Indexed OCR Text

Pages 521-540

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
وبينَكَ ، فقالَ لها عتبةُ : طلَّقتُ الدنيا ثلاثاً ، لا رجعةً لي عليها حتى
ألقاكِ(١).
وقيلَ : رأى أيوبُ السختيانيُّ جنازةَ عاصٍ ، فدخلَ الدهليزَ لئلاً يصليَ
عليها ، فرأىُ بعضُهمُ الميتَ في المنامِ ، فقالَ لهُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ فقالَ :
غفرَ لي وقال لي: قلْ لأيوبَ: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآَبِنَ رَحْمَةٍ رَبٍِّ إِذَا
لَّأَمْسَكُمُ خَشْيَةَ الْإِنِفَاقِ﴾(٢).
وقالَ بعضُهُمْ: رأيتُ في الليلةِ التي ماتَ فيها داوودُ الطائيُّ نوراً ،
وملائكةً نزولاً وملائكةً صعوداً ، فقلتُ : أيُّ ليلةٍ هذهِ ؟ فقالوا : ليلةٌ ماتَ
فيها داوودُ الطائيُّ، وقدْ زُخرفَتِ الجنةُ لقدومٍ روحِهِ (٣).
وقالَ أبو سعيدٍ الشحامُ : رأيتُ سهلاً الصُّعلوكيَّ في المنام ، فقلتُ :
أيُّها الشيخُ ، قالَ : دع التشييخَ ، قلتُ : تلكَ الأحوالُ التي شاهدتُها ،
فقالَ : لمْ تغنِ عنَّا شيئاً ، فقلتُ : ما فعلَ اللهُ بكَ ؟ قالَ : غفرَ لي بمسائلٌ
كانَ يسألُ عنها العُجزُ(٤).
(١) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص ٦١٠).
(٢) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص ٦١١).
(٣) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص ٦١١).
(٤) أورده القشيري في ((الرسالة)) (ص٦١٢)، وفيها: ( يسأل عنها العجز فأجبتهم
عنها ) ، والعجز : جمع عاجز ؛ يعني باسم العوام من الناس ، وفيه دلالة على فضيلة
المفتي للعوام فيما يحتاجون إلى معرفة الأحكام. ((الإتحاف)) (٤٣٨/١٠).
٥٢١

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
وقالَ أبو بكرِ الرشيديُّ : رأيتُ محمداً الطوسيَّ المعلمَ في النومِ ، فقالَ
لي : قلْ لأبي سعيدِ الصَّفارِ المؤدِّبِ (١):
[من الطويل]
وَكُنَّا عَلَى أَلَّ نَحُولَ عَنِ الْهَوَى فَقَدْ وَحَياةِ أَلْحِبِّ حُلْتُمْ وَمَا حُلْنا
قالَ : فانتبهتُ ، فذكرتُ ذلكَ لهُ ، فقالَ : كنتُ أزورُ قبرَهُ كلَّ جمعةٍ ،
فلمْ أزرهُ هذهِ الجمعةَ(٢) .
وقالَ ابنُ راشدٍ : رأيتُ ابنَ المباركِ في النومِ بعدَ موتِهِ ، فقلتُ : أليسَ
قدْ مثَّ ؟! قالَ : بلى ، قلتُ : فما صنعَ اللهُ بِكَ؟ قالَ : غفرَ لي مغفرةً
أحاطَتْ بكلِّ ذنبٍ ، قلتُ : فسفيانُ الثوريُّ؟ قالَ: بخ بخ! ذاكَ ﴿ مَعَ الَّذِينَ
أَنْعَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّالِحِينَ ... ﴾ الآيةَ(٣).
وقالَ الربيعُ بنُ سليمانَ : رأيتُ الشافعيَّ رحمةُ اللهِ عليهِ بعدَ وفاتِهِ في
المنامِ ، فقلتُ : يا أبا عبدِ اللهِ ، ما صنعَ اللهُ بكَ؟ قالَ : أجلسَني على
كرسيٍّ مِنْ ذهبٍ، ونثرَ عليَّ اللؤلؤَ الرطبَّ (٤).
ورأى رجلٌ مِنْ أصحابِ الحسنِ البصريِّ ليلةَ ماتَ الحسنُ كأنَّ منادياً
(١) البيت لأبي بكر الشبلي في ((ديوانه)) (ص ١٣٠).
(٢) أورده القشيري في (( الرسالة)) (ص ٦١٢)، وفيها تتمة الأبيات وهي :
وأظهرتُمُ الهجرانَ ما هكذا كنّا
تشاغلتمُ عنَّا بصحبةٍ غيرنا
سيجمعنا بعدَ المماتِ كما كنّا
لعلَّ الذي يقضي الأمورَ بعلمِه
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) ( ٦٣).
(٤) انظر ((مختصر تاريخ دمشق)) لابن منظور (٤١٣/٢١).
٥٢٢

