Indexed OCR Text
Pages 141-160
ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة السماءِ ، وقامَ ومشى وقالَ: أكثرُ خلقِكَ شاغلٌ عنكَ(١). فهذا كلامُ مستغرقٍ بمشاهدةِ اللهِ تعالى ، لا يتكلَّمُ إلا منهُ ، ولا يسمعُ إلا فيهٍ ، فهذا لا يحتاجُ إلى مراقبةٍ لسانِهِ وجوارحِهِ ، فإنَّها لا تتحرَّكُ إلا بما هوَ فيهِ . ودخلَ الشبليُّ على أبي الحسينِ النوريِّ وهوَ معتكفٌ، فوجدَهُ ساكناً حسنَ الاجتماع ، لا يتحرَّكُ مِنْ ظاهرِهِ شيءٌ ، فقالَ لهُ : مِنْ أينَ أخذتَ هذهِ المراقبةَ والسكونَ ؟ فقالَ: مِنْ سنَّورِ كانَتْ لنا، فكانَتْ إذا أرادَتِ الصيدَ .. رابطَتْ رأسَ الجُحْرِ لا تتحرَّكُ لها شعرةٌ . وقالَ أبو عبدِ اللهِ بنُ خفيفٍ : خرجتُ مِنْ مصرَ أريدُ الرملةَ للقاءِ أبي عليَّ الروذباريِّ، فقالَ لي عيسى بنُ يونسَ المصريُّ المعروفُ بالزاهدِ : إنَّ في صورَ شابّاً وكهلاً قد اجتمعا على حالِ المراقبةِ ، فلو نظرتَ إليهما نظرةً لعلَّكَ تستفيدُ منهما ، فدخلتُ صورَ وأنا جائعٌ عطشانُ ، وفي وسطي خرقةٌ ، وليسَ على كتفي شيءٌ ، فدخلتُ المسجدَ ، فإذا بشخصينٍ قاعدينٍ مستقبلي القبلةِ ، فسلمتُ عليهما ، فما أجاباني ، فسلمتُ ثانيةً وثالثةً ، فلمْ أسمع الجوابَ ، فقلتُ : نشدتُكُما باللهِ إلا رددتُما عليَّ السلامَ ، فرفعَ الشابُ رأسَهُ مِنْ مرقعتِهِ ، فنظرَ إليَّ وقالَ : يا بنَ خفيفٍ ؛ الدنيا قليلٌ ، وما بقيَ مِنَ القليلِ إلا قليلٌ ، فخذْ مِنَ القليلِ الكثيرَ ، يا بنَ خفيفٍ ؛ ما أقلَّ (١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٥). ١٤١ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات شغلَكَ حتى تتفرَّغَ إلى لقائِنا! قالَ : فأخذ بكليّي ، فنظرَ إليَّ ثمَّ طأطأَ رأسَهُ في المكانِ ، فبقيتُ عندَهُما حتى صلَّينا الظهرَ والعصرَ ، فذهبَ جوعي وعطشي وعنائي ، فلمَّا كانَ وقتُ العصرِ .. قلتُ: عظْني ، فرفعَ رأسَهُ إليَّ وقالَ : يا بنَ خفيفٍ ؛ نحنُ - أصحابَ المصائبِ - ليسَ لنا لسانُ العظةِ ، فبقيتُ عندَهُما ثلاثةَ أيام لا آكلُ ولا أشربُ ولا أنامُ ، ولا رأيتُهُما أكلا شيئاً ولا شربا ولا ناما ، فلمَّا كانَ في اليوم الثالثِ .. قلتُ في سرِّي : أحلِّفُهُما أنْ يعظاني لعلِّي أنْ أنتفعَ بعظتِهِما، فرفعَ الشابُ رأسَهُ وقالَ لي : يا بنَ خفيفٍ ؛ عليكَ بصحبةٍ مَنْ تذكِّرُكَ اللهَ رؤيتُهُ، وتقعُ هيبتُهُ على قلِكَ ، يعظُكَ بلسانِ فعلِهِ، ولا يعظُكَ بلسانِ قولِهِ والسلامُ، قمْ عنّا (١) . فهذهِ درجةُ المراقبينَ الذينَ غلبَ على قلوبِهِمُ الإجلالُ والتعظيمُ ، فلمْ يبقَ فِيهِمْ متَّسعٌ لغيرِ ذلكَ . الدرجةُ الثانيةُ : مراقبةُ الورعينَ مِنْ أصحابِ اليمينِ : وهُمْ قومٌ غلبَ يقينُ اطلاعِ اللهِ على ظاهرِهِمْ وباطنِهِمْ على قلوبِهِمْ ، ولكنْ لمْ تدهشْهُمْ ملاحظةُ الجلالِ ، بلْ بقيتْ قلوبُهُمْ على حدِّ الاعتدالِ ، متسعةً للتلفُّتِ إلى الأحوالِ والأعمالِ ، إلا أنَّها معَ ممارسةِ الأعمالِ لا تخلو عنِ المراقبةِ . (١) رواه الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص ١٦٥). ١٤٢ ربع المنجيات حر كتاب المراقبة والمحاسبة نعمْ ، غلبَ عليهِمُ الحياءُ مِنَ اللهِ تعالى ، فلا يقدمونَ ولا يحجمونَ إلا بعدَ التثبُّتِ فيهِ ، ويمتنعونَ عنْ كلِّ ما يفتضحونَ بهِ في القيامةِ ، فإنَّهُمْ يرونَ اللهَ سبحانه في الدنيا مطَّلِعاً عليهِمْ، فلا يحتاجونَ إلى انتظارِ القيامةِ . وتعرفُ اختلافَ الدرجتينِ بالمشاهداتِ ، فإِنَّكَ في خلوتِكَ قدْ تتعاطى أعمالاً ، فيحضرُكَ صبيٍّ أوِ امرأةٌ ، فتعلمُ أنَّهُ مطلعٌ عليكَ ، فتستحيي منهُ ، فتحسنُ جلوسَكَ ، وتراعي أحوالَكَ ، لا عنْ إجلالٍ وتعظيمٍ ، بلْ عنْ حياءٍ ، فإنَّ مشاهدتَهُ وإنْ كانَتْ لا تدهشُكَ ولا تستغرقُكَ فإنَّها تهيِّجُ الحياءَ منكَ ، وقدْ يدخلُ عليكَ ملكٌ مِنَ الملوكِ ، أوْ كبيرٌ مِنَ الأكابرِ ، فيستغرقُكَ التعظيمُ حتى تتركَ كلَّ ما أنتَ فيهِ شغلاً بهِ ، لا حياءً منهُ ، فهكذا تختلفُ مراتبُ العبادِ في مراقبة الله تعالى . ومَنْ كانَ في هذهِ الدرجةِ فيحتاجُ إلى أَنْ يراقبَ جميعَ حركاتِهِ وسكناتِهِ ، وخطراتِهِ ولحظاتِهِ ، وبالجملةِ : جميعَ اختياراتِهِ ، ولهُ فيها نظرانِ : نظرٌ قبلَ العملِ ، ونظرٌ في العملِ . أمّا قبلَ العملِ : فلينظرْ أنَّ ما ظهرَ لهُ وتحرَّكَ بفعلِهِ خاطرُهُ : أهوَ للهِ خاصَّةٌ ، أَوْ هوَ في هوى النفسِ ومتابعةِ الشيطانِ ؟ فيتوقفُ فيهِ ويتثبَتُ حتى ينكشفَ لهُ ذلكَ بنورِ ١٤٣ كتاب المراقبة والمحاسبة . ربع المنجيات الحقِّ؛ فإنْ كانَ اللهِ تعالى .. أمضاهُ، وإنْ كانَ لغيرِ اللهِ . . استحيا مِنَ اللهِ وانكفتَّ عنهُ، ثمَّ لامَ نفسَهُ على رغبتِها فيهِ ، وهمِّها بهِ ، وميلِها إليهِ ، وعزَّفَها سوءَ فعلِها ، وسعيَها في فضيحتِها ، وأنَّها عدوَّةُ نفسِها إنْ لمْ يتداركْها اللهُ بعصمتِهِ ، وهذا التوقُّفُ في بدايةِ الأمورِ إلى حدِّ البيانِ واجبٌ محتومٌ لا محيصَ لأحدٍ عنهُ ، فإنَّ في الخبرِ أنَّهُ يُنشرُ للعبدِ في كلِّ حركةٍ مِنْ حركاتِهِ وإنْ صغُرَتْ ثلاثةُ دواوينَ الديوانُ الأوَّلُ: لِمَ ، والثاني : كيفَ ، والثالثُ : لمَنْ ، ومعنىُ لِمَ ؛ أيْ: لِمَ فعلتَ هذا؟ أكانَ عليكَ أنْ تفعلَهُ لمولاكَ أوْ ملتَ إليهِ بشهوتِكَ وهواكَ؟ فإنْ سلمَ منهُ بأنْ كانَ عليهِ أنْ يعملَ ذلكَ لمولاهُ .. سُئِلَ عنِ الديوانِ الثاني، فقيلَ: كيفَ فعلتَ هذا؟ فإنَّ للهِ تعالى في كلِّ عملٍ شرطاً وحكماً لا يُدركُ قدرُهُ ووقتُهُ وصفتُهُ إلا بعلمٍ ، فيُقالُ لهُ : كيفَ فعلتَ ؟ أبعلمٍ محقَّقٍ ، أم بجهلٍ وظنٍّ ؟ فإِنْ سلمَ مِنْ هذا .. نُشرَ الديوانُ الثالثُ، وهوَ المطالبةُ بالإخلاصِ، فيُقالُ: لمَنْ عملتَ ؟ ألوجهِ اللهِ خالصاً وفاءً بقولِكَ: لا إلهَ إلا اللهُ، فيكونَ أجرُكَ على اللهِ ؟ أوْ لمراءاةٍ خلْقِ مثلِكَ، فخذْ أجرَكَ منهُ ؟ أمْ عملتَهُ لتنالَ عاجلَ دنياكَ ، فقد وفَيناكَ نصيبَكَ مِنَ الدنيا ؟ أمْ عملتَهُ بسهوٍ وغفلةٍ ، فقدْ سقطَ أجرُكَ، وحبطَ عملُكَ، وخابَ سعيُكَ؟ وإنْ عملتَ لغيري .. فقدٍ استوجبتَ مقتي وعقابي؛ إذْ كنتَ عبداً لي ، تأكلُ رزقي ، وتترقَّهُ بنعمتي ، ثمَّ تعملُ لغيري، أما سمعتَي أقولُ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ﴾، ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْتَغُواْ ١٤٤ ٠٧٧٠ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَأَعْبُدُوهُ﴾ ويحَكَ! أما سمعتَنَي أقولُ: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ اْخَالِصُ﴾ (١). فإذا عرفَ العبدُ أنَّهُ بصددِ هذهِ المطالباتِ والتوبيخاتِ .. طالبَ نفسَهُ قبلَ أنْ تُطالبَ ، وأعدَّ للسؤالِ جواباً ، وللجوابِ صواباً ، فلا يبدي ولا يعيدُ إلا بعدَ التثبُّتِ ، ولا يحرِّكُ جفناً ولا أَنْمُلةٌ إلا بعدَ التأقُلِ ، وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمعاذٍ: ((إنَّ الرجلَ ليُسألُ عنْ كحلِ عينيهِ ، وعنْ فتِّهِ الطينَ بإصبعيهِ ، وعنْ لمسِهِ ثوبَ أخيهِ)) (٢). وقالَ الحسنُ : ( كانَ أحدُهُمْ إذا أرادَ أنْ يتصدَّقَ بصدقةٍ .. نظرَ وتثبَّتَ ، فإنْ كانَ للهِ .. أمضاءُ)(٣). وقالَ الحسنُ : ( رحمَ اللهُ تعالى عبداً وقفَ عندَ همِّهِ ، فإنْ كانَ للهِ .. مضى، وإنْ كانَ لغيرِهِ .. تأخَّرَ)(٤). (١) كذا في ((القوت)) (٨٠/١)، ولم يذكره مرفوعاً، بل قال: ( وبلغني)، وقد تقدم حديث: (( الدواوين ثلاثة: ديوان يغفر، وديوان لا يغفر، وديوان لا يترك))، وهو ما رواه أحمد في «المسند)) (٢٤٠/٦)، والحاكم في (( المستدرك)) ( ٤ / ٥٧٥ ) . G (٢) قوت القلوب (١٦٢/٢)، ورواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٧١٩٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٠/ ٣١). (٣) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (١٠٣/١٠). (٤) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (١٠٣/١٠). ١٤٥ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات وقالَ في حديثِ سعدٍ حينَ أوصاهُ سلمانُ : ( اتقِ اللهَ عندَ همِّكَ إذا هممتَ )(١). وقالَ محمدُ بنُ عليٍّ : ( إنَّ المؤمنَ وَقَّفٌ متأنٌّ ، يقفُ عندَ همِّهِ ، ليسَ كحاطبٍ ليلٍ ) (٢) . فهذا هوَ النظرُ الأوَّلُ في هذهِ المراقبةِ ، ولا يخلِّصُ مِنْ هذا إلا العلمُ المتينُ ، والمعرفةُ الحقيقيّةُ بأسرارِ الأعمالِ وأغوارِ النفسِ ومكايدٍ الشيطانِ ، فمتى لمْ يعرفْ نفسَهُ وربَّهُ وعدوَّهُ إبليسَ ، ولمْ يعرفْ ما يوافقُ هواهُ ، ولمْ يميِّزْ بينَهُ وبينَ ما يحبُّهُ اللهُ ويرضاهُ في نيَتِهِ ، وهمَّتِهِ وفكرتِهِ ، وسكونِهِ وحركِتِهِ .. فلا يسلمُ في هذهِ المراقبةِ ، بلِ الأكثرونَ يرتكبونَ الجهلَ فيما يكرهُهُ اللهُ تعالى وهمْ يحسبونَ أنَّهُمْ يحسنونَ صنعاً . ولا تظنَّنَّ أنَّ الجاهلَ بما يقدرُ على التعلُّمِ فيهِ يُعذرُ بالجهلِ هيهاتَ ! بلْ طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ، ولهذا كانَتْ ركعتانِ مِنْ عالمٍ أفضلَ مِنْ ألفِ ركعةٍ مِنْ غيرِ عالمٍ (٣)؛ لأنَّهُ يعلمُ آفاتِ النفوسِ ومكايدَ الشيطانِ (١) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١٧/٤)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٩٩١٠) ولفظه : ( يا سعدُ؛ اذكر الله عند همِّك إذا هممت ، وعند يدك إذا أقسمت ، وعند حكمك إذا حكمت ) . (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٨/ ٥٠)، ونحوه عند البيهقي في (( الزهد الكبير)) (٩٣٠) . (٣) وذلك فيما رواه ابن النجار عن موسى بن جعفر، عن أبيه ، عن جده: (( ركعتان من عالم أفضل من سبعين ركعة من غير عالم)) رواه الشيرازي في (( الألقاب)) من طريق =. ١٤٦ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة ومواضعَ الغرورِ ، فيتقي ذلكَ ، والجاهلُ لا يعرفُهُ ، فكيفَ يحترزُ منهُ ، فلا يزالُ الجاهلُ في تعبٍ ، والشيطانُ منهُ في فرحٍ وشماتةٍ ، فنعوذُ باللهِ مِنَ الجهلِ والغفلةِ ، فهوَ رأسُ كلِّ شقاوةٍ ، وأساسُ كلِّ خسرانٍ . فحكمُ اللهِ تعالى على كلِّ عبدٍ أنْ يراقبَ نفسَهُ عندَ همِّهِ بالفعلِ وسعِهِ بالجارحةِ، فيتوقَّفُ عندَ الهمِّ وعندَ السعي حتى ينكشفَ لهُ بنورِ العلمِ أنَّهُ للهِ تعالى فيمضيَهُ، أَوْ هوَ لهوى النفسِ فيتقيَهُ ، ويزجرَ القلبَ عنِ الفكرِ فيهِ ، وعنِ الهمِّ بهِ ، فإنَّ الخطرةَ الأولى في الباطلِ إذا لمْ تدفعْ .. أورثَتِ الرغبةَ، والرغبةُ تورثُ الهمَّ ، والهمُّ يورثُ جزْمَ القصدِ ، والقصدُ يورثُ الفعلَ ، والفعلُ يورثُ البوارَ والمقتَ ، فينبغي أنْ تحسمَ مادةُ الشرِّ مِنْ منبعِهِ الأوَّلِ ، وهوَ الخاطرُ ، فإنَّ جميعَ ما وراءَهُ يتبعُهُ . ومهما أشكلَ على العبدِ ذلكَ، وأظلمَتِ الواقعةُ فلمْ ينكشفْ لهُ .. فليتفكرْ في ذلكَ بنورِ العلمِ ، ويستعدُ باللهِ مِنْ مكرِ الشيطانِ بواسطةِ الهوى ، فإنْ عجزَ عنِ الاجتهادِ والفكرِ بنفسِهِ .. فليستضىءْ بنورِ علماءِ الدينِ ، وليفرّ مِنَ العلماءِ المضلِّينَ المقبلينَ على الدنيا فرارَهُ مِنَ الشيطانِ ، بلْ أشدَّ ، فقدْ أوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ السلامُ: ( يا داوودُ ؛ لا تسألْ عنِّي عالماً مالك بن دينار ، عن الحسن ، عن أنس ، عن علي رفعه : (( ركعة من عالم بالله خير من = ألف ركعة من متجاهل بالله)) ، وروى أبو نعيم من حديث أنس - وهو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٣٢٣٤) -: (( ركعتان من رجل ورع أفضل من ألف ركعة من مخلط)). ((إتحاف)) (٥٩/١٠). ١٤٧ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات أسكرَهُ حبُّ الدنيا فيقطعَكَ عنْ محبَّتي ، أولئك قطَّاعُ الطريقِ على عبادي)(١) ، فالقلوبُ المظلمةُ بحبِّ الدنيا وشدَّةِ الشرهِ والتكالبِ عليها محجوبةٌ عنْ نورِ اللهِ تعالى ، فإنَّ مستضاءَ أنوارِ القلوبِ حضرةُ الربوبيَّةِ ، فكيفَ يستضيءُ بها مَنِ استدبَرها ، وأقبلَ على عدوِّها ، وعشقَ بغيضَها ومقیتَها وهيَ شهواتُ الدنيا ؟! فلتكنْ همَّةُ المريدِ أوَّلاً في إحكام العلمِ ، أوْ في طلبٍ عالٍ معرضٍ عنٍ الدنيا ، أوْ ضعيفِ الرغبةِ فيها إنْ لمْ يجدْ مَنْ هوَ عديمُ الرغبةِ فيها ، وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ يحبُّ البصرَ النافذَ عندَ ورودِ الشبهاتِ ، والعقلَ الكاملَ عندَ هجومِ الشهواتِ))(٢)، جمعَ بينَ الأمرينِ، وهما متلازمانِ حقّاً ، فمَنْ ليسَ لهُ عقلٌ وازعٌ عنِ الشهواتِ . . فليسَ لهُ بصرٌ نافذٌّ في الشبهاتِ . ولذلكَ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( مَنْ قارفَ ذنباً .. فارقَهُ عقلٌ لا يعودُ إليهِ أبداً)»(٣)، فما قدْرُ العقلِ الضعيفِ الذي سعدَ الآدميُّ بهِ حتى يعمدَ إلى محوِهِ ومحقِهِ بمقارفةِ الذنوبِ ؟! (١) قوت القلوب (١٤١/١)، ورواه يحيى بن الحسين بن إسماعيل الشجري في ((الأمالي الشجرية )" (١ / ٦٣ ) . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٩/٦) مختصراً، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٠٨١)، والبيهقي في ((الزهد الكبير)) (٩٥٤) من حديث عمران بن الحصين رضي الله عنه . (٣) قال الحافظ العراقي: (لم أرله أصلاً). ((إتحاف)) (٢٣١/٧). ١٤٨ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة ومعرفةُ آفاتِ الأعمالِ قِدِ اندرسَتْ في هذهِ الأعصارِ ، فإنَّ الناسَ كلَّهُمْ قدْ هجروا هذهِ العلومَ ، واشتغلوا بالتوسُّطِ بينَ الخلقِ في الخصوماتِ الثائرةِ مِنِ اتباع الشهواتِ ، وقالوا : هذا هوَ الفقهُ، وأخرجوا هذا العلمَ الذي هوَ فقهُ الدينِ عنْ جملةِ العلومِ ، وتجرّدوا لفقهِ الدنيا الذي ما قُصِدَ بهِ إلا دفعُ الشواغلِ عنِ القلوبِ ليُفرَّغَ لفقهِ الدينِ ، فكانَ فقهُ الدنيا مِنَ الدينِ بواسطةٍ هذا الفقهِ ، وفي الخبرِ : ( أنتمُ اليومَ في زمانٍ خيرُكُمْ فيهِ المسارِعُ ، وسيأتي عليكُمْ زمانٌ خيرُكُمْ فِيهِ المتَثِبْتُ)(١) . ولهذا توقَّفَ طائفةٌ مِنَ الصحابةِ في القتالِ معَ أهلِ العراقِ وأهلِ الشامِ لما أشكلَ عليهِمُ الأمرُ ؛ كسعدِ بنِ أبي وقاصٍ ، وعبدِ اللهِ بنِ عمرَ ، وأسامةَ ، ومحمدِ بنِ مسلمةَ ، وغيرِهِمْ (٢). فمَنْ لمْ يتوقَّفْ عندَ الاشتباهِ .. كانَ متبعاً لهواهُ ، معجباً برأيهِ ، وكانَ ممَّنْ وصفَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إِذْ قالَ: ((فإذا رأيتَ شحاً مطاعاً ، وهوىّ متبعاً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيِهِ .. فعليكَ بخاصَّةٍ نفسِكَ))(٣). وكلُّ مَنْ خاضَ في شبهةٍ بغيرِ تحقيقٍ .. فقدْ خالفَ قولَهُ تعالى: ﴿وَلَا نَّقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ﴾، وقولَهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إيّاكُمْ والظنَّ؛ (١) قوت القلوب (١٦١/١)، وهو من كلام ابن مسعود رضي الله عنه. (٢) انظر تفصيل ذلك في ((الإتحاف)) (١٠٥/١٠). (٣) رواه أبو داوود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤). ١٤٩ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديثِ))(١)، وأرادَ بهِ ظنّاً بغيرِ دليلِ ؛ كما يستفتي بعضُ العوامُّ قلبَهُ فيما أشكلَ عليهِ ويتبعُ ظنَّهُ ، ولصعوبةِ هذا الأمرِ وعظمِهِ كانَ دعاءُ الصديقِ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ: (اللهمَّ ؛ أرِني الحقَّ حقّاً وارزقني اتباعَهُ ، وأرني الباطل باطلاً وارزقْني اجتنابَهُ ، ولا تجعلْهُ متشابهاً عليَّ فأتبعَ الهوى )(٢) . وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( الأمورُ ثلاثةٌ: أمرٌ استبانَ رشدُهُ فاتبعْهُ ، وأمرٌ استبانَ غِيُّهُ فاجتنبْهُ، وأمرٌ أشكلَ عليكَ فكلْهُ إلى عالِمِهِ)(٣). وقدْ كانَ مِنْ دعاءِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللهمَّ ؛ إنِّي أعوذُ بكَ أنْ أقولَ في الدينِ بغيرِ علمٍ)) (٤) ، فأعظمُ نعمةِ اللهِ تعالى على عبادِهِ هوَ العلمُ ، وكشفُ الحقِّ ، والإيمانُ عبارةٌ عنْ نوع كشفٍ وعلمٍ ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى امتناناً على عبدِهِ: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اَللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾، وأرادَ بهِ العلمَ، وقال تعالى: ﴿فَسَشَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وقالَ تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾، وقالَ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، وقالَ: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾. (١) رواه البخاري (٦٧٢٤)، ومسلم ( ٢٥٦٣) . (٢) كذا في ((القوت)) (٧٩/١)، وسياق المصنف بنحوه عنده. (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣١٨/١٠). (٤) أورده الإمام أبو طالب في ((قوته)) (٧٩/١) من دعاء علي رضي الله عنه ، وقال سبحانه في حق النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم ◌ِثَايَةٍ قَالُواْ لَوْلًا اجْتَّبَيْتَهَأَقُلْ إِنَّمَاً أَتَّعُمَا يُوحَىّ إِلَّمِن زَّہی﴾ . ١٥٠ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( الهوىُ شريكُ العمى، ومِنَ التوفيقِ التوقُُّ عندَ الحيرةِ ، ونعمَ طاردُ الهمِّ اليقينُ ، وعاقبةُ الكذبِ الندمُ ، وفي الصدقِ السلامةُ ، ربّ بعيدٍ أقربُ مِنْ قريبٍ ، وغريبٌ مَنْ لمْ يكنْ لهُ حبيبٌ ، والصديقُ مَنْ صدقَ غيبُهُ ، ولا يعدمْكَ مِنْ حبيبٍ سوءُ الظنِّ، نعمَ الخُلُقُ التكُّمُ ، والحياءُ سببٌ إلى كلِّ جميلٍ ، وأوثقُ العرى التقوى ، وأوثقُ سببٍ أخذتَ بهِ سببٌ بينَكَ وبينَ اللهِ تعالى ، إنَّما لكَ مِنْ دنياكَ ما أصلحتَ بهِ مثواكَ، والرزقُ رزقانِ : رزقٌ تطلبُهُ ، ورزقٌ يطلبُكَ ، فإنْ لمْ تأتِهِ .. أتاكَ ، وإنْ كنتَ جازعاً على ما أفلتَ مِنْ يديكَ .. فلا تجزعْ على ما لمْ يصلْ إليكَ، واستدلَّ على ما لمْ يكنْ بما كانَ ؛ فإنَّما الأمورُ أشباهٌ ، والمرءُ يسرُهُ درْكُ ما لمْ يكنْ ليفوتَهُ، ويسوءُهُ فوتُ ما لمْ يكنْ ليدركَهُ ، فما نالَكَ مِنْ دنياكَ فلا تكثرَنْ بهِ فرحاً ، وما فاتَكَ منها فلا تتبعْهُ نفسَكَ أسفاً ، وليكنْ سرورُكَ بما قدَّمتَ وأسفُكَ على ما خلَّفتَ ، وشغلُكَ لآخرتِكَ، وهمُّكَ فيما بعدَ الموتِ)(١)، وغرضُنا مِنْ نقلِ هذهِ الكلماتِ قولُهُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ومِنَ التوفيقِ التوقُّفُ عندَ الحيرةِ ) . فإذاً ؛ النظرُ الأوَّلُ للمراقبِ نظرُهُ في الهمِّ والحركةِ : أهيَ اللهِ أَمْ للهوى ؟ وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ استكملَ (١) قوت القلوب (٧٦/١) إلى قوله: (الأمور أشباه )، وهو ضمن خطبة عند العسكري في (( المواعظ)) كما في (( كنز العمال)) (٤٤٢١٥) . .A". ١٥١ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات إيمانَهُ : لا يخافُ في اللهِ لومةَ لائمٍ ، ولا يرائي بشيءٍ مِنْ عملِهِ ، وإذا عرضَ لهُ أمرانِ؛ أحدُهُما للدنيا، والآخرُ للآخرةِ .. آثرَ الآخرةَ على الدنيا)» (١) . وأظهرُ ما ينكشفُ لهُ في حركاتِهِ أنْ يكونَ مباحاً ولكنْ لا يعنيهِ ، فيتركُهُ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مِنْ حسن إسلام المرءِ تركُهُ ما لا يعنيهِ))(٢). النظرُ الثاني للمراقبةِ عندَ الشروعِ في العملِ : وذلكَ بتفقُّدِ كيفيةِ العملِ ليقضيَ حقَّ اللهِ تعالى فيهِ ، ويحسنَ النيةَ في إتمامِهِ ، ويكمِّلَ صورتَهُ ، ويتعاطاهُ على أكمل ما يمكنُهُ ، وهذا ملازمٌ لهُ في جميع أحوالِهِ ، فإنّهُ لا يخلو في جميع أحوالِهِ عنْ حركةٍ وسكونٍ ، فإذا راقبَ اللهَ تعالى في جميع ذلكَ .. قدرَ على عبادةِ اللهِ تعالى فيها بالنيةِ ، وحسنِ الفعلِ ، ومراعاةِ الأدبِ . فإِنْ كانَ قاعداً مثلاً .. فينبغي أنْ يقعدَ مستقبل القبلةِ؛ لقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((خيرُ المجالسِ ما استُقُبلَ بهِ القبلةُ))(٣)، ولا يجلسُ متربِّعاً ؛ (١) رواه الديلمي في (( مسند الفردوس)) (٢٤٥٥)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق )" (٣٨ /١٣) . (٢) رواه الحاكم في (( المستدرك)) (٢٧٠/٤)، والطبراني في «الكبير)) (٣٢٠/١٠)، والبيهقي في (( السنن الكبرى)) ( ٢٧٢/٧) . (٣) رواه