Indexed OCR Text
Pages 561-580
ربع المنجيات حر كتاب المحبة والشوق ٢٠ التضُّع ، ويكونَ ذلكَ جلاءً للقلبِ ومفتاحاً للكشفِ ، وسبباً لتواترٍ مزايا اللطفِ ؛ كما أنَّ حملَ الكوزِ وشربَ الماءِ ليسَ مناقضاً للرضا بقضاءِ اللهِ تعالى في العطشِ ، وشربُ الماءِ طلبٌ لإزالةِ العطشِ ومباشرةُ سببٍ ربَّهُ مسبِّبُ الأسبابِ ؛ فكذلكَ الدعاءُ سببٌ رتَّهُ اللهُ تعالى وأمرَ بهِ ، وقدْ ذكرنا أنَّ التمسُّكَ بالأسبابِ جرياً على سنَّةِ اللهِ تعالى لا يناقضُ التوكُّلَ ، واستقصيناهُ في كتابِ التوكلِ ، فهوَ أيضاً لا يناقضُ الرضا ؛ لأنَّ الرضا مقامٌ يلاصقُ التوكُّلَ ويتصلُ بهِ . نعمْ، إظهارُ البلاءِ في معرضِ الشكوى ، وإنكارُهُ بالقلبِ على اللهِ تعالى .. مناقضٌ للرضا، وإظهارُ البلاءِ على سبيلِ الشكرِ والكشفِ عنْ قدرةِ اللهِ تعالى .. لا يناقضُ وقَدْ قَالَ بعضُ السلفِ : مِنْ حسنِ الرضا بقضاءِ الله تعالى ألا يقولَ : هذا يومٌ حارٌ (١) ؛ أيْ: في معرض الشكايةِ ، وذلكَ في الصيفِ ، فأمَّا في الشتاءِ .. فهوَ شكرٌ . والشكوى تناقضُ الرضا بكلِّ حالٍ ، وذُّ الأطعمةِ وعيبُها يناقضُ الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى ؛ لأنَّ مدمَّةَ الصنعةِ مذمَّةٌ للصانع ، والكلُّ مِنْ صنعِ اللهِ تعالى ، وقولُ القائلِ : الفقرُ بلاءٌ ومحنةٌ، والعيالُ همّ وتعبٌ، والاحترافُ كذِّ ومشقَّةٌ .. كلُّ ذلكَ قادحٌ في الرضا ، بلْ ينبغي أنْ يسلَّمَ التدبيرَ لمدبِّرِهِ ، (١) قوت القلوب (٤٠/٢) . ٥٦١ حن حن كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات والمملكةً لمالكِها ، ويقولَ ما قالَهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لا أبالي أصبحتُ غنيّاً أوْ فقيراً، فإنِّي لا أدري أيُّهُما خيرٌ لي)(١). ٢٫٠٠٠ (١) الرعاية (ص ٢٦١)، وهو في ((القوت)) (٤٠/٢). ٥٦٢ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق بيان أن الفراء من البلاد التي مي مظان المعاصي ومنذمتها لا يقدح في الرضا اعلمْ : أنَّ الضعيفَ قدْ يظنُّ أنَّ نهيَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الخروج مِنْ بلدٍ ظهرَ بهِ الطاعونُ(١) يدلُّ على النهي عنِ الخروجِ مِنْ بلدٍ ظهرَتْ فيهِ المعاصي ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهُما فرارٌ مِنْ قضاءِ اللهِ تعالى ، وذلكَ محالٌ ، بلِ العلّةُ في النهي عنْ مفارقةِ البلدِ بعدَ ظهورِ الطاعونِ أنَّهُ لوْ فُتِحَ هذا البابُ .. لارتحلَ عنهُ الأصخَاءُ وبقيَ فيهِ المطعونونَ مهملينَ ، لا متعهّدَ لهُمْ، فيهلكونَ هزالاً وضرّاً، ولذلكَ شبَّهَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في بعضِ الأخبارِ بالفرارِ مِنَ الزحفِ (٢) ، ولوْ كانَ ذلكَ للفرارِ مِنَ القضاءِ .. لما أذنَ لمَنْ قاربَ البلدةَ في الانصرافِ، وقَدْ ذكرنا حكْمَ ذلكَ في كتابِ التوكلٍ . وإذا عُرِفِ المعنى .. ظهرَ أنَّ الفرارَ مِنَ البلادِ التي هيَ مظانُّ المعاصي ليسَ فراراً مِنَ القضاءِ ، بلْ مِنَ القضاءِ الفرارُ ممَّا لا بدَّ مِنَ الفرارِ منهُ ، وكذلكَ مذمَّةُ المواضع التي تدعو إلى المعاصي ، والأسبابِ التي تدعو إليها ؛ لأجلِ التنفيرِ عنِ المعصيةِ .. ليسَ مذموماً، فما زالَ السلفُ الصالحُ يعتادونَ ذلكَ ، حتَّى اتفقَ جماعةٌ على ذمِّ بغدادَ ، وإظهارِهِمْ ذلكَ ، وطلبٍ (١) رواه البخاري ( ٣٤٧٣)، ومسلم ( ٢٢١٨) . (٢) رواه أحمد في ((المسند)) (١٤٥/٦). ٥٦٣ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات الفرارِ منها ، فقالَ ابنُ المباركِ : قدْ طفتُ الشرقَ والغربَ فما رأيتُ بلداً شرّاً مِنْ بغدادَ ، قيلَ : وكيفَ ذلكَ ؟ قالَ : هوَ بلدٌ تُزْدرىُ فيهِ نعمةُ اللهِ ، وتُستصغرُ فيهِ معصيةُ اللهِ(١) . ولمَّا قدمَ خراسانَ .. قيلَ لهُ: كيفَ رأيتَ بغدادَ؟ فقالَ: ما رأيتُ بها إلا شرطيّاً غضبانَ، أَوْ تاجراً لهفانَ، أوْ قارئاً حيرانَ(١). ولا ينبغي أنْ تظنَّ أنَّ ذلكَ مِنَ الغيبةِ ؛ لأنَّهُ لمْ يتعرَّضْ لشخصٍ بعينِهِ حتَّى يستضرَّ ذلكَ الشخصُ بهِ، وإنَّما قصدَ بذلكَ تحذيرَ الناسِ . وكانَ يخرجُ إلى مكَّةَ وكانَ مقامُّهُ ببغدادَ ريثَ استعدادِ القافلةِ ستةَ عشرَ يوماً ، فكانَ يتصدَّقُ بستةَ عشرَ ديناراً؛ لكلِّ يوم دينارٌ كفارةً لمقامِهِ (١). وقدْ ذَّ العراقَ جماعةٌ ؛ كعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، وكعبِ الأحبارِ ، وقالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما لمولىّ لهُ: أينَ تسكنُ ؟ فقالَ : العراقَ ، فقالَ : فما تصنعُ بهِ ؟! بلغَني أنَّهُ ما مِنْ أحدٍ يسكنُ العراقَ إلا قيَّضَ اللهُ لهُ قريناً مِنَ البلاءِ!