Indexed OCR Text

Pages 261-280

ربع المنجيات
کتاب التفكر
المسجدُ يحوي في زمنِ الصحابةِ رضيَ اللهُ تعالى عنهُمْ جمعاً مِنْ أصحاب
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، كلُّهُمْ مفتونَ ، وكانوا يتدافعونَ الفتوىُ ،
وكلُّ مَنْ كانَ يفتي كانَ يوذُّ أنْ يكفيَهُ غيرُهُ(١).
وعندَ هذا ينبغي أنْ يتقيَ شياطينَ الإنسِ إذا قالوا : لا تفعلْ هذا ؛ فإنَّ
هذا البابَ لوْ فُتْحَ .. لاندرسَتِ العلومُ مِنْ بينِ الخلقِ، وليقلْ لَهُمْ: إنَّ دينَ
الإسلام مستغنٍ عنِّي ؛ فإنَّهُ قدْ كانَ معموراً قبلي ، وكذلكَ يكونُ بعدي ،
ولوْ مثُّ .. لمْ تنهدمْ أركانُ الإسلامِ ، فإنَّ الدينَ مستغنٍ عنِّي، وأنا لستُ
بمستغنٍ عنْ إصلاحِ قلبي ، وأمَّا أداءُ ذلكَ إلى اندراسِ العلم .. فخيالٌ يدلُّ
على غايةِ الجهلِ ، فإنَّ الناسَ لوْ حُبسوا في السجنِ ، وقَيِّدوا بالقيودِ ،
وتُوعِّدوا بالنارِ على طلبِ العلمِ .. لكانَ حبُّ العلوِّ والرئاسةِ يحملُهُمْ على
(١) فقد روى ابن عساكر في (( تاریخ دمشق " (٨٧/٣٦ ) - عن تدافع الصحابة للفتوى - عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : ( أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا ، وهذا
إلى هذا ، حتى ترجع إلى الأول ) .
وروى مسلم عن أبي المنهال أنه قال : سألت البراء بن عازب عن الصرف فقال : سل
زيد بن أرقم ؛ فهو أعلم ، فسألت زيداً فقال : سل البراء ؛ فإنه أعلم ، ثم قالا : نهى
رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الورق بالذهب ديناً .
وروى ابن سعد في (( الطبقات)) (٢٣٠/٨)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(٨٦/٣٦) - عن تمنّي أحدهم لو يكفيه الآخر الفتيا - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى
قال : ( لقد أدركت في هذا المسجد عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ما أحد منهم يحدث حديثاً إلا ودّ أن أخاه كفاه الحديث ،
ولا يُسأل عن فتيا إلا ودّ أن أخاه كفاه الفتيا ) .
٢٦١

کتاب التفکر
ربع المنجيات
م".
كسرِ القيودِ ، وهدم حيطانِ الحصونِ والخروج منها ، والاشتغالِ بطلبٍ
العلمِ ، فالعلمُ لا يندرسُ ما دامَ الشيطانُ يحبِّبُ إلى الخلقِ الرئاسةَ ،
والشيطانُ لا يفترُ عنْ عملِهِ إلى يومِ القيامةِ، بلْ ينتهضُ لنشرِ العلمِ أقوامٌ
لا نصيبَ لهُمْ في الآخرةِ ؛ كما قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إنَّ اللهَ يؤيِّدُ هذا الدينَ بأقوام لا خلاقَ لهُمْ))(١)، ((وإنَّ اللهَ ليؤيِّدُ هذا
الدينَ بالرجلِ الفاجرِ ))(٢)، فلا ينبغي أنْ يغترَّ العالمُ بهذهِ التلبيساتٍ فيشتغلَ
بمخالطةِ الخلقِ ، حتى يتربَّى في قلبِهِ حبُّ الجاهِ والثناءِ والتعظيم ؛ فإنَّ ذلكَ
بذرُ النفاقِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((حبُّ الجاهِ والمالِ ينبتُ النفاقَ في
القلبِ كما ينبتُ الماءُ البقلَ))(٣)، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما ذئبانِ
ضاريانِ أرسلا في زريبةٍ غنمٍ بأكثرَ إفساداً فيها مِنْ حبِّ الجاهِ والمالِ في دينٍ
المرءِ المسلمٍ))(٤) .
ولا ينقلعُ حبُّ الجاهِ مِنَ القلبِ إلا بالاعتزالِ عنِ الناسِ ، والهربِ مِنْ
مخالطتِهِمْ، وتركِ كلِّ ما يزيدُ جاهَهُ في قلوبِهِمْ، فليكنْ فكرُ العالمِ في
التفطُّنِ لخفايا هذهِ الصفاتِ مِنْ قلبِهِ ، وفي استنباطِ طريقِ الخلاص منها ،
وهذهِ وظيفةُ العالمِ المتقي .
(١) رواه النسائي في (( السنن الكبرى)، ( ٨٨٣٣).
(٢) رواه البخاري (٣٠٦٢)، ومسلم ( ١١١) .
(٣) قال الحافظ العراقي: (لم أجده بهذا اللفظ). ((إتحاف)) ( ٨/ ١٤٤).
(٤) رواه الترمذي (٢٣٧٦) عن كعب بن مالك رضي الله عنه، والطبراني في (( الأوسط))
(٦٢٧٥) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه كلاهما مرفوعاً .
٢٦٢
بو

ربع المنجيات
كتاب التفكر
فأمَّا أمثالُنا .. فينبغي أنْ يكونَ تفكُّرُنا فيما يقوي إيمانَنَا بيوم الحسابِ ؛
إذْ لوْ رآنا السلفُ الصالحونَ .. لقالوا قطعاً: إنَّ هؤلاءِ لا يؤمنونَ بيوم
الحسابِ ، فما أعمالُنا أعمالَ مَنْ يؤمنُ بالجنة والنارِ ، فإنَّ مَنْ خافَ شيئاً ..
هربَ منهُ، ومَنْ رجا شيئاً .. طلبَهُ، وقدْ علمنا أنَّ الهربَ مِنَ النارِ بتركٍ
الشبهاتِ والحرام وبتركِ المعاصي ونحنُ منهمكونَ فيها ، وأنَّ طلبَ الجنةِ
بتكثيرِ نوافلِ الطاعاتِ ونحنُ مقصرونَ في الفرائضِ منها ، فلمْ يحصلْ لنا مِنْ
ثمرةِ العلمِ إلا أنَّهُ يُقتدى بنا في الحرصِ على الدنيا والتكالبِ عليها ،
ويُقالُ : لوْ كانَ هذا مذموماً .. لكانَ العلماءُ أحقَّ وأولى باجتنابِهِ منَّا، فليتَنَا
كنّا كالعوامٌّ؛ إذا متنا .. ماتَتْ معنا ذنوبًا ، فما أعظمَ الفتنةَ التي تعرَّضْنا لها
لوْ تفكَّرنا! فنسألُ اللهَ تعالى أنْ يصلحَنا ويصلحَ بنا ، ويوفِّقَنا للتوبةِ قبلَ أنْ
يتوقَّانا ؛ إنَّهُ الكريمُ اللطيفُ بنا ، المنعمُ علينا .
فهذهِ مجاري أفكارِ العلماءِ والصالحينَ في علمِ المعاملةِ ، فإنْ فرغوا
منها .. انقطعَ التفاتُهُمْ عنْ أنفسِهِمْ، وارتقوا منها إلى التفكُّرِ في جلالِ اللهِ
وعظمتِهِ ، والتنقُّمِ بمشاهدتِهِ بعينِ القلبِ ، ولا يتمُّ ذلكَ إلا بعدَ الانفكاكِ مِنْ
جميع المهلكاتِ ، والاتصافِ بجميع المنجياتِ ، وإنْ ظهرَ شيءٌ منهُ قبلَ
ذلكَ .. كانَ مدخولاً معلولاً، مكدّراً مقطوعاً ، وكانَ ضعيفاً كالبرقِ
الخاطفِ ، لا يثبتُ ولا يدومُ ، ويكونُ كالعاشقِ الذي خلا بمعشوقِهِ ،
ولكنْ تحتَ ثيابِهِ حيَّاتٌ وعقاربُ تلدغُهُ مرَّةٌ بعدَ أخرى ، فتنغِّصُ عليهِ لذةَ
المشاهدةِ ، ولا طريقَ لهُ في إكمالِ التنقُمِ إلا بإخراجِ العقاربِ والحيَّاتِ مِنْ
٢٦٣

کتاب التفکر
ربع المنجيات
ثيابِهِ ، وهذهِ الصفاتُ المذمومةُ عقاربُ وحِيَّاتٌ ، وهيَ مؤذياتٌ
ومشوشاتٌ ، وفي القبرِ يزيدُ ألمُ لدغِها على لدغ العقاربِ والحيَّاتِ ، فهذا
القدْرُ كافٍ في التنبيه على مجاري فكرِ العبدِ في صفاتِ نفسِهِ المحبوبةِ
والمكروهةِ عندَ ربِّه تعالى .
القسمُ الثاني : الفكرُ في جلالِ اللهِ وعظمتِهِ و کبریائِهِ ، وفيهِ مقامانِ :
المقامُ الأعلى: الفكرُ في ذاتِهِ وصفاتِهِ ومعاني أسمائِهِ : وهذا ممَّا مُنِعَ
منهُ، حيثُ قيلَ: (( تفكَّروا في خلقِ اللهِ تعالى ولا تتفكّروا في
ذاتِ اللهِ))(١)، وذلكَ لأنَّ العقولَ تتحيَّرُ فيهِ، فلا يطيقُ مدَّ البصرِ إليهِ إلا
الصدِّيقونَ ، ثمَّ لا يطيقونَ دوامَ النظرِ ، بلْ سائرُ الخلقِ أحوالُ أبصارِهِمْ
بالإضافةِ إلى جلالِ اللهِ تعالى كحالِ بصرِ الخُفَّاشِ بالإضافةِ إلى نورِ
الشمسِ ، فإنَّهُ لا يطيقُهُ أَلبتةَ ، بلْ يختفي نهاراً ، وإنَّما يتردّدُ ليلاً لينظرَ في
بقيةِ نورِ الشمسِ إذا وقعَ على الأرضِ ، وأحوالُ الصدِّيقينَ كحالِ الإنسانِ في
النظرِ إلى الشمسِ ، فإنَّهُ يقدرُ على النظرِ إليها ولا يطيقُ دوامَهُ ، ويُخشى
(١) رواه الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ٦٩٣)، وأبو الشيخ في (( العظمة))
(٢)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) (ص ٢٧١، ٣٨٩) عن ابن عباس
رضي الله عنهما، ورواه أبو نعيم في «الحلية)) (٦٦/٦) عن عبد الله بن سلام
رضي الله عنه، والبيهقي في (( الشعب)) (١١٩) عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ،
كلهم مرفوعاً .
٢٦٤

ربع المنجيات
کتاب التفکر
على بصرِهِ لوْ أدامَ النظرَ ، ونظرُهُ المختطفُ إليها يورثُ العمشَ ويفرِّقُ
البصرَ ، وكذلكَ النظرُ إلى ذاتِ اللهِ تعالى يورثُ الحيرةَ والذَّهَشَ واضطرابَ
العقلِ ، فالصوابُ إذاً ألا يُتعرَّضَ لمجاري الفكرِ في ذاتِ اللهِ سبحانَهُ
وصفاتِهِ ، فإنَّ أكثرَ العقولِ لا تحتملُهُ .
بلِ القدْرُ اليسيرُ الذي صرَّحَ بهِ بعضُ العلماءِ ، وهوَ أنَّ اللهَ تعالى مقدَّسُ عنِ
المكانِ ، ومنزَّهُ عنِ الأقطارِ والجهاتِ ، وأنَّهُ ليسَ داخلَ العالمِ ولا خارجَهُ ،
ولا هوَ متصلٌ بالعالمِ ولا هوَ منفصلٌ عنهُ ، قَدْ حَيََّ عقولَ أقوامٍ حتى أنكروهُ إذْ
لمْ يطيقوا سماعَهُ ومعرفتهُ ، بلْ ضعفَتْ طائفةٌ عنِ احتمالِ أقلَّ مِنْ هذا ؛ إذْ قِيلَ
لهُمْ: إِنَّهُ يتعاظمُ ويتعالىُ عنْ أنْ يكونَ لهُ رأسٌ ورجْلٌ ويدٌ وعينٌ وعضوٌ ، وأنْ
يكونَ جسماً مشخصاً لهُ مقدارٌ وحجمٌ ، فأنكروا هذا ، وظنُّوا أنَّ ذلكَ قدْحٌ في
عظمةِ اللهِ وجلالِهِ ، حتى قالَ بعضُ الحمقىُ مِنَ العوامِّ : إنَّ هذا وصفُ بطيخ
هنديٌّ لا وصفُ الإلهِ ؛ لظنِّ المسكينِ أنَّ الجلالةَ والعظمةَ في هذهِ الأعضاءِ ،
وهذا لأنَّ الإنسانَ لا يعرفُ إلا نفسَهُ ، فلا يستعظمُ إلا نفسَهُ، فكلُّ ما لا
يساويهِ في صفاتِهِ .. فلا يفهمُ العظمةَ فيهِ !
نعمْ، غايتُهُ أنْ يقدِّرَ نفسَهُ جميلَ الصورةِ ، جالساً على سريرٍ ، وبينَ
يديهِ غلمانٌ يمتثلونَ أمرَهُ، فلا جرمَ غايتُهُ أنْ يقدِّرَ ذلكَ في حقِّ اللهِ تعالى
وتقدَّسَ حتَّى يفهمَ العظمةَ، بلْ لَوْ كانَ للذبابِ عقلٌ وقيلَ لهُ : ليسَ لخالقِكَ
جناحانِ ، ولا يدٌ ولا رجْلٌ، ولا لهُ طيرانٌ .. لأنكرَ ذلكَ وقالَ: كيفَ
يكونُ خالقي أنقصَ منِّي ؟! أفيكونُ مقصوصَ الجناح ؟! أوَيكونُ زمناً
٢٦٥

