Indexed OCR Text
Pages 401-420
ربع المنجيات كتاب ذكر الموت يغبطُهُ بهِ الأولونَ والآخرونَ ، وانفعْنا بمقامِهِ المحمودِ يومَ القيامةِ ، واخلفْهُ فينا في الدنيا والآخرةِ ، وبلِّغْهُ الدرجةَ والوسيلةَ مِنَ الجنَّةِ . اللهمَّ ؛ صلِّ على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ ، وبارك على محمَّدٍ وعلى آلِ محمَّدٍ ، كما صلَّيتَ وباركتَ علىُ إبراهيمَ ؛ إنَّكَ حميدٌ مجيدٌ . أيُّها النَّاسُ ؛ إنَّهُ مَنْ كانَ يعبدُ محمداً .. فإنَّ محمداً قدْ ماتَ ، ومَنْ كانَ يعبدُ اللهَ .. فإنَّ اللهَ حيٌّ لم يمتْ، وإنَّ اللهَ تعالى قد تقدَّمَ إليكم في أمرِهِ فلا تدعوه جزعاً ؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قدِ اختارَ لنبيِّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما عندَهُ على ما عندَكم ، وقبضَهُ إلى ثوابِهِ ، وخلفَ فيكم كتابَهُ وسنةَ نبيَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فمَنْ أخذَ بهما .. عرفَ، ومَنْ فرقَ بينَهما .. أنكرَ، ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ﴾ ولا يشغلَنَّكم الشيطانُ بموتِ نبيِّكم، ولا يفتنَّكُم عنْ دينِكم ، وعاجلوا الشيطانَ بالخيرِ .. تعجزوه، ولا تستنظروه .. فيلحقَ بكُمْ ويفتنَكُمْ)(١) . وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما : ( لمَّا فرغَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ مِنْ خطبِهِ .. قالَ : يا عمرُ ؛ أنتَ الذي بلغَني أنَّكَ تقولُ: ما ماتَ نبيُّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟! أما ترى أنَّ نبيَّ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ يومَ كذا : كذا وكذا ، ويومَ كذا : كذا وكذا ، وقالَ اللهُ تعالى في كتابِهِ : (١) رواه بطوله سيف بن عمر التميمي في كتاب ((الفتوح)) له عن عمرو بن تمام عن أبيه عن القعقاع. ((إتحاف)) (٣٠٢/١٠). ٤٠١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ قَّيِّتُونَ﴾؟! فقالَ: واللهِ ؛ لكأنِّي لمْ أسمعْ بها في كتابِ اللهِ تعالى قبلَ الآنَ؛ لما نزلَ بنا ، أشهدُ أنَّ الكتابَ كما نزلَ ، وأنَّ الحديثَ كما حدَّثَ، وأنَّ اللهَ حِيٌّ لا يموتُ، إنَّا للهِ وإِنَّا إليه راجعونَ، وصلواتُ اللهِ على رسولِهِ، وعندَ اللهِ نحتسبُ رسولَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، ثمّ جلسَ إلى أبي بكرٍ)(١) . وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( لمَّا اجتمعوا لغسلِهِ .. قالوا : واللهِ ؛ لا ندري كيفَ نغسلُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أنجردُهُ عَنْ ثيابِهِ كما نصنعُ بموتانا أم نغسلُهُ في ثيابِهِ ؟ قالَتْ : فأرسلَ اللهُ عليهمُ النَّومَ حتى ما بقيَ مِنْهُم رجلٌ إلاَّ واضعٌ لحيتَهُ على صدرِهِ نائماً ، ثمّ قالَ قائلٌ لا ندري مَنْ هوَ : اغسلوا رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعليهِ ثيابُهُ ، فانتبهوا ففعلوا ذلكَ ، فغُسلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في قميصِهِ ، حتى إذا فرغوا من غسلِهِ .. كُفنَ )(٢). وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( أردنا خلعَ قميصِهِ ، فُنُودينا : لا تخلعواَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثيابَهُ، فأقررناهُ، فغسلناهُ في قميصِهِ كما نغسلُ موتانا مستلقياً ما نشاءُ أن يُقلبَ لنا منهُ عضوٌ لم نبالغْ فيهِ إلاَّ قُلبَ لنا (١) رواه البخاري (٤٤٥٢) بنحوه، وفيه: ((والله؛ لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم ، فما أسمع أحداً من الناس إلا يتلوها)). (٢) رواه أبو داوود (٣١٤١). ٤٠٢ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت حتى نفرغَ منهُ، وإنَّ معَنا لحفيفاً في البيتِ كالريح الرُّخاءِ ، ويصوتُ بنا : ارفقوا برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فإنَّكُم ستُكفونَ ) . فهكذا كانَتْ وفاةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولم يتركْ سَبَداً ولا لبَداً إلاَّ دُفِنَ معَهُ(١) ، قالَ أبو جعفرٍ: فُرشَ لحدُهُ بمفرشِهِ وقطيفتِهِ ، وفُرشَتْ ثيابُهُ عليها التي كانَ يلبسُ يقظانَ(٢) على القطيفةِ والمفرشِ، ثمَّ وُضعَ عليها في أكفانِهِ (٣) . فلم يتركْ بعدَ وفاتِهِ مالاً ، ولا بنى في حياتِهِ لبنةً على لبنةٍ ، ولا وضعَ قصبةً على قصبةٍ ، ففي وفاتِهِ عبرةٌ تامةٌ ، وللمسلمينَ بهِ أسوةٌ حسنةٌ . به. (١) أي : قليلاً أو كثيراً . (٢) أي : التي كان يلبسها في حياته. (٣) رواه مسلم (٩٦٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بلفظ : ( جعل في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قطيفة حمراء)، وانظر ((الإتحاف)) (١٠/ ٣٠٤). ٤٠٣ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وفاة أبي بكر الصديق رضي الله عنه لمَّا احتُضرَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ .. جاءَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها فتمثَّلَتْ بهذا البيتِ(١) : [من الطويل] لَعَمْرُكَ مَا يُغْنِي الثَّرَاءُ عَنِ الْفَتَى إِذا حَشْرَجَتْ يَوْماً وَضافَ بِها الصَّدْرُ فكشفَ عنْ وجهِهِ وقالَ : ( ليسَ كذلكَ ، ولكِنْ قولي: ﴿ وَجَآَتْ سَكْرَةُ اَلْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ انظروا ثوبيَّ هذينٍ فاغسلوهما وكفّنوني فيهما ؛ فإنَّ الحيَّ إلى الجديدِ أحوجُ مِنَ الميتِ)(٢). وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها عندَ موتِهِ (٣) : [من الطويل] وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ رَبِيعَ الْيَتَامِى عِصْمَةٌ لِلأَرامِلِ فقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ : (ذاكَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ) (٤). ودخلوا عليهِ في مرضِهِ فقالوا : ألا ندعو لكَ طبيباً ينظرُ إليكَ ؟ قالَ رضيَ اللهُ عنهُ : ( قدْ نظرَ إليَّ طبيبي وقالَ: إِنِّي فعَّالٌ لما أريدُ )(٥). (١) البيت لحاتم الطائي في ((ديوانه)) (ص ٢١٠). (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) (٥٦٣)، وابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٣٦). ة (٣) البيت لأبي طالب في (( ديوانه)) (ص ٧٥). (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٧/١)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢٦٥٩١). (٥) رواه أحمد في (( الزهد)) (٥٨٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٤/١)، وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٥٥٨١)، وفي (ب): ( الطبيب ) بدل ( طبيبي ) . ٤٠٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت ودخلَ عليهِ سلمانُ الفارسيُّ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ يعودُهُ ، فقالَ : يا أبا بكرِ ؛ أوصنا فقالَ : ( إنَّ اللهَ فاتحٌ عليكمُ الدنيا ؛ فلا تأخذنَّ منها إلا بلاغَكَ ، واعلمْ أنَّ مَنْ صلَّى صلاةَ الصبحِ .. فهوَ في ذمةِ اللهِ تعالى ، فلا تخفرَنَّ اللهَ في ذمَّتِهِ فيكبَّكَ في النَّارِ على وجهِكَ)(١) . ولمَّا ثقلَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ وأرادَ الناسُ منهُ أن يستخلفَ .. فاستخلفَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ، فقالَ الناسُ لهُ: استخلَفتَ علينا فظّاً غليظاً ، فماذا تقولُ لربِّكَ ؟ فقالَ : ( أقولُ استخلفتُ على خلقِكَ خيرٌ خلقِكَ ) ، ثمَّ أرسلَ إلى عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ فجاءَ فقالَ : ( إنِّي موصيكَ بوصيةٍ ، اعلم : أنَّ للهِ حقّاً في النهارِ لا يقبلُهُ في الليلِ ، وأنَّ لهُ حقّاً في الليلِ لا يقبلُهُ في النهارِ ، وأنَّهُ لا يقبلُ النافلةَ حتى تُؤْدَّى الفريضةُ ، وإنَّما ثُقلَتْ موازينُ مَنْ ثقلَتْ موازينُهُم يومَ القيامةِ باتباعِهِمُ الحقَّ في الدنيا وثقلِهِ عليهِمَْ، وحُقَّ لميزانٍ لا يُوضعُ فيهِ إلَّ الحُّ أن يثقلَ ، وإنَّما خفَّتْ موازينُ مَنْ خَفَّتْ موازينُهُم يومَ القيامةِ باتباعِهِمُ الباطلَ وخفّتِهِ عليهِمْ، وحُقَّ لميزانٍ لا يُوضعُ فيهِ إلَّ الباطلُ أن يخفَّ، وإنَّ اللهَ ذكرَ أهلَ الجنَّةِ بأحسنِ أعمالِهِمْ ، وتجاوزَ عن سيِّئاتِهم ، فيقولُ القائلُ : أنا دونَ هؤلاءِ ، ولا أبلغُ مبلغَ (١) الشطر الأول من الحديث رواه أحمد في ((الزهد)) (٨٢٥)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١٩٦/١) من حديث سلمان رضي الله عنه في وفاتهِ، والشطر الثاني منه : رواه ابن ماجه (٣٩٤٥)، وعند مسلم ( ٦٥٧) من حديث جندب رضي الله عنه نحوه . وانظر ((الإتحاف)) (٣٠٧/١٠) . ٤٠٥ 1 کتاب ذکر الموت ربع المنجيات هؤلاءِ، وإنَّ اللهَ ذكرَ أهلَ النَّارِ بأسوأِ أعمالِهِم ، وردَّ عليهِم صالحَ الذي عملوا ، فيقولُ القائلُ: أنا أفضلُ مِنْ هؤلاءِ ، وإِنَّ اللهَ تعالى ذكرَ آيةَ الرحمةِ وآيةَ العذابِ ؛ ليكونَ المؤمنُ راغباً راهباً ، ولا يلقي بيدهِ إلى التَّهلكةِ ، ولا يتمنَّى على اللهِ غيرَ الحقِّ ، فإِنْ حفظتَ وصيَّي هذهِ . . فلا يكونَنَّ غائبٌ أحبَّ إليكَ مِنَ الموتِ ولا بدَّ لكَ منهُ ، وإنْ ضيعتَ وصيّي .. فلا يكونَنَّ غائبٌ أبغضَ إليكَ مِنَ الموتِ ولا بدَّ لكَ منهُ ولستَ بمعجزِهٍ)(١) . وقالَ سعيدُ بنُ المسيَّبِ : لمَّا احتُضرَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ .. أتاهُ ناسٌ مِنَ الصحابةِ فقالوا : يا خليفةَ رسولِ اللهِ ؛ زوِّدْنا ؛ فإنَّا نراكَ لما بكَ ، فقالَ أبو بكرٍ : مَنْ قالَ هؤلاءِ الكلماتِ ثُمَّ ماتَ .. جعلَ اللهُ روحَهُ في الأفقِ المبينِ ، قالوا : وما الأفقُ المبينُ ؟ قالَ : قاعٌ بينَ يدي العرشِ ، فیه ریاضٌ وأنهارٌ وأشجارٌ ، يغشاهُ كلَّ يوم مئةُ رحمةٍ ، فمَنْ قالَ هذا القولَ .. جعلَ اللهُ روحَهُ في ذلكَ المکانِ : اللهمَّ ؛ إنَّكَ ابتدأتَ الخلقَ مِنْ غيرِ حاجةٍ بكَ إليهِمْ ، ثمَّ جعلتَهُم فريقينِ : فريقاً للنعيمِ ، وفريقاً للسعيرِ ، فاجعلْني للنعيمِ ولا تجعلْني للسعيرِ . اللهمَّ ؛ إنَّكَ خلقتَ الخلقَ فرقاً، وميزتَهُم قبلَ أنْ تخلقَهُمْ ، فجعلتَ منهم شقيّاً وسعيداً ، وغويّاً ورشيداً ، فلا تشقني بمعاصيكَ . اللهمَّ ؛ إنَّكَ علمتَ ما تكسبُ كلُّ نفسٍ قبلَ أنْ تخلقَها ، فلا محيصَ لها (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ٣٨٢١١). ٤٠٦ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت ممَّا علمتَ ، فاجعلْني ممَّنْ تستعملُهُ بطاعتِكَ . اللهمَّ ؛ إنَّ أحداً لا يشاءُ حتى تشاءَ، فاجعلْ مشيئتَكَ أنْ أشاءَ ما يقرِّبُني إليكَ . اللهمَّ ؛ إنَّكَ قد قدَّرتَ حركاتِ العبادِ فلا يتحرَّكُ شيءٌ إلاَّ بإذنِكَ ، فاجعلْ حركاتي في تقواكَ . اللهمَّ ؛ إنَّكَ خلقتَ الخيرَ والشرّ وجعلتَ لكلِّ واحدٍ منهما عاملاً يعملُ به ، فاجعلْني مِنْ خيرِ القسمينِ . اللهمَّ ؛ إنَّكَ خلقتَ الجنَّةَ والنَّارَ وجعلتَ لكلِّ واحدةٍ منهما أهلاً ، فاجعلْني مِنْ سكانٍ جنَّتِكَ . اللهمَّ؛ إنَّكَ أردتَ بقوم الإيمانَ وشرحتَ لهُ صدورَهُم ، وأردتَ بقومٍ الضلالَ وضيَّقتَ بهِ صدورَهُم ، فاشرح صدري للإيمانِ وزيّنْهُ في قلبي . اللهمَّ ؛ إنَّكَ دبَرتَ الأمورَ فجعلتَ مصيرَها إليكَ ، فأحيني بعدَ الموتِ حياةً طيِّةً ، وقرِّبْني إليكَ زلفىُ . اللهمَّ ؛ مَنْ أصبحَ وأمسى ثقتُهُ ورجاؤُهُ غيرُكَ .. فأنتَ ثقتي ورجائي ، ولا حول ولا قوةَ إلاَّ باللهِ العليِّ العظيمِ . قالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ: هذا