Indexed OCR Text
Pages 321-340
ربع المنجيات كتاب ذكر الموت البصرةِ: قطعَ ذكرُ الموتِ قلوبَ الخائفينَ، فواللهِ ؛ ما تراهُمْ إلَّ والهينَ(١). وقالَ أشعثُ : كَّا ندخلُ على الحسنِ ؛ فإنَّما هوَ النارُ ، وأمرُ الآخرةِ ، وذكرُ الموتِ(٢) . وقالَتْ صفيَّةُ رضيَ اللهُ عنها : ( إنَّ امرأةٌ شَكَتْ إلى عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قساوةَ قلبها ، فقالَتْ : أكثري ذكرَ الموتِ .. يرقَّ قلبُكِ، ففعلَتْ ، فرقَّ قلبُها ، فجاءَتْ تشكرُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها )(٣). وكانَ عيسى عليهِ السلامُ إذا ذُكِرَ الموتُ عندَهُ .. يقطرُ جلدُهُ دماً (٤). وكانَ داوودُ عليهِ السلامُ إذا ذكرَ الموتَ والقيامةَ .. بكى حتى تنخلعَ أوصالُهُ ، فإذا ذكرَ الرحمةَ .. رجعَتْ إليهِ نفسُهُ(٥) . وقالَ الحسنُ : ( ما رأيتُ عاقلاً قطُّ إلا أصبتُهُ مِنَ الموتِ حَذِراً ، وعليهِ حزيناً )(٦). وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ لبعضِ العلماءِ(٧) : عظْني، فقالَ: أنتَ أوَّلُ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المنامات)) (٢٣٧)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٥/٦)، قاله لعبد العزيز بن سلمان ، فخرّ مغشياً عليه . (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)" ( ٢٠٧/٥٣) يقارن حاله بحال ابن سيرين ، وقوله : ( فإنما هو النار ) أي : في ذكرها وذكر أحوالها . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٣١/١٠). (٤) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٦٨/٤٧) عن أبي عمر الضرير بلاغاً. (٥) رواه بنحوه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٨/٢). (٦) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٣٢/١٠). (٧) هو يزيد الرقاشي رحمه الله تعالى . ٣٢١ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات خليفةٍ يموتُ ؟! قالَ : زدْني ، قالَ : ليسَ مِنْ آبَائِكَ أحدٌ إلى آدمَ إلا ذاقَ الموتَ، وقدْ جاءَتْ نوبتُكَ، فبكى عمرُ لذلكَ(١). وكانَ الربيعُ بنُ خُثَيَمٍ قَدْ حفرَ قبراً في دارِهِ ، فكانَ ينامُ فيهِ كلَّ يومٍ مرَّاتٍ ، يستديمُ بذلكَ ذكرَ الموتِ(٢) ، وكانَ يقولُ: لوْ فارقَ ذكرُ الموتِ قلبي ساعةً واحدةً .. لفسدَ(٣). وقالَ مطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشخِّيرِ : إنَّ هذا الموتَ قَدْ نَغَّصَ على أهلِ النعيمِ نعيمَهُم ، فاطلبوا نعيماً لا موتَ فيهِ (٤). وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ لعنبسةَ : أكثرْ ذكرَ الموتِ ؛ فإنْ كنتَ واسعَ العيشِ .. ضيَّقَهُ عليكَ، وإنْ كنتَ ضيِّقَ العيشِ .. وسَّعَهُ عليكَ(٥). وقالَ أبو سليمان الدارانيُّ : قلتُ لأمّ هارونَ : أتحبِّينَ الموتَ ؟ قالَتْ : لا ، قلتُ : ولمَ ؟ قالَتْ: لوْ عصيتُ آدميّاً .. ما اشتهيتُ لقاءَهُ، فكيفَ أحبُّ لقاءَهُ وقدْ عصيتُهُ ؟!(٦). (١) رواه البيهقي في ((الزهد)) (٥٥١). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الموت)). ((إتحاف)) (٢٣٢/١٠). (٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٥٨٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١١٦/٢). (٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠٤/٢)، والبيهقي في (( الزهد الكبير)) (٥٥٥). (٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٦٤/٥)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٥٥٣). (٦) رواه عبد الجبار الخولاني في (تاريخ داريا)) (ص١١٢). ٣٢٢ ربع المنجيات كتاب ذكر الموت بيان الطريق في تحقيق ذكر الموت في القلب اعلمْ : أنَّ الموتَ هائلٌ ، وخطرَهُ عظيمٌ ، وغفلةُ الناسِ عنهُ لقلَّةِ فكرِهِمْ فيهِ وذكرِهِمْ لُهُ، ومَنْ يذكرُهُ ليسَ يذكرُهُ بقلبٍ فارغٍ ، بلْ بقلبٍ مشغولٍ بشهواتِ الدنيا .. فلا ينجعُ ذكرُ الموتِ في قلبهِ (١) ، فالطريقُ فيهِ أنْ يفرِّغَ العبدُ قلبَهُ عنْ كلِّ شيءٍ إلا عنْ ذكرِ الموتِ الذي هوَ بينَ يديهِ ، كالذي یریدُ أنْ يقطعَ مفازةً مخطرةً ، أوْ يركبَ البحرَ ؛ فإنَّهُ لا يتفكّرُ إلا فيهِ ، فإذا باشرَ ذكرُ الموتِ قلبَهُ .. فيوشكُ أنْ يؤثِّرَ فيهِ، وعندَ ذلكَ يقلُّ فرحُهُ وسرورُهُ بالدنيا ، وينكسرُ قلبُهُ . وأوقعُ طريقٍ فيهِ : أنْ يكثرَ ذكرَ أشكالِهِ وأقرانِهِ الذينَ مضوا قبلَهُ ، فيتذكَّرَ موتَهُمْ ومصارعَهُمْ تحتَ الترابِ ، ويتذكَّرَ صورَهُمْ في مناصبِهِمْ وأحوالِهِمْ ، ويتأمَّلَ كيفَ محا الترابُ الآنَ حسنَ صورِهِمْ، وكيفَ تبدَّدَتْ أجزاؤُهُمْ في قبورِهِمْ، وكيفَ أرملوا نساءَهُمْ، وأيتموا أولادَهُمْ، وضيَّعوا أموالَهُمْ ، وخلَتْ منهُمْ مساجدُهُمْ ومجالسُهُمْ ، وانقطعَتْ آثارُهُمْ. فمهما تذكَّرَ رجلٌ رجلاً ، وفصَّلَ في قلبِهِ حالَّهُ وكيفيةَ موتِهِ ، وتوهَّمَ صورَتَهُ، وتذكَّرَ نشاطَهُ وتردُّدَهُ ، وتأمُّلَهُ للعيشِ والبقاءِ ، ونسيانَهُ للموتِ ، وانخداعَهُ بمواتاةِ الأسبابِ ، وركونَهُ إلى القوَّةِ والشبابِ ، وميلَهُ إلى (١) يقال: نجع الوعظ والخطاب في فلان، مجازٌ ؛ أي: عمل فيه ودخل فأثّر. ٣٢٣ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات الضحكِ واللهوٍ ، وغفلتَهُ عمَّا بينَ يديهِ مِنَ الموتِ الذريع والهلاكِ السريعِ ، وأنَّهُ كيفَ كانَ يتردّدُ والآنَ قدْ تهدَّمَتْ رِجْلاَهُ ومفاصلُهُ، وكيفَ كانَ ينطقُ وقدْ أكلَ الدودُ لسانَهُ ، وكيفَ كانَ يضحكُ وقدْ أكلَ الترابُ أسنانَهُ ، وكيف كانَ يدبِّرُ لنفسِهِ ما لا يحتاجُ إليهِ إلى عشرِ سنينَ في وقتٍ لمْ يكنْ بينَهُ وبينَ الموتِ إلا شهرٌ وهوَ غافلٌ عما يُرادُ بهِ ، حتى جاءَهُ الموتُ في وقتٍ لَمْ يحتسبُهُ، فانكشفَ لهُ صورةُ الملكِ، وقرعَ سمعَهُ النداءُ إمَّا بالجنةِ أوْ بالنار .. فعندَ ذلكَ ينظرُ في نفسِهِ أنَّهُ مثلُهُمْ، وغفلتَهُ كغفلتِهِمْ ، وستكونُ عاقبتُهُ كعاقبتِهِمْ . قالَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إذا ذكرتَ الموتى .. فعدَّ نفسَكَ كأحدِهِمْ)(١). وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( السعيدُ مَنْ وُعِظَ بغيرِهِ)(٢). وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ : ألا ترونَ أنَّكُمْ تجهِّزونَ كلَّ يوم غادياً أوْ رائحاً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، تضعونَهُ في صدع مِنَ الأرضِ ، قدْ توسَّدَ الترابَ ، وخلَّفَ الأحبابَ، وقطعَ الأسبابَ ؟!(٣). فملازمةُ هذهِ الأفكارِ وأمثالِها معَ دخولِ المقابرِ ومشاهدةِ المرضى .. (١) رواه أبو داوود في ((الزهد)) (٢٢٦) ضمن قول له رضي الله عنه . (٢) رواه الطبراني في (( الكبير)) (١٧٤/٣)، ورفعه من حديثه القضاعي في (( مسند الشهاب)) ( ٧٦ ) . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥/ ٢٦٦). ٣٢٤ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت هوَ الذي يجدِّدُ ذكرَ الموتِ في القلبِ ، حتى يغلبَ عليهِ بحيثُ يصيرُ نصبَ عينيهِ ، فعندَ ذلكَ يوشكُ أنْ يستعدَّ لهُ، ويتجافى عنْ دارِ الغرورِ ، وإلا .. فالذكرُ بظاهرِ القلبِ وعذبةِ اللسانِ قليلُ الجدوى في التحذيرِ والتنبيهِ . ومهما طابَ قلبُهُ بشيءٍ مِنَ الدنيا .. ينبغي أنْ يتذكَّرَ في الحالِ أنَّهُ لا بدَّ لهُ مِنْ مفارقتِهِ . نظرَ ابنُ مطيعٍ ذاتَ يومٍ إلى دارِهِ ، فأعجبَهُ حسنُها ، فبكى ثمّ قالَ : واللهِ ؛ لولا الموتُ .. لكنتُ بكِ مسروراً ، ولولا ما نصيرُ إليهِ مِنْ ضيقٍ القبورِ .. لقرَّتْ بالدنيا أعيننا، ثمَّ بكى بكاءً شديداً حتى ارتفعَ صوتُهُ(١). (١) رواه ابن أبى الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٧٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٢٨٣)، وابن مطيع : هو عبد الله بن مطيع بن الأسود القرشي العدوي المدني . ٣٢٥ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات الْبَابُ الثَّاني