کتاب التفکر
ربع المنجيات
لا يقدرُ على الطيرانِ ؟! أوَيكونُ لي آلةٌ وقدرةٌ لا يكونُ لهُ مثلُها وهوَ خالقي
ومصوّري ؟!
وعقولُ أكثرِ الخلقِ قريبٌ مِنْ هذا العقلِ ، وإنَّ الإنسانَ لجهولٌ ظلومٌ
كفَّارٌ ، ولذلكَ أوحى اللهُ تعالى إلى بعضٍ أنبيائِهِ : ( لا تخبر عبادي بصفاتي
فينكروني ، ولكنْ أخبرُهُمْ عنِّي بما يفهمونَ )(١).
ولمّا كانَ النظرُ في ذاتِ اللهِ تعالى وصفاتِهِ مخطراً مِنْ هذا الوجهِ ..
اقتضى أدبُ الشرع وصلاحُ الخلقِ ألا يُتعرَّضَ لمجاري الفكرِ فيهِ ، لكنَّا
نعدلُ إلى المقام الثاني ، وهوَ النظرُ في أفعالِهِ ، ومجاري قدرِهِ، وعجائبٍ
صنعِهِ وبدائع أمرِهِ في خلقِهِ ، فإنَّها تدلُّ على جلالِهِ وكبريائِهِ ، وتقدُّسِهِ
وتعاليهِ ، وتدلُّ على كمالِ علمِهِ وحكمتِهِ ، وعلى نفاذِ مشيئتِهِ وقدرتِهِ ،
فينظرُ إلى صفاتِهِ مِنْ آثارِ صفاتِهِ ؛ فإنَّا لا نطيقُ النظرَ إلى صفاتِهِ ؛ كما أنَّا
لا نطيقُ النظرَ إلى الشمسِ ، فننظرُ إلى الأرضِ مهما استنارَتْ بنورِ الشمسِ ،
ونستدلُّ بذلكَ على عظمِ نورِ الشمسِ بالإضافةِ إلى نورِ القمرِ وسائرٍ
الكواكبِ ؛ لأنَّ نورَ الأرضِ مِنْ آثارِ نورِ الشمسِ ، والنظرُ في الأثرِ يدلُّ على
المؤثِّرِ دلالةٌ ما ، وإنْ كانَ لا يقومُ مقامَ النظرِ في نفسِ المؤثِّرِ ، وجميعُ
(١) وقد بؤَّب إمام المحدثين البخاري في ((صحيحه)) لهذا المعنى حيث قال: ( باب من
خَصَّ بالعلم قوماً دون قوم كراهية ألا يفهموا ) ، وعلَّق قول سيدنا علي رضي الله عنه :
( حدَّثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله ) .
٢٦٦

ربع المنجيات
کتاب التفکر
-. .. "
موجوداتِ الدنيا أثرٌ مِنْ آثارِ قدرةِ اللهِ تعالى ، ونورٌ مِنْ أنوارِ ذاتِهِ ، بلْ
لا ظلمةَ أشدُّ مِنَ العدم ، ولا نورَ أظهرُ مِنَ الوجودِ ، ووجودُ الأشياءِ كلِّها
نورٌ مِنْ أنوارِ ذاتِهِ تعالى وتقدَّسَ ؛ إذْ قوامُ وجودِ الأشياءِ بذاتِهِ القُّمِ بنفسِهِ ،
كما أنَّ قوامَ نورِ الأجسامِ بنورِ الشمسِ المضيئةِ بنفسِها ، ومهما انكشفَ
بعضُ الشمسِ .. فقدْ جِرَتِ العادةُ بأنْ يُوضعَ طستُ ماءٍ حتى تُرى الشمسُ
فيهِ ، ويمكنُ النظرُ إليها ، فيكونُ الماءُ واسطةً يغضُّ قليلاً مِنْ نورِ الشمسِ
حتى يُطاقَ النظرُ إليها ؛ فكذلكَ الأفعالُ واسطةٌ نشاهدُ فيها صفاتِ الفاعلِ
ولا يبهرُنا نورُ الذاتِ بعدَ أنْ تباعدنا عنها بواسطةِ الأفعالِ ، فههذا سرُّ قولِهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( تفكَّروا في خلقِ اللهِ، ولا تتفكّروا في ذاتِ اللهِ
تعالى)).
٢٦٧

کتاب التفكر
ربع المنجيات
بيان كيفية التفكر في خلق الله تعالى
اعلمْ : أَنَّ كلَّ ما في الوجودِ ممَّا سوى اللهِ تعالى فهوَ فعلُ اللهِ وخلقُهُ ،
وكلُّ ذرَّةٍ مِنَ الذرَّاتِ ؛ مِنْ جوهرٍ وعرضٍ ، وصفةٍ وموصوفٍ .. ففيها
عجائبُ وغرائبُ تظهرُ بها حكمةُ اللهِ وقدرتُهُ ، وجلالُهُ وعظمتُهُ ، وإحصاءُ
ذلكَ غيرُ ممكنٍ ؛ لأنَّهُ لوْ كانَ البحرُ مداداً لذلكَ .. لنفدَ البحرُ قبلَ أنْ ينفدَ
عُشْرُ عَشِيرِهِ ، ولكنَّا نشيرُ إلى جملٍ منهُ ؛ ليكونَ ذلكَ كالمثالِ لما عداهُ ،
فنقولُ : الموجوداتُ المخلوقةُ منقسمةٌ :
إلى ما لا يُعرفُ أصلُها ، فلا يمكنُنا التفكُّرُ فيها ، وكمْ مِنَ الموجوداتِ
التي لا نعلمُها ؛ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿سُبْحَقَ الَّذِى
خَلَقَ الْأَزْوَجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقالَ
تعالى: ﴿ وَنُنِشِتَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وإلى ما يُعرفُ أصلُها وجملتُها ولا يُعرفُ تفصيلُها فيمكنُنا أنْ نتفكّرَ في
تفصيلها ، وهيَ منقسمةٌ إلى ما أدركناهُ بحسِّ البصرِ ، وإلى ما لا ندركُهُ
بالبصرِ .
أمَّا الذي لا ندركُهُ بالبصرِ .. فكالملائكةِ ، والجنِّ ، والشياطينِ ،
والعرشِ ، والكرسيِّ، وغيرِ ذلكَ، ومجالُ الفكرِ في هذهِ الأشياءِ ممَّا
يضيقُ ويغمضُ ، فلنعدلْ إلى الأقربِ إلى الأفهام ، وهيَ المدركاتُ بحسِّ
٢٦٨
ج