كلُّهُ في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ(١). (١) أورده المتقي الهندي في ((كنز العمال)) (٣٥٧٣٠) وعزاه لابن أبي الدنيا في ((الدعاء)». ٤٠٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وفاة عمر رضي الله عنه قالَ عمرُو بنُ ميمونٍ : كنتُ قائماً غداةَ أُصيبَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ ، ما بيني وبينهُ إلَّ عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما، وكانَ إذا مرَّ بينَ الصَّفينِ .. قَامَ بينَهما، فإذا رأىُ خللاً .. قالَ: استووا حتى إذا لم يرَ فيهم خللاً .. تقدَّمَ فكبَّرَ ، قالَ : وربَّما قرأَ ( سورةَ يوسفَ ) أو ( النحلِ ) أو نحوَ ذلكَ في الركعةِ الأولى حتى يجتمعَ الناسُ . فما هوَ إلاَّ أنْ كَبَّرَ .. فسمعتُهُ يقولُ : قتلَني .. أوْ أكلَني الكلبُ ، حينَ طعنَهُ أبو لؤلؤةَ وطارَ العلجُ بسكينِ ذاتِ طرفينٍ لا يمرُّ على أحدٍ يميناً ولا شمالاً إلاَّ طعنَهُ حتى طعنَ ثلاثةَ عشرَ رجلاً ، فماتَ منهُم تسعةٌ ، وفي روايةٍ : سبعةٌ ، فلمَّا رأى ذلكَ رجلٌ مِنْ المسلمينَ .. طرحَ عليهِ برنساً ، فلمَّا ظنَّ العلجُ أنَّهُ مأخوذٌ .. نحرَ نفسَهُ . وتناولَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ عبد الرحمنِ بنَ عوفٍ فقدَّمَهُ ، فأمَّا مَنْ كانَ يلي عمرَ .. فقدْ رأى ما رأيتُ، وأمَّا نواحي المسجدِ .. فلا يدرونَ ما الأمرُ ، غيرَ أنَّهم فقدوا صوتَ عمرَ وهم يقولونَ : سبحانَ اللهِ ، سبحانَ اللهِ ، فصلَّى بهم عبدُ الرحمنِ صلاةً خفيفةً، فلما انصرفوا .. قالَ : يا بنَ عباسٍ ؛ انظرْ مَنْ قتلَني . ـكن قالَ : فجالَ ساعةً ثمَّ جاءَ فقالَ : غلامُ المغيرةِ بنِ شعبةَ ، فقالَ عمرُ ٤٠٨ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت رضيَ اللهُ عنهُ : قاتلَهُ اللهُ ، لقدْ كنتُ أمرتُ بهِ معروفاً . ثمَّ قالَ : الحمدُ للهِ الذي لمْ يجعلْ منيَتَي بيدِ رجلٍ مسلمٍ ، قدْ كنتَ أنتَ وأبوكَ تحبَّانِ أنْ يكثرَ العلوجُ بالمدينةِ ، وكانَ العباسُ أكثرَهُم رقيقاً ، فقالَ ابنُ عباسٍ : إنْ شئتَ .. فعلتُ - أيْ : إنْ شئتَ .. قتلناهم - قالَ : بعدما تكلمُوا بلسانِكم ، وصلَّوا إلى قبلتِكُمْ، وحجوا حجَّكُم ؟! فاحتُملَ إلى بيتِهِ فانطلقنا معَهُ . قالَ : وكأنَّ الناسَ لمْ تصبْهم مصيبةٌ قبلَ يومِّئِذٍ ، فقائلٌ يقولُ : أخافُ عليهِ ، وقائلٌ يقولُ : لا بأسَ ، فأُتيَ بنبيذٍ فشربَ منهُ فخرجَ مِنْ جوفِهِ ، ثُمَّ أُتّيَ بلبنٍ فشربَ منهُ فُخرِجَ مِنْ جوفِهِ (١) ، فعرفوا أنَّهُ مَيِّتٌ . قالَ : فدخلنا عليهِ وجاءَ الناسُ يثنونَ عليهِ ، وجاءَ رجلٌ شابٌّ فقالَ : أبشرْ يا أميرَ المؤمنينَ بيشرىُ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ ؛ قد كانَ لكَ مِنْ صحبةٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، وقَدَمٍ في الإسلامِ ما قدْ علمتَ، ثمَّ وليتَ فعدلتَ ، ثمَّ شهادةٍ ، فقالَ : وددتُ أنَّ ذلكَ كانَ كفافاً لا عليَّ ولا لي ، فلمَّا أدبرَ الرجلُ ؛ إذا إزارُهُ يمسُّ الأرضَ ، فقالَ : ردُّوا عليَّ الغلامَ ، فقالَ : يا بنَ أخي ؛ ارفعْ ثوبَكَ ؛ فإنَّهُ أبقى لثوبِكَ وأتقىُ لربِّكَ . ثمَّ قالَ : يا عبدَ اللهِ؛ انظرْ ما عليٍّ مِنَ الدَّيْنِ، فحسبوهُ فوجدوهُ ستةً وثمانينَ ألفاً أَوْ نحوَهُ ، فقالَ: إنْ وقَّى بهِ مالُ آلِ عمرَ .. فأدِّهِ مِنْ أموالِهِمْ، (١) في (ب) و(ص ) : ( جرحه ) وهي إحدى روايات البخاري . ٤٠٩ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وإلاَّ فسلْ في بني عديٍّ بنِ كعبٍ ، فإنْ لمْ تفِ أموالُهُم .. فسلْ في قريشٍ ، ولا تعْدُهُم إلى غيرِهم وأدِّ عنِّي هذا المالَ ، انطلقْ إلى أمِّ المؤمنينَ عائشةً فقلْ : عمرُ يقرأُ عليكِ السلامَ ، ولا تقلْ : أميرُ المؤمنينَ ؛ فإنّي لستُ اليومَ للمؤمنينَ أميراً ، وقلْ : يستأذنُ عمرُ بنُ الخطابِ أنْ يُدفنَ معَ صاحبيهِ . فذهبَ عبدُ اللهِ فسلَّمَ واستأذنَ ، ثمَّ دخلَ عليها فوجدَها قاعدةً تبكي ، فقالَ : يقرأُ عليكِ عمرُ بنُ الخطابِ السَّلامَ ، ويستأذنُ أنْ يُدفنَ معَ صاحبيهِ ، فقالَتْ : كنتُ أريدُهُ لنفسي ، ولأوثرَنَّهُ اليومَ على نفسي ، فلمَّا أقبلَ .. قيلَ: هذا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ قدْ جاءَ، فقالَ: ارفعوني ، فأسندَهُ رجلٌ إليهِ ، فقالَ : ما لديكَ ؟ قالَ : الذي تحبُّ يا أميرَ المؤمنينَ ، قَدْ أذنَتْ، قالَ: الحمدُ للهِ ، ما كانَ شيءٌ أهمَّ إليَّ مِنْ ذلكَ، فإذا أنا قُبضتُ .. فاحملوني، ثمَّ سلِّم وقلْ: يستأذنُ عمرُ ، فإنْ أذنَتْ لي .. فأدخلوني ، وإن ردَّتْني .. ردُّوني إلى مقابرِ المسلمينَ . وجاءَتْ أُمُ المؤمنينَ حفصةُ رضيَ اللهُ عنها والنساءُ يسترنَها ، فلمَّا رأيناها .. قمنا، فولجَتْ عليهِ، فبكَتْ عندَهُ ساعةً، واستأذنَ الرجالُ فولجَتْ داخلاً، فسمعنا بكاءَها مِنَ الداخلِ ، فقالوا : أوصٍ يا أميرَ المؤمنينَ واستخلِفْ ، قالَ : ما أرى أحقَّ بهذا الأمرِ مِنْ هؤلاءِ النفرِ الذينَ تُوفِيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهوَ عنْهم راضٍ ، فسمَّى عليّاً وعثمانَ والزبيرَ وطلحةَ وسعداً وعبدَ الرحمنِ ، وقالَ : يشهدُكم عبدُ اللهِ بنُ عمرَ وليسَ لهُ مِنَ الأمرِ شيءٌ - كهيئةِ التعزيةِ لهُ - فإنْ أصابَتِ الإمارةُ سعداً .. ٤١٠ ربع المنجيات حر کتاب ذکر الموت فذاكَ ، وإِلاَّ .. فليستعِنْ بهِ أَيُكم ◌ُمُّرَ ؛ فإنِّي لم أعزلْهُ مِنْ عجزٍ ولا خيانةٍ . وقالَ : أُوصي الخليفةَ مِنْ بعدي بالمهاجرينَ الأولينَ أنْ يعرفَ لهم حقَّهم ، ويحفظَ لهُمْ حرمتَهُم ، وأوصيهِ بالأنصارِ خيراً ، الذين تبؤَّءُوا الدارَ والإيمانَ مِنْ قبلِهم ؛ أنْ يقبلَ مِنْ محسنِهِم ، وأنّ يعفوَ عَنْ مسيئِهم ، وأوصيهِ بأهلِ الأمصارِ خيراً ؛ فإنَّهم ردءُ الإسلام وجباةُ المالِ وغيظُ العدوّ، وألاَّ يأخذَ مِنْهم إلاَّ فضلَهم عَنْ رضاً مِنْهم ، وأوصيهِ بالأعرابِ خيراً ؛ فإنَّهم أصلُ العربِ ومادةُ الإسلامِ ؛ أنَّ يأخذَ مِنْ حواشي أموالِهِم ويردّ على فقرائِهم ، وأوصيهِ بذمَّةِ اللهِ عزَّ وجلَّ وذمَّةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ أنَّ يوفيَ لهُمْ بعهدِهم ، وأنْ يقاتلَ مِنْ ورائِهِم ، ولا يُكلَّفوا إلاَّ طاقتَهُم . قالَ : فلمَّا قُبضَ .. خرجنا بهِ فانطلقنا نمشي، فسلَّمَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ وقالَ : يستأذنُ عمرُ بنُ الخطابِ ، فقالَتْ : أدخلوهُ ، فَأُدخلَ فوُضعَ هنالكَ معَ صاحبيهِ ... الحديثَ(١). وعنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((قالَ لي جبريلُ عليهِ السَّلامُ : ليبكِ الإسلامُ على موتٍ عمرَ)» (٢). وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قالَ: ( وُضِعَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ على سريرِهِ فتكنَّفَهُ الناسُ(٣) يدعونَ ويصلونَ قبلَ أنْ يُرفعَ وأنا فيهم .. فلم يرُعْني (١) رواه البخاري (٣٧٠٠) وفيه: ( تسير معها ) بدل ( يسترنها ). (٢) رواه الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٤٥٢٣)، والآجري في « الشريعة)) (١٣٩١). أي: أحاطوا به . ((إتحاف)) (٣١٥/١٠). (٣) ٤١١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات إلَّ رجلٌ قد أخذَ بمنكبي ، فالتفتُّ ؛ فإذا هوَ عليٌّ بنُ أبي طالبٍ رضيَ اللهُ عنهُ ، فترخَّمَ على عمرَ وقالَ : ما خلَّفتَ أحداً أحبّ إليَّ أنْ ألقى اللهَ بمثلٍ عملِهِ منكَ ، وايمُ اللهِ؛ إنْ كنتُ لأظنُّ أنْ يجعلَكَ اللهُ مَع صاحبيكَ ؛ وذلكَ أني كنتُ كثيراً أسمعُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((ذهبتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ، ودخلتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ، وخرجتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ )) فإنِّي كنتُ لأرجو أوْ لأظنُّ أنْ يجعلَكَ اللهُ معَهما)(١) . (١) رواه البخاري (٣٦٨٥)، ومسلم (٢٣٨٩). ٤١٢ هـ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت وفاة عثمان رضي الله عنه الحديثُ في قتلِهِ مشهورٌ(١) ، وقدْ قالَ عبدُ اللهِ بنُ سلام : أتيتُ أخي عثمانَ لأسلمَ عليهِ وهوَ محصورٌ ، فدخلتُ عليهِ فقالَ : مرحباً بأخي ، رأيتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الليلةَ في هذهِ الخوخةِ - وهي خوخةٌ في البيتِ - فقالَ: (( يا عثمانُ، حصروكَ ؟)) قلتُ: نعمْ، قالَ : (( عطشوكَ؟ )) قلتُ: نعمْ، فأدلى إليَّ دلواً فيهِ ماءٌ فشربتُ حتى رويتُ ، حتى إني لأجدُ بردَهُ بينَ ثدييَّ وبينَ كتفيَّ، وقالَ لي: ((إنْ شئتَ .. نُصرتَ عليهمْ، وإنْ شئتَ .. أفطرتَ عندَنا)) فاخترتُ أنْ أُفطرَ عندَهُ ، فقُتلَ ذلكَ اليومَ رضيَ اللهُ عنهُ(٢). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ سلام لمَنْ حضرَ تشخُطَ عثمانَ في الموتِ حينَ جُرِحَ : ماذا قالَ عثمانُ وهوَ يتشخَّطُ ؟ قالوا : سمعناهُ يقولُ: ( اللهمَّ ؛ اجمعْ أمَّةَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ) ثلاثاً ، قالَ : والذي نفسي بيدِهِ ؛ لو دعا اللهَ ألاَّ يجتمعوا أبداً .. ما اجتمعوا إلى يوم القيامةِ(٣). (١) رواه ابن سعد في ((الطبقات)) (٦٨/٣)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٠٧/٣٩ - ٤٠٨)، وانظر ((الإتحاف)) (٣١٥/١٠ -٣١٦). (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٨٦/٣٩)، والحارث في (( مسنده )) كما في ((بغية الباحث)) (٩٧٩)، وعند أحمد في ((المسند)) (٧٢/١)، والبزار في ((مسنده)) ( ٣٤٧): ((اصبر؛ فإنك تفطر عندنا الليلة)). (٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠٢/٣٩). ٤١٣ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وعَنْ ثمامةَ بنِ حزنٍ القشيريُّ قالَ : شهدتُ الدارَ حينَ أشرفَ عليهم عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : ائتوني بصاحبيكُمُ اللذينِ الَّاكُمْ عليَّ ، قَالَ : فجيءَ بهما كأنَّهما جملانِ أوْ حمارانِ ، فأشرفَ عليهِمْ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : أنشدُكمْ باللهِ والإسلام ؛ هل تعلمونَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قدمَ المدينةَ وليسَ بها ماءٌ يُستعذبُ غيرَ بئرِ رومةَ فقالَ: (( مَنْ يشتري بئرَ رومةَ يجعلُ دلوَهُ معَ دلاءِ المسلمينَ بخيرٍ لهُ مِنْها في الجنَّةِ ؟ )) فاشتريتُها مِنْ صلبٍ مالي ، فأنتُمُ اليومَ تمنعوني أنْ أشربَ منها ومِنْ ماءِ البحرِ ؟ قالوا : اللهمَّ نعمْ، قالَ: أنشدُكُمُ اللهَ والإسلامَ ؛ هلْ تعلمونَ أنَّ المسجدَ كانَ قدْ ضاقَ بأهلِهِ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ يشتري بقعةً آلٍ فلانٍ فيزيدُها في المسجدِ بخيرٍ مِنْها في الجنَّةِ ؟ ) فاشتريتُها مِنْ صلبٍ مالي ، فأَنتُمُ اليومَ تمنعوني أنْ أُصليَ فيها ركعتينٍ ؟ قالوا : اللهمَّ نعمْ ، قالَ: أنشدُكمُ اللهَ والإسلامَ ؛ هلْ تعلمونَ أنِّي جهزتُ جيشَ العسرةِ مِنْ مالي ؟ قالوا : اللهمَّ نعمْ، قالَ : أنشدُكمُ اللهَ والإسلامَ ؛ هلْ تعلمونَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ على ثبيرٍ بمكةَ ومعَهُ أبو بكرٍ وعمرُ وأنا ، فتحرَّكَ الجبلُ حتى تساقَطَتْ حجارتُهُ بالحضيضِ ، قالَ : فركضَهُ برجلِهِ وقالَ : ((اسكنْ ثبيرُ، فإنَّما عليكَ نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدانِ؟)) قالوا : اللهمَّ نعمْ ، قال: اللهُ أكبرُ، شهدوا لي وربِّ الكعبةِ أَنِّي شهيدٌ (١). (١) رواه الترمذي (٣٧٠٣)، والنسائي (٢٣٥/٦)، وفيه: ( تمنعوني أن أشرب منها حتى أشرب من ماء البحر ) بدل ( تمنعوني أن أشرب منها ومن ماء البحر ) . ٤١٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت ورُويَ عَنْ شيخٍ مِنْ ضبةَ : أنَّ عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ حينَ ضُرِبَ والدماءُ تسيلُ على لحيتِهِ .. جعلَ يقولَ: ( لا إلهَ إلاَّ أنتَ سبحانَكَ إنِّي كنتُ مِنَ الظالمينَ ، اللهمَّ ؛ إنِّي أستعديكَ عليِهِمْ ، وأستعينُكَ على جميع أموري ، وأسألُكَ الصبرَ على ما ابتليتَي)(١) . (١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٠١/٣٩). ٤١٥ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات وفاة _ علة رضي الله عنه قالَ الأصبغُ الحنظليُّ : لمَّا كانتِ الليلةُ التي أُصيبَ فيها عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ .. أتاهُ ابنُ النَبَّاحِ حينَ طلعَ الفجرُ يؤذنُهُ بالصلاةِ وهو مضطجعٌ متثاقلٌ ، فعادَ الثانيةَ وهوَ كذلكَ ، ثمَّ عادَ الثالثةَ ، فقامَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ يمشي وهوَ [من الهزج] يقولُ(١): فَإِنَّ الْمَوْتَ لاقِيكا أُشْدُدْ حَيازِيمَكَ(٢) لِلْمَوْتِ إِذا حَلَّ بِوادِيكا وَلا تَجْزَعْ مِنَ الْمَوْتِ فلمَّا بلغَ البابَ الصغيرَ .. شدَّ عليهِ ابنُ ملجمٍ فضربَهُ ، فخرجَتْ أمّ كلثومٍ ابنةُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنها فجعلَتْ تقولُ : ما لي ولصلاةِ الغداةِ ؟! قُتلَ زوجي أميرُ المؤمنينَ صلاةَ الغداةِ ، وقُتْلَ أبي صلاةَ الغداةِ(٣) . وعَنْ شيخٍ مِنْ قريشٍ: أنَّ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ لمَّا ضربَهُ ابنُ ملجمٍ .. قالَ : ( فزتُ وربِّ الكعبةِ ) (٤) . (١) ديوان سيدنا علي الموسوم بـ((أنوار العقول لوصي الرسول)) (ص ٣٦٤). (٢) الحيزوم: ما استدار بالظهر والبطن أو ضلع الفؤاد ، وما اكتنف الحلقوم من جانب الصدر. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٥١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٥٥٥/٤٢)، والأبيات رواها عنه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٥٥٥)، والطبراني في (( الكبير)) (١٠٥/١). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٥٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٢ / ٥٦١ ) . ٤١٦ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وعَنْ محمدِ بنِ عليٍّ أَنَّهُ لمَّا ضُرِبَ أوصى بنيهِ ، ثمَّ لم ينطقْ إلَّ بـ( لا إلهَ إلاَّ اللهُ) حتى قُبِضَ (١). وفاة الحسن رضي الله عنه (٣) ولمَّا ثقلَ الحسنُ بنُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُما .. دخلَ عليهِ الحسينُ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : يا أخي ؛ لأَيِّ شيءٍ تجزعُ ؟! تقدمُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعلى عليٍّ بنِ أبي طالبٍ وهما أبواكَ، وعلى خديجةً بنتِ خويلدٍ وفاطمة بنتِ محمدٍ وهما أماكَ ، وعلى حمزةَ وجعفرٍ وهما عمَّاكَ، قالَ : يا أخي، أقدمُ على أمرٍ لم أقدمْ على مثلِهِ (٣). وفاة الحسين رضي الله عنه(٢) وعَنْ محمَّدِ بنِ الحسنِ قالَ : لمَّا نزلَ القومُ بالحسينِ رضيَ اللهُ عنهُ وأيقنَ أنَّهم قاتلوه .. قامَ في أصحابِهِ خطيباً ، فحمدَ الله تعالى وأثنى عليه ثمَّ قالَ: ( قَدْ نزلَ مِنَ الأمرِ ما ترونَ، وإنَّ الدنيا قدْ تغيَّرَتْ وتنَكَّرَتْ، وأدبرَ معروفُها ، وانشمرَتْ حتى لم يبقَ منها إلا كصبابةِ الإناءِ ، إلاَّ خسيسُ عيشٍ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٥٣)، والطبراني في ((الكبير)) (٩٧/١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٤٢ /٥٦٢). (٢) العنوان زيادة من اللجنة العلمية . (٣) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٨٦/١٣)، وانظر ((الإتحاف)) (٣٢٠/١٠). ٤١٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات كالمرعى الوبيل ، ألا ترونَ الحقَّ لا يُعملُ بهِ والباطلَ لا يُتناهىُ عنهُ؟! ليرغبِ المؤمنُ في لقاءِ اللهِ تعالىُ ، وإنِّي لا أرى الموتَ إلَّ سعادةً ، والحياةَ معَ الظالمينَ إلاَّ جرماً )(١) . (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١١٤/٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣٩/٢)، وابن عساكر في « تاريخ دمشق» ( ٢١٧/١٤ - ٢١٨). ٤١٨ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت البَابُ الْخَامِيسُ في كلام المحتضَرين من الخلفاء والأمراء والصّالحين لمَّا حضرَتْ معاويةً بنَ أبي سفيانَ الوفاةُ .. قالَ : أقعدوني، فأُقعدَ ، فجعلَ يسبِّحُ اللهَ تعالىُ ويذكرُهُ ، ثمَّ بكى وقالَ : تذكرُ ربَّكَ يا معاويةُ بعدَ الهرمِ والانحطاطِ ، ألا كانَ هذا وغصنُ الشبابِ نضرٌ ریّانُ ؟! وبكى حتى علا بكاؤُهُ وقالَ : يا ربِّ ؛ ارحمِ الشيخَ العاصيَ ذا القلبِ القاسي ، اللهمَّ ؛ أقلِ العثرةَ واغفرِ الزلَّةَ ، وعُدْ بحلمِكَ على مَنْ لمْ يرجُ غيرَكَ ولم يثقْ بأحدٍ سواكَ(١) . ـعمـ ورُويَ عَنْ شيخٍ مِنْ قريشٍ : أنَّهُ دخلَ معَ جماعةٍ عليهِ في مرضِهِ ، فرأوا في جلدِهِ غضوناً ، فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ ثمَّ قالَ: ( أمَّا بعدُ : فهلِ الدنيا أجمعُ إلا ما جرَّبنا ورأينا ؟! أما واللهِ ؛ لقدِ استقبلنا زهرتَها بجدتِنا ، وباستلذاذِنا بعيشِنا، فما لبثَتْنا الدنيا أنْ نقضَتْ ذلكَ منَّا حالاً بعدَ حالٍ وعروةً بعدَ عروةٍ ، فأصبحَتِ الدنيا وقدْ وترَتْنا وأخلقَتْنا ، واستلأمَتْ إلينا ، (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن)) (١١١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٢٢٧/٥٩) ، وفيه : تمثل معاوية عند موته : هو الموت لا منجى من الموت والذي نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع ٤١٩ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات فأفٍّ للدنيا مِنْ دارٍ ! ثمَّ أفٍّ لها مِنْ دارٍ!)(١). ويُروى أنَّ آخرَ خطبةٍ خطبَها معاويةُ رضيَ الله عنهُ أنْ قالَ : ( أيُّها النَّاسُ ؛ إنِّي مِنْ زرع قدِ استحصدَ ، وإنِّي قد وُليتكُم ولنْ يليَكُم أحدٌ بعدي إلاَّ وهوَ شرٌّ مني كما كانَ مَنْ قبلي خيراً مِنِّي ، ويا يزيدُ إذا وفَّى أجلي .. فولِّ غسلي رجلاً لبيباً ؛ فإنَّ اللبيبَ مِنَ اللهِ بمكانٍ ، فلينعمِ الغسلَ وليجهرْ بالتكبيرِ ، ثمَّ اعمدْ إلى منديلٍ في الخزانةِ فيهِ ثوبٌ مِنْ ثيابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقراضةٌ من شعرِهِ وأظفارِهِ ، فاستودع القراضةَ أنفي وفمي وأذني وعيني ، واجعلِ الثوبَ على جلدي دونَ أكفاني ، ويا يزيدُ ؛ احفظُ وصيةَ اللهِ في الوالدينِ ، فإذا أدرجتُموني في جريدَتي ووضعتُموني في حفرتي .. فخلوا معاويةَ وأرحم الراحمينَ )(٢) . وقالَ محمدُ بنُّ عقبةً : لمَّا نزلَ بمعاويةَ الموتُ .. قالَ : ( يا ليتني كنتُ رجلاً مِنْ قريشٍ بذي طوىٍ، وأنِّي لم ألِ مِنْ هذا الأمرِ شيئاً )(٣). ولمَّا حضرَتْ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ الوفاةُ .. نظرَ إلى غسالٍ بجانبٍ دمشقَ يلوي ثوياً بيدِهِ، ثمَّ يضربُ بهِ المغسلةَ ، فقالَ عبدُ الملكِ : واللهِ ليتني كنتُ غسالاً آكلُ منْ كسبٍ يدي يوماً بيوم ، ولمْ ألِ مِنْ أمرِ النَّاسِ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين )) (٦٢). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) (٦٥)، وفي (ص) : (جديدي) بدل (جريدتي) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المحتضرين)) ( ٧٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٥٩ / ٢٢٣ ) . ٤٢٠