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
ينادي: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ ﴾
واصطفى الحسنَ بن أبي الحسنِ البصريّ على أهلِ زمانِهِ (١).
وقالَ أبو يعقوبَ القاريُّ الدقيقيُّ: رأيتُ في منامي رجلاً آدَمَ طُوالاً
والناسُ يتبعونَهُ ، فقلتُ : مَنْ هذا؟ قالوا: أويسٌ القرنيُّ ، فاتبعتُهُ فقلتُ :
أوصني رحمَكَ اللهُ، فكلحَ في وجهي ، فقلتُ : مسترشدٌ فأرشذْني
أرشدَكَ اللهُ، فأقبلَ عليَّ وقالَ: اتبع رحمةَ ربِّك عندَ محبتِهِ ، واحذرْ نقمتَهُ
عندَ معصيتِهِ ، ولا تقطعْ رجاءَكَ منهُ في خلالِ ذلكَ، ثمَّ ولَّى وتركَني(٢).
جن
وقالَ أبو بكرِ بنُ أبي مريمَ : رأيتُ وفاءَ بنَ بشرِ الحضرميَّ ، فقلتُ :
ما فعلتَ يا وفاءُ ؟ قالَ : نجوتُ بعدَ كلِّ جهدٍ ، قلتُ : فأيُّ الأعمالِ
وجدتُموها أفضلَ؟ قالَ : البكاءُ مِنْ خشيةِ اللهِ تعالى(٣).
وقالَ يزيدُ بنُ نعامةً : هلكَتْ جاريةٌ في الطاعونِ الجارفِ ، فرآها أبوها
في المنام ، فقالَ لها : يا بنيةُ ؛ أخبريني عنِ الآخرةِ ، قالَتْ : يا أبتِ ؛
قدمنا على أمرٍ عظيمٍ ، نعلمُ ولا نعملُ وتعملونَ ولا تعلمونَ ، واللهِ ؛
لتسبيحةٌ أوْ تسبيحتانِ أوْ ركعةٌ أوْ ركعتانِ في فسحةٍ عملٍ .. أحبُّ إليَّ مِنَ
الدنيا وما فيها (٤).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (٥٩).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) ( ٦٦).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (٧١)، وفي غير (د، ف): (ورقاء) بدل ( وفاء) .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (٨٦).
٥٢٣

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
ـ5
وقالَ بعضُ أصحابِ عتبةَ الغلام : رأيتُ عتبةَ في المنام ، فقلتُ :
ما صنعَ اللهُ بكَ ؟ قالَ : دخلتُ الجنَّةَ بتلكَ الدعوةِ المكتوبةِ في بيتِكَ ،
قالَ : فلمَّا أصبحتُ .. جئتُ إلى بيتي؛ فإذا خطَّ عتبةَ الغلام في حائطِ
البيتِ مكتوبٌ : يا هاديّ المضلينَ ، ويا راحمَ المذنبينَ ، ويا مقيلَ عثراتٍ
العاثرينَ ؛ ارحمْ عبدَكَ ذا الخطرِ العظيمِ والمسلمينَ كلَّهم أجمعينَ ،
واجعلْنا مَعَ الأحياءِ المرزوقينَ الذينَ أنعمتَ عليهِمْ مِنَ النبيينَ والصِّدِّيقينَ
والشهداء والصالحينَ ، آمينَ ربَّ العالمينَ(١).
وقالَ موسىُ بنُ حمادٍ : رأيتُ سفيانَ الثوريَّ في المنام في الجنَّةِ ، يطيرُ
مِنْ نخلةٍ إلى نخلةٍ ، ومِنْ شجرةٍ إلى شجرةٍ ، فقلتُ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ بمَ
نلتَ هذا ؟ فقالَ : بالورع ، قلتُ : فما بالُ عليٍّ بنِ عاصم ؟ قالَ : ذاكَ
لا يكادُ يُرى إلاَّ كما يُرى الكوكبُ(٢).
ورأى رجلٌ مِنَ التابعينَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في المنام ، فقالَ :
يا رسولَ اللهِ ؛ عظْني، فقالَ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ: (( نعمْ، مَنْ لمْ يتفقدِ
النقصانَ .. فهوَ في نقصانٍ، ومَنْ كانَ في نقصانٍ .. فالموتُ خيرٌ لَهُ))(٣).
وقالَ الشافعيُّ رحمةُ اللهِ عليهِ : دهمَني في هذهِ الأيام أمرٌ أمضَّني
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (١٣٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٨/٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) ( ٢٧٥).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (٢٨٦).
٥٢٤

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
وآلْمَني ، ولمْ يطَّلعْ عليهِ غيرُ اللهِ عزَّ وجلَّ، فلمَّا كانَ البارحةُ .. أتاني آتٍ
في منامي فقالَ : يا محمدَ بنَ إدريسَ ؛ قلِ : اللهمَّ ؛ إنِّي لا أملكُ لنفسي
نفعاً ولا ضراً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، ولا أستطيعُ أنْ آَخذَ إلاَّ
ما أعطيتَي ، ولا أتقيَ إلَّ ما وقيتَي ، اللهمَّ ؛ فوفّقْني لما تحبُّ وترضىُ مِنَ
القولِ والعملِ في عافيةٍ، فلمَّا أصبحتُ .. أعدتُ ذلكَ، فلمَّا ترحلَ
النَّهارُ .. أعطاني اللهُ عزَّ وجلَّ طلبتي ، وسهَّلَ ليَ الخلاصَ ممَّا كنتُ فيهِ ،
فعليكمْ بهذهِ الدعواتِ لا تغفلوا عنها (١) .
فهذهِ جملةٌ مِنَ المكاشفاتِ تدلُّ على أحوالِ الموتى ، وعلى الأعمالِ
المقرِّبةِ إلى اللهِ تعالى زلفى ، فلنذكرْ بعدَها ما بينَ يديِ الموتىْ مِنِ ابتداءِ
نفخةِ الصورِ إلى آخرِ القرارِ ، إمَّا في الجنَّةِ أَوْ في النَّارِ، والحمدُ للهِ حمدَ
الشاكرينَ .
(١) أورده ابن الصلاح في ((طبقات الفقهاء الشافعية)) (١٤٤/١ - ١٤٥).
٥٢٥