ربع المنجيات
کتاب التفکر
البصرِ ، وتلكَ هيَ السماواتُ السيعُ والأرضُ وما بينَهُما .
فالسماواتُ مشاهدةٌ بكواكبها ، وشمسِها وقمرِها ، وحركتِها ودورانِها
في طلوعِها وغروبِها ، والأرضُ مشاهدةٌ بما فيها مِنْ جبالِها ومعادنِها ،
وأنهارِها وبحارها ، وحيوانِها ونباتِها ، وما بينَ السماءِ والأرضِ وهوَ الجؤُّ
مدركٌ بغيومِها ، وأمطارِها وثلوجِها ، ورعدِها وبرقِها ، وصواعقِها وشهْبها
وعواصفِ رياحِها، فهذهِ هيَ الأجناسُ المشاهدةُ مِنَ السماواتِ والأرضِ
وما بينَهما ، وكلُّ جنسٍ منها ينقسمُ إلى أنواع ، وكلُّ نوع ينقسمُ إلى أقسام ،
ويتشغَّبُ كلُّ قسم إلى أصنافٍ ، ولا نهايةَ لانشعابِ ذلكَ وانقسامِهِ في
اختلافِ صفاتِهِ وهيئاتِهِ ومعانيهِ الظاهرة والباطنةِ ، وجميعُ ذلكَ مجالُ
الفكرِ ، فلا تتحرَّكُ ذرَّةٌ في السماواتِ والأرضِ ؛ مِنْ جمادٍ ونباتٍ وحيوانٍ ،
وفلكِ وكوكبٍ .. إلا واللهُ تعالى هوَ محرِّكُها ، وفي حركتِها حكمةٌ أَوْ
حكمتانِ ، أوْ عشرٌ ، أوْ ألفُ حكمةٍ ، كلُّ ذلكَ شاهدٌ للهِ تعالى بالوحدانيةِ ،
ودالٌ على جلالِهِ وكبريائِهِ ، وهيَ الآياتُ الدالَّةُ عليهِ .
وقدْ وردَ القرآنُ بالحثّ على التفكُّرِ في هذهِ الآياتِ ؛ كما قال تعالى :
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اُلَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتٍ لِأُوْلِىِ الْأَلْبَبِ﴾،
وكما قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ﴾، مِنْ أَوَّلِ القرآنِ إلى آخرِهِ، فلنذكرْ كيفيةً
الفكرِ في بعضِ الآياتِ .
٢٦٩

كتاب التفكر
ربع المنجيات
فمِنْ آيَاتِهِ : الإنسانُ المخلوقُ مِنَ النطفةِ ، وأقربُ شيءٍ إليكَ نفسُكَ ،
وفيكَ مِنَ العجائبِ الدالَّةِ على عظمةِ اللهِ تعالى ما تنقضي الأعمارُ في الوقوفِ
علىْ عُشْرٍ عَشِيرِهِ ، وأنتَ غافلٌ عنهُ ، فيا مَنْ هوَ غافلٌ عنْ نفسِهِ وجاهلٌ بها ؛
كيفَ تطمعُ في معرفةِ غيرَ ؟ وقدْ أمرَكَ اللهُ تعالىُ بالتدثُّرِ في نفسِكَ في كتابِهِ
العزيزِ فقالَ: ﴿ وَفِيَّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾.
وذكرَ أنَّكَ مخلوقٌ مِنْ نطفةٍ قذرةٍ فقالَ: ﴿قُئِلَ آلْإِنَُّ مَآَ أَكْفَرَهُ ﴿ مِنْ أَبِّ شَىْءٍ
ثُمَّ أَمَانَهُ فَقْبَرَُّ ﴿٥: ثُمَّ إِذَا شَآءَ
◌َلَهُ ﴿ مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَمُ ﴿َ: ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَعُ ﴾
أَنْشَرَهُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، أَنْ خَلَقَكُمْ مِّنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ
تَنْتَشِرُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَلَّيَكُ نُطْفَةٌ مِّنْ غَنِّ يُعْنَى ءٌ: ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ غَخْلُفْكُمْ مِن مَّآءٍ فَهِينٍ (٢﴾ فَجَعَلْنَهُ فِ قَرَارٍ شَّكِينٍ﴾.
وقال تعالى: ﴿أَوَلَّمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ
تُبِينٌ﴾ .
وقالَ : ﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاچ﴾.
ثم ذكرَ كيفَ جعلَ النطفةَ علقةٌ ، والعلقةَ مضغةً ، والمضغةَ عظاماً فقالَ
تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ مِن سُلَالَةٍ مِن ◌ِينٍ ٤؛ ثُمَّ جَعَلْنَهُ نُطْفَةٌ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ
تُتَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ ... ) الآيةَ.
٢٧٠

ربع المنجيات
كتاب التفكر
فتكريرُ ذكرِ النطفةِ في الكتابِ العزيزِ ليسَ ليُسمعَ لفظُهُ ويُتركَ التفكُّرُ في
معناهُ ، فانظرِ الآنَ إلى النطفةِ وهيَ قطرةٌ مِنَ الماءِ قذرةٌ ، لوْ تُركَتْ ساعةً
ليضربها الهواءُ .. فسدَتْ وأنتنَتْ، كيفَ أخرجَها ربُّ الأربابِ مِنَ الصلبِ
والترائبٍ ، وكيفَ جمعَ بينَ الذكرِ والأنثى، وألقى الألفةَ والمحبَّةً في
قلوبِهِمْ، وكيفَ قادَهُمْ بسلسلةِ المحبةِ والشهوةِ إلى الاجتماع ، وكيفَ
استخرجَ النطفةَ مِنَ الرجلِ بحركةِ الوقاعِ ، وكيفَ استجلبَ دمَ الحيضِ مِنْ
أعماقَ العروقِ وجمعَهُ في الرحمِ ، ثمَّ كيفَ خلقَ المولودَ مِنَ النطفةِ ،
وسقاهُ بماءِ الحيضِ ، وغذَّاهُ حتى نما وربا وكبرَ ، وكيفَ جعلَ النطفةَ وهيَ
بيضاءُ مشرقةٌ علقةً حمراءَ ، ثمَّ كيفَ جعلَها مضغةً، ثمَّ كيفَ قسمَ أجزاءً
النطفةِ وهيَ متشابهةٌ متساويةٌ إلى العظام ، والأعصابِ ، والعروقِ ،
والأوتارِ ، واللحمٍ، ثمَّ كيفَ رَكَّبَ مِنَ اللحومِ والأعصابِ والعروقِ
الأعضاءَ الظاهرةَ ، فدوَّرَ الرأسَ ، وشقَّ السمع والبصرَ والأنفَ والفمَ وسائرَ
المنافذِ، ثمَّ مدَّ اليدَ والرجْلَ ، وقسمَ رؤوسَها بالأصابع ، وقسمَ الأصابعَ
بالأناملِ ، ثمَّ كيفَ ركَّبَ الأعضاءَ الباطنةَ مِنَ القلبِ ، والمعدةِ ، والكبدِ ،
والطحالِ ، والرئةٍ ، والرحمِ ، والمثانةِ ، والأمعاءِ ، كلُّ واحدٍ على شكلٍ
مخصوصٍ ، ومقدارٍ مخصوصٍ ، لعملٍ مخصوصٍ ، ثمَّ كيفَ قسمَ كلَّ
عضوٍ مِنْ هذِهِ الأعضاءِ بأقسام أخرَ ، فركَّبَ العينَ مِنْ سبع طبقاتٍ ؛ لكلِّ
طبقةٍ وصْفٌ مخصوصٌ وهيئةٌ مخصوصةٌ ، لوْ فُقَدَتْ طبقةٌ منها ، أوْ زالَتْ
صفةٌ مِنْ صفاتِها .. تعطّلَتِ العينُ عنِ الإبصارِ !
٢٧١

