيبي خالقَكِ ومليكَكِ ، فيصادفُها جبريلُ على غيظِها وغضبها ، فلمْ يلبثْ بعدَ ندائِهِ أنْ ثارَتْ وفارَتْ ، وزفرَتْ إلى الخلائقِ وشهقَتْ ، وسمعَ الخلائقُ تغيُّظَها وزفيرَها ، وانتهضَتْ خُزَّانُها متوثبةً إلى الخلائقِ غضباً على مَنْ عصى اللهَ تعالى وخالفَ أمرَهُ . فأخطرْ بيالِكَ وأحضرْ في قلبِكَ حالةَ قلوبِ العبادِ وقدِ امتلأَتْ فزعاً ورعباً ، فتساقطوا جثيّاً على ركبهِمْ، وولّوا مدبرينَ ، يومَ ترى كلَّ أمةٍ جائيةً ، وسقطَ بعضُهُم على الوجوهِ منكبينَ ، ويُنادي الظالمونَ والعصاةُ بالويلِ والثبورِ ، وينادي الصديقونَ : نفسي نفسي . فبينما همْ كذلكَ ؛ إذْ زفرَتِ النارُ زفرتَها الثانيةَ ، فتضاعفَ خوفُهُم ، وتخاذلَتْ قواهمْ ، وظنُّوا أنَّهم مأخوذونَ ، ثمَّ زفرَتِ الثالثةَ، فتساقطَ الخلائقُ لوجوهِهِمْ ، وشخصوا بأبصارِهِمْ ينظرونَ مِنْ طرفٍ خفيٍّ خاشع ، ٥٤٩ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وانهضمَتْ عندَ ذلكَ قلوبُ الظالمينَ فبلغَتْ لدى الحناجرِ كاظمينَ ، وذهلَتِ العقولُ مِنَ السعداءِ والأشقياءِ أجمعينَ . وبعدَ ذلكَ أقبلَ اللهُ تعالى على الرسلِ وقالَ : ماذا أُجبتُم ، فإذا رأوا ما قدْ أُقيمَ مِنَ السِّياسةِ على الأنبياءِ .. اشتدَّ الفزعُ على العصاةِ، ففرَّ الوالدُ مِنْ ولدِهِ ، والأخُ مِنْ أخيهِ ، والزوجُ مِنْ زوجتِهِ ، وبقيَ كلُّ واحدٍ منتظراً لأمرِهِ . ثمَّ يُؤخذُ واحدٌ واحدٌ ، فيسألُهُ اللهُ تعالى شفاهاً عنْ قليلِ عملِهِ وكثيرِهِ ، وعنْ سرِّهِ وعلانيتِهِ ، وعنْ جميع جوارحِهِ وأعضائِهِ . قالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ : قالوا : يا رسولَ اللهِ ، هلْ نرىُ ربَّنا يومَ القيامةِ؟ فقالَ: (( هلْ تضارونَ في رؤيةِ الشمسِ في الظهيرةِ ليسَتْ في سحابةٍ؟)) قالوا: لا، قالَ: ((فهلْ تضارونُ في رؤيةِ القمرِ ليلةَ البدرِ ليسَ في سحابةٍ؟)) قالوا: لا، قالَ: (( فوالذي نفسي بيدهِ ؛ لا تضارونَ في رؤيةِ ربِّم ؛ فيلقى العبدَ فيقولُ لهُ: ألمْ أكرمْكَ وأسوِّدْكَ وأزوجْكَ ، وأسخِّرْ لكَ الخيل والإبلَ ، وأذرْكَ ترأسُ وتربعُ ؟! فيقولُ العبدُ : بلى ، فيقولُ : أفظننتَ أنَّكَ ملاقيَّ؟ فيقولُ: لا ، فيقولُ تعالى : فإنِّي أنساكَ كما نسيتَي))(١) . (١) رواه البخاري (٦٥٧٤)، ومسلم (٢٩٦٨) واللفظ له ، وتربع : تنال من الأموال وتكون مطاعاً ، وفي (ج، ص): ( ترتع ) بدل ( تربع ) وهي رواية أشار لها الإمام النووي في (( شرح صحيح مسلم)) (١٨/ ١٠٣ - ١٠٤). ٥٥٠ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت فتوهمْ نفسَكَ يا مسكينُ وقدْ أخذَتِ الملائكةُ بعضديكَ ، وأنتَ واقفٌ بينَ يدي اللهِ تعالى يسألُكَ شفاهاً فيقولُ لكَ : ألمْ أنعمْ عليكَ بالشبابِ ؟! ففيماذا أبليتهُ ؟! ألمْ أمهلْ لكَ في العمرِ ؟! ففيماذا أفنيتَهُ ؟! ألمْ أرزقْكَ الأموالَ ؟! فمِنْ أينَ اكتسبتَ ؟! وفيماذا أنفقتَ ؟! ألمْ أكرمْكَ بالعلمِ ؟! فماذا عملتَ فيما علمتَ ؟! فكيفَ ترى حياءَك وخجلتَكَ وهوَ يعدُّ عليكَ إنعامَهُ ومعاصيَكَ وأياديَهُ ومساويَكَ ؟ فإنْ أنكرتَ .. شهدَتْ عليكَ جوارحُكَ، قالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: كنَّا معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فضحكَ ثمّ قالَ: «أتدرونَ ممَّ أضحكُ؟)) قلنا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: « مِنْ مخاطبةِ العبدِ ربَّهُ ، يقولُ: يا ربِّ ؛ ألمْ تجرْني مِنَ الظلمِ ؟ قالَ : يقولُ : بلى، قالَ : فيقولُ : فإِنِّي لا أجيزُ على نفسي إلا شاهداً مني ، فيقولُ : كفى بنفسِكَ اليومَ عليكَ حسيباً ، وبالكرامِ الكاتبينَ شهوداً ، قالَ : فيُختمُّ علىُ فيهِ ويُقالُ لأركانِهِ : انطقي، قالَ: فتنطقُ بأعمالِهِ، ثمَّ يُخلَّى بينَهُ وبينَ الكلامِ فيقولُ لأعضائِهِ: بعداً لَكُنَّ وسحقاً! فعنكُنَّ كنتُ أناضلُ))(١). فنعوذُ باللهِ مِنَ الافتضاحِ على ملأِ الخلقِ بشهادةِ الأعضاءِ، إلاَّ أنَّ اللهَ تعالى وعدَ المؤمنَ بأنْ يسترَ عليهِ ، ولا يطلعَ عليهِ غيرَهُ . (١) رواه مسلم (٢٩٦٩). ٥٥١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات سألَ ابنَ عمرَ رجلٌ فقالَ لهُ : كيفَ سمعتَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ في النَّجوى؟ فقالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (« يدنو أحدُكُمْ مِنْ ربِّهِ عزَّ وجلَّ حتى يضعَ كنفَهُ عليهِ فيقولُ: عملتَ كذا وكذا؟! فيقولُ: نعمْ، فيقولُ: عملتَ كذا وكذا؟! فيقولُ: نعمْ، ثمّ يقولُ: إنِّي سترتُها عليكَ في الدنيا، وأنا أغفرُها لكَ اليومَ)) (١). وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ سترَ على مؤمنٍ عورتهُ .. سترَ اللهُ عورتَهُ يومَ القيامةِ ))(٢) فههذا إنَّما يُرجى لعبدٍ مؤمنٍ سترَ على النَّاسِ عيوبَهُم ، واحتملَ في حقِّ نفسِهِ تقصيرَهُم ، ولمْ يحرِّكْ لسانَهُ بذكرٍ مساويهمْ ، ولمْ يذكرْهمْ في غيبتِهِمْ بما يكرهونَ لوْ سمعوهُ ، فهوَ جدیرٌ بأنْ يُجازى بمثلِهِ في القيامةِ . وهبْ أنَّهُ قدْ سترَهُ عنْ غيرِكَ ، أليسَ قَدْ قرعَ سمعَكَ النداءُ إلى العرضِ ؟! فيكفيكَ تلكَ الروعةُ جزاءً عنْ ذنوبِكَ ؛ إذْ يُؤخذُ بناصيتِكَ فَتُقَادُ وفؤادُكَ مضطربٌ ولُّكَ طائرٌ ، وفرائصُكَ مرتعدةٌ وجوارحُكَ مضطربةٌ ، ولونُكَ متغيٌّ والعالمُ عليكَ مِنْ شدَّةِ الهولِ مظلمٌ، فقدِّر نفسَكَ وأنتَ بهذهِ الصفةِ تتخطى الرقابَ وتخرقُ الصفوفَ ، وتُقَادُ كما تُقَادُ الفرسُ (١) رواه البخاري (٢٤٤١)، ومسلم ( ٢٧٦٨) . (٢) رواه ابن ماجه (٢٥٤٦)، وعند البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠): ((ومن ستر مسلماً .. ستره الله يوم القيامة)). ٥٥٢ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت المجنوبُ(١) ، وقدْ رفعَ الخلائقُ إليكَ أبصارَهُم . فتوهّمْ نفسَكَ أنَّكَ في أيدي الموكلينَ بكَ على هذهِ الصفةِ ، حتى انتُهيَ بكَ إلى عرشِ الرحمنِ فرموكَ مِنْ أيديهمْ، وناداكَ اللهُ سبحانَهُ وتعالى بعظيمٍ كلامِهِ : يا بنَ آدَمَ ؛ ادنُ منِّي ، فدنوتَ منهُ بقلبٍ خافقٍ محزونٍ وَجِلٍ ، وطرفٍ خاشعٍ ذليلٍ ، وفؤادٍ منكسرٍ ، وأُعطيتَ كتابَكَ الذي لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلَّ أحصاها ، فكمْ مِنْ فاحشةٍ نسيتَها فتذكرتها ؛ وكمْ مِنْ طاعةٍ غفلتَ عنْ آفاتِهَا فانكشفَ لكَ عنْ مساويها ! فكمْ لكَ مِنْ خجلٍ وجبنٍ ! وكمْ لكَ مِنْ حصرٍ وعجزٍ ! فليتَ شعري بأيِّ قدم تقفُ بينَ يديهِ ؟! وبأيِّ لسانٍ تجيبُ ؟! وبأيٍّ قلبٍ تعقلُ ما تقولُ ؟! ثمَّ تفكّرْ في عظم حيائِكَ إذا ذكَّرَكَ ذنوبَكَ شفاهاً ؛ إذْ يقولُ : يا عبدي ؛ أما استحييتَ منِّي فبارزتني بالقبيح ، واستحييتَ مِنْ خلقي فأظهرتَ لهمُ الجميلَ ؟! أكنتُ أهونَ عليكَ مِنْ سائرِ عبادي ؟! أستخففتَ بنظري إليكَ فلمْ تكترثْ ، واستعظمتَ نظرَ غيري ؟! ألمْ أنعمْ عليكَ؟! فماذا غرَّك بي؟! أظننتَ أنّي لا أراكَ وأنَّكَ لا تلقائي ؟! قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما منكمْ مِنْ أحدٍ إلاَّ ويسألُهُ اللهُ (١) المجنوب : المجرور في الموكب . ٥٥٣ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات ربُّ العالمينَ ليسَ بينَهُ وبِينَهُ حجابٌ ولا ترجمانٌ ))(١) وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ليقفنَّ أحدُكُم بينَ يديِ اللهِ تعالى ليسَ بينَهُ وبينَهُ حجابٌ، فيقولُ لهُ: ألمْ أنعمْ عليكَ، ألمْ أوتِكَ مالاً ؟! فيقولُ : بلى ، فيقولُ : ألمْ أرسلْ إليكَ رسولاً ؟! فيقولُ : بلى ، ثمَّ ينظرُ عنْ يمينِهِ فلا يرى إلاَّ النَّارَ، ثمَّ ينظرُ عنْ شمالِهِ فلا يرى إلا النَّارَ ، فليتَّقِ أحدُكمُ النَّارَ ولوْ بشقِّ تمرةٍ ، فإنْ لمْ يجدْ .. فبكلمةٍ طيبةٍ))(٢). وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ما منكُم مِنْ أحدٍ إلاَّ سيخلو اللهُ عزَّ وجلَّ بهِ كما يخلو أحدُكُمْ بالقمرِ ليلةَ البدرِ ، ثمَّ يقولُ : يا بنَ آدَمَ ، ما غرَّك بي ؟! يا بنَ آدَمَ ؛ ماذا عملتَ فيما علمتَ ؟! يا بنَ آدَمَ ؛ ماذا أجبتَ المرسلينَ ؟! يا بنَ آدَمَ ؛ ألمْ أكنْ رقيباً على عينِكَ وأنتَ تنظرُ بها إلى ما لا يحلُّ لكَ ؟! ألمْ أكنْ رقيباً على أذنيكَ ... ) وهكذا حتى عدَّ سائرَ الأعضاءِ(٣). وقال مجاهدٌ : لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ مِنْ بين يدي اللهِ عزَّ وجلَّ (١) رواه البخاري (٦٥٣٩)، ومسلم ( ١٠١٦/ ٦٧). (٢) رواه البخاري ( ١٤١٣). (٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٠٣/٩)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (١٣١/١) مختصراً . ٥٥٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت حتى يسألَهُ عنْ أربع خصالٍ : عنْ عمرِهِ فيما أفناهُ ، وعنْ علمِهِ ما عملَ فيهِ ، وعنْ جسدِهِ فيما أبلاهُ، وعنْ مالِهِ مِنْ أينَ اكتسبَهُ وفيما أنفقَهُ (١). فأعظمْ يا مسكينُ بحيائِكَ عندَ ذلكَ وبخطرِكَ ؛ فإنَّكَ بينَ أنْ يُقالَ لكَ : سترتُّها عليكَ في الدنيا وأنا أغفرُها لكَ اليومَ ، فعندَ ذلكَ يعظمُ سرورُكَ وفرحُكَ، ويغبطُكَ الأولونَ والآخرونَ ، وإِمَّا أنْ يُقالَ للملائكةِ : خذوا هذا العبدَ السوءَ فغلُّوهُ، ثمَّ الجحيمَ صلُّوهُ، وعندَ ذلكَ لَوْ بكتْ عليكَ السماواتُ والأرضُ .. لكانَ ذلكَ جديراً بعظمٍ مصيبتِكَ ، وشدَّةِ حسرتِكَ على ما فرَّطتَ فيهِ مِنْ طاعةِ اللهِ ، وعلى ما بعتَ بهِ آخرتَكَ مِنْ دنيا دنيَّةٍ لِمْ تبقَ معكَ . (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٠٢/١١)، وبنحوه الترمذي (٢٤١٧) مرفوعاً من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه . ٥٥٥ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات صفة الميزان ثمَّ لا تغفلْ عنِ الفكرِ في الميزانِ ، وتطايرِ الكتبِ إلى الأيمانِ والشمائلِ ؛ فإنَّ الناسَ بعدَ السؤالِ ثلاثُ فرقٍ : فرقةٌ ليسَ لهمْ حسنةٌ ، فيخرجُ مِنَ النَّارِ عنقٌ أسودُ فيلقطُهُم لقطَ الطيرِ الحبّ ، وينطوي عليهمْ ويلقيهمْ في النَّارِ ، فتبتلعُهمُ النَّارُ ، ويُنادى عليهمْ بشقاوةٍ لا سعادةَ بعدَها . وقسمٌ آخرُ لا سيئةَ لهُمْ ، فينادي منادٍ : ليقمِ الحمَّادونَ للهِ على كلِّ حالٍ ، فيقومونَ ويسرحونَ إلى الجنَّةِ ، ثمَّ يُفعلُ ذلكَ بأهلِ قيامِ الليلِ ، ثمَّ بمَنْ لمْ تشغلْهُ تجارةُ الدنيا ولا بيعُها عنْ ذكرِ اللهِ تعالى ، ويُنادى عليهِمْ بسعادةٍ لا شقاوةً بعدَها . ويبقى قسمٌ ثالثٌ وهم الأكثرونَ ، خلطوا عملاً صالحاً وآخرَ سيئاً ، وقدْ يخفى عليهِمْ ولا يخفى على اللهِ تعالىُ أنَّ الغالبَ حسناتُهُمْ أَوْ سيئاتُهُمْ، ولكنْ يأبى اللهُ تعالى إلاَّ أنْ يعرِّفَهُمْ حقيقةَ ذلكَ؛ ليبيِّنَ فضلَهُ عندَ العفوِ وعدلَهُ عندَ العقابِ ، فتتطايرُ الصحفُ والكتبُ منطويةً على الحسناتِ والسيئاتِ ، ويُنصبُ الميزانُ، وتشخصُ الأبصارُ إلى الكتبِ ، أتقعُ في اليمينِ أوْ في الشمالِ ؟ ثمَّ إلى لسانِ الميزانِ أيميلُ إلى جانبِ السيئاتِ أَوْ إلى جانبِ الحسناتِ ؟ وهذهِ حالةٌ هائلةٌ تطيشُ فيها عقولُ الخلائقِ . ٥٥٦ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت روى الحسنُ : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ رأسُهُ في حجرٍ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها ، فنعَسَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فذكرَتِ الآخرةَ فبكَتْ حتى سالَتْ دموعُها على خدِّ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فانتبهَ فقالَ : (( ما يبكيكِ يا عائشةُ؟ )) قالَتْ: ذكرتُ الآخرةَ، هلْ تذكرُونَ أهليكمْ يومَ القيامةِ؟ قالَ: (( والذي نفسي بيدهِ ، في ثلاثةِ مواطنَ فإنَّ أحداً لا يذكرُ إلَّ نفسَهُ : إذا وُضعَتِ الموازينُ ووُزنَتِ الأعمالُ حتى ينظرَ ابنُ آدَمَ أيخفُّ ميزانُهُ أمْ يثقلُ، وعندَ الصحفِ حتى ينظرَ أبيمينِهِ يأخذُها أمْ بشمالِهِ ، وعندَ الصُّراطِ))(١). بجن وعنْ أنسٍ قالَ : ( يُؤتى بابنِ آدمَ يومَ القيامةِ حتى يُوقفَ بينَ كَفَّتي الميزانِ ، ويُوكلَ بهِ ملكٌ: فإنْ ثقلَ ميزانُهُ .. نادى الملكُ بصوتٍ يسمعُ الخلائقَ : سعدَ فلانٌ سعادةً لا يشقى بعدَها أبداً ، وإنْ خفَّ ميزانُهُ .. نادى بصوتٍ يسمعُ الخلائقَ : شقيَ فلانٌ شقاوةٌ لا يسعدُ بعدَها أبداً)(٢). وعندَ خفَّةِ كفَّةِ الحسناتِ تقبلُ الزبانيةُ وبأيديهمْ مقامعُ مِنْ حديدٍ ، علیهِمْ ثيابٌ مِنْ نارٍ ، فيأخذونَ نصيبَ النَّارِ إلى النَّارِ . قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في يومِ القيامةِ: ((إنَّهُ يومٌ ينادي اللهُ تعالى فيهِ آدمَ عليهِ السَّلامُ فيقولُ لهُ : قمْ يا آدمُ فابعثْ بعْثَ النَّارِ ، فيقولُ : (١) رواه أبو داوود (٤٧٥٥). (٢) رواه البزار في ((مسنده)) (٦٩٤٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٧٤/٦) مرفوعاً من حديث أنس رضي الله عنه . ٥٥٧ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات وكمْ بعْثُ النَّارِ؟ فيقولُ : مِنْ كُلِّ ألفٍ تسَعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعونَ في النارِ وواحدٌ في الجنَّةِ )) فلمَّا سمعَ الصحابةُ ذلكَ .. أبلسوا حتى ما أوضحوا بضاحكةٍ ، فلمَّا رأى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما عندَ أصحابِهِ .. قالَ: ((اعملوا وأبشروا، فوالذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ ؛ إنَّ معَكمْ لخليقتينِ ما كانتا معَ أحدٍ قطَّ إلَّ كثَّرَتَاهُ معَ مَنْ هلكَ مِنْ بني آدمَ وبني إبليسَ)) قالوا : وما هما يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((يأجوجُ ومأجوجُ)) قالَ: فسُرِّيَ عنِ القومِ ، فقالَ: ((اعملوا وأبشروا، فوالذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ ، ما أنتُمْ في النَّاسِ يومَ القيامةِ إلَّ كالشامةِ في جنبِ البعيرِ، أوْ كالرقمةِ في ذراع الدابةِ))(١). (١) رواه الترمذي بههذا اللفظ (٣١٦٩)، وأصله عند البخاري ( ٦٥٣٠)، ومسلم ( ٢٢٢ ) . ٥٥٨ ربع المنجيات کتاب ذكر الموت صفة الخصماء وَرَوِّالمظالم 5 قدْ عرفتَ هولَ الميزانِ وخطرَهُ ، وأنَّ الأعينَ شاخصةٌ إلى لسانٍ الميزانِ، فَمَنْ ثقلَتْ موازينُهُ .. فهوَ في عيشةٍ راضيةٍ، وأمَّا مَنْ خفَّتْ موازينُهُ .. فأمُّهُ هاويةٌ ، وما أدْرَاكَ ما هيهْ ؟ نارٌ حاميةٌ . واعلمْ : أنَّهُ لا ينجوْ مِنْ خطرِ الحسابِ والميزانِ إلَّ مَنْ حاسبَ في الدنيا نفسَهُ ، ووزنَ فيها بميزان الشرع أعمالَهُ وأقوالَهُ ، وخطراتِهِ ولحظاتِهِ ، كما قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنه: ( حاسبوا أنفسَكُمْ قبلَ أنْ تُحاسبوا ، وزنوها قبلَ أنْ تُوزنوا)(١). وإنَّما حسابُهُ لنفسِهِ أنْ يتوبَ عنْ كلِّ معصيةٍ قبلَ الموتِ توبةً نصوحاً ، ويتداركَ ما فرَّطَ مِنْ تقصيرِهِ في فرائضِ اللهِ تعالى ، ويردّ المظالمَ حبةً بعدَ حبةٍ، ويستحلَّ كلَّ مَنْ تعرَّضَ لهُ بلسانِهِ ويدِهِ وسوء ظنِّهِ بقلبهِ ، ويطيِّبَ قلوبَهُمْ ؛ حتى يموتَ ولمْ يبقَ عليهِ مظلمٌ ولا فريضةٌ ، فهذا يدخلُ الجنةَ بغيرِ حسابٍ . وإنْ ماتَ قبلَ ردِّ المظالم .. أحاطَ بهِ خصماؤُهُ ، فهذا يأخذُ بيدِهِ ، وهذا يقبضُ على ناصيتِهِ ، وهذا يتعلقُ بتلبيبهِ ، هذا يقولُ : ظلمتَي ، وهذا يقولُ : شتمتَي ، وهذا يقولُ : استهزأتَ بي ، وهذا يقولُ : (١) رواه أحمد في ((الزهد)) (٦٣٣)، وابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٦٠٠). ٥٥٩ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات ذكرتني في الغيبةِ بما يسوءُتي ، وهذا يقولُ : جاورتَي فأسأتَ جواري ، وهذا يقولُ : عاملتَي فغششتَي ، وهذا يقولُ : بايعتَنَي فغبنتَي وأخفيتَ عنّي عيبَ متاعِكَ ، وهذا يقولُ : كذبتَ في سعرٍ متاعِكَ ، وهذا يقولُ : رأيتَني محتاجاً وكنتَ غنياً فما أطعمتَي ، وهذا يقولُ : وجدتَتَي مظلوماً وكنتَ قادراً على دفع الظلمِ عنِّي ، فداهنتَ الظالمَ وما راعيتَي . فبينا أنتَ كذلكَ وقدْ أنشبَ الخصماءُ فيكَ مخالبَهُمْ ، وأحكموا في تلابيبكَ أيديَهم ، وأنتَ مبهوتٌ متحيرٌ مِنْ كثرتِهِمْ، حتى لمْ يبقَ في عمرِكَ أحدٌ عاملتَهُ على درهمٍ أوْ جالستَهُ في مجلسٍ إلَّ وقدِ استحقَّ عليكَ مظلمةٌ بغيبةٍ أوْ خيانةٍ ، أوْ نظرٍ بعينِ استحقارٍ ، وقدْ ضعفتَ عنْ مقاومتِهِمْ ، ومددتَ عنقَ الرجاءِ إلى سيِّدِكَ ومولاكَ لعلَّهُ يخلصُكَ مِنْ أيديهِمْ ؛ إِذْ قَرِعَ سمعَكَ نداءُ الجبار جلَّ جلالُهُ: ﴿ اَلْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ اَلْيَوْمَ﴾ فعندَ ذلكَ ينخلعُ قلبُكَ مِنَ الهيبةِ ، وتوقنُ نفسُكَ بالبوارِ ، وتتذكرُ ما أنذرَكَ اللهُ تعالى بهِ على لسانِ رسولِهِ حيثُ قالَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَّ اللَّهَ غَفِلًا عَمَا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِ رُءُ وسِهِمْ لَا يَرْقَدُّ إِلَتِهِمْ طَرَّفُهُمْ وَأَفْئِدَنُهُمْ هَوَاءٌ﴾. فما أشدَّ فرحَكَ اليومَ بتمضمضِكَ بأعراضِ النَّاسِ وتناولِكَ أموالَهُمْ! وما أشدَّ حسراتِكَ في ذلكَ اليومِ إذا وُقِفَ بكَ على بساطِ العدلِ ، وشُوفهتَ بخطابِ السياسةِ وأنتَ مفلسٌ فقيرٌ ، عاجزٌ مهينٌ ، لا تقدرُ على أنْ تردَّ حقّاً أو تظهرَ عذراً ! ـحن: ٥٦٠