في طول الأمل، وفضيلة قصر الأمل، وسبب طوله، وكيفية معالجة فضيلة قصر الأمل قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعبدِ اللهِ بنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : ((إذا أصبحتَ .. فلا تحدِّثْ نفسَكَ بالمساءِ، وإذا أمسيتَ .. فلا تحدِّثْ نفسَكَ بالصباحِ ، وخذْ مِنْ حياتِكَ لموتِكَ، ومِنْ صِحَّتِكَ لسقمِكَ ؛ فإنَّكَ يا عبدَ اللهِ لا تدري ما اسمُكَ غداً))(١). وروى عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((إنَّ أشدَّ ما أخافُ عليكُمْ خصلتانِ : اتباعُ الهوى ، وطولُ الأملِ ، فأمَّا اتباعُ الهوى .. فإنَّهُ يعدلُ عنِ الحقِّ، وأمَّا طولُ الأملِ .. فإنَّهُ الحبُّ للدنيا))، ثمَّ قالَ: ((ألا إنَّ اللهَ تعالى يعطي الدنيا مَنْ يحبُّ ويبغضُ، وإذا أحبَّ عبداً .. أعطاهُ الإيمانَ ، ألا إنَّ للدين أبناءً ، وللدنيا أبناءً ، فكونوا مِنْ أبناءِ الدينِ ، ولا تكونوا مِنْ أبناءِ الدنيا ، ألا إنَّ الدنيا قدِ ارتحلَتْ موليةً، ألا إنَّ الآخرةَ قدِ ارتحلَتْ مقبلةً ، ألا وإنَّكُمْ في يومٍ عملٍ ليسَ فيهِ حسابٌ، ألا وإنَّكُمْ (١) رواه بهذا اللفظ مرفوعاً الروياني في ((مسنده)) (١٤١٨)، وعبد الجبار الخولاني في ((تاريخ داريا)» (ص٩٦)، ورواه موقوفاً على ابن عمر رضي الله عنهما البخاري (٦٤١٦). ٣٢٦ .. . ربع المنجيات کتاب ذکر الموت توشكونَ في يومٍ حسابٍ ليسَ فيهِ عملٌ ))(١) . وقالَتْ أُ المنذرِ : اطلعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ عشيةٍ إلى الناسِ فقالَ: ((أيُّها الناسُ؛ أما تستحيونَ مِنَ اللهِ؟!)) قالوا: وما ذاكَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((تجمعونَ ما لا تأكلونَ، وتأملونَ ما لا تدركونَ، وتبنونَ ما لا تسكنونَ؟!)»(٢). وقالَ أبو سعيد الخدرُّ رضيَ اللهُ عنهُ : اشترى أسامةُ بنُ زيدٍ مِنْ زیدِ بنِ ثابتٍ وليدةً بمئةِ دينارٍ إلى شهرٍ ، فسمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : ((ألا تعجبونَ مِنْ أسامةَ المشتري إلى شهرٍ ؟! إنَّ أسامةَ لطويلٌ الأملِ ، والذي نفسي بيدِهِ ؛ ما طرفَتْ عينايَ .. إلا ظننتُ أنَّ شفريَّ لا يلتقيانٍ حتى يقبضَ اللهُ روحي، ولا رفعتُ طرفي فظننتُ أنِّي واضعُهُ حتى أُقْبِضَ، ولا لقمتُ لقمةً .. إلا ظننتُ أنَّي لا أسيغُها حتى أغصُّ بها مِنَ الموتِ)) ثمَّ قالَ: (( يا بني آدمَ؛ إنْ كنتُمْ تعقلونَ .. فعدُّوا أَنفسَكُمْ مِنَ الموتى، والذي نفسي بيدهِ؛ إنَّ ما تُوعدونَ لآتٍ، وما أنتُمْ بمعجزينَ))(٣). (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٣)، وروى بعده نحوه من حديث جابر رضي الله عنه . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٥)، ومن طريقه البيهقي في (( الشعب)) (١٠٠٧٨)، وأم المنذر: هي سلمى بنت قيس الأنصارية رضي الله عنها ، ورواه عن أم الوليد بنت عمر رضي الله عنها الطبرانيُّ في ((الكبير)) (١٧٢/٢٥)، وابن عدي في (( الكامل )) (٩٧/٧) بنحوه . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٦)، والطبراني في (( مسند الشاميين)) = ٣٢٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وعنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يخرجُ يُهَرِيقُ الماءَ فيتمسَّحُ بالترابِ ، فأقولُ : يا رسولَ اللهِ ؛ إِنَّ الماءَ منكَ قريبٌ؛ فيقولُ: ((ما يدريني، لعلِّي لا أبلغُهُ))(١). ورُوِيَ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أخذَ ثلاثةَ أعوادٍ ، فغرزَ عوداً بينَ یدیهِ ، والآخرَ إلى جنبهِ، وأمَّا الثالثُ .. فأبعدَهُ، فقالَ: «هلْ تدرونَ ما هذا؟ )) قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: (( هذا الإنسانُ، وهذا الأجلُ، وذاكَ الأملُ يتعاطاهُ ابنُ آدَمَ ويختلجُهُ الأجلُ دونَ الأملِ)) (٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مُثِّلَ ابنُ آدَمَ وإلى جنبهِ تسعٌ وتسعونَ مِنِيَّةٌ، إنْ أخطأتُهُ المنايا .. وقعَ في الهرم حتى يموتَ))(٣). (١٥٠٥)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٩١/٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٨٠). = (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٩٢)، وأحمد في ((المسند)) (٢٨٨/١)، وابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) ( ٧) . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٧/٣)، والرامهرمزي في ((أمثال الحديث)) (٧٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣١١/٦)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٤٥٧) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعاً، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٥٤)، وابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) ( ١٠) من رواية أبي المتوكل الناجي مرسلاً ، واللفظ له ، ورواه أيضاً (١١) عنه عن أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً . (٣) رواه الترمذي (٢١٥٠، ٢٤٥٦)، وابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) ( ١٣) واللفظ له، ويجوز في (( مثل)) أن يكون مبنياً للمجهول ، أو اسماً مرفوعاً على الابتداء وما بعده مخفوض ، والتقدير : مثل ابن آدم مثل الذي يكون إلى جنبه تسعة وتسعون منية ، فكأن في الكلام حذفاً، وانظر ((فيض القدير)) (٥١٦/٥) . ٣٢٨ ١ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت قالَ ابنُ مسعودٍ : ( هذا المرءُ، وهذهِ الحتوفُ حولَهُ شوارعُ إليهِ ، والهرمُ وراءَ الحتوفِ ، والأملُ وراءَ الهرم ، فهوَ يؤمِّلُ وهذهِ الحتوفُ شوارعُ إليهِ، فأيُّها أُمرَ بهِ .. أخذَهُ، فإنْ أخطأَتْهُ الحتوفُ .. قتلَهُ الهرمُ ، وهو ينظرُ إلى الأملِ)(١). وقالَ عبدُ اللهِ: خطَّ لنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خطّاً مربعاً ، وخطَّ وسطَهُ خطّاً، وخطَّ خطوطاً إلى جنبِ الخطِّ، وخطَّ خطّاً خارجاً وقالَ : ((أتدرونَ ما هذا؟)) قلنا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ، قالَ: ((هذا الإنسانُ)) للخطِّ الذي في الوسطِ، ((وهذا الأجلُ محيطٌ بهِ ، وهذهِ الأعراضُ)) للخطوطِ التي حولَهُ «تنهشُهُ، إنْ أخطأَهُ هذا .. نهشَهُ هذا، وذاكَ الأملُ )) للخطَّ الخارج(٢). الأجل الأعراض الأمل الأجل .... . الإنسان الأجل الأعراض الأجل (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٤). (٢) رواه البخاري (٦٤١٧)، وابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٣)، والرسم المثبت من (أ) ، ونحوه في باقي النسخ . ٣٢٩ کتاب ذكر الموت ربع المنجيات وقالَ أنسٌ رضيَ اللهُ عنهُ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( یھرمُ ابنُ آدمَ ويبقىُ معَهُ اثنتانِ: الحرصُ والأملُ))، وفي روايةٍ: ((وتشبُّ منهُ اثنتانِ: الحرصُ على المالِ، والحرصُ على العمرِ)) (١) . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((نجا أوَّلُ هذهِ الأمَّةِ باليقينِ والزهدِ ، ويهلكُ آخرُ هذهِ الأمةِ بالبخلِ والأملِ)) (٢). وقيلَ : بينما عيسى عليهِ السلامُ جالسٌ وشيخٌ يعملُ بمسحاةٍ يثيرُ بها الأرضَ ؛ فقالَ عيسى : اللهمَّ ؛ انزعْ منهُ الأملَ ، فوضعَ الشيخُ المسحاةَ واضطجعَ ، فلبثَ ساعةٌ ، فقالَ عيسىُ : اللهمَّ ؛ ارددْ إليهِ الأملَ ، فقامَ ، فجعلَ يعملُ ، فسألَهُ عيسى عنْ ذلكَ ، فقالَ : بينَما أنا أعملُ ؛ إذْ قالَتْ لي نفسي : إلى متى تعملُ وأنتَ شيخٌ كبيرٌ ؟ فألقيتُ المسحاةَ واضطجعتُ ، ثمَّ قالَتْ لي نفسي : واللهِ ؛ لا بدَّ لكَ مِنْ عيشٍ ما بقيتَ ، فقمتُ إلى (٣) مسحاتي (٣) . وقالَ الحسنُ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أكلُّكُمْ يحبُّ أنْ يدخلَ الجنَّةَ؟)) قالوا: نعمْ يا رسولَ اللهِ، قالَ: ((قصِّروا مِنَ الأملِ، (١) رواهما ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٨، ١٩)، وبالرواية الثانية رواه مسلم ( ١٠٤٧ ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٠)، والبيهقي في (( الشعب)) (١٠٠٤٦). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٢). ٣٣٠ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وثبتوا آجالَكُمْ بينَ أبصارِكُمْ ، واستحيوا مِنَ اللهِ حقَّ الحياءِ ))(١) وكانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ في دعائِهِ: ((اللهمَّ ؛ إنِّي أعوذُ بكَ مِنْ دنيا تمنعُ خيرَ الآخرةِ ، وأعوذُ بكَ مِنْ حياةٍ تمنعُ خيرَ المماتِ ، وأعوذُ بكَ مِنْ أملٍ يمنعُ خيرَ العملِ))(٢) . الآثار : قالَ مطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ : لو علمتُ متى أجلي .. لخشيتُ على ذهابٍ عقلي ، ولكنَّ اللهَ تعالى مَنَّ على عبادِهِ بالغفلةِ عنِ الموتِ ، ولولا الغفلةُ .. ما تهنَّؤُوا بعيشٍ ، ولا قامَتْ بينَهُمُ الأسواقُ(٣). وقالَ الحسنُ : السهوُ والأملُ نعمتانِ عظيمتانٍ على بني آدمَ ، ولولاهُما .. ما مشى المسلمونَ في الطرقِ(٤). وقالَ الثوريُّ : بلغني أنَّ الإنسانَ خُلقَ أحمقَ ، ولولا ذلكَ .. لَمْ يهنأْهُ العيشُ(٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٣١) عن الحسن مرسلاً . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٤٦). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٠/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٣٠) بلفظ: ((وجدت الغفلة التي ألقى الله عز وجلَّ في قلوب الصديقين من خلقه رحمةً رحمهم بها ، ولو ألقى في قلوبهم من الخوف على قدر معرفتهم به .. ما هنأهم العيش)). (٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٦/ ١٦٤). (٥) رواه البيهقي في ((الشعب)) (١٠٣١). ٣٣١ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وقالَ سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ : إنَّما عُمِّرَتِ الدنيا بقلَّةِ عقولِ أهلِها(١). وقالَ سلمانُ الفارسيُّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ثلاثٌ أعجبتني حتى أضحگَتْنِي: مؤمِّلُ الدنيا والموتُ يطلبُهُ ، وغافلٌ وليسَ يُغفَلُ عنهُ، وضاحكٌ ملءَ فيهِ ولا يدري أساخطُ ربُّ العالمينَ عليهِ أمْ راضٍ ، وثلاثٌ أحزنَتِّي حتى أبكَتْنِي : فراقُ الأحبّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وحزِبِهِ ، وهولُ المطلع ، والوقوفُ بينَ يدي ربِّي ولا أدري إلى الجنَّةِ يُؤْمِرُ بِي أَوْ إلى النَّارِ)(٢). وقالَ بعضُهُمْ : رأيتُ زرارةَ بنَ أبي أوفى بعدَ موتِهِ في المنام ، فقلتُ : أيُّ الأعمالِ أبلغُ عندَكُمْ؟ قالَ : التَّوكلُ وقصرُ الأملِ(٣) . وقالَ الثوريُّ : الزُّهدُ في الدنيا قِصرُ الأملِ ، ليسَ بأكلِ الغليظِ ولا لبسٍ العباءةِ(٤). وسألَ المفضَّلُ بنُ فضالةَ ربَّهُ أنْ يرفعَ عنهُ الأملَ ، فذهبَتْ عنهُ شهوةٌ الطعام والشرابِ ، ثمَّ دعا ربَّهُ فردَّ عليه الأملَ ، فرجعَ إلى الطعامِ والشرابِ(٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٧). (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) (٨٣٧)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٠٧/١). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٣٠). (٤) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٣٨٦/٦). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٣٣). ٣٣٢ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت وقيلَ للحسنِ : يا أبا سعيدٍ ؛ ألا تغسلُ قميصَكَ ؟! فقالَ : الأمرُ أعجلُ مِنْ ذلكَ(١) . وقالَ الحسنُ : الموتُ معقودٌ بنواصِيكُمْ، والدنيا تُطوى مِنْ ورائِكُمْ(٢) . وقالَ بعضُهُمْ: أنا كرجلٍ مادِّ عنقَهُ والسيفُ عليهِ ينتظرُ متى تضربُ عنقُهُ(٣). وقالَ داوودُ الطَّائيُّ: لوْ أمَّلتُ أنْ أعيشَ شهراً .. لرأيتُني قدْ أتيتُ عظيماً ، وكيفَ أؤمِّلُ ذلكَ وأرى الفجائعَ تغشى الخلائقَ في ساعاتِ الليلِ والنَّهارِ ؟!