کتاب التفکر
ربع المنجيات
فلوْ ذهبنا نصفُ ما في آحادِ هذهِ الأعضاءِ مِنَ العجائبِ والآياتِ ..
لانقضى فيهِ الأعمارُ ، فانظرِ الآنَ إلى العظام وهيَ أجسامٌ قويَّةٌ صلبةٌ كيفَ
خلقَها مِنْ نطفةٍ سخيفةٍ رقيقةٍ ، ثمَّ جعلها قواماً للبدنٍ وعماداً لهُ ، ثمَّ قدَّرَها
بمقاديرَ مختلفةٍ وأشكالٍ مختلفةٍ ؛ فمنهُ صغيرٌ وكبيرٌ ، وطويلٌ ومستديرٌ ،
ومجوَّفٌ ومصمتٌ ، وعريضٌ ودقيقٌ .
ولمَّا كانَ الإنسانُ محتاجاً إلى الحركةِ بجملةِ بدنِهِ وببعضِ أعضائِهِ مفتقراً
للتروُّدِ في حاجاتِهِ .. لمْ يجعلْ عظمَهُ عظماً واحداً ، بلْ عظاماً كثيرةً بينَها
مفاصلُ ؛ حتى تتيسَّرَ بها الحركةُ، وقدَّرَ شكلَ كلِّ واحدٍ منها على وَفْقِ
الحركةِ المطلوبةِ بها ، ثمَّ وصلَ مفاصلَها ، وربطَ بعضَها بالبعضِ بأوتارِ
أنبتَها مِنْ أحدٍ طرفي العظمِ، وألصقَهُ بالطرفِ الآخرِ كالرباطِ لهُ ، ثمَّ خلقَ
في أحدِ طرفي العظمٍ زوائدَ خارجةً منهُ ، وفي الآخرِ حفراً غائصةً فيهِ موافقةً
الشكلِ الزوائدِ ؛ لتدخلَ فيها وتنطبقَ عليها ، فصارَ العبدُ إنْ أرادَ تحريكَ جزءٍ
مِنْ بدِنِهِ .. لمْ يمتنعْ عليهِ ، ولولا المفاصلُ .. لتعذَّرَ عليهِ ذلكَ.
ثمَّ انظرْ كيفَ خلقَ عظامَ الرأسِ ، وكيفَ جمعَها وركَّبَها ، وقدْ ركَّبِهَا مِنْ
خمسةٍ وخمسينَ عظماً مختلفةَ الأشكالِ والصورِ ، فألَّفَ بعضها إلى بعضٍ
بحيث استوتْ بهِ كرةُ الرأسِ كما تراهُ ؛ فمنها ستةٌ تخصُّ القحْفَ ، وأربعةً
عشرَ للَّحيِ الأعلى، واثنانِ اللَّحي الأسفلِ ، والبقيةُ هيَ الأسنانُ ، بعضُها
عريضةٌ تصلحُ للطحنِ ، وبعضُها حادّةٌ تصلحُ للقطعِ ، وهيَ الأنيابُ
والأضراسُ والثنايا .
٢٧٢

ربع المنجيات
کتاب التفکر
ثمَّ جعلَ الرقبةَ مركباً للرأسِ ، وركَّبَها مِنْ سبع خرزاتٍ مجوَّفاتٍ
مستديراتٍ ، فيها تحريفاتٌ وزياداتٌ ونقصاناتٌ(١) ؛ لينطبقَ بعضُها على
بعضٍ ، ويطولُ ذكرُ وجهِ الحكمةِ فيها .
ثُمَّ رَكَّبَ الرقبةَ على الظهرِ ، وركَّبَ الظهرَ مِنْ أسفلِ الرقبةِ إلى منتهى
عظمِ العجزِ مِنْ أربعٍ وعشرينَ خرزةً ، وركَّبَ عظمَ العجزِ مِنْ ثلاثةِ أجزاءٍ
مختلفةٍ ، ويتصلُ بِهِ مِنْ أسفلِهِ عظْمُ العُصْعُصِ ، وهوَ أيضاً مؤلّفٌ مِنْ ثلاثةِ
أجزاءٍ ، ثمَّ وصلَ عظامَ الظهرِ بعظامِ الصدرِ ، وعظامِ الكتفِ ، وعظامٍ
اليدينِ ، وعظامِ العانةِ ، وعظام العجزِ، ثمَّ رتّبَ عظامَ الفخذينِ والساقينِ
وأصابع الرجلينِ ، فلا نطوِّلُ بذكرِ عددِ ذلكَ .
ومجموعُ عددِ العظام في بدنِ الإنسانِ مئتا عظمٍ وثمانيةٌ وأربعونَ عظماً ،
سوى العظام الصغيرة التي حُشِيَ بها خللُ المفاصلِ ، فانظر كيفَ خلقَ جمیعَ
ذلكَ مِنْ نطفةِ سخيفةٍ رقيقةٍ .
وليسَ المقصودُ مِنْ ذكرِ أعدادِ العظام أنْ نعرفَ عددَها ؛ فإنَّ هذا علمٌ
قريبٌ يعرفُهُ الأطباءُ والمشرِّحونَ ، وإنَّما الغرضُ أنْ ننظرَ منها في مدبِّرِها
وخالقِها أنَّهُ كيفَ قدَّرَها ودبَّرَها ، وخالفَ بينَ أشكالِها وأقدارها ،
وخصَّصَها بهذا العددِ المخصوصِ ؛ لأنَّهُ لَوْ زادَ عليها واحداً .. لكانَ وبالاً
على الإنسانِ يحتاجُ إلى قلعِهِ، ولَوْ نقصَ منها واحداً .. لكانَ نقصاناً يحتاجُ
(١) في ( أ، ب): ( تجويفات ) بدل ( تحريفات ) .
٢٧٣

کتاب التفکر
ربع المنجيات
إلى جبرِهِ ، فالطبيبُ ينظرُ فيها ليعرفَ وجهَ العلاج في جبرِها ، وأهلُ البصائرِ
ينظرونَ فيها ليستدلُوا بها على جلالةِ خالقِها ومصوِّرِها ، فشتانَ بينَ
النظرينِ .
ثُمَّ انظرْ كيفَ خلقَ اللهُ تعالى آلاتٍ لتحريكِ العظام ، وهيَ العضلاتُ ،
فخلقَ في بدنِ الإنسانِ خمسَ مئةِ عضلةٍ وتسعاً وعشرينَ عضلةً ، والعضلةُ هيَ
المركبةُ مِنْ لحمٍ وعصبٍ ، ورُبُطٍ وأغشيةٍ ، وهيَ مختلفةُ المقاديرِ والأشكالِ
بحسَبِ اختلافِ مواضعِها وقدرِ حاجاتِها ، فأربعٌ وعشرونَ عضلةً منها هيَ
لتحريكِ حدقة العينِ وأجفانِها ، لوْ نقصَتْ واحدةٌ مِنْ جملتِها .. اختلَّ أمرُ
العينِ ، وهكذا لكلِّ عضوٍ عضلاتٌ بعددٍ مخصوصٍ وقدْرٍ مخصوصٍ .
وأمرُ الأعصابِ والعروقِ والأوردةِ والشرايينِ ، وعددِها ومنابتِها
وانشعاباتِها .. أعجبُ مِنْ هذا كلِّهِ، وشرحُهُ يطولُ، فللتفكّرِ مجالٌ في
آحادِ هذهِ الأجزاءِ ، ثمَّ في آحادِ هذهِ الأعضاءِ ، ثمَّ في جملةِ البدنِ .
فكلُّ ذلكَ نظرٌ إلى عجائبِ أجسامِ البدنِ ، وعجائبُ المعاني والصفاتِ
التي لا تُدركُ بالحواسِّ أعظمُ ، فانظرِ الآنَ إلى ظاهرِ الإنسانِ وباطنِهِ ، وإلى
بدنِهِ وصفاتِهِ ، فترى فيهِ مِنَ العجائبِ والصنعةِ ما يُقضىُ بهِ العجبُ ، وكلُّ
ذلكَ صنعُ اللهِ عزَّ وجلَّ في قطرةٍ ماءٍ قذرةٍ ، فترىُ مَنْ هذا صنعُهُ في قطرةِ
ماءٍ .. فما صنعُهُ في ملكوتِ السماواتِ وكواكبها ؟ وما حكمتُهُ في أوضاعها
وأشكالِها ، ومقاديرِها وأعدادِها ، واجتماع بعضِها وتفرُّقِ بعضِها ،
واختلافِ صورِها وتفاوتٍ مشارقِها ومغاربها ؟
٢٧٤

کتاب التفکر
ربع المنجيات
فلا تظنَّنَّ أنَّ ذرَّةً مِنْ ملكوتِ السماواتِ تنفكُ عنْ حكمةٍ وحكمٍ ، بلْ هي
أحكمُ خلقاً ، وأتقنُ صنعاً ، وأجمعُ للعجائبِ مِنْ بدنِ الإنسانِ ، بلْ لا نسبةً
لجميع ما في الأرضِ إلى عجائبِ السماواتِ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿َأَنْتُمُ
أَشَدُّ ◌َلْقَا أَمِ السَّمَاءُبَهَا لَهُ رَفَحَ سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا ﴾ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُمَتِهَا﴾ .
فارجع الآنَ إلى النطفةِ وتأمَّلْ حالَها أوَّلاً ، وما صارَتْ إليهِ ثانياً ، وتأمَّلْ
أنَّهُ لوِ اجتمعَ الجنُّ والإنسُ على أنْ يخلقوا للنطفةِ سمعاً أو بصراً أو عقلاً أوْ
قدرةً أوْ علماً أوْ روحاً ، أو يخلقوا فيها عظماً أوْ عرقاً أو عصباً أو جلداً أوْ
شعراً .. هلْ يقدرونَ على ذلكَ؟! بلْ لو أرادوا أنْ يعرفوا كُنْهَ حقيقتِهِ ،
وكيفيَّةَ خلقتِهِ بعدَ أنْ خلقَ اللهُ تعالى ذلكَ .. لعجزوا عنهُ .
فالعجبُ منكَ ! لوْ نظرتَ إلى صورةِ إنسانٍ مصوَّرٍ على حائطِ تأثَّقَ
النقَّاشُ في تصويرِها حتَّى قرُّبَ ذلكَ مِنْ صورةِ الإنسانِ ، وقالَ الناظرُ إليها :
كأنَّهُ إنسانٌ .. عظُمَ تعجُّبُكَ من صنعةِ النّقَّاشِ وحذقِهِ ، وخفَّةِ يدِهِ ، وتمام
فطنتِهِ ، وعِظُمَ في قلبِكَ محلُّهُ ، معَ أنَّكَ تعلمُ أنَّ تلكَ الصورةَ إنَّما تمَّتْ
بالصبغِ والقلمِ وبالحائطِ وباليدِ وبالقدرةِ وبالعلمِ وبالإرادةِ ، وشيءٌ مِنْ ذلكَ
ليسَ مِنْ فعلِ النقّاشِ ولا خلقِهِ ، بلْ هوَ مِنْ خلقِ غيرِهِ ، وإنَّما منتهى فعلِهِ
الجمعُ بينَ الصبغِ والحائطِ على ترتيبٍ مخصوصٍٍ ، فيكثرُ تعجُّبُكَ منهُ
وتستعظمُهُ وأنتَ ترى النطفةَ القذرةَ كانَتْ معدومةً ، فخلقَها خالقُها في
الأصلابِ والترائبِ ، ثمَّ أخرجَها منها وشكَّلَها فأحسنَ تشكيلَها ، وقدَّرَها
فأحسنَ تقديرَها ، وصوَّرَها فأحسنَ تصويرَها ، وقسّمَ أجزاءَها المتشابهةَ إلى
٢٧٥

کتاب التفكر
ربع المنجيات
أجزاءٍ مختلفةٍ ، فأحكمَ العظامَ في أرجائها ، وحسَّنَ أشكالَ أعضائِها ،
وزيَّنَ ظاهرَها وباطنَها ، ورتَّبَ عروقَها وأعصابَها ، وجعلَها مجرىً
الغذائِها ؛ ليكونَ ذلكَ سببَ بقائِها ، وجعلَها سميعةٌ بصيرةً ، عالمةٌ ناطقةً ،
فخلقَ لها الظهرَ أساساً لبدنِها ، والبطنَ حاوياً لآلاتِ غذائِها ، والرأسَ
جامعاً لحواسِّها .
ففتحَ العينينِ ورتَّبَ طبقاتِها ، وأحسنَ شكلها ولونَها وهيئاتِها ، ثمَّ
حماها بالأجفانِ لتسترَها ، وتحفظَها وتصقلَها ، وتدفعَ الأقذاءَ عنها ، ثمَّ
أظهرَ في مقدارِ عدسةٍ منها صورةَ السماواتِ معَ اتساع أكنافِها وتباعد
أقطارها ، فهوَ ينظرُ إليها .
ثمَّ شقَّ أذنيهِ وأودعَهُما ماءً مرّاً ليحفظَ سمعَها ، ويدفعَ الهواءَ عنها ،
وحوَّطَها بصدفةِ الأذنِ لتجمعَ الصوتَ فتردَّهُ إلى صماخِها ، ولتحسَّ بدبيبِ
الهوامٌّ إليها ، وجعلَ فيها تحريفاتٍ واعوجاجاتٍ لتكثرَ حركةُ ما يدبُ
فيها(١) ، ويطولَ طريقُهُ، فيتنبَّهَ عنِ النوم صاحبُها إذا قصدَها دابَّةٌ في حالٍ
النوم .
ثمَّ رفعَ الأنفَ مِنْ وسطِ الوجهِ ، وأحسنَ شكلَهُ ، وفتحَ منخريهِ ، وأودعَ
فيهِ حاسَّةَ الشمِّ ليستدلَّ باستنشاقِ الروائح على مطاعمِهِ وأغذيتِهِ ، وليستنشقَ
بمنفذِ المنخرينِ روحَ الهواءِ غذاءً لقلبهِ ، وترويحاً لحرارةٍ باطنِهِ .
(١) في غير ( ص ): ( تجويفات ) بدل ( تحريفات ) .
٢٧٦
٥

ربع المنجيات
کتاب التفكر
وفتحَ الفمَ وأودعَهُ اللسانَ ناطقاً وترجماناً ومعرباً عمَّا في القلبِ ، وزيَّنَ
الفمَ بالأسنانِ ، ولتكونَ آلَةٌ للطحنِ والكسرِ والقطع ، فأحكمَ أصولَها ،
وحدَّدَ رؤوسَها ، وبيَّضَ لونَها ، ورتَّبَ صفوفَها ، متساويةَ الرؤوسِ ،
متناسقةَ الترتيبِ كأنَّها الدرّ المنظومُ .
وخلقَ الشفتينِ وحسَّنَ لونَها وشكلَها ؛ لتنطبقَ على الفم فتسدَّ منفذَهُ ،
وليتمَّ بها حروفُ الكلامِ .
وخلقَ الحنجرةَ وهيَّأْها لخروج الأصواتِ ، وخلقَ للسانِ قدرةَ الحركاتِ
والتقطيعاتِ ، لتُقَطَّعَ الصوتَ في مخارجَ مختلفةٍ تختلفُ بها الحروفُ ؛
ليتسعَ بها طريقُ النطقِ بكثرتِها .
ثمَّ خلقَ الحناجرَ مختلفة الأشكالِ في الضيقِ والسعةِ ، والخشونةِ
والملاسةِ ، وصلابةِ الجوهرِ ورخاوتِهِ ، والطولِ والقصرِ ، حتى اختلفَتْ
بسببها الأصواتُ ، فلا يتشابهُ صوتانٍ ، بلْ يظهرُ بينَ كلِّ صوتينِ فُرقانٌ ،
حتى يميزَ السامعُ بعضَ الناسِ عنْ بعضٍ بمجرَّدِ الصوتِ في الظلمةِ .
2
ثُمَّ زيَّنَ الرأسَ بالشعورِ والأصداغ ، وزيَّنَ الوجهَ باللحيةِ والحاجبينِ ،
وزيَّنَ الحاجبَ برقَّةِ الشعرِ واستقواسِ الشكلِ ، وزيَّنَ العينينِ بالأهدابِ .
ثمَّ خلقَ الأعضاءَ الباطنةَ، وسخَّرَ كلَّ واحدٍ لفعلِ مخصوصٍ ، فسخّرَ
المعدةَ لنضج الغذاءِ ، والكبدَ لإحالةِ الغذاءِ إلى الدم ، والطحالَ والمرارةَ
والكليةَ لخدمةِ الكبدِ ، فالطحالُ يخدمُها بجذبِ السوداءِ عنها ، والمرارةُ
٢٧٧

کتاب التفکر
ربع المنجيات
تخدمُها بجذبِ الصفراءِ عنها ، والكليةُ تخدمُها بجذبِ المائيةِ عنها ،
والمثانةُ تخدمُ الكليةَ بقبولِ الماءِ عنها ، ثمَّ تخرجُهُ في طريقِ الإحليلِ ،
والعروقُ تخدمُ الكبدَ في إيصالِ الدمِ إلى سائرِ أطرافِ البدنِ .
ثمَّ خلقَ اليدينِ وطوَّلَهما لتمتدَّ إلى المقاصدِ، وعرَّضَ الكفَّ، وقسَّمَ
الأصابعَ الخمسَ ، وقسَّمَ كلَّ إصبعٍ بثلاثٍ أناملَ ، ووضعَ الأربعةَ في جانبٍ
والإبهامَ في جانبٍ ؛ لتدورَ الإبهامُ على الجميع ، ولوِ اجتمعَ الأوَّلونَ
والآخرونَ على أنْ يستنبطوا بدقيقِ الفكرِ وجهاً آخرَ في وضع الأصابع سوى
ما وُضعَتْ عليهِ مِنْ بعدِ الإبهامِ عنِ الأربعةِ ، وتفاوتِ الأربعةِ في الطولِ ،
وترتيبها في صفِّ واحدٍ .. لمْ يقدروا عليهِ؛ إذْ بهذا الترتيبِ صلحَتِ اليدُ
للقبضٍ والإعطاءِ، فإنْ بسطَها .. كانَتْ لهُ طبقاً يضعُ عليها ما يريدُ ، وإنْ
جمعَها .. كانَتْ لهُ آلةً للضربِ، وإنْ ضمَّها ضمّاً غيرَ تمام .. كانَتْ مغرفةً
لهُ، وإنْ بسطَها وضمَّ أصابعَها .. كانَتْ مجرفةً لهُ، ثمَّ خلقَ الأظفارَ على
رؤوسِها زينةً للأناملِ ، وعماداً لها مِنْ ورائِها حتى لا تنقطعَ ، وليلتقطَ بها
الأشياءَ الدقيقةَ التي لا تتناولُها الأناملُ ، وليحكَ بها بدنَهُ عندَ الحاجةِ ،
فالظفرُ الذي هوَ أخسرُّ الأعضاءِ لوْ عدمَهُ الإنسانُ وظهرَ بهِ حكَّةٌ .. لكانَ
أعجزَ الخلقِ وأضعفَهُمْ، ولمْ يقمْ أحدٌ مقامَهُ في حكِّ بدنِهِ ، ثم هدى اليدَ
إلى موضع الحكِّ ؛ حتى تمتدُّ إليهِ ولوْ في النومِ والغفلةِ مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى
طلبٍ ، ولوِ استعانَ بغيرِهِ .. لمْ يعثرْ على موضع الحكُ إلا بعدَ تعبٍ طويلٍ.
ثمَّ خلقَ هذا كلّهُ مِنَ النطفةِ ، وهيَ في داخلِ الرحمِ في ظلماتٍ ثلاثٍ ،
٢٧٨