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
الشَّطْرُ الثَّانِيِ مِنَ كتَابِ ذِكْرِالْمَوَتِ
في أحوال الميّت من وقت نفخة الصور إلى آخر الاستقرار في الجنّة أو النّار
وتفصيل ما بين يديه من الأحوال والأخطار
وفيهِ بيانُ نفخةِ الصورِ ، وصفةِ أرضِ المحشرِ وأهلِهِ ، وصفة عرقِ أهلِ
المحشرِ .
وصفةٍ طولِ يومِ القيامةِ ، وصفةٍ يوم القيامةِ ودواهيها وأساميها .
وصفةِ المساءلةِ عنِ الذنوبِ ، وصفةِ الميزانِ ، وصفةِ الخصماءِ وردٌ
المظالمِ .
وصفةِ الصراطِ ، وصفةِ الشفاعةِ ، وصفةِ الحوضِ .
وصفةِ جهنَّمَ وأهوالِها ، وأنكالِها وحيَّتِها وعقاربِها .
وصفةِ الجنَّةِ وأصنافِ نعيمِها ، وعددِ الجنانِ وأبوابِها وغرفِها
وحيطانِها ، وأنهارِها وأشجارِها ، ولباسِ أهلِها وفرشِهم وسررِهم ، وصفةٍ
طعامِهم ، وصفةِ الحورِ العينِ والولدانِ .
وصفةِ النظرِ إلى وجهِ الله تعالى .
وبابٌ في سعةِ رحمةِ الله تعالى ، وبهِ ختمُ الكتابِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
٥٢٦

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
صفة نفخ الصور
قدْ عرفتَ فيما سبقَ شدةً أحوالِ الميتِ في سكراتِ الموتِ ، وخطرَهُ في
خوفِ العاقبةِ ، ثمَّ مقاساتَهُ لظلمةِ القبرِ وديدانِهِ ، ثمَّ لمنكرٍ ونكيرٍ
وسؤالِهِما، ثمَّ لعذابِ القبرِ وخطرِهِ إِنْ كانَ مغضوباً عليهِ ، وأعظمُ مِنْ ذلكَ
كلِّهِ الأخطارُ التي بينَ يديهِ ؛ مِنْ نفخِ الصورِ ، والبعثِ يومَ النُّشورِ،
والعرضِ على الجبارِ ، والسؤالِ عنِ القليلِ والكثيرِ ، ونصبِ الميزانِ لمعرفةٍ
المقاديرِ ، ثمَّ جوازِ الصراطِ معَ دقَّتِهِ وحدَّتِهِ ، ثمَّ انتظارِ النداءِ عندَ فصلٍ
القضاءِ إمَّا بالإسعادِ وإمَّا بالإشقاءِ .
فهذهِ أحوالٌ وأهوالٌ لا بدَّ لكَ مِنْ معرفتِها ، ثمَّ الإيمانِ بها على سبيلٍ
الجزمِ والتصديقِ ، ثمَّ تطويلِ الفكرِ فيها ؛ لينبعثَ مِنْ قلبِكَ دواعي
الاستعدادِ لها .
وأكثرُ الناسِ لمْ يدخلِ الإيمانُ باليومِ الآخرِ صميمَ قلوبهم ، ولمْ يتمكَّنْ
مِنْ سويداءِ أفئدتِهِم ، ويدلُّ على ذلكَ شدةُ تشمُّرِهم واستعدادِهم لحرٌ
الصيفِ وبردِ الشتاءِ ، وتهاونِهِم بحرِّ جهنَّمَ وزمهريرِها ، معَ ما تكتنفُهُ مِنَ
المصاعبِ والأهوالِ .
نعمْ ، إذا سُئلوا عنِ اليومِ الآخرِ .. نطقَتْ بهِ ألسنتُهم ثمَّ غفلَتْ عنهُ
قلوبُهُم، ومَنْ أُخبرَ بأنَّ ما بينَ يديهِ مِنَ الطعام مسمومٌ ، فقالَ لصاحبه الذي
٥٢٧