بلفظه هنا أبو نعيم في ((تاريخ أصبهان)) (٣٥/٢، ٣٢٢)، والديلمي في « مسند =. ١٥٢ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة إِذْ لا يُجالسُ الملوكُ كذلكَ ، وملكُ الملوكِ مطلعٌ عليهِ ، قالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمهُ اللهُ : جلستُ مرَّةً متربعاً ، فسمعتُ هاتفاً يقولُ : هكذا تُجالَسُ الملوكُ ؟! فلمْ أجلسْ بعدَ ذلكَ متربعاً . وإنْ كانَ ينامُ .. فينامُ على اليدِ اليمنى مستقبلَ القبلةِ، معَ سائرِ الآدابِ التي ذكرناها في مواضعِها ، فكلُّ ذلكَ داخلٌ في المراقبةِ ، بلْ لوْ كانَ في قضاءِ الحاجةِ .. فمراعاتهُ لآدابها وفاءٌ بالمراقبةِ . فإذاً ؛ لا يخلو العبدُ إمّا أنْ يكونَ في طاعةٍ ، أوْ معصيةٍ ، أَوْ مباحٍ ، فمراقبتُهُ في الطاعةِ بالإخلاصِ ، والإكمالِ ، ومراعاةِ الأدبِ وحراستِها عنِ الآفاتِ ، وإنْ كانَ في معصيةٍ .. فمراقبتُهُ بالتوبةِ، والندم، والإقلاع، والحياءِ ، والاشتغالِ بالتكفيرِ ، وإنْ كانَ في مباحٍ .. فمراقبتُهُ بمراعاةٍ الأدبِ ، ثمَّ بشهودِ المنعمِ في النعمةِ ، وبالشكرِ عليها . ٠٥٨ ولا يخلو العبدُ في جملةِ أحوالِهِ عنْ بليةٍ لا بدَّ لهُ مِنَ الصبرِ عليها ، ونعمةٍ لا بدَّ لهُ مِنَ الشكرِ عليها ، وكلُّ ذلكَ مِنَ المراقبةِ ، بلْ لا ينفكُّ العبدُ في كلّ حالٍ مِنْ فرضٍ للهِ تعالى عليهِ : إمَّا فعلٍ يلزمُهُ مباشرتُهُ ، أوْ محظور الفردوس)) ( ٢٩٠١) عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً ، وهو عند الطبراني في ((الأوسط)) (٨٣٥٧)، وابن عدي في (( الكامل)) (٣٧٦/٢) بلفظ: ((أكرم المجالس ... ))، وروى البخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٣٧) عن سفيان بن منقذ عن أبيه قال : ( كان أكثر جلوس عبد الله بن عمر وهو مستقبل القبلة ) ، وروى الحاكم في ((المستدرك)) (٢٦٩/٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((إن لكل شيء شرفاً، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة ... )) . ١٥٣ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات يلزمُّهُ تركُهُ، أَوْ ندبٍ حثَّهُ عليهِ ليسارعَ بهِ إلى مغفرةِ اللهِ تعالىُ ، ويسابقَ بهِ عبادَ اللهِ ، أَوْ مباحٍ فيهِ صلاحُ جسمِهِ وقلبِهِ ، وفيهِ عونٌ لهُ على طاعتِهِ ، ولكلٍّ واحدٍ مِنَ ذلك حدودٌ لا بدَّ مِنْ مراعاتِها بدوام المراقبةِ، ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. فينبغي أنْ يتفقَّدَ العبدُ نفسَهُ في جميع أوقاتِهِ في هذهِ الأقسامِ الثلاثةِ ، فإذا كانَ فارغاً مِنَ الفرائضِ ، وقدرَ على الفضائلِ .. فينبغي أنْ يلتمسَ أفضلَ الأعمالِ ليشتغلَ بها ، فإنَّ مَنْ فاتَهُ مزيدُ ربح وهوَ قادرٌ على درْكِهِ .. فهوَ مغبونٌ ، والأرباحُ تُالُ بمزايا الفضائلِ ، فبذلكَ يأخذُ العبدُ مِنْ دنياهُ لآخرتِهِ ؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا﴾. وكلُّ ذلكَ إنَّما يمكنُ بصبرٍ ساعةٍ واحدةٍ ، فإنَّ الساعاتِ ثلاثٌ : ساعةٌ مضَتْ لا تعبَ فيها على العبدِ كيفَما انقضَتْ ، في مشقةٍ أوْ في رفاهيةٍ ، وساعةٌ مستقبلةٌ لمْ تأتِ بعدُ ، لا يدري العبدُ أيعيشُ إليها أمْ لا ، ولا يدري ما يقضي اللهُ فيها ، وساعةٌ راهنةٌ ينبغي أنْ يجاهدَ فيها نفسَهُ ، ويراقبَ فيها ربّهُ ، فإنْ لمْ تأتِهِ الساعةُ الثانيةُ .. لمْ يتحسَّرْ على فواتِ هذهِ الساعةِ ، وإِنْ أتتْهُ الساعةُ الثانيةُ .. استوفى حقَّهُ منها كما استوفىْ مِنَ الأولى ، ولا يطوِّلْ أملَهُ خمسينَ سنةً فيطولَ عليهِ العزمُ على المراقبةِ فيها ، بلْ يكونُ ابنَ وقتِهِ ؛ كأنَّهُ في آخرِ أنفاسِهِ ، فلعلَّهُ آخرُ أنفاسِهِ وهوَ لا يدري . وإذا أمكنَ أنْ يكونَ آخرَ أنفاسِهِ .. فينبغي أنْ يكونَ على وجهٍ لا يكرهُ أنْ ١٥٤ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة يدركَهُ الموتُ وهوَ على تلكَ الحالةِ ، وتكونَ جميعُ أحوالِهِ مقصورةً على ما رواهُ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ مِنْ قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لا يكونُ المؤمنُ ظاعناً إلا في ثلاثٍ : تزوُّدٍ لمعادٍ ، أَوْ مَرَمَّةٍ لمعاشٍ ، أوْ لذةٍ في غيرِ محرَّم))(١)، وما رُويَ عنهُ أيضاً في معناهُ: (( وعلى العاقلِ أنْ تكونَ لهُ أربعُ ساعاتٍ : ساعةٌ يناجي فيها ربَّهُ ، وساعةٌ يحاسبُ فيها نفسَهُ ، وساعةٌ يفكِّرُ فيها في صنع اللهِ تعالى ، وساعةٌ يخلو فيها للمطعم والمشربِ ، فإنَّ في هذهِ الساعةِ عوناً لهُ على بقيَّةِ الساعاتِ))(٢). ثمَّ هذهِ الساعةُ التي هوَ فيها مشغولُ الجوارحِ بالمطعمِ والمشربِ لا ينبغي أنْ يخلوَ عنْ عملِ هوَ أفضلُ الأعمالِ ، وهوَ الذكرُ والفكرُ ، فإنَّ الطعامَ الذي يتناولُهُ مثلاً فيهِ مِنَ العجائبِ ما لوْ تفكّرَ فيهِ وفطنَ لهُ .. كانَ ذلكَ أفضلَ مِنْ كثيرٍ مِنْ أعمالِ الجوارحِ . والناسُ فيهِ أقسامٌ : قسمٌ ينظرونَ إليهِ بعينِ التبصُّرِ والاعتبارِ ، فينظرونَ في عجائبٍ صنعتِهِ ، وكيفيةِ ارتباطِ قوام الحيواناتِ بهِ ، وكيفيةٍ تقديرِ اللهِ تعالى لأسبابِهِ ، وخلقٍ الشهوةِ الباعثةِ عليهِ ، وخلقِ الآلاتِ المسخرةِ للشهوةِ فيهِ ؛ كما فصَّلنا بعضَهُ (١) كذا في ((القوت)) (٨٩/١)، ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) (٣٦١)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٦/١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٧٤/٢٣) بلفظ: ((وعلى العاقل ألا يكون ظاعناً ... ))، ومرمة: إصلاح. (٢) كذا في ((القوت)) (٨٩/١)، وهو ضمن الحديث السابق. ١٥٥ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات في كتابِ الشكرِ ، وهذا مقامُ ذوي الألبابِ . وقسمٌ ينظرونَ فيهِ بعينِ المقتِ والكراهةِ ، ويلاحظونَ وجهَ الاضطرارِ إليهِ وبودِّهِمْ لوٍ استغنوا عنهُ، ولكنْ يرونَ أَنفسَهُمْ مقهورينَ فيهِ ، مسخرينَ الشهواتِهِ ، وهذا مقامُ الزاهدينَ . وقسمٌ يرونَ في الصنعةِ الصانعَ ، ويترقونَ منها إلى صفاتِ الخالقِ ، فتكونُ مشاهدةُ ذلكَ سبباً لتذكُّرِ أبوابٍ مِنَ الفكرِ تنفتحُ عليهِمْ بسببِهِ ، وهوَ أعلى المقاماتِ ، وهوَ مِنْ مقاماتِ العارفينَ وعلاماتِ المحبِّينَ ؛ إذِ المحبُّ إذا رأى صنعةً حبيبهِ وكتابَهُ وتصنيفَهُ .. نسيَ الصنعةَ، واشتغلَ قلبُهُ بالصانع ، وكلُّ ما يتردّدُ العبدُ فيهِ هوَ صنعُ اللهِ تعالى ، فلهُ في النظرِ منهُ إلى الصانع مجالٌ رحبٌ إنْ فُتْحَتْ لهُ أبوابُ الملكوتِ ، وذلكَ عزيزٌ جداً . وقسمٌ رابعٌ ينظرونَ إليهِ بعينِ الرغبةِ والحرصِ ، فيتأسَّفونَ على ما فاتَهُمْ منهُ، ويفرحونَ بما حضرَهُمْ مِنْ جملتِهِ ، ويدقُونَ منهُ ما لا يوافقُ هواهُمْ ، ويعيبونَهُ ويذُّونَ فاعلَهُ ، فيذمُون الطبيخَ والطبَّاخَ ، ولا يعلمونَ أنَّ الفاعلَ للطبيخِ والطبّاخِ ولقدرتِهِ ولعلمِهِ هوَ اللهُ تعالى ، وأنَّ مَنْ ذمَّ شيئاً مِنْ خلقِ اللهِ تعالى بغيرِ إذنِ اللهِ فقد ذمَّ اللهَ، ولذلكَ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تسبُّوا الدهرَ ؛ فإنَّ اللهَ هوَ الدهرُ))(١) . (١) رواه مسلم (٢٢٤٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، وعند البخاري ( ٤٨٢٦) من حديثه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قال الله عز وجل : يؤذيني ابن آدم ، يسبُّ الدهر وأنا الدهر ، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار» . ١٥٦ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة فهذه هيَ المرابطةُ الثانيةُ بمراقبةِ الأعمالِ على الدوامِ والاتصالِ ، وشرحُ ذلكَ يطولُ، وفيما ذكرناهُ تنبيهٌ على المنهاج لمَنْ أحكمَ الأصولَ . ١٥٧ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات المُرابطة الثّالِئَة محاسبة النفس بعد العمل ولنذكرْ فضيلةَ المحاسبةِ ثمَّ حقيقتها : فضيلة المحاسبة (١) أمّا الفضيلةُ: فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾، وهذهِ إشارةٌ إلى المحاسبةِ على ما مضى مِنَ الأعمالِ . ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( حاسبوا أنفسَكُمْ قبلَ أنْ تُحاسبوا ، وزنوها قبلَ أنْ تُوزنوا)(٢) . وفي الخبرِ : أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ جاءَهُ رجلٌ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ أوصني، فقالَ: ((أمستوصٍ أنتَ؟))، قالَ: نعمْ، فقالَ: ((إذا هممتَ بأمرٍ .. فتدبَّرْ عاقبتَهُ، فإنْ كانَ رشداً .. فأمضِهِ، وإنْ كانَ غيّاً .. فانتهِ عنهُ))(٣) . (١) العنوان زيادة من اللجنة العلمية . (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٠٦)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٥٢/١). (٣) رواه ابن المبارك في (( الزهد)) (٤١) عن عبد الله بن مسور أبي جعفر مرسلاً ، ورواه أبو نعيم في (( تاريخ أصبهان)) (٣٥٩/١) عن أبي جعفر ، عن عبد الله بن مسعود = ١٥٨ ربع المنجيات كتاب المراقبة والمحاسبة وفي الخبرِ: (( وينبغي للعاقلِ أنَّ يكونَ لهُ أربعُ ساعاتٍ .. ساعةٌ يحاسبُ فيها نفسَهُ )) . وقال تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اُلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، والتوبةُ نظرٌ في الفعلِ بعدَ الفراغِ منهُ بالندمِ عليهِ . وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِنِّي لأستغفرُ اللهَ تعالى وأتوبُ إليهِ في اليومِ مئةَ مرَّةٍ))(١). وقالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَهُمْ طَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾ . وعنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ: أنَّهُ كانَ يضربُ قدميهِ بالدِّرَّةِ إذا جنَّهُ الليلُ ويقولُ لنفسِهِ : ماذا عملتِ اليومَ ؟ وعنْ ميمونٍ بن مهرانَ أنَّهُ قالَ : ( لا يكونُ العبدُ مِنَ المتقينَ حتى يحاسبَ نفسَهُ أشدَّ مِنْ محاسبةِ شريكِهِ)(٢)، والشريكانِ يتحاسبانِ بعدَ العملِ . ورُوِيَ عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها : أنَّ أبا بكرِ رضوانُ اللهِ عليهِ قالَ لها = رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هل أنت مستوصٍ إن أوصيتك؟)) قلت: نعم، قال: ((إذا هممت بأمر .. فتدبر عاقبته؛ فإن كان رشداً .. فأمضه، وإن كان غيّاً .. فانته)). (١) رواه مسلم (٢٧٠٢) وأبو داوود (١٥١٥). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) (٧). ١٥٩ كتاب المراقبة والمحاسبة ربع المنجيات عندَ الموتِ : ما أحدٌ مِنَ الناسِ أحبّ إليَّ مِنْ عمرَ ، ثمَّ قالَ لها : كيفَ قلتُ ؟ فأعادَتْ عليهِ ما قالَ، فقالَ: لا، ما أحدٌ أعزَّ عليَّ مِنْ عمرَ (١). فانظرْ كيفَ نظرَ بعدَ الفراغ مِنَ الكلمةِ ، فتدبَّرَها وأبدَلها بكلمةٍ غيرِها . وحديثُ أبي طلحةَ حينَ شغلَهُ الطائرُ في صلاتِهِ ، فتدبّرَ ذلكَ ، فجعلَ حائطَهُ صدقةٌ للهِ تعالى ندماً ورجاءً للعوضِ ممَّا فاتَهُ(٢). وفي حديثِ عبدِ اللهِ بنِ سلام : أنَّهُ حملَ حزمةً مِنْ حطبٍ ، فقيلَ لهُ : يا أبا يوسفَ ؛ قَدْ كانَ في بنيكَ وغلمانِكَ مَنْ يكفيكَ هذا ، فقالَ : أردتُ أنْ أجرِّبَ نفسي هلْ تنكرُهُ ؟(٣). وقالَ الحسنُ : ( المؤمنُ قوَّامٌ على نفسِهِ يحاسبُها للهِ ، وإنَّما خفَّ الحسابُ على قومِ حاسبوا أنفسَهُمْ في الدنيا ، وإنَّما شقَّ الحسابُ يومَ القيامةِ على قوم أخذوا هذا الأمرَ مِنْ غيرِ محاسبةٍ )، ثمَّ فسَّرَ المحاسبةَ فقالَ: ( إنَّ المؤمنَ يفجؤُهُ الشيءُ يعجبُهُ، فيقولُ: واللهِ ؛ إنَّكَ لتعجبُني ، وإنَّكَ لمنْ حاجتي ، ولكنْ هيهاتَ ! حيلَ بيني وبينَكَ ) ، وهذا حسابٌ قبلَ العملِ ، ثمَّ قالَ: ( ويفرطُ منهُ الشيءُ ، فيرجعُ إلى نفسِهِ فيقولُ : ماذا أردتُ بهذا ؟ (١) رواه البخاري في (( الأدب المفرد)) (٨٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٤٤ / ٢٤٧ ) . (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٨/١). (٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٤١٦/٣)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٣٣/٢٩)، ولفظه عند صاحب ((الرعاية)) (ص ٤١٣). ١٦٠