(٤) . وحُكَيَ أنَّهُ جاءَ شقيقٌ البلخيُّ إلى أستاذٍ لهُ يُقالُ لهُ : أبو هاشمٍ الرمانيُّ وفي طرفٍ كسائِهِ شيءٌ مصرورٌ، فقالَ لهُ أستاذُهُ : أيشِ هذا الذي معَكَ ؟ فقالَ : لوزاتٌ دفعَهَا إليَّ أخٌ لي وقالَ : أحبُّ أنْ تفطرَ عليها ، فقالَ : يا شقيقُ؛ وأنتَ تحدِّثُ نفسَكَ أنَّكَ تبقى إلى الليل؟! لا كلَّمْتُكَ أبداً ، قالَ : فأغلقَ في وجهي البابَ ودخلَ (٥) . (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧٠/٦). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٦/ ٢٧١). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٤١). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٤٢). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)). ((إتحاف)) (٢٤١/١٠). ٣٣٣ ------ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِ في خطبتِهِ : إنَّ لكلِّ سفرٍ زاداً لا محالةَ ، فتزوَّدُوا لسفرِكُمْ مِنَ الدنيا إلى الآخرةِ التَّقوى ، وكونوا كمَنْ عاينَ ما أعدَّ اللهُ مِنْ ثوابِهِ وعقابِهِ .. ترغبُوا وترهبُوا ، ولا يطولَنَّ عليكُمُ الأمدُ فتقسوَ قلوبُكُمْ ، وتنقادُوا لعدوّكُمْ؛ فإنَّهُ واللهِ ؛ ما بُسطَ أملُ مَنْ لا يدري لعلَّهُ لا يصبحُ بعدَ مسائِهِ ولا يمسي بعدَ صباحِهِ ، وربَّما كانتْ بينَ ذلكَ خطفاتُ المنايا، وكمْ رأيتُ ورأيتُمْ مَنْ كانَ بالدنيا مغترّاً ، وإنَّما تقرُّ عينُ مَنْ وثقَ بالنَّجاةِ مِنْ عذابِ اللهِ تعالى ، وإنَّما يفرحُ مَنْ أَمِنَ مِنْ أهوالِ القيامةِ ، فأمَّا مَنْ لا يداوي كَلْماً إلاَّ أصابَهُ جرحٌ مِنْ ناحيةٍ أخرى .. فكيفَ يفرحُ ؟! أعوذُ باللهِ مِنْ أَنْ آمرَكُمْ بما أنهىُ عنهُ نفسي ، فتخسرَ صفقتي وتظهرَ عيبتي ، وتبدوَ مسكنتي في يومٍ يبدو فيهِ الغنى والفقرُ ، والموازينُ فيهِ منصوبةٌ ، لقَدْ عُنيتُمْ بأمرٍ لوْ عُنيَتْ بهِ النُّجومُ .. لانكدرَتْ، ولوْ عُنيَتْ بهِ الجبالُ .. لذابَتْ، ولوْ عُنيَتْ بهِ الأرضُ .. لتشقَّقَتْ، أمَا تعلمونَ أنَّهُ ليسَ بينَ الجنَّةِ والنَّارِ منزلةٌ، وأنَّكُمْ صائرونَ إلى إحداهما؟!(١). وكتبَ رجلٌ إلى أخ لهُ : أمَّا بعدُ : فإنَّ الدنيا حلمٌ، والآخرةَ يقظةٌ ، والمتوسطَ بينَهُما الموتُ، ونحنُ في أضغاثٍ أحلامٍ ، والسَّلامُ(٢). وكتبَ آخرُ إلى أخ لهُ : إنَّ الحزنَ على الدنيا طويلٌ ، والموتّ مِنَ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩١/٥ -٢٩٢)، وفيه: (عيلتي) بدل ( عيبتي ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( قصر الأمل)) (٥٢). ٣٣٤ ربع المنجيات حز کتاب ذکر الموت الإنسانِ قريبٌ ، وللنَّقْصِ في كلِّ يومٍ منهُ نصيبٌ ، وللبلىُ في جسمِهِ دبيبٌ ، فبادِرْ قبلَ أنْ تُنادَى بالرَّحيلِ، والسلامُ(١). وقالَ الحسنُ : كانَ آدمُ عليهِ السَّلامُ قبلَ أنْ يُخطىءَ أملُهُ خلفَ ظهرِهِ ، وأجلُهُ بينَ عينَيْهِ ، فلمَّا أصابَ الخطيئةَ .. حُوِّلَ فَجُعلَ أملُهُ بِينَ عِينَيْهِ ، وأجلُهُ خلفَ ظهرِهٍ(٢) . وقالَ عبيدُ اللهِ بنُ شميطٍ : سمعتُ أبي يقولُ : أيُّها المغترُّ بطولٍ صحتِهِ ، أَمَا رأيتَ ميتاً قَطُّ مِنْ غيرِ سقمٍ ؟! أيُّها المغتُّ بطولِ المهلةِ ؛ أَمَا رأيتَ مأخوذاً قطُّ مِنْ غيرِ عدةٍ ؟! إنَّكَ لوْ فَكَّرتَ في طولٍ عمرِكَ .. لنسيتَ ما قدْ تقدَّمَ مِنْ لذَّاتِكَ، أبالصِّحَّةِ تغترونَ ، أمْ بطولِ العافيةِ تمرحونَ ، أم الموتَ تأمنونَ، أمْ على ملكِ الموتِ تجترئُونَ ؟! إنَّ ملكَ الموتِ إذا جاءَ .. لا يمنعُهُ منكَ ثروةُ مالِكَ، ولا كثرةُ احتشادِكَ، أما علمتَ أنَّ ساعةً الموتِ ذاتُ كربٍ وغصصٍ وندامةٍ على التفريطِ ؟! ثمَّ يقولُ: رحمَ اللهُ عبداً عملَ لما بعدَ الموتِ ، رحمَ اللهُ عبداً نظرَ لنفسِهِ قبلَ نزولِ الموتِ (٣). وقالَ أبو زكريا التيميُّ : بينَما سليمانُ بنُ عبدِ الملكِ في المسجدِ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٧/٨ - ١٨) وفيه: (وللنفس) بدل (وللنقص) ، وبعد قوله : ( بالرحيل ) : ( واجتهد في العمل في دار الممر قبل أن ترحل إلى دار المقر ) . (٢) رواه أحمد في ((الزهد)) (٢٦٢)، وابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٦٠). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٦٧)، وفي غير (ف): (عبد الله بن شميط). ٣٣٥ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات الحرامِ ؛ إذْ أُتِيَ بحجرٍ منقورٍ ، فطلبَ مَنْ يقرؤُهُ، فَأَتِيَ بوهبٍ بنِ منبِّهٍ ؛ فإذا فيهِ : ابنَ آدمَ ؛ إنَّكَ لوْ رأيتَ قربَ ما بقيَ مِنْ أجلِكَ .. لزهدتَ في طولِ أملِكَ ، ولرغبتَ في الزيادةِ مِنْ عملِكَ ، ولقصرتَ مِنْ حرصِكَ وحيلِكَ ، وإنَّما يلقاكَ غداً ندمُكَ لوْ قدْ زلَّتْ بكَ قدمُكَ، وأسلمَكَ أهلُكَ وحشمُكَ، وفارقَكَ الولدُ والقريبُ، ورفضَكَ الوالدُ والنَّسيبُ ، فلا أنتَ إلى دنياكَ عائدٌ ، ولا في حسناتِكَ زائدٌ ، فاعملْ ليوم القيامةِ قبلَ الحسرةِ والنَّدامةِ ، قالَ : فبكى سليمانُ بكاءً شديداً (١) . وقالَ بعضُهُمْ : رأيتُ كتاباً مِنْ محمَّدٍ بنِ يوسفَ إلى عبدِ الرَّحمنِ بنِ يوسفَ : سلامٌ عليكَ ، فإنِّي أحمدُ اللهَ إليكَ الذي لا إلهَ إلاَّ هوَ ، أمَّا بعدُ : فإنِّي أحذّرُكَ متحوَّلَكَ مِنْ دارِ مُهلِتِكَ إلى دارِ إقامتِكَ وجزاءِ أعمالِكَ ، فتصيرُ في قرارِ باطنِ الأرضِ بعدَ ظاهرِهَا ، فيأتيكَ منكرٌ ونكيرٌ فيقعدانِكَ وينتهرانِكَ ، فإنْ يكنِ اللهُ معَكَ .. فلا بأسَ ولاً وحشةً ولاَ فاقةً ، وإنْ يكنْ غيرُ ذلكَ .. فأعاذَني اللهُ وإياكَ مِنْ سوءِ مصرَعٍ ، وضيقِ مضجعٍ ، ثمَّ تبلغُكَ صيحةُ الحشرِ ونفخُ الصُّورِ ، وقيامُ الجبّارِ جلَّ جلالُهُ لفصلِ قضاءِ الخلائقِ ، وخلاءِ الأرضِ مِنْ أهْلِهَا ، والسماواتِ مِنْ سُكَّانِها ، فباحَتِ الأسرارُ ، وأُسعرَتِ النَّارُ، ووُضعَتِ الموازينُ، وجِيءَ بالنبيِّينَ والشهداءِ ، وقُضِيَ بينَهُمْ بالحقِّ، وقيلَ : الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، فكمْ مِنْ مفتضَحٍ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٦٩/٤). ٣٣٦ ربع المنجيات کتاب ذكر الموت ومستورِ ؟! وكمْ مِنْ هالكِ وناجٍ ؟! وكمْ مِنْ معذَّبٍ ومرحوم ؟! فيا ليتَ شِعري ! ما حالي وحالُكَ يومَئذٍ ؟! ففي هذا ما هدمَ اللذاتِ ، وسلَّىُ عنِ الشَّهواتِ، وقصَّرَ عنِ الأملِ ، وأيقظَ النائمينَ، وحذَّرَ الغافلينَ ، أعانَنَا اللهُ وإياكَ على هذا الخطرِ العظيمِ ، وأوقعَ الدنيا والآخرةَ مِنْ قلبي وقلبكَ موقعَهُمَا مِنْ قلوبِ المتقينَ ؛ فإنَّما نحنُ بهِ ولَهُ، والسَّلامُ (١) . وخطبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِ فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ وقالَ : ( أيُّها النَّاسُ؛ إنَّكُم لمْ تُخلقوا عبئاً ولنْ تُتْرِكُوا سدىّ، وإنَّ لكمْ معاداً يجمعُكُمُ اللهُ فيهِ للحكمِ والفصلِ فيما بينَكُمْ، فخابَ وشقيَ عبدٌ أخرجَهُ اللهُ مِنْ رحمتِهِ التي وسعَتْ كلَّ شيءٍ ، وجنَِّهِ التي عرضُها السَّماواتُ والأرضُ ، وإنَّما يكونُ الأمانُ غداً لمَنْ خافَ واتقى ، وباعَ قليلاً بكثيرٍ ، وفانياً بباقٍ ، وشقوةً بسعادةٍ ، ألا ترونَ أنَّكُم في أسلابِ الهالكينَ ، وسيخلفُهُ بعدَكُمُ الباقونَ ؟! ألا ترونَ أنَّكُم في كلِّ يوم تشيِّعونَ غادياً ورائحاً إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ، قدْ قضى نحبهُ وانقطعَ أملُهُ ، فتضعونَهُ في بطنِ صدعٍ مِنَ الأرضِ غيرَ موسَّدٍ ولا ممهَّدٍ ، قَدْ خلعَ الأسبابَ وفارقَ الأحبابَ وواجَهَ الحسابَ ؟! وايمُ اللهِ ؛ إنِّي لأقولُ مقالتي هذهِ ولا أعلمُ عندَ أحدِكُمْ مِنَ الذنوبِ أكثرَ مما أعلمُ مِنْ نفسي ، ولكنَّها سننٌ مِنَ اللهِ عادلةٌ ، أمرَ فيها بطاعتِهِ ، ونهى فيها عنْ معصيتِهِ ، وأستغفرُ اللهَ)، ووضعَ كمَّهُ على وجهِهِ وبكى حتى بلَّتْ ٨٠ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٦٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٣٦/٨). ٣٣٧ کتاب ذکر الموت ربع المنجيات دموعُهُ لحيتهُ ، وما عادَ إلى مجلسِهِ حتى ماتَ(١). وقالَ القعقاعُ بنُ حكيم : ( قدِ استعددتُ للموتِ منذُ ثلاثينَ سنةً ، فلوْ أتاني .. ما أحببتُ تأخيرَ شيءٍ عَنْ شيءٍ)(٢) . وقالَ الثوريُّ : ( رأيتُ شيخاً في مسجدِ الكوفةِ يقولُ : أنا في هذا المسجدِ منذُ ثلاثينَ سنةً أنتظرُ الموتَ أنْ ينزلَ بي ، لوْ أتاني .. ما أمرتُهُ بشيءٍ ولا نهيتُهُ عنْ شيءٍ ، ولا لي على أحدٍ شيءٌ، ولا لأحدٍ عندي شيءٌ)(٣). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ ثعلبةَ : ( تضحكُ ولعلَّ أكفانَكَ قدْ خرجَتْ مِنْ عندٍ القصَّارِ؟! ) (٤) . وقالَ أبو محمَّدٍ بنُ عليٍّ الزاهدُ : (خرجنا في جنازةٍ بالكوفةِ ، وخرجَ فيها داوودُ الطَّائِيُّ فانتبذَ فقعدَ ناحيةً وهيَ تُدُفنُ ، فجئتُ فقعدتُ قريباً منهُ ، فتكلَّمَ فقالَ: مَنْ خافَ الوعيدَ .. قصرَ عليهِ البعيدُ، ومَنْ طالَ أملُهُ .. ضعفَ عملُهُ ، وكلُّ ما هوَ آتٍ قريبٌ ) . واعلمْ يا أخي : أنَّ كلَّ شيءٍ يشغلُكَ عنْ ربِّكَ .. فهوَ عليكَ مشؤومٌ . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٧٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٢٩٥/٥). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٧٨). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٧٩) . (٤) رواه أبو نعيم في « الحلية)) (٢٤٦/٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨٠٤). ٣٣٨ ربع المنجيات کتاب ذکر الموت واعلم : أنَّ أهلَ الدنيا جميعاً مِنْ أهلِ القبورِ ، إنَّما يندمونَ على ما يخلفونَ ، ويفرحونَ بما يقدِّمونَ ، فما ندمَ عليهِ أهلُ القبورِ .. أهلُ الدنيا عليهِ يقتتلونَ ، وفيهِ يتنافسونَ ، وعليهِ عندَ القضاةِ يختصمونَ(١) . ورُويَ أنَّ معروفاً الكرخيَّ رحمةُ اللهِ عليهِ أقامَ الصلاةَ ، قالَ محمدُ بنُ أبي توبةً : فقالَ لي : تقدَّمْ ، فقلتُ : إِنِّي إنْ صَلَّيتُ بِكُمْ هذهِ الصلاةَ .. لمْ أصلِّ بَكُمْ غيرَها ، فقالَ معروفٌ : وأنتَ تحدِّثُ نفسَكَ أنْ تصلِّيَ صلاةً أخرى؟! نعوذُ باللهِ مِنْ طولِ الأملِ، فإنَّهُ يمنعُ خيرَ العملِ (٢). وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ اللهِ عليهِ في خطبتِهِ : ( إنَّ الدنيا ليسَتْ بدارِ قرارِكُمْ ، دارٌ كتبَ اللهُ عليها الفناءَ ، وكتبَ على أهلِهَا الظعنَ مِنْها ، فكَمْ مِنْ عامٍ موثقِ عمَّا قليلٍ يخربُ ؟! وكَمْ مِنْ مقيمٍ مغتبطٍ عمَّا قليلٍ يظعنُ ؟! فأحسنوا رحمَكُمُ اللهُ منهَا الرِّحلةَ بأحسنِ ما يحضرُكُمْ مِنَ النقلةِ ، وتزوَّدوا ؛ فإنَّ خيرَ الزادِ التقوى ، إنَّما الدنيا كفيءٍ ظلالٍ قلصَ فذهبَ ، بينا ابنُ آدَمَ في الدنيا ينافسُ وهو بها قريرُ العينِ ؛ إذْ دعاهُ اللهُ بقدرِهِ ، ورماهُ بيومٍ حتفِهِ فسلبَهُ آثارَهُ ودنياهُ ، وصيَّرَ لقومٍ آخرينَ مصانعَهُ ومغناهُ ، إِنَّ الدنيا لا تسرُّ بقدرِ ما تضرّ، إنَّها تسرُ قليلاً وتحزنُ طويلاً)(٣). وعنْ أبي بكرِ الصِّديقِ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ : أنَّهُ كانَ يقولُ في (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٥٧/٧). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (١٠٢). (٣) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٩٢/٥). ٣٣٩ كتاب ذكر الموت ربع المنجيات خطبتِهِ : ( أينَ الوضاءةُ الحسنةُ وجوهُهُم المعجبونَ بشبابِهِم ؟! أينَ الملوكُ الذينَ بنوا المدائنَ وحصَّنوها بالحيطانِ ؟! أينَ الذينَ كانوا يُعطونَ الغلبةَ في مواطنِ الحربِ ؟! قَدْ تضعضعَ بهِمُ الدهرُ فأصبحوا في ظلماتِ القبورِ ، الوحا الوحا، ثمَّ النَّجا النَّجا)(١). (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢٥/١٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠١١١)، وقوله : ( الوحا الوحا) أي : السرعة السرعة . ٣٤٠