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
أخبرَهُ: صدقتَ، ثمَّ مدَّ يدَهُ لتناولِهِ .. كانَ مصدِّقاً بلسانِهِ ومكذُّباً بعملِهِ ،
وتكذيبُ العملِ أبلغُ مِنْ تكذيبِ اللسانِ .
وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( قالَ اللهُ تعالى: شتمَني ابنُ آدَمَ
وما ينبغي لهُ أنْ يشتمَني، وكذَّبَني وما ينبغي لهُ أنْ يكذِّبَني ؛ أمَّا شتمُهُ
إيايَ .. فيقولُ: إنَّ لي ولداً، وأمَّا تكذيبُهُ .. فقولُه: لن يعيدَني كما
بدأَني))(١) .
وإنَّما فتورُ البواطنِ عنْ قوةِ اليقينِ والتصديقِ بالبعثِ والنشورِ لقلةِ الفهمِ
في هذا العالمٍ لأمثالِ تلكَ الأمورِ .
ولو لمْ يشاهدِ الإنسانُ توالدَ الحيواناتِ وقيلَ لهُ : إنَّ صانعاً يصنعُ مِنَ
النطفةِ القذرةِ مثلَ هذا الآدميِّ المصوَّرِ العاقلِ المتكلمِ المتصرفِ .. لاشتدَّ
نفورُ باطِنِهِ عنِ التصديقِ بهِ ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَنُ أَنَّا
خَلَقْتَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾، وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنْسَنُ أَنْ يُتْرَكَ
سُدَّى ﴿﴿ أَّيَكُ نُطْفَةً مِّن ◌َّنِّ يُمْنَى الَ: ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾.
ففي خلقِ الآدميِّ - معَ كثرةِ عجائبِهِ واختلافِ تركيبِ أعضائِهِ - أعاجيبُ
تزيدُ على الأعاجيبِ في بعثِهِ وإعادتِهِ ، فكيفَ ينكرُ ذلكَ مِنْ قدرةِ اللهِ تعالى
وحكمتِهِ مَنْ يشاهدُ ذلكَ في صنعتِهِ وقدرتِهِ ؟!
ـخ:حجمحن
(١) رواه البخاري ( ٣١٩٣).
٥٢٨

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
فإنْ كانَ في إيمانِكَ ضعْفٌ .. فقوِّ الإيمانَ بالنظرِ في النشأةِ الأولى ؛ فإنَّ
الثانيةَ مثلُها وأسهلُ منها .
وإنْ كنتَ قويَّ الإيمانِ بها .. فأشعرْ قلبَكَ تلكَ المخاوفَ والأخطارَ ،
وأكثرْ فيها التفكّرَ والاعتبارَ ؛ لتسلبَ عنْ قلبكَ الراحةَ والقرارَ ، فتشتغلَ
بالتشقُّرِ للعرضِ على الجبارِ .
وتفكَّرْ أولاً فيما يقرعُ سمعَ سكانِ القبورِ مِنْ شدةِ نفخِ الصورِ ؛ فإنَّها
صيحةٌ واحدةٌ تنفرجُ بها القبورُ عنْ رؤوسِ الموتى ، فيثورونَ دفعةً واحدةً ،
فتوهمْ نفسَكَ وقدْ وثبتَ متغيراً وجهُكَ ، مغبّراً بدنُكَ مِنْ فرقِكَ إلى قدمِكَ
مِنْ ترابٍ قبرِكَ ، مبهوتاً مِنْ شدةِ الصعقةِ ، شاخصَ العينِ نحوَ النداءِ ، وقدْ
ثارَ الخلقُ ثورةً واحدةً مِنَ القبورِ التي طالَ فيها بلاؤُهمْ ، وقد أزعجَهمُ الفزعُ
والرعبُ مضافاً إلى ما كانَ عندَهمُ مِنَ الهموم والغمومِ ، وشدةِ الانتظارِ
العاقبةِ الأمرِ ، كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَنْ
فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَآءَ اللَّهُ ثُمّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، وقال تعالى:
فَإِذَا نُفِيخَ فِي الصُّورِ فَلَآ أَنَسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ﴾، وقال تعالى:
﴿ فَإِذَا يُقِرَ فِىِ النَّاُورِّ :﴿ فَذَلِكَ يَوْمَيِذٍ يَوْمَّ عَسِيرٌ ﴾: عَلَى الْكَفِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾، وقالَ
تعالى: ﴿ وَيَقُولُونَ مَنَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلََّ صَيْحَةٌ وَحِدَةً
تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخْصِمُونَ ﴿٤: فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَّةً وَلَّ إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴿ وَنُفِخَ فِى
الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَحْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ ﴾ قَالُواْ يَوَيِلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّا
هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.
٥٢٩

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
فلوْ لمْ يكنْ بينَ يدي الموتى إلاَّ هولُ تلكَ النفخةِ .. لكانَ ذلكَ جديراً
بأنْ يُتَقى ؛ فإنَّها نفخةٌ وصيحةٌ يُصعقُ بها مَنْ في السماواتِ والأرضِ ؛ أيْ :
يموتونَ بها إلاَّ مَنْ شاءَ اللهُ وهُمْ بعضُ الملائكةِ ، ولذلكَ قالَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( كيفَ أنعمُ وصاحبُ الصورِ قِدِ التقمَ القرنَ، وحنى
الجبهةَ وأصغى بالأذنِ ، ينتظرُ متى يُؤمرُ فينفخُ؟!))(١).
قالَ مقاتلٌ : ( الصورُ : هو القرنُ، وذلكَ أنَّ إسرافيلَ عليهِ السلامُ
واضعٌ فاهُ على القرنِ كهيئةِ البوقِ ، ودائرةُ رأسِ القرنِ كعرضِ السماواتِ
والأرضِ ، وهوَ شاخصٌ ببصرِهِ نحوَ العرشِ ، ينتظرُ متى يُؤمرُ فينفخُ النفخةَ
الأولىُ، فإذا نفخَ .. صعقَ مَنْ في السماواتِ والأرضِ ؛ أيْ : ماتَ كلُّ
حيوانٍ مِنْ شدَّةِ الفزع إلاَّ مَنْ شاءَ اللهُ؛ وهوَ جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ
وملكُ الموتِ ، ثمَّ يأمرُ ملكَ الموتِ أنْ يقبضَ روحَ جبريلَ، ثمَّ روحَ
ميكائيلَ ، ثمَّ روحَ إسرافيلَ، ثمَّ يأمرُ ملكَ الموتِ فيموتَ، ثمَّ يلبثُ الخلقُ
بعدَ النفخةِ الأولىُ في البرزخِ أربعينَ سنةً ، ثمَّ يحيي اللهُ إسرافيلَ ، فيأمرُهُ أنْ
ينفخَ الثانيةَ، فذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿ ثُمَّنُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنَظُرُونَ﴾ على
أرجلِهم ينظرونَ إلى البعثِ )(٢) .
جن
جن
جن
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( حينَ بُعثَ إليَّ .. بُعثَ إلى صاحبٍ
(١) رواه الترمذي (٢٤٣١)، وعند ابن ماجه ( ٤٢٧٣): ((إن صاحبي الصور بأيديهما -
أو في أيديهما - قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران)).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ( ٦٨٥/٣ - ٦٨٧).
٥٣٠

ربع المنجيات
کتاب ذکر الموت
الصورِ فأهوىُ بهِ إلىْ فيهِ، وقدَّمَ رجلاً وأخَّرَ أخرى ينتظرُ متى يُؤمرُ بالنفخِ ،
ألا فاتقوا النفخةَ))(١) .
فتفكّرْ في الخلائقِ وذلُّهم وانكسارِهم واستكانتِهم عندَ الانبعاثِ ؛ خوفاً
مِنْ هُذهِ الصعقةِ وانتظاراً لما يُقضى عليهمْ مِنْ سعادةٍ أو شقاوةٍ ، وأنتَ فيما
بينَهُمْ منكسرٌ كانكسارِهمْ، متحيِّرٌ كتحيرِهمْ، بلْ إنْ كنتَ في الدنيا مِنَ
المترفُّهينَ والأغنياءِ المتنعمينَ .. فملوكُ الأرضِ في ذلكَ اليومِ هُمْ أذلُّ أهلٍ
أرضِ الجمع وأصغرُهُمْ وأحقرُهُمْ، يُوطؤونَ بالأقدام مثلَ الذرِّ .
وعندَ ذلكَ تقبلُ الوحوشُ مِنَ البراري والجبالِ منكسةٌ رؤوسَها ، مختلطةٌ
بالخلائقِ بعدَ توحشِها ، ذليلةً ليوم النشورِ مِنْ غيرِ خطيئةٍ تدنَّسَتْ بها ،
ولكنْ حشرَهُمْ شدةُ الصعقةِ وهولُ النفخةِ ، وشغلَهُمْ ذلكَ عنِ الهربِ مِنَ
الخلقِ والتوحشِ مِنْهم، وذلكَ قولُه تعالى: ﴿ وَإِذَا الْوُجُوشُ خُشِرَتْ﴾.
ثُمَّ أقبلَتِ الشياطينُ المردةُ بعدَ تمرُّدِها وعتوِّها ، وأذعنَتْ خاشعةً مِنْ
هيبةِ العرض على اللهِ تعالى؛ تصديقاً لقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ
وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَتُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِيًّا﴾، فتفكّرْ في حالِكَ وحالٍ قلبِكَ
هنالِكَ .
(١) قال الحافظ الزبيدي في ((الإتحاف)) (٤٥٣/١٠): (رواه عبد بن حميد في (( تفسيره )) من
حديث ابن عمر بلفظ: ((لما بعث إليَّ .. بعث إلى صاحب الصور ... ))).
٥٣١

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
صفة أرض المحشر وأحله
ثُمَّ انظرْ كيفَ يُساقونَ بعدَ البعثِ والنشورِ حفاةً عراةً غرلاً إلى أرضٍٍ
المحشرِ ؛ أرضٍ بيضاءَ ، قاع صفصفٍ ، لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً ،
ولا ترى عليها ربوةً يختفي الإنْسانُ وراءَها ، ولا وهدةً ينخفضُ عنِ الأعينِ
فيها ، بلْ هوَ صعيدٌ واحدٌ بسيطٌ لا تفاوتَ فيهِ ، يُساقونَ إليهِ زمراً ، فسبحانَ
مَنْ جمعَ الخلائقَ على اختلافِ أصنافِهِمْ مِنْ أقطارِ الأرضِ ؛ إذْ ساقَهم
بالراجفةِ تتبَعُها الرادفةُ ، والراجفةُ هيَ النفخةُ الأولى ، والرادفةُ هيَ الثانيةُ .
وحقيقٌ لتلكَ القلوبِ أنْ تكونَ يومَئذٍ واجفةً ، ولتلكَ الأبصارِ أنْ تكونَ
خاشعةٌ .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يُحشرُ الناسُ يومَ القيامةِ على
أرضٍ بيضاءَ عفراءَ، كقرصةِ النقيِّ، ليسَ فيها مَعْلَمٌ لأحدٍ ))(١) .
قالَ الراوي : و( العفرةُ): بياضٌ ليسَ بالناصع ، و( النقيُّ): هوَ
النقيُّ عنِ القشرِ والنخالةِ ، و( لا معلمٌ) أيْ: لا بناءٌ يسترُ ، ولا تفاوتٌ يردُّ
البصرَ .
ولا تظنَّنَّ أنَّ تلكَ الأرضَ مثلُ أرضِ الدنيا ، بلْ لا تساويها إلاَّ في
الاسم .
(١) رواه البخاري (٦٥٢١)، ومسلم ( ٢٧٩٠).
٥٣٢

