Indexed OCR Text
Pages 341-360
ربع المنجيات کتاب ذکر الموت بيان السبب في طول الأمل وعلاجسه اعلمْ: أَنَّ طولَ الأملِ لهُ سببانِ: أحدُهُما : الجهلُ ، والآخرُ : حبُّ الدنيا . أمَّا حبُّ الدنيا : فهوَ أنَّهُ إذا أنسَ بها وبشهواتِهَا ولذَّاتِها وعلائقِها .. ثقلَ على قلبهِ مفارقتُها ، فامتنعَ قلبُهُ عنِ الفكرِ في الموتِ الذي هوَ سببُ مفارقتِها ، وكلُّ مَنْ كرهَ شيئاً .. دفعَهُ عن نفسِهِ ، والإنسانُ مشغوفٌ بالأماني الباطلةِ ، فيمنِّي نفسَهُ أبداً بما يوافقُ مرادَهُ ، وإنَّما يوافقُ مرادَهُ البقاءُ في الدنيا ، فلا يزالُ يتوهمُهُ ويقدرُهُ في نفسِهِ ، ويقدرُ توابعَ البقاءِ وما يحتاجُ إليهِ مِنْ مالٍ وأهلٍ ودارٍ وأصدقاءَ ودوابَّ ، وسائرٍ أسبابِ الدنيا ، فيصيرُ قلبُهُ عاكفاً على هذا الفكرِ ، موقوفاً عليهِ ، فيلهوْ عنْ ذكرِ الموتِ ولا يقدِّرُ قربَهُ . فإنْ خطرَ لهُ في بعضِ الأحوالِ أمرُ الموتِ والحاجةُ إلى الاستعدادِ لهُ .. سوَّفَ ووعدَ نفسَهُ وقالَ : الأيامُ بينَ يديكَ فإلى أنْ تكبَرَ ثمَّ تتوبَ ، وإذا كبرَ .. فيقولُ: إلى أنْ تصيرَ شيخاً، فإذا صارَ شيخاً .. قالَ : إلى أنْ تفرغَ مِنْ بناءِ هذهِ الدارِ وعمارةِ هذهِ الضيعةِ ، أو ترجعَ مِنْ هذهِ السفرةِ ، أوْ تفرغٌ مِنْ تدبيرِ هذا الولدِ وجهازِهِ وتدبيرِ مسكنٍ لهُ ، أو تفرغَ مِنْ قهرِ هذا العدوِّ الذي يشمتُ بكَ ، فلا يزالُ سوِّفُ ويؤخِّرُ ، ولا يخوضُ في شغلٍ إلاّ ويتعلَّقُ بإتمام ذلكَ الشغلِ عشرةُ أشغالٍ أُخرَ ، وهكذا على التدريج يؤخّرُ ٣٤١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات يوماً بعدَ يومٍ ، ويفضي بهِ شغلٌ إلى شغلٍ ، بلْ إلى أشغالٍ إلى أنْ تختطفَهُ المنيَّةُ في وقتٍ لا يحتسبُهُ ، فتطولُ عندَ ذلكَ حسرتُهُ . وأكثرُ أهلِ النار صياحُهُم مِنْ سوفَ ، يقولونَ : واحزناهُ مِنْ سوفَ ! والمسؤِّفُ المسكينُ لا يدري أنَّ الذي يدعوهُ إلى التسويفِ اليومَ هوَ معَهُ غداً ، وإنَّما يزدادُ بطولِ المدةِ قوةً ورسوخاً ، ويظنُّ أنَّهُ يُتصوَّرُ أنْ يكونَ للخائضِ في الدنيا والحافظِ لها فراغٌ قطُّ ، وهيهاتَ ! ما فرغَ منْها إلاَّ مَنٍ الطَّرحَها . فَمَا قَضَى أَحَدٌ مِنْها لُبانَتَهُ وَمَا أَنْتَهَىْ أَرَبٌ إِلاَّ إِلَىْ أَرَبِ (١) وأصلُ هذهِ الأماني كلِّها : حبُّ الدنيا والأنسُ بها ، والغفلةُ عنْ معنى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أحببْ ما أحبيتَ؛ فإنَّكَ مفارقُهُ))(٢). وأمَّا الجهلُ : فهوَ أنَّ الإنسانَ قدْ يعوِّلُ على شبابِهِ فيستبعدُ قربَ الموتِ معَ الشبابِ ، وليسَ يتفَكَّرُ المسكينُ أنَّ مشايخَ بلِدِهِ لو عُدُّوا .. لكانوا أقلَّ مِنْ عُشرِ رجالِ البلدِ ؛ وإنَّما قلُوا لأنَّ الموتَ في الشبابِ أكثرُ ، فإلىْ أنْ يموتَ شيخٌ يموتُ ألفُ صبيٍّ وشابٌ، وقدْ يستبعدُ الموتَ لصحتِهِ ، ويستبعدُ الموتَ فجأةً، ولا يدري أنَّ ذلكَ غيرُ بعيدٍ ، وإنْ كانَ ذلكَ بعيداً .. ـدن (١) البيت من البسيط، وهو للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٩٥/١). (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٢٥/٤)، والطبراني في «الأوسط)) (٤٢٩٠) عن سهل بن سعد رضي الله عنه . ٣٤٢ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت فالمرضُ فجأةٌ غيرُ بعيدٍ، وكلُّ مرضٍ فإنَّما يقعُ فجأةً، وإذا مرضَ .. لمْ يكنِ الموتُ بعيداً . ولوْ تفكّرَ هذا الغافلُ وعلمَ أنَّ الموتَ ليسَ لهُ وقتٌ مخصوصٌ مِنْ شبابٍ وشيبٍ وكهولةٍ ، ومِنْ صيفٍ وشتاءٍ ، وخريفٍ وربيعٍ ، ومِنْ ليلٍ ونهارٍ .. لعظَمَ استشعارُهُ واشتغلَ بالاستعدادِ لهُ ، ولكنَّ الجهلَ بهذِهِ الأمورِ وحبَّ الدنيا دعوَاهُ إلى طولِ الأملِ ، وإلى الغفلةِ عَنْ تقديرِ الموتِ القريبِ ، فهوَ أبداً يظنُّ أنَّ الموتَ يكونُ بينَ يديهِ ولا يقدِّرُ نزولَهُ بهِ ووقوعَهُ فيهِ ، وهوَ أبداً يظنُّ أنَّهُ يشيّعُ الجنائزَ ولا يقدِّرُ أنْ تُشيَّعَ جنازتُهُ؛ لأنَّ هذا قد تكررَ عليهِ وألفَهُ وهوَ مشاهدةُ موتِ غيرِهِ ، فأمَّا موتُ نفسِهِ .. فلمْ يألفْهُ، ولاَ يُتصورُ أنْ يألفَهُ؛ فإنَّهُ لا يقعُ، وإذا وقعَ .. لمْ يقعْ دفعةً أخرى بعدَهُ، فهوَ الأوَّلُ وهوَ الآخرُ . وسبيلُهُ : أنْ يقيسَ نفسَهُ بغيرِهِ ، ويعلمَ أنَّهُ لا بدّ وأنْ تُحملَ جنازتُهُ ويُدفنَ في قبرِهِ ، ولعلَّ اللبنَ الذي يُغطَُّ بهِ لحدُهُ قدْ ضُرِبَ وفُرِغَ منهُ وهُوَ لا يدري ، فتسويفُهُ جهلٌ محضٌ . وإذا عرفتَ أنَّ سببَهُ الجهلُ وحبُّ الدنيا .. فعلاجُهُ دفعُ سببهِ . أمَّا الجهلُ .. فيُدفعُ بالفكرِ الصَّافي مِنَ القلبِ الحاضرِ ، وسماع الحكمةِ البالغةِ مِنَ القلوبِ الطَّاهرةِ . وأمَّا حبُّ الدنيا .. فالعلاجُ في إخراجِهِ مِنَ القلبِ شديدٌ، وهوَ الدَّاءُ العضالُ الذي أعيا الأوَّلينَ والآخرينَ علاجُهُ ، ولا علاجَ لهُ إلَّ الإيمانُ باليوم ٣٤٣ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات الآخرِ ، وبما فيهِ مِنْ عظيمِ العقابِ وجزيلِ الثَّوابِ ، ومهما حصلَ لهُ اليقينُ بذلكَ .. ارتحلَ عنْ قلبهِ حُتُّ الدنيا ، فإنَّ حبَّ الخطيرِ هوَ الذي يمحوْ عنِ القلبِ حبَّ الحقيرِ ، فإذا رأى حقارةَ الدنيا ونفاسةَ الآخرةِ .. استنكفَ أنْ يلتفتَ إلى الدنيا كلِّها وإنْ أُعطيَ ملكَ الأرضِ مِنَ المشرقِ إلى المغربِ ، فكيفَ وليسَ لكلِّ عبدٍ مِنَ الدنيا إلاَّ قدرٌ يسيرٌ مكذَّرٌ منَغَّصٌ ؟! فكيفَ يفرحُ بها أو يترسخُ في القلبِ حبُّها معَ الإيمانِ بالآخرةِ ؟! فنسألُ اللهَ تعالى أنْ يرِيَنا الدنيا كما أراها الصالحينَ مِنْ عبادِهِ . ولا علاجَ في تقريرِ الموتِ في القلبِ مثلُ النظرِ إِلى مَنْ ماتَ مِنَ الأقرانِ والأشكالِ ، وأنَّهُمْ كيفَ جاءَهُمُ الموتُ في وقتٍ لم يحتسبوا ، أمَّا مَنْ كانَ مستعدّاً .. فقدْ فازَ فوزاً عظيماً، وأمَّا مَنْ كانَ مغروراً بطولِ الأملِ .. فقدْ خسرَ خُسراناً مبيناً . فلينظرِ الإنسانُ كلَّ ساعةٍ في أطرافِهِ وأعضائِهِ ، وليتدبَرْ أنَّها كيفَ تأكلُها الديدانُ لا محالةَ ، وكيفَ تتفتَّتُ عظامُها ، وليتفكرْ أنَّ الدودَ يبدأُ بحدقتِهِ اليمنى أوَّلاً أو باليسرى؟ فما على بدنِهِ شيءٌ إلاَّ وهوَ طُعمةٌ للدودِ، وما لهُ مِنْ نفسِهِ إلَّ العلمُ والعملُ الخالصُ لوجهِ اللهِ تعالى، وكذلكَ يتفكّرُ فيما سنوردُهُ مِنْ عذابِ القبرِ ، وسؤالِ منكرٍ ونكيرٍ ، ومِنَ الحشرِ والنشرِ وأهوالٍ القيامةِ ، وفزع النداءِ يومَ العرضِ الأكبرِ ، فأمثالُ هذهِ الأفكارِ هيَ التي تجدّدُ ذكرَ الموتِ على قلبهِ ، وتدعوهُ إلى الاستعدادِ لهُ . ٣٤٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت بيان مراتب الناس في طول الأمل وقضره اعلمْ : أنَّ الخلقَ في ذلكَ يتفاوتونَ . فمنهُمْ: مَنْ يأملُ البقاءَ ويشتهي ذلكَ أبداً ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَوَدُ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَتَّرُ أَلْفَ سَنَّةِ﴾ . ومنهُمْ : مَنْ يأملُ البقاءَ إلى الهرم - وهو أقصى العمرِ الذي شاهدَهُ ورآهُ - وهوَ الذي يحبُّ الدنيا حبّاً شديداً، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( الشيخُ شابٌّ في حبِّ طلبِ الدنيا وإنِ التَقَّتْ ترقُوَتَاهُ مِنَ الكبرِ، إلَّ الذينَ اتقوا وقليلٌ ما هُمْ))(١) . ومنهُمْ : مَنْ يأملُ إلى سنةٍ ، فلا يشتغلُ بتدبيرِ ما وراءَ ذلكَ ، فلا يقدرُ لنفسِهِ وجوداً في عام قابلٍ ، ولكن هذا يستعدُّ في الصيفِ للشتاءِ ، وفي الشتاءِ للصيفِ ، فإذا جمعَ ما يكفيهِ لسنتِهِ .. اشتغلَ بالعبادةِ . (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٥٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١/ ٢٢٣) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه موقوفاً، وانظر ((الإتحاف)) (٢٥١/١٠). ٣٤٥ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات ومنهُمْ : مَنْ يأملُ مدةَ الصيفِ أوِ الشتاءِ ، فلا يدخرُ في الصيفِ ثيابَ الشتاءِ ، ولا في الشتاءِ ثيابَ الصيفِ . ومنهُمْ : مَنْ يرجعُ أملُهُ إلى يومٍ وليلةٍ، فلا يستعدُّ إلَّ لنهارِهِ، وأمَّا للغدِ .. فلا ، قالَ عيسىُ عليهِ السَّلامُ : لا تهتموا برزقٍ غدٍ ، فإنْ يكنْ غدٌ مِنْ آجالِكُمْ .. فستأتي فيهِ أرزاقُكُمْ معَ آجالِكُمْ، وإنْ لمْ يكنْ مِنْ آجالِكُمْ .. فلا تهتموا لآجالِ غيرِكُمْ (١) . ومنهُمْ : مَنْ لا يجاوزُ أملُهُ ساعةً كما قالَ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يا عبدَ اللهِ، إذا أصبحتَ .. فلا تحدِّثْ نفسَكَ بالمساءِ ، وإذا أمسيتَ .. فلا تحدِّثْ نفسَكَ بالصباحِ)) (٢). ومنهُمْ : مَنْ لا يقدِّرُ البقاءَ أيضاً ساعةً ، كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ ـحن (١) رواه أحمد في ((الزهد )( عن سفيان بنحوه. ((إتحاف)) (٢٥١/١٠)، وفي (أ) : ( الأرزاق ) بدل ( لاجال ) . (٢) رواه بهذا اللفظ مرفوعاً الروياني في ((مسنده)) (١٤١٨)، وعبد الجبار الخولاني في ((تاريخ داريا)) ( ص٩٦)، ورواه موقوفاً على ابن عمر رضي الله عنهما البخاري ( ٦٤١٦ ) . ٣٤٦ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وسلَّمَ يتيمَّمُ معَ القدرةِ على الماءِ قبلَ مضيٍّ ساعةٍ ويقولُ: ((لعلِّي لا أبلغُهُ))(١). ومنهُمْ : مَنْ يكونُ الموتُ نصبَ عينيهِ كأنَّهُ واقعٌ بهِ ، فهوَ ينتظرُهُ ، وهذا الإنسانُ هوَ الذي يصلي صلاةَ مودِّع ، وفيهِ وردَ ما نُقُلَ عنْ معاذِ بنِ جبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ لمَّا سألَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ حقيقةِ إيمانِهِ فقالَ : ( ما خطوتُ خطوةً إلاَّ ظننتُ أنِّي لا أُتْبَعُها أخرى)(٢)، وكما نُقُلَ عنِ الأسودِ وهوَ حبشيٍّ أنَّهُ كانَ يصلِّي ليلاً ويلتفتُ يميناً وشمالاً، فقالَ لهُ قائلٌ : ما هذا ؟! قالَ : أنتظرُ ملكَ الموتِ من أيِّ جهةٍ يأتيني . A.M فهذه مراتبُ الناسِ ، ولكلِّ درجاتٌ عندَ اللهِ ، وليسَ مَنْ أملُهُ مقصورٌ على شهرٍ كمِنْ أملُهُ شهرٌ ويومٌ ، بلْ بينَهما تفاوتٌ في الدرجةِ عندَ اللهِ ؛ فإنَّ اللهَ لا يظلمُ مثقالَ ذرَّةٍ ، ومنْ يعملْ مثقال ذرّةٍ خيراً .. يرهُ. ثمَّ يظهرُ أثرُ قصرِ الأملِ في المبادرةِ إلى العملِ ، وكلُّ إنسانٍ يدَّعي أنَّهُ قصيرُ الأملِ وهو كاذبٌ ، وإنَّما يظهرُ ذلكَ بأعمالِهِ ؛ فإنَّه يعتني بأسبابٍ ربَّما (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٩٢)، وأحمد في (( المسند)) (٢٨٨/١)، وابن أبي الدنيا في (( قصر الأمل)) ( ٧). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٢/١). ٣٤٧ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات لا يحتاجُ إليها في سنةٍ ، فيدلُّ ذلكَ على طولِ أملِهِ ، وإنَّما علامةُ التوفيقِ أنْ يكونَ الموتُ نصبَ العينِ لا يغفلُ عنهُ ساعةٌ ، فيستعدَّ للموتِ الذي يردُ علیهِ في الوقتِ ، فإنْ عاشَ إلى المساءِ .. شكرَ اللهَ تعالى على طاعتِهِ، وفرحَ بأنَّهُ لم يضيِّعْ نهارَهُ، بلِ استوفىُ منهُ حظَّهُ وادَّخِرَهُ لنفسِهِ، ثمَّ يستأنفُ مثلَه إلى الصباحِ، وهكذا إذا أصبحَ ، ولا يتيسَّرُ هذا إلاَّ لمَنْ فرَّغَ القلبَ عنِ الغدِ وما يكونُ فيهِ ، فمثلُ هذا إذا ماتَ .. سعدَ وغنمَ ، وإنْ عاشَ .. سُرَّ بحسنِ الاستعدادِ ولذةِ المناجاةِ ، فالموتُ لهُ سعادةٌ، والحياةُ لهُ مزيدٌ . فليكنِ الموتُ على بالِكَ يا مسكينُ ؛ فإنَّ السيرَ حادٍ بكَ وأنتَ غافلٌ عنْ نفسِكَ ، ولعلَّكَ قدْ قاربتَ المنزلَ وقطعتَ المسافةَ، ولا تكونُ كذلكَ إلاَّ بمبادرةِ العملِ اغتناماً لكلِّ نَفَسٍ أُمهلتَ فيهِ . ٣٤٨ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت ـت بيان المبادرة إلى العمل، وحذر آفة التّأخير اعلمْ : أنَّ مَنْ لهُ أخوانٍ غائبانِ ينتظرُ قدومَ أحدِهِما في غدٍ ، وينتظرُ قدومَ الآخرِ بعدَ شهرٍ أو سنةٍ .. فلا يستعدُّ للذي يقدمُ إلى شهرٍ أوْ سنةٍ ، وإنَّما يستعدُّ للذي ينتظرُ قدومَهُ غداً، فالاستعدادُ نتيجةُ قربِ الانتظارِ ، فمَنِ انتظرَ مجيءَ الموتِ بعدَ سنةٍ .. اشتغلَ قلبُهُ بالمدَّةِ ونسيَ ما وراءَ المدَّةِ ، ثمَّ يصبحُ كلَّ يومٍ وهوَ منتظرٌ للسَّنةِ بكمالِهَا لا يُنقِصُ مِنْها اليومَ الذي مضى ، وذلك يمنعُهُ مِنْ مبادرةِ العملِ أبداً ؛ فإنَّهُ أبداً يرى لنفسِهِ متَّسعاً في تلكَ السنةِ، فيؤخرُ العملَ كما قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما ينتظرُ أحدُكُم مِنَ الدنيا إلاَّ غنىَ مطغياً ، أو فقراً منسياً ، أو مرضاً مفسداً ، أو هرماً مفتِّداً ، أو موتاً مجهزاً ، أوِ الدجالَ فالدجالُ شرُّ غائبٍ يُنتظرُ ، أو الساعةَ والساعةُ أدهى وأمرٌ))(١) . وقالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لرجلٍ وهوَ يعظُهُ: ((اغتنمْ خمساً قبلَ خمسٍ : شبابَكَ قبلَ هرمِكَ ، وصحتكَ قبلَ سقمِكَ، وغِناكَ قبلَ فقرِكَ ، وفراغَكَ قبلَ شغلِكَ ، وحياتَكَ قبلَ موتِكَ))(٢) . ٨٠٠ (١) رواه الترمذي (٢٣٠٦) . (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٠٦/٤)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٩٧٦٧). ٣٤٩ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ مِنَ النَّاسِ : الصحةُ ، والفراغُ ))(١) أي : أنَّهُ لا يغتنمُهُما، ثمَّ يعرفُ قدرَهُما عندَ زوالهما . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ خافَ .. أدلجَ، ومَنْ أدلجَ .. بلغَ المنزلَ ، ألا إنَّ سلعةَ اللهِ غاليةٌ، ألا إنَّ سلعةَ اللهِ الجنَّةُ))(٢). وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((جاءَتِ الراجفةُ تتبعُهَا الرادفةُ ، جاءَ الموتُ بما فيهِ))(٣). وكانَ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا آنسَ مِنْ أصحابِهِ غفلةً أو غرةً .. نادى فيهِمْ بصوتٍ رفيع: « أتْكُمُ المنيةُ راتبةً لازمةً، إمَّا بشقاوةٍ وإمَّا بسعادةٍ)) (٤) . وقالَ أبو هريرةَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أنا النذيرُ، والموتُ المغيرُ، والساعةُ الموعدُ))(٥) . وقالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : خرجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (١) رواه البخاري ( ٦٤١٢) . (٢) رواه الترمذي (٢٤٥٠) . (٣) رواه الترمذي ( ٢٤٥٧). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١١٧)، والبيهقي في (( الشعب)) (١٠٠٨٤) عن زيد السليمي مرسلاً . (٥) رواه أبو يعلى في (( مسنده)) (٦١٤٩)، وابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١١٨). ٣٥٠ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت والشمسُ على أطرافِ السَّعفِ فقالَ: (( ما بقيَ مِنَ الدنيا إلاَّ مثلُ ما بقيَ مِنْ يومِنَا هذا في مثلٍ ما مضى منه)) (١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((مثلُ الدنيا مثلُ ثوبٍ شُقَّ مِنْ أولِهِ إلى آخرِهِ فبقيَ متعلقاً بخيطٍ في آخرِهِ، فيوشكُ ذلكَ الخيطُ أنْ ينقطعَ))(٢) . وقالَ جابرٌ : كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا خطبَ فذكرَ الساعةَ .. رفعَ صوتَهُ، واحمرَّتْ وجنتاهُ كأنَّهُ منذرُ جيشٍ يقولُ: صبَّحَتْكُمْ ومسَّتَكُمْ ثمَّ يقولُ: (( بُعثتُ أنا والساعةُ كهاتينٍ)) وقرنَ بينَ إصبعيهِ (٣). وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : تلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ﴿فَمَن يُرِدِ اَللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ﴾ فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ النورَ إذا دخلَ الصدرَ .. انفسحَ)) فقيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ هلْ لذلكَ مِنْ علامةٍ تُعرفُ ؟ قالَ: (( نعمٍ ، التجافي عنْ دارِ الغرورِ ، والإنابةُ إلى دارِ الخلودِ ، والاستعدادُ للموتِ قبلَ نزولِهِ ))(٤). وقالَ السديُّ: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِبْلُوَّكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ أيْ: أَيُّكُم (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤٤٤/٢)، وأحمد في ((المسند)) (١٣٣/٢)، وانظر ((الإتحاف)) (٢٥٥/١٠). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٣١/٨)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٧٥٩). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٢٤)، ونحوه عند مسلم (٨٦٧)، وفي (أ): (عيناه) بدل (وجنتاه) وهي موافقة لما في ((مسلم))، وفي (ج) : ( صبحتکم ومسیتکم ) بدل ( صبحتكم ومستكم ) . (٤) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١١/٤)، وابن أبي شيبة ( ٣٥٤٥٦). ٣٥١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات أكثرُ للموتِ ذكراً، وأحسنُ لهُ استعداداً ، وأشدُّ منهُ خوفاً وحذراً(١). وقالَ حذيفةُ : ما مِنْ صباح ولا مساءٍ .. إلاَّ ومنادٍ ينادي : أيُّها الناسُ ؛ الرحيلَ الرحيلَ، وتصديقُ ذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبرِ ﴿﴾َ نَذِيرًا لِلْبَشِّرِ لِمَنْ شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَقَدَّمَ أَوْ يَأَخَّرَ﴾ أي: في الموتِ (٢). وقالَ سحيمٌ مولى بني تميمٍ : جلستُ إلى عامرِ بنِ عبدِ اللهِ وهوَ يصلي ، فأوجزَ في صلاتِهِ ثُمَّ أقبلَ عليَّ فقالَ : أرحْني بحاجتِكَ ؛ فإني أبادرُ ، قلتُ : وما تبادرُ؟ قالَ : ملكَ الموتِ رحمَكَ اللهُ، قالَ : فقمتُ عنهُ وقامَ إلى صلاتِهِ(٣). ومرّ داوودُ الطائيُّ فسألَهُ رجلٌ عنْ حديثٍ فقالَ : دَعْني إنَّما أبادرُ خروجَ نفسِي (٤) . وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( الُّؤْدةُ في كلِّ شيءٍ خيرٌ إلاَّ في أعمالٍ الآخرةِ )(٥) . (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٣٠١)، وابن أبي الدنيا في (( قصر الأمل)) ( ١٣٢ ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٣٥). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) ( ١٣٦). (٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٣٥/٧ - ٣٣٦). (٥) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٧٦٩)، وابن أبي الدنيا في (( قصر الأمل)) (١٣٩) عن عمر رضي الله عنه موقوفاً، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (١/ ٦٤)، والبيهقي في (( السنن الكبرى)) (١٩٤/١٠) من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعاً . ٣٥٢ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت وقالَ المنذرُ : سمعتُ مالكَ بنَ دينارٍ يقولُ لنفسِهِ : ويحَكِ ! بادري قبلَ أن يأتيَكِ الأمرُ، ويحَكِ! بادري قبلَ أن يأتيَكِ الأمرُ ... حتى كرَّرَ ذلكَ ستينَ مرةً أسمعُهُ ولاَ يرانِي(١). وكانَ الحسنُ يقولُ في موعظتِهِ : المبادرةَ المبادرةَ ؛ فإنَّما هيَ الأنفاسُ لوْ حُبسَتِ .. انقطعَتْ عنكُمْ أعمالُكُم التي تقربونَ بها إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ، رحمَ اللهُ امرأً نظرَ لنفسِهِ وبكى على ذنوبِهِ ، ثمَّ قرأَ هذهِ الآيةَ: ﴿إِنَّمَا نَعُذُّ لَهُمْ عَذًا﴾ يعني: الأنفاسَ، آخرُ العددِ خروجُ نفسِكَ ، آخرُ العددِ فراقُ أهلِكَ، آخرُ العددِ دخولُكَ في قبرٍكَ(٢). واجتهدَ أبو موسى الأشعريُّ قبلَ موتِهِ اجتهاداً شديداً ، فقيلَ لهُ : لو أمسكتَ ورفقتَ بنفسِكَ بعضَ الرفقِ ، فقالَ: ( إنَّ الخيلَ إذا أُرسَلَتْ فقاربَتْ رأسَ مجراها .. أخرجَتْ جميعَ ما عندها ، والذي بقيَ مِنْ أَجَلي أقلُّ مِن ذلكَ ) ، قالَ : فلم يزلْ على ذلكَ حتى ماتَ ، وكانَ يقولُ لامرأتِهِ : ( شدِّي رحَلَكِ؛ فليسَ على جهنَّمَ معبرٌ)(٣). سس وقالَ بعضُ الخلفاءِ على منبرِهِ(٤): ( عبادَ اللهِ ؛ اتقوا اللهَ ما استطعتُمْ ، (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٤٤). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٤٦). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٥١). (٤) وهو سيدنا علي رضي الله عنه . ٣٥٣ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات وكونوا قوماً صيحَ بهم فانتبهوا ، وعلموا أنَّ الدنيا ليسَتْ لهم بدارٍ فاستبدلوا ، واستعِدُّوا للموتِ ، فقدْ أظلَّكُم، وترخَّلوا ؛ فقدْ جَدَّ بكُمْ ، وإنَّ غايةً تنقصُها اللحظةُ وتهدِمُها الساعةُ لجديرةٌ بقصرِ المدةِ ، وإنَّ غائباً يجدُّ بِهِ الجديدانِ الليلُ والنَّهارُ لحريٌّ بسرعةِ الأوبةِ ، وإنَّ قادماً يحلُّ بالفوزِ أو الشقوةِ لمستحقُّ لأفضلِ العدَّةِ ، فالتقيُّ عندَ ربِّهِ مَنْ ناصَحَ نفسَهُ ، وقدَّمَ توبتهُ وغلَبَ شهوتَهُ، فإنَّ أجلَهُ مستورٌ عنهُ، وأملَهُ خادعٌ لهُ، والشيطانَ موكَّلٌ بهِ ، يمنِّيهِ التوبةَ ليسوِّفَها ، ويزينُ لهُ المعصيةَ ليرتكبَهَا ، حتى تهجمَ منيَّتُهُ عليهِ أغفلَ ما يكونُ عنها ، وإنَّه ما بينَ أحدِكُمْ وبينَ الجنَّةِ أو النَّارِ إلا الموتُ أن ينزلَ به ، فيا لها مِن حسرةٍ على ذي غفلةٍ أنْ يكونَ عمرُهُ عليهِ حجةً وأن ترديَهُ أيامُهُ إلى شقوةٍ ! جعلنا اللهُ وإِيَّاكُم ممَّنْ لا تبطرُهُ نعمةٌ ، ولا تقصرُ بهِ عنْ طاعةِ اللهِ معصيةٌ ، ولا يحلُّ بهِ بعدَ الموتِ حسرةٌ ، إنَّهُ سميعُ الدعاءِ ، وإنَّهُ بيدِهِ الخيرُ دائماً فعَّالٌ لما يشاءُ)(١). وقالَ بعضُ المفسرينَ في قولِهِ تعالى: ﴿فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ قال: بالشهواتِ واللذَّاتِ، ﴿وَتَرَضَهُمْ﴾ قالَ: بالتوبةِ، ﴿ وَأَرْتَبْتُمْ﴾ قَالَ: شككتُم، ﴿ حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ قالَ: الموتُ، ﴿ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ قالَ: الشيطانُ (٢). وقالَ الحسنُ : (تصبّروا وتشدَّدوا ؛ فإنَّما هيَ أيامٌ قلائلُ ، وإنَّما أنتُمْ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) ( ١٦١). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٦٦). ٣٥٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت ركبٌ وقوفٌ يوشكُ أنْ يُدعى الرجلُ منكم فيجيبَ ولا يلتفتَ ، فانتقلوا بصالحِ ما بحضرتِكُمْ)(١). وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ أصبحَ .. إلاَّ وهوَ ضيفٌ ومالُهُ عاريةٌ، والضيفُ مرتحلٌ والعاريةُ مؤذَّةٌ )(٢). وقالَ أبو عبيدةَ النَّاجيُّ : دخلنا على الحسنِ في مرضِهِ الذي ماتَ فيهِ فقالَ : (مرحباً بكُم وأهلاً، وحِيَّاكُمُ اللهُ بالسَّلام، وأحلَّنا وإيّاكُم دارَ المقام ، هذهِ علانيةٌ حسنٌ إن صبرتُم وصدقتُم واتقيتُم، فلا يكنْ حظُّكُمْ مِنْ هذا الخبرِ - رحمَكُمُ اللهُ - أنْ تسمعوهُ بهذهِ الأذنِ وتخرجوهُ من هذهِ الأذنِ ؛ فإنَّهُ مَنْ رأى محمَّداً صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. فقد رآهُ غادياً ورائحاً لم يضع لبنةً على لبنةٍ ولا قصبةً على قصبةٍ ، ولكنْ رُفع لهُ علمٌ فشمَّرَ إليهِ ، الوحا الوحا ، النجا النجا ، علامَ تُعرِّجونَ؟ أتيتُم وربِّ الكعبةِ كأنّكم والأمرَ معاً ، رحمَ اللهُ عبداً جعلَ العيشَ عيشاً واحداً ، فأكلَ كسرةٌ ، ولبسَ خَلَفاً ، ولزقَ بالأرضِ ، واجتهدَ في العبادةِ ، وبكى على الخطيئةِ ، وهربَ مِنَ العقوبةِ ، وابتغى الرحمةً حتى يأتيَهُ أجلُهُ وهوَ على ذلكَ)(٣) . وقالَ عاصمٌ الأحولُ : قالَ لي فضيلٌ الرقاشيُّ وأنا أسائلُهُ : ( يا هذا ؛ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٦٣). (٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٠١/٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١/ ١٣٤). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٧٦)، وابن حبان في (( الثقات)) (٣٢٧/٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٥٤/٢). ٣٥٥ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات لا يشغلَنَّكَ كثرةُ الناس عن نفسِكَ؛ فإنَّ الأمرَ يخلصُ إليكَ دونَهُم ، ولا تقلْ : أذهبُ ههنا وههنا فينقطعَ عنكَ النَّهارُ في لا شيءَ، فإنَّ الأمرَ محفوظُ عليكَ، ولم ترَ شيئاً قطَّ أحسنَ طلباً ولا أسرع إدراكاً من حسنةٍ حديثةٍ لذنبٍ قدیمٍ)(١) . ٨٠٠ ھ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٨٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٢٠/٣). ٣٥٦ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت الْبَابُ الثَّالِثُ في سكرات الموت، وشدئه، ويُستحَبّ من الأحوال عند الموت اعلمْ : أنَّه لو لمْ يكنْ بينَ يديِ العبدِ المسكينِ کربٌ ولاً هولٌ ولا عذابٌ سوى سكراتِ الموتِ بمجرَّدها .. لكانَ جديراً بأن يتنغصَ عليهِ عيشُهُ ، ويتكدَّرَ عليهِ سرورُهُ، ويفارقَهُ سهوُهُ وغفلتُهُ(١) ، وحقيقاً بأن تطولَ فيه فكرتُهُ ، ويعظمَ لهُ استعدادُهُ ، لا سيما وهو في كلِّ نفسٍ بصددِهِ ؛ كما قالَ بعضُ الحكماءِ : (کربٌ بيدِ سواكَ لا تدري متى يغشاكَ ) . وقالَ لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ أمرٌ لا تدري متى يلقاكَ .. استعدَّ لهُ قبلَ أنْ يفجاكَ ) . والعجبُ أنَّ الإنسانَ لو كانَ في أعظم اللذَّاتِ وأطيبٍ مجالسِ اللهوِ فانتظرَ أن يدخلَ عليهِ جنديُّ فيضربَهُ خمسَ خشباتٍ .. لتكدرَتْ عليهِ لذَّتُهُ وفسدَ عليهِ عيشُهُ، وهوَ في كلِّ نفَسٍ بصددٍ أن يدخلَ عليهِ ملكُ الموتِ بسكراتِ النزع وهوَ عنهُ غافلٌ ! فما لهذا سببٌ إلَّ الجهلُ والغرورُ . واعلمْ : أنَّ شدة الألمِ في سكراتِ الموتِ لا يعرفُها بالحقيقةِ إلَّ مَنْ (١) في (أ، ب، د): ( شهوته ) بدل ( سهوه ) . ٣٥٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات ذاقَهَا، ومَنْ لم يذقُهَا .. فإنَّما يعرفُها إمَّا بالقياسِ إلى الآلام التي أدركَها ، وإمَّا بالاستدلالِ بأحوالِ الناسِ في النزعِ على شدةٍ ما هم فيهِ . فأمَّا القياسُ الذي يشهدُ لهُ .. فهوَ أنَّ كلَّ عضوٍ لا روحَ فيهِ فلا يحسُّ بالألم ، فإذا كانَ فيهِ الروحُ .. فالمدرِكُ للألمِ هوَ الروحُ، فمهما أصابَ العضوَ جرحٌ أو حريقٌ .. سرى الأثرُ إلى الروحِ ، فبقدرِ ما يسري إلى الروحِ يتألمُ ، والمؤلمُ يتفرقُ على اللحمِ والدم وسائرِ الأجزاءِ ، فلا يصيبُ الروحَ إلاَّ بعضُ الألم ، فإنْ كانَ في الآلامِ ما يباشرُ نفسَ الروحِ ولا يلاقي غيرَهُ .. فما أعظمَ ذلكَ الألمَ وما أشدَّهُ! والنَّرعُ عبارةٌ عن مؤلمٍ نزلَ بنفسِ الروحِ فاستغرقَ جميعَ أجزائِهِ ، حتى لمْ يبقَ جزءٌ من أجزاءِ الروحِ المنتشرِ في أعماقِ البدنِ إلَّ وقدْ حلَّ بهِ الألمُ ، فلو أصابَتَهُ شوكةٌ .. فالألمُ الذي يجدُهُ إنَّما يجري في جزءٍ مِنَ الروحِ يلاقي ذلكَ الموضعَ الذي أصابَتْهُ الشوكةُ . وإنَّما يعظمُ أثرُ الاحتراقِ لأنَّ أجزاءَ النَّارِ تغوصُ في سائرِ أجزاءِ البدنِ ، فلا يبقى جزءٌ مِنَ العضوِ المحترقِ ظاهراً وباطناً إلاَّ وتصيبُهُ النَّارُ، فتحشُّهُ الأجزاءُ الروحانيَّةُ المنتشرةُ في سائرِ أجزاءِ اللحمِ . وأمّا الجراحةُ .. فإنَّما تصيبُ الموضعَ الذي مسَّهُ الحديدُ فقطْ ، فكانَ لذلكَ ألمُ الجرحِ دونَ ألمِ النَّارِ . فألمُ النزع يهجمُ على نفسِ الروحِ ويستغرقُ جميعَ أجزائِهِ ؛ فإنَّهُ المنزوعُ المجذوبُ مِنْ كلِّ عرقٍ مِنَ العروقِ ، وعصبٍ من الأعصابِ ، وجزءٍ مِنَ ٣٥٨ ـجب ربع المنجيات كتاب ذكر الموت الأجزاءِ ، ومفصلٍ مِنَ المفاصلِ ، ومِنْ أصلِ كلِّ شعرةٍ وبشرةٍ مِنَ الفَرْقِ إلى القدم ، فلا تسألْ عَنْ كرِبِهِ وألمِهِ ، حتى قالوا : إنَّ الموتَ لأشدُّ مِنْ ضربٍ بالسيفِ ونشرٍ بالمناشيرِ وقرضٍ بالمقاريضِ ؛ لأنَّ قطعَ البدنِ بالسيفِ إنَّما يؤلمُ لتعلقِهِ بالروحِ ، فكيفَ إذا كانَ المتناولُ المباشرُ نفسَ الروحِ ؟! وإنَّما يستغيثُ المضروبُ ويصيحُ لبقاءِ قوَّتِهِ في قلبِهِ وفي لسانِهِ ، وإنَّما انقطعَ صوتُ الميتِ وصياحُهُ معَ شدةٍ ألمِهِ ؛ لأنَّ الكربَ قدْ بالغَ فيهِ وتصاعدَ على قلبِهِ ، وغلبَ كلَّ موضع منهُ، فهدَّ كلَّ قوةٍ ، وضَعَّفَ كلَّ جارحةٍ ، فلمْ يتركْ لهُ قوةَ الاستغاثةِ . أمَّا العقلُ .. فقد غشيَهُ وشوشَهُ، وأمَّا اللسانُ .. فقدْ أبكمَهُ، وأمَّا الأطرافُ .. فقد ضَّفَها، ويوذُّ لوْ قدَرَ على الاستراحةِ بالأنينِ والصِّياحِ والاستغاثةِ، ولكنَّهُ لا يقدرُ على ذلكَ، فإنْ بقيَتْ فيهِ قوةٌ .. سمعتَ لهُ عندَ نزع الروحِ وجذِبِهَا خُواراً وغرغرةً مِنْ حلقِهِ وصدرِهِ ، وقدْ تغيَّرَ لونُهُ واربدَّ حتى كأنَّهُ ظهرَ منهُ الترابُ الذي هوَ أصلُ فطرتِهِ ، وقد جُذِبَ منهُ كلُّ عرقٍ على حيالِهِ ، فالألمُ منتشرٌ في داخلِهِ وخارجِهِ حتى ترتفعَ الحدقتانِ إلى أعالي أجفانِهِ ، وتتقلصَ الشفتانِ ويتقلصَ اللسانُ إلى أصلهِ ، وترتفعَ الأنثيانِ إلى أعالي موضعِهما ، وتخضرَّ أناملُهُ ، فلا تسألْ عن بدٍ يُجذبُ منهُ كلُّ عرقٍ مِنْ عروقِهِ ! ولوْ كانَ المجذوبُ عرقاً واحداً .. لكانَ ألمُّهُ عظيماً، فكيفَ والمجذوبُ نفسُ الروحِ المتألمٍ لا مِنْ عرقٍ واحدٍ ، بل مِنْ جميع العروقِ ؟! ٣٥٩ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات ثمَّ يموتُ كلُّ عضوٍ مِنْ أعضائِهِ تدريجاً ، فتبردُ أولاً قدماهُ ، ثمَّ ساقاهُ ، ثم فخذاهُ ، ولكلِّ عضوٍ سكرةٌ بعدَ سكرةٍ وكربةٌ بعدَ كربةٍ ، حتى يبلغَ بها إلى الحلقوم ، فعندَ ذلكَ ينقطعُ نظرُهُ عنِ الدنيا وأهلِها ، ويُغلقُ دونَهُ بابُ التوبةِ ، وتحيطُ بهِ الحسرةُ والندامةُ . قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ((تُقُبلُ توبةُ العبدِ ما لم يغرغرْ))(١). وقالَ مجاهدٌ في قولهِ تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْثُ قَالَ إِنِّ تُبْتُ الْتَنَ﴾ قالَ: (إذا عاينَ الرسلَ .. فعندَ ذلكَ تبدو لهُ صفحةُ وجهِ ملكِ الموتِ ، فلا تسألْ عَنْ طعمِ مرارة الموتٍ وکربِهِ عندَ ترادفِ سكراتِهِ !) . ولذلكَ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((اللهمَّ ؛ هوِّنْ على محمَّدٍ سكراتِ الموتِ))(٢). والنَّاسُ إِنَّما يستعيذونَ منهُ ولا يستعظمونَهُ لجهلِهِم بهِ (٣) ؛ فإنَّ الأشياءَ قبلَ وقوعِها إنَّما تُدركُ بنورِ النبوةِ والولايةِ ، ولذلكَ عظمَ خوفُ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ والأولياءِ مِنَ الموتِ، حتى قالَ عيسىُ عليهِ السَّلامُ : ( يا معشرَ الحواريينَ ؛ ادعوا اللهَ تعالى أن يهوِّنَ عليَّ هذهِ السكرةَ ؛ يعني الموتَ ، (١) رواه الترمذي (٣٥٣٧)، وابن ماجه ( ٤٢٥٣). (٢) رواه الترمذي ( ٩٧٨)، وابن ماجه ( ١٦٢٣)، وعند البخاري (٦٥١٠) نحوه . (٣) في (ف، ص): ( إنما لا يستعيذون) ، وكلاهما بمعنىّ. ٣٦٠