(١). وذكرَ كعبُ الأحبارِ يوماً العراقَ فقالَ : فيهِ تسعةُ أعشار الشرِّ ، وفيهِ الداءُ العضالُ ، وقدْ قيلَ : قُسِّمَ الخيرُ عشرةَ أجزاءٍ ، فتسعةُ أعشارِهِ بالشام ، وعشرُهُ بالعراقِ، وقُسّمَ الشرُّ عشرةَ أجزاءٍ على العكسِ مِنْ ذلكَ(٢). (١) قوت القلوب (٤٩/٢). (٢) قوت القلوب (٤٩/٢)، ورواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٥٩/١) بنحوه . ٥٦٤ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق وقالَ بعضُ أصحابِ الحديثِ : كنَّا يوماً عندَ الفضيلِ بنِ عياضٍ ، فجاءَهُ صوفيٌّ متدرِّعٌ بعباءةٍ فأجلسَهُ إلى جانبهِ ، وأقبلَ عليهِ ، ثمّ قالَ : أينَ تسكنُ ؟ فقالَ : بغدادَ ، فأعرضَ عنهُ وقالَ : يأتينا أحدُهُمْ في زيِّ الرهبانِ ، فإذا سألناهُ أينَ تسكنُ .. قالَ: في عشِّ الظلمةِ!(١) . وكانَ بشرُ بنُ الحارثِ يقولُ : ( مثالُ المتعبِّدِ ببغدادَ مثالُ المتعبِّدِ في الحشُ ) . وكانَ يقولُ : ( لا تقتدوا بي في المقام بها ، مَنْ أرادَ أنْ يخرجَ .. فليخرجْ )(٢). وكانَ أحمدُ ابنُ حنبلِ يقولُ : لولا تعلُّقُ هؤلاءِ الصبيانِ بنا .. كانَ الخروجُ مِنْ هذا البلدِ آثرَ في نفسي ، قيلَ : وأينَ تختارُ السكنى ؟ قالَ : بالثغورِ(٣). وقالَ بعضُهُمْ وقَدْ سُئِلَ عنْ أهلِ بغدادَ : (زاهدُهُمْ زاهدٌ ، وشريرُهُمْ شريرٌ ) . فهذا يدلُّ على أنَّ مَنْ بُلِيَ ببلدةٍ تكثرُ فيها المعاصي ، ويقلُّ فيها الخيرُ .. فلا عذرَ لهُ في المقام بها ، بلْ ينبغي أنَّ يهاجرَ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةٌ فَنُّهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ . (١) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٩ /٦٧١). (٢) نقلهما صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٦٧١/٩). (٣) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٩ / ٦٧١). ٥٦٥ حر ربع المنجبات كتاب المحبة والشوق ـحن وقالَ بعضُ أصحابِ الحديثِ : كنَّا يوماً عندَ الفضيلِ بنِ عياضٍ ، فجاءَهُ صوفيٍّ متدرِّعٌ بعباءةٍ فأجلسَهُ إلى جانبِهِ ، وأقبلَ عليهِ، ثمَّ قالَ : أينَ تسكنُ ؟ فقالَ : بغدادَ ، فأعرضَ عنهُ وقالَ : يأتينا أحدُهُمْ في زيِّ الرهبانِ ، فإذا سألناهُ أينَ تسكنُ .. قالَ: في عشِّ الظلمةِ!(١). وكانَ بشرُ بنُ الحارثِ يقولُ : ( مثالُ المتعبِّدِ ببغدادَ مثالُ المتعبِّدِ في الحشِّ ) . وكانَ يقولُ: ( لا تقتدوا بي في المقام بها ، مَنْ أرادَ أنْ يخرجَ .. فليخرجْ )(٢) . وكانَ أحمدُ ابنُ حنبلِ يقولُ : لولا تعلُّقُ هؤلاءِ الصبيانِ بنا .. كانَ الخروجُ مِنْ هذا البلدِ آثرَ في نفسي ، قيلَ : وأينَ تختارُ السكنى ؟ قالَ : بالثغورِ (٣) . وقالَ بعضُهُمْ وقدْ سُئِلَ عنْ أهلِ بغدادَ : (زاهدُهُمْ زاهدٌ، وشریرُهُمْ شريرٌ ) . فهذا يدلُّ على أنَّ مَنْ بُلِيَ ببلدةٍ تكثرُ فيها المعاصي ، ويقلُّ فيها الخيرُ .. فلا عذرَ لهُ في المقام بها ، بلْ ينبغي أنْ يهاجرَ ، قالَ اللهُ تعالى : أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اُللَّهِ وَسِعَةٌ فَنُّهَاجِرُواْ فِيَهَا﴾ . (١) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٩ / ٦٧١). (٢) نقلهما صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٩/ ٦٧١). (٣) نقله صاحب ((القوت)).(( إتحاف)) (٩ / ٦٧١). مـ ٥٦٥ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق لا أكرهُ طولَ البقاءِ ، فقالَ سفيانُ : لِمَ ؟ قالَ : لعلي أصادفُ يوماً أتوبُ فيهِ وأعملُ صالحاً ، فقيلَ لوهيبٍ : أيشٍ تقولُ أنتَ ؟ فقالَ : أنا لا أختارُ شيئاً ، أحبُّ ذلكَ إليَّ أحبُّهُ إلى اللهِ تعالى، فقبَّلَهُ الثوريُّ بينَ عينيهِ وقالَ : روحانيَّةٌ وربّ الكعبةِ(١). (١) قوت القلوب (٢/ ٤٤). ٥٦٧ ـجن كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات بيان جملة من حكايات المحبّين وأقوالهم ومكاشفا تم قيلَ لبعضٍ العارفينَ : إنَّكَ محبٌّ، فقالَ: لستُ محبّاً، إنَّما أنَا ـحبوبٌ، والمحبُّ متعوبٌ(١) . وقيلَ لهُ أيضاً : الناسُ يقولونَ : إنَّكَ واحدٌ مِنَ السبعةِ ، فقالَ : أنا كلُّ سبعةٍ (٢) . وكانَ يقولُ: إذا رأيتُمُوني .. فقدْ رأيتُمْ أربعينَ بدلاً، قيلَ: وكيفَ أنتَ شخصٌ واحدٌ ؟ قالَ : لأنِّي رأيتُ أربعينَ بدلاً ، وأخذتُ مِنْ كلِّ بدلٍ خلقاً مِنْ أخلاقِهِ (١) . وقيلَ لهُ: بلغَنا أنَّكَ ترى الخضرَ عليهِ السلامُ، فتبسَّمَ وقالَ : ليسَ ـحجبُ ممَّنْ يرى الخضرَ ، ولكنِ العجبُ ممَّنْ يريدُ الخضرُ أنْ يراهُ فيحتجبُ هُ (١) ويحكى عنِ الخضرِ عليهِ السلامُ أنَّهُ قالَ : ( ما حدثتُ نفسي يوماً قطُّ أَنَّهُ يبقَ ولِيٌّ للهِ تعالى إلا عرفتُهُ إلا ورأيتُ في ذلكَ اليومِ وليّاً لمْ أعرفْهُ ﴾ . وقيلَ لأبي يزيدَ البسطاميِّ مرَّةً: حدِّثْنا عنْ مشاهدتِكَ مِنَ اللهِ تعالى ، صاحَ ثمَّ قالَ : ) قوت القلوب (٦٩/٢). ) قوت القلوب (٦٩/٢)، ورواه أبو نعيم فى («الحلية)) (٣٧/١٠). ٥٦٨ ويل قيلَ فقا قيلَ فقال عليها أ و- صلاةٍ ! معَ عقـ قالَ : اللـ الهواءِ وإذ مِنْ ذللـ وإذ مِنْ ذلـ (١) قـ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق ويلَكُمْ ! لا يصلحُ لكُمْ أَنْ تعلموا ذلكَ . قيلَ : فحدثنا بأشدِّ مجاهدِتِكَ لنفسِكَ في اللهِ تعالى . فقالَ : وهذا أيضاً لا يجوزُ أنْ أطلعَكُمْ عليهِ . قيلَ : فحدثنا عنْ رياضةِ نفسِكَ في بدايتِكَ . فقالَ : نعمْ ، دعوتُ نفسي إلى اللهِ عزَّ وجلَّ فجمحَتْ عليَّ، فعزمتُ عليها ألا أشربَ الماءَ سنةً، ولا أذوقَ النومَ سنةً، فوقَّتْ لي بذلكَ(١). وحُكِيَ عنْ يحيى بن معاذٍ أنَّهُ رأى أبا يزيدَ في بعضِ مشاهداتِهِ مِنْ بعدِ صلاةِ العشاءِ إلى طلوع الفجرِ مستوفزاً على صدورِ قدميهِ ، رافعاً أخمصَهُما معَ عقبيهِ عنِ الأرضِ ، ضارباً بذقنِهِ على صدرِهِ ، شاخصاً بعينيهِ لا يطرفُ ، قالَ : ثمَّ سجدَ عندَ السحرِ فأطالَ، ثمَّ قعدَ فقالَ: اللهمَّ ؛ إنَّ قوماً طلبوكَ فأعطيتَهُمُ المشيَ على الماءِ ، والمشيَ في الهواءِ ، فرضوا بذلكَ ، وإنِّي أعوذُ بكَ مِنْ ذلكَ . وإنَّ قوماً طلبوكَ فأعطيتَهُمْ طيَّ الأرضِ ، فرضوا بذلكَ، وإنِّي أعوذُ بكَ مِنْ ذلكَ . وإنَّ قوماً طلبوكَ فأعطيتَهُمْ كنوزَ الأرضِ ، فرضوا بذلكَ ، وإنِّي أعوذُ بكَ مِنْ ذلكَ . (١) قوت القلوب (٢/ ٧٠.). ٥٦٩ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات قالَ : حتَّى عَدَّ نيّهاً وعشرينَ مقاماً مِنْ كرامات الأولياءِ ، ثمَّ التفتَ فرآني ، فقالَ : يحيى! فقلتُ : نعمْ يا سيّدي ، فقالَ: مُذْ متى أنتَ ههنا؟ قلتُ: منذُ حينٍ ، فسكتَ . فقلتُ : يا سيِّدي ؛ حدِّثْني بشيءٍ ، فقالَ : أحدِّتُكَ بما يصلحُ لكَ، أدخلَني في الفلكِ الأسفلِ ، فَدوَّرَني في الملكوتِ السفليِّ، وأراني الأرضينَ وما تحتَها إلى الثرى ، ثمَّ أدخلَني في الفلكِ العلويِّ، فطوَّفَ بي في السماواتِ ، وأراني ما فيها مِنَ الجنانِ إلى العرشِ ، ثمَّ أوقفَني بينَ يديهِ ، فقالَ : سلْني أيَّ شيءٍ رأيتَ حتَّى أهبَهُ لكَ ، فقلتُ : يا سيّدي ؛ ما رأيتُ شيئاً استحسنتُهُ فأسألَكَ إِيَّاهُ ، فقالَ : أنتَ عبدي حقّاً ، تعبدُني لأجلي صدقاً ، لأفعلَنَّ بكَ ولأفعلَنَّ، فذكرَ أشياءَ . قال يحيى : فهالَني ذلكَ وامتلأتُ بهِ ، وعجبتُ منهُ، فقلتُ : يا سيِّدِي ؛ لِمَ لا سألتَهُ المعرفةَ بهِ وقدْ قالَ لكَ ملكُ الملوكِ : سلْني ما شئتَ ؟ قالَ : فصاحَ بي صيحةً وقالَ : اسكتْ ويلَكَ ، غرتُ عليهِ مِنِّي، حتَّى لا أحبُّ أنْ يعرفَهُ سواهُ(١) . (١) قوت القلوب (٧٠/٢). ٥٧٠ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق وحُكِيَ أنَّ أبا ترابِ النخشبيَّ كانَ معجباً ببعضٍ المريدينَ ، فكانَ يدنیهِ ، ويقومُ بمصالحِهِ ، والمريدُ مشغولٌ بعبادتِهِ ومواجيدِهِ ، فقالَ لهُ أبو ترابٍ يوماً : لوْ رأيتَ أبا يزيدَ ، فقالَ المريدُ: إنِّي عنهُ مشغولٌ. فلمَّا أكثرَ عليهِ أبو ترابٍ مِنْ قولِهِ: لو رأيتَ أبا يزيدَ .. هاجَ وجْدُ المريدِ فقالَ : ويحَكَ ! ما أصنعُ بأبي يزيدَ ؟ قَدْ رأيتُ اللهَ تعالى فأغناني عنْ أبي يزيدَ . قالَ أبو ترابٍ : فهاجَ طبعي ، ولمْ أملكْ نفسي ، فقلتُ : ويلَكَ ! تغترُ باللهِ عزَّ وجلَّ ؟! لوْ رأيتَ أبا يزيدَ مرَّةٌ واحدةٌ .. كانَ أنفعَ لكَ مِنْ أنْ ترى اللهَ سبعينَ مرَّةً، قالَ : فبهتَ الفتىُ مِنْ قولِهِ وأنكرَهُ ، فقالَ : وكيفَ ذلكَ ؟ قالَ لهُ : ويلَكَ ! إنَّما ترى اللهَ تعالى عندَكَ ، فيظهرُ لكَ على مقدارِكَ ، وترى أبا يزيدَ عندَ اللهِ قدْ ظهرَ لهُ على مقدارِهِ ، فعرفَ ما قلتُ ، فقالَ : احملْني إليهِ ، فذكرَ قصةً قالَ في آخرِها : فوقفنا على تلِّ ننتظرُهُ ليخرِجَ إلينا مِنَ الغيضةِ ، وكانَ يأوي إلى غيضةٍ فيها سباعٌ ، قالَ : فمرَّ بنا وقدْ قلبَ فروةً على ظهرِهِ ، فقلتُ للفتى: هذا أبو يزيدَ فانظرْ إليهِ ، فنظرَ إليهِ الفتى فصعقَ ، فحركناهُ فإذا هوَ ميتٌ ، فتعاونا على دفنِهِ ، فقلتُ لأبي يزيدَ : يا سيِّدي نظرُهُ إليكَ قتلَهُ؟ قالَ: لا، ولكنْ كانَ صاحبُكَ صادقاً ، وأُسكنَ في قلبهِ سرٍّ لمْ ينكشفْ لهُ بوصفِهِ، فلمَّا رآنا .. انكشفَ لهُ سرٌ ٥٧١ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات قلبهِ ، فضاقَ عنْ حملِهِ ؛ لأنَّهُ في مقام الضعفاءِ المريدينَ ، فقتلَهُ ذلكَ (١). ولمَّا دخلَ الزنجُ البصرةَ، فقتلوا الأنفسَ، ونهبوا الأموالَ .. اجتمعَ إلى سهلٍ إخوانُهُ ، فقالوا : لوْ سألتَ اللهَ تعالى دفعَهُمْ ، فسكتَ ثمّ قالَ : إنَّ للهِ عباداً في هذهِ البلدةِ لوْ دعوا على الظالمينَ .. لمْ يصبحْ على وجهِ الأرضِ ظالمٌ إلا ماتَ في ليلةٍ واحدةٍ ، ولكنْ لا يفعلونَ ، قيلَ : لِمَ ؟ قالَ : لأَنَّهُمْ لا يحبُّونَ ما لا يحبُّ ، ثمَّ ذكرَ مِنْ إجابةِ اللهِ تعالى أشياءَ لا يُستطاعُ ذكرُها، حتَّى قالَ: ولو سألوهُ ألا يقيمَ الساعةَ .. لمْ يقمْها(٢). وهذهِ أمورٌ ممكنةٌ في أنفسِها ، فمَنْ لمْ يحظَ بشيءٍ منها .. فلا ينبغي أنْ يخلوَ عنِ التصديقِ والإيمانِ بإمكانِها، فإنَّ القدرةَ واسعةٌ ، والفضلَ عظيمٌ(٣)، وعجائبَ الملكِ والملكوتِ كثيرةٌ ، ومقدوراتِ اللهِ تعالى لا نهايةً لها ، وفضلَهُ على عبادِهِ الذينَ اصطفى لا غايةَ لهُ . ولذلكَ كانَ أبو يزيدَ يقولُ : ( إنْ أعطاكَ مناجاةَ موسى، وروحانيَّةً عيسى، وخُلَّةَ إبراهيمَ عليهِمُ السلامُ .. فاطلبْ ما وراءَ ذلكَ، فإنَّ عندَهُ فوقَ ذلكَ أضعافاً مضاعفةً ، فإنْ سكنتَ إلى ذلكَ .. حجبَكَ بهِ ، وهذا بلاءُ (١) قوت القلوب (٧٠/٢)، وقد ينكشف للمريد في صحبة العارفين والنظر إلى وجوههم في لحظة واحدة ما لا ينكشف له بالاجتهاد في مدة متطاولة. (( إتحاف)) ( ٩/ ٦٧٤ ). (٢) قوت القلوب (٧١/٢). (٣) في (أ): (عميم) بدل ( عظيم) . ٥٧٢ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق مثلِهِمْ، ومَنْ هوَ في مثلِ حالِهِمْ ؛ لأنَّهُمُ الأمثلُ فالأمثلُ)(١). وقدْ قالَ بعضُ العارفينَ : كُوشفتُ بأربعينَ حوراءَ ، رأيتُهُنَّ يتساعينَ في الهواءِ ، عليهِنَّ ثيابٌ مِنْ ذهبٍ وفضةٍ وجوهرٍ يتخشخشُ ويتثنَّى معَهُنَّ، فنظرتُ إليهِنَّ نظرةً ، فعُوقبتُ أربعينَ يوماً . ثمَّ كُوشفتُ بعدَ ذلكَ بثمانينَ حوراءَ فوقَهُنَّ في الحسنِ والجمالِ ، وقيلَ لي : انظرْ إليهِنَّ، قالَ : فسجدتُ وغمضتُ عيني في سجودي لئلا أنظرَ إِليهِنَّ ، وقلتُ : أعوذُ بكَ ممَّا سواكَ ، لا حاجةَ لي بهذا ، فلمْ أزلْ أتضرَّعُ حتَّى صرفَهُنَّ اللهُ عَنِّي (١). فأمثالُ هذهِ المكاشفاتِ لا ينبغي أنْ ينكرّها المؤمنُ لإفلاسِهِ عنْ مثلِها ، فلوْ لمْ يؤمنْ كلُّ واحدٍ إلا بما يشاهدُهُ مِنْ نفسِهِ المظلمةِ وقلبِهِ القاسي .. لضاقَ مجالُ الإیمانِ علیهِ . بلْ هذهِ أحوالٌ تظهرُ بعدَ مجاوزةٍ عقباتٍ ونيلِ مقاماتٍ كثيرةٍ ، أدناها الإخلاصُ وإخراجُ حظوظِ النفسِ وملاحظةِ الخلقِ عنْ جميعِ الأعمالِ ظاهراً وباطناً ، ثمَّ مكاتمةُ ذلكَ عنِ الخلقِ بسترِ الحالِ حتَّى يبقى متحصناً بحصنٍ الخمولِ . (١) قوت القلوب (٢/ ٧٢). ٥٧٣ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات ـحر فهذهِ أوائلُ سلوكِهِمْ ، وأقلُّ مقاماتِهِمْ، وهيّ أعزُّ موجودٍ في الأتقياءِ مِنَ الناسِ . وبعدَ تصفيةِ القلبِ عنْ كدورةِ الالتفاتِ إلى الخلقِ يفيضُ عليهِ نورُ اليقينِ ، وينكشفُ لهُ مبادي الحقِّ ، وإنكارُ ذلكَ دونَ التجربةِ وسلوكِ الطريقِ يجري مَجرى إنكارِ مَنْ أنكرَ إمكانَ انكشافِ الصورةِ في الحديدةِ إذا شُكُلَتْ ونُقِّيَتْ ، وصُقِلَتْ وصُوِّرَتْ بصورةِ المرآةِ . فنظرَ المنكرُ إلى ما في يدِهِ مِنْ زُبْرةِ حديدٍ مظلمٍ قدِ استولى عليهِ الصدأ والخبثُ ، وهوَ لا يحكي صورةٌ مِنَ الصورِ .. فأنكرَ إمكانَ انكشافِ المرئيِّ فيها عندَ ظهورِ جوهرِها ، وإنكارُ ذلكَ غايةُ الجهلِ والضلالِ . فهذا حكمُ كلِّ مَنْ أنكرَ كراماتِ الأولياءِ ، إذْ لا مستندَ لهُ إلا قصورُهُ عنْ ذلكَ وقصورُ مَنْ