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَتُ﴾.
قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما : ( يُزادُ فيها ويُنقصُ ، وتذهبُ أشجارُها
وجبالُها وأوديتُها وما فيها، وتُمدُّ مدَّ الأديمِ العكاظيِّ، أرضٌ بيضاءُ مثلُ
الفضةِ ، لمْ يُسفكْ عليها دمٌّ ، ولم يُعملْ عليها خطيئةٌ ، والسماواتُ تذهبُ
شمسُها وقمرُها ونجومُها )(١) .
فانظرْ يا مسكينُ في هولِ ذلكَ اليومِ وشدَّتِهِ ، فإنَّهُ إذا اجتمعَ الخلائقُ
على هذا الصعيدِ .. تناثرَتْ مِنْ فوقِهِم نجومُ السماءِ، وطُمسَتِ الشمسُ
والقمرُ، وأظلمَتِ الأرضُ؛ لخمودِ سراجِها ، فبينا أنتَ كذلكَ ؛ إذْ دَارَتْ
السماءُ مِنْ فوقٍ رؤوسِهم، وانشقَّتْ معَ غلظِها وشدَّتِها خمسَ مئةٍ عامٍ ،
والملائكةُ قيامٌ على حافَّاتِها وأرجائِها ، فيا هولَ صوتِ انشقاقِها في
سمعِكَ !
ويا هيبةً ليومٍ تنشقُّ فيهِ السماءُ مع صلابتِها وشدَّتِها ، ثمَّ تنهارُ وتسيلُ
كالفضةِ المذابةِ تخالطُها صفرةٌ فصارَتْ وردةً كالدهانِ ، وصارتِ السماءُ
كالمهلِ ، وصارتِ الجبالُ كالعهنِ ، واشتبكَ الناسُ كالفراشِ المبثوثِ وهُمْ
عراةٌ حفاةٌ مشاةٌ !
(١) رواه البيهقي في ((البعث والنشور)) (٨٩) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما
موقوفاً، وعند أبي نعيم في « الحلية)) (٣٤٨/٤)، والبزار في (( المسند)) ( ١٨٥٩)
من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً في تفسير الآية : (( أرض بيضاء كأنها فضة ،
لم يعمل عليها خطيئة ولم يسفك فيها دم حرام )) .
٥٣٣

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يُبعثُ الناسُ حفاة عراةً غرلاً ،
قدْ ألجمَهُمُ العرقُ وبلغَ شحومَ الآذانِ )» قالَتْ سودةُ زوجُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ راويةُ الحديثِ : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ واسوءتاهُ! ينظرُ بعضُنا إلى
بعضٍ ؟! فقالَ: ((شُغلَ الناسُ عنْ ذلكَ ﴿لِكُلِ آمْرِيٍ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ﴾)) (١).
فأعظِمْ بيومِ تنكشفُ فيهِ العوراتُ ، ويُؤْمنُ فيهِ معَ ذلكَ مِنَ النظرِ
والالتفاتِ ، كيفَ وبعضُهُم يمشونَ على بطونِهِمْ ووجوهِهِمْ، ولا قدرةَ لهمْ
على الالتفاتِ إلى غيرِهِمْ .
قالَ أبو هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( يُحشرُ الناسُ يومَ القيامةِ ثلاثةَ أصنافٍ: ركباناً، ومشاةً، وعلى
وجوهِهِمْ )) فقالَ رجلٌ: يا رسولَ اللهِ ؛ وكيفَ يمشونَ على وجوهِهِمْ؟ قالَ:
(( الذي أمشاهُمْ على أقدامِهِمْ قادرٌ على أنْ يُمشيَهمْ على وجوهِهِمْ))(٢) .
وفي طبع الآدميِّ إنكارُ كلِّ ما لمْ يأنسْ بهِ ، ولَوْ لمْ يشاهدِ الإنسانُ الحِيَّةَ
وهيَ تمشي على بطنِها كالبرقِ الخاطفِ .. لأنكرَ تصوُّرَ المشيٍ مِنْ غيرِ
رجلٍ ، والمشيُّ بالرجلِ أيضاً مستبعدٌ عندَ مَنْ لمْ يشاهدْ ذلكَ ، فَإِيَّاكَ أنْ
تنكرَ شيئاً مِنْ عجائبٍ يومِ القيامةِ لمخالفتِها قياسَ ما في الدنيا ؛ فإنَّكَ لوْ لمْ
(١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥١٥/٢)، والطبراني في (( المعجم الكبير)
(٣٤/٢٤)، وعند البخاري ( ٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩) نحوه من حديث عائشة
رضي الله عنها .
(٢) رواه الترمذي ( ٣١٤٢).
٥٣٤

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
تكنْ قدْ شاهدتَ عجائبَ الدنيا ثمَّ عُرضَتْ عليكَ قبلَ المشاهدةِ .. لكنتَ
أشدَّ إنكاراً لها .
فأحضرْ في قلبكَ صورتَكَ وأنتَ واقفٌ عارياً مكشوفاً ، ذليلاً مدحوراً ،
متحيراً مبهوتاً ، منتظراً لما يجري عليكَ مِنَ القضاءِ بالسعادةِ أو بالشقاوةِ ،
وأعظمْ هذهِ الحالةَ ؛ فإنَّها عظيمةٌ .
٦٠٠
٥٣٥