ربع المنجيات
ـحر
کتاب التفکر
ولوْ كُشْفَ الغطاءُ والغشاءُ ، وامتدَّ البصرُ إليهِ .. لكانَ يرى التخطيطَ
والتصويرَ يظهرُ عليها شيئاً فشيئاً ، ولا يرى المصوِّرَ ولا آلتَهُ ، فهلْ رأيتَ
مصوَّراً أو فاعلاً لا يمسُّ آلتّهُ ومصنوعَهُ ولا يلاقيهِ وهوَ يتصرَّفُ فيهِ ؟!
فسبحانَهُ ما أعظمَ شانَهُ وأظهرَ برهانَهُ !
ثمَّ انظرْ مِعَ كمالِ قدرتِهِ إلى تمام رحمتِهِ ، فإنَّهُ لما ضاقَ الرحمُ عنِ
الصبيِّ لمَّا كبرَ كيفَ هداهُ السبيلَ حتى تنكَّسَ وتحرَّكَ، وخرِجَ مِنْ ذلكَ
المضيقِ ، وطلبَ المنفذَ كأنَّهُ عاقلٌ بصيرٌ بما يحتاجُ إليهِ .
ثمَّ لمَّا خرجَ واحتاجَ إلى الغذاءِ كيفَ هداهُ إلى التقام الثدي ، ثمَّ لمَّا كانَ
بدنُهُ سخيفاً لا يحتملُ الأغذيةَ الكثيفةَ كيفَ دبَّرَ لهُ في خلقِ اللبنِ اللطيفِ ،
واستخرجَهُ مِنْ بينِ الفرثِ والدم سائغاً خالصاً ، وكيفَ خلقَ الثديينِ وجمعَ
فيهما اللبنَ ، وأنبتَ منهما حَلَمتينٍ على قدْرِ ما ينطبقُ عليهِ فمُ الصبيِّ، ثمَّ
فتحَ في حَلَمةِ الثدي ثقباً ضيِّقاً جدّاً حتى لا يخرجَ اللبنُ منهُ إلا بعدَ المصِّ
تدريجاً ، فإنَّ الطفلَ لا يطيقُ منهُ إلا القليلَ، ثمَّ كيفَ هداهُ للامتصاصِ حتى
يستخرجَ مِنْ ذلكَ المضيقِ اللبنَ الكثيرَ عندَ شدَّةِ الجوعِ .
ثُمَّ انظرْ إلى عطفِهِ ورحمتِهِ ورأفتِهِ كيفَ أخّرَ خلْقَ الأسنانِ إلى تمامِ
الحولينِ ؛ لأنَّهُ في الحولينِ لا يتغذّى إلا باللبنِ ، فيستغني عنِ السنِّ ، وإذا
كبرَ .. لمْ يوافقْهُ اللبنُ السخيفُ، ويحتاجُ إلى طعامٍ غليظٍ ، ويحتاجُ الطعامُ
إلى المضغ والطحنِ ، فأنبتَ لهُ الأسنانَ عندَ الحاجةِ ، لا قبلَها ولا بعدَها ،
فسبحانَهُ كيفَ أخرجَ تلكَ العظامَ الصلبةَ في تلكَ اللَّئَاتِ اللينةِ !
:5
٢٧٩

کتاب التفكر
ربع المنجيات
ثُمَّ حَّنَ قلوبَ الوالدينِ عليهِ للقيامِ بتدبيرِهِ في الوقتِ الذي كانَ عاجزاً
عنْ تدبيرِ نفسِهِ ، فلوْ لمْ يسلَّطِ اللهُ تعالى الرحمةَ على قلوبِهما .. لكانَ الطفلُ
أعجزَ الخلقِ عنْ تدبيرِ نفسِهِ .
ثُمَّ انظرْ كيفَ رزقَهُ القدرةَ والتمييزَ والعقلَ والهدايةَ تدريجاً حتى بلغَ
وتكاملَ ؛ فصارَ مراهقاً ، ثمَّ شابّاً، ثمَّ كهلاً، ثمَّ شيخاً ، إمَّا كفوراً أوْ
شكوراً ، مطيعاً أوْ عاصياً، مؤمناً أو كافراً؛ تصديقاً لقولِهِ تعالى: ﴿هَلْ أَتَّى
عَلَى الْإِنِسَنِ حِينٌ مِّنَ الذَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْكُورًا ٤١٠: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنِسَنَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ
نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ... إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ .
فانظرْ إلى اللطفِ والكرم ، ثمَّ إلى القدرةِ والحكمةِ .. تبهرْكَ عجائبُ
الحضرةِ الربانيةِ .
فالعجبُ كلُّ العجبِ ممَّنْ يرى خطّاً حسناً أو نقشاً حسناً على حائط
فيستحسنُهُ، فينصرفُ جميعُ همِّهِ إلى التفكُّرِ في النقَّاشِ والخطَّطِ ، وأَنَّهُ
كيفَ نقشَهُ وخطَّهُ ، وكيفَ اقتدرَ عليهِ ، ولا يزالُ يستعظمُهُ في نفسِهِ ويقولُ :
ما أحذقَهُ ! وما أكملَ صنعتَهُ وأحسنَ قدرتَهُ ! ثمَّ ينظرُ إلى هذهِ العجائبِ في
نفسِهِ وفي غيرِهِ ، ثمَّ يغفُلُ عنْ صانِعِهِ ومصوَّرِهِ، فلا تدهشُهُ عظمتُهُ ،
ولا يحيِّرُهُ جلالُهُ وحكمتُهُ !
فهذهِ نبذةٌ مِنْ عجائبِ بدنِكَ التي لا يمكنُ استقصاؤُها ، فهوَ أقربُ
مجالٍ لفكرِكَ ، وأجلى شاهدٍ على عظمةِ خالقِكَ ، وأنتَ غافلٌ عنْ ذلكَ ،
٢٨٠