کتاب ذکر الموت
ربع المنجيات
صفة العرق
ثمَّ تفكّرْ في ازدحامِ الخلائقِ واجتماعِهمْ حتى ازدحمَ على الموقفِ أهلُ
السماواتِ السبع والأرضينَ السبعِ ؛ مِنْ ملكِ وجنٍّ وإنسٍ وشيطانٍ ، ووحشٍ
وسبعٍ وطيرٍ ، فأشرقَتْ عليهِمُ الشمسُ وقدْ تضاعفَ حرُّها ، وتبدَّلَتْ عمَّا
كانَتْ عليهِ مِنْ خفةِ أمرِها ، ثمَّ أَدَنيَتْ مِنْ رؤوسِ العالمينَ قابَ قوسينِ ، فلمْ
يبقَ على الأرضِ ظلُّ إلَّ ظلُّ عرشٍ ربِّ العالمينَ، ولمْ يُمكَّنْ مِنَ الاستظلالِ
بهِ إلَّ المقربونَ ، فمِنْ بينِ مستظلِّ بالعرشِ وبينِ ضاحٍ لحرِّ الشمسِ قَدْ
صهرَتْهُ بحرّها ، واشتدَّ كربُهُ وغمُّهُ مِنْ وهجِها ، ثمَّ تدافعَتِ الخلائقُ ، ودفعَ
بعضُهم بعضاً ؛ لشدَّةِ الزحامِ واختلافِ الأقدامِ ، وانضافَ إليهِ شدَّةُ الخجلةِ
والحياءِ مِنَ الافتضاحِ والاختزاءِ عندَ العرضِ على جبارِ السماءِ ، فاجتمعَ
وهجُ الشمسِ وحُّ الأنفاسِ ، واحتراقُ القلوبِ بنارِ الحياءِ والخوفِ ،
ففاضَ العرقُ مِنْ أصلٍ كلِّ شعرةٍ حتى سالَ على صعيدِ القيامةِ ، ثمَّ ارتفعَ إلى
أبدانِهِم على قدرٍ منازلِهِمْ عندَ اللهِ، فبعضُهم بلغَ العرقُ ركبتيهِ ، وبعضُهم
حقويهِ ، وبعضُهم إلى شحمةِ أذنيهِ ، وبعضُهم كادَ یغیبُ فيهِ .
جن
قالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((﴿يَوْمَ
يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ حتى يغيبَ أحدُهُم في رشحِهِ إلى أنصافِ أذنيهِ)) (١) .
حن
جن
جن
دنحن
(١) رواه البخاري (٤٩٣٨)، ومسلم ( ٢٨٦٢).
٥٣٦

ربع المنجيات
كتاب ذكر الموت
وقالَ أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يعرقُ الناسُ
يومَ القيامةِ حتى يذهبَ عرقُهُم في الأرضِ سبعينَ ذراعاً ، ويلجمُهم ويبلغُ
آذانَهُمْ)) كذا رواه البخاريُّ ومسلمٌ في الصحيح (١).
وفي حديثٍ آخرَ : (( قياماً شاخصةً أبصارُهُمْ أربعينَ سنةً إلى السماءِ ،
فيلجمُهمُ العرقُ مِنْ شدَّةِ الكربِ))(٢).
وقالَ عقبةُ بنُ عامرٍ : ( قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( تدنو
الشمسُ مِنَ الأرضِ يومَ القيامةِ ، فيعرقُ الناسُ ؛ فمِنَ الناسِ مَنْ يبلغُ عرقُهُ
عقبَهُ ، ومنهم مَنْ يبلغُ نصفَ ساقِهِ ، ومنهم مَنْ يبلغُ ركبتيهِ ، ومنهم مَنْ يبلغُ
فخذَهُ، ومنهم مَنْ يبلغُ خاصرتَهُ ، ومنهم مَنْ يبلغُ فاهُ - وأشارَ بيدِهِ فألجمَها
فاهُ - ومنهم مَنْ يغطِّيهِ عرقُهُ)) وضربَ بيدِهِ على رأسِهِ هكذا)(٣).
فتأمَّلْ يا مسكينُ في عرقِ أهلِ المحشرِ وشدَّةِ كرِبِهِمْ ، وإنَّ فيهمِ مَنْ
ينادي فيقولُ : يا ربِّ ؛ أرحْني مِنْ هذا الكربِ والانتظارِ ولوْ إلى النَّارِ ،
وكلُّ ذلكَ ولمْ يلقَوا بعدُ حساباً ولا عقاباً ؛ فإنَّكَ واحدٌ منهم ، ولا تدري
إلى أينَ يبلغُكَ العرقُ.
واعلمْ : أنَّ كلَّ عرقٍ لمْ يخرجْهُ التعبُ في سبيلِ اللهِ مِنْ حِّ وجهادٍ
(١) رواه البخاري (٦٥٣٢)، ومسلم ( ٢٨٦٣) .
(٢) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٦١/٩)، وابن عدي في (( الكامل)"
( ٢٥٧/٥ ) .
(٣) رواه أحمد في (( المسند)) (١٥٧/٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٧١/٤).
ـون
٥٣٧

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
وصيامٍ وقيامٍ ، وتردُّدٍ في قضاءِ حاجةٍ مسلمٍ ، وتحمُّلِ مشقةٍ في أمرٍ بمعروفٍ
ونهي عن منكرٍ .. فسيخرجُهُ الحياءُ والخوفُ في صعيدِ القيامةِ ، ويطولُ فيهِ
الکربُ .
ولوْ سلمَ ابنُ آدَمَ مِنَ الجهلِ والغرورِ .. لعلمَ أَنَّ تعبَ العرقِ في تحمُّلِ
مصاعبِ الطاعاتِ أهونُ أمراً وأقصرُ زماناً مِنْ عرقِ الكربِ والانتظارِ في
القيامةِ ؛ فإنَّهُ يومٌ عظيمةٌ شدَّتُهُ، طويلةٌ مدَّتُهُ .
٥٣٨

ربع المنجيات
کتاب ذكر الموت
صفة طول يوم القيامة
يومٌ تقفُ فيهِ الخلائقُ شاخصةً أبصارُهم ، منفطرةً قلوبُهم ، لا يُكلَّمونَ
ولا يُنظرُ في أمورِهم ، يقفونَ ثلاثَ مئةِ عام لا يأكلونَ فيهِ أكلةً ولا يشربونَ
فیهِ شربةً ، ولا يجدونَ فیهِ روحَ سیمٍ .
قالَ كعبٌ وقتادةُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ قَالَ: يقومونَ مقدارَ ثلاثٍ
مئةٍ عامٍ(١).
بلْ قالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهما : تلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ هذهِ الآيةَ ثمَّ قالَ: ((كيفَ بكم إذا جمعَكُمُ اللهُ كما تُجمعُ النبلُ في
الكنانةِ خمسينَ ألفَ سنةٍ لا ينظرُ إليكمْ))(٢) .
وقالَ الحسنُ : ما ظنُّكَ بقوم قاموا على أقدامِهِمْ(٣) مقدارَ خمسينَ ألفَ
سنةٍ لمْ يأكلوا فيها أكلةً ولم يشربوا فيها شربةً ، حتى إذا انقطعَتْ أعناقُهُمْ
عطشاً ، واحترقَتْ أجوافُهُم جوعاً .. انصُرفَ بِهِمْ إلى النَّارِ ، فسُقوا مِنْ عينٍ
آنيةٍ قَدْ آنَ حرُّها واشتدَّ لفحُها ، فلمَّا بلغَ المجهودُ منهمْ ما لا طاقةً لهم بهِ ..
(١) أورده السيوطي في (( الدر المنثور)) (٤٤٣/٨) وعزا قول كعب إلى ابن المنذر ، وقول
قتادة إلى عبد بن حميد .
(٢) رواه الحاكم في (( المستدرك)) (٥٧١/٤) من حديث عبد الله بن عمرو .
(٣) في (د، ص): ( ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم).
٥٣٩

كتاب ذكر الموت
ربع المنجيات
كلَّمَ بعضُهُمْ بعضاً في طلبٍ مَنْ يكرمُ على مولاهُ ؛ ليشفعَ في حقُّهِمْ ، فلمْ
يتعلَّقوا بنبيٍّ إلَّ دفعَهُمْ وقالَ : ( دعوني ، نفسي نفسي ، شغلَني أمري عنْ
أمرٍ غيري ) ، واعتذرَ كلُّ واحدٍ بشدةِ غضبِ اللهِ تعالى ، وقالوا : ( قدْ
غضبَ اليومَ ربُّنا غضباً لمْ يغضبْ قبلَهُ مثلَهُ، ولا يغضبُ بعدَهُ مثلَهُ) حتى
يشفعَ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمَنْ يُؤْذِنُ لهُ فيهِ ، لا يملكونُ الشفاعةَ إلاَّ مَنْ
أذنَ لهُ الرحمنُ ورضيَ لهُ قولاً(١) .
فتأمَّلْ في طولِ هذا اليومِ وشدَّةِ الانتظارِ فيهِ ؛ حتى يخفَّ عليكَ انتظارُ
الصبرِ عنِ المعاصي في عمرٍكَ المختصرِ .
واعلمْ : أَنَّ مَنْ طالَ انتظارُهُ في الدنيا للموتِ ؛ لشدَّةِ مقاساتِهِ للصبرِ عنِ
الشهواتِ .. فإنَّهُ يقصرُ انتظارُهُ في ذلكَ اليوم خاصةً ؛ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ لَمَّا سُئلَ عنْ طولِ ذلكَ اليومِ: (( والذي نفسي بيدِهِ؛ إنَّهُ
ليُخففُ على المؤمنِ حتى يكونَ أهونَ عليهِ مِنْ صلاةٍ مكتوبةٍ يصليها في
الدنيا)) (٢).
فاجتهدْ أنْ تكونَ مِنْ أولئكَ المؤمنينَ ، فما دامَ يبقىُ لكَ نفسٌ مِنْ عمرِكَ
--
(١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (١٦١٣)، وأما اعتذار الأنبياء عليهم
الصلاة والسلام وشفاعة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .. فرواه البخاري ( ٤٧١٢)،
ومسلم ( ١٩٤ ) .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٧٥/٣)، وأبو يعلى في « مسنده)) (١٣٩٠)، وفي غير
(ب): (أهون عليه من الصلاة المكتوبة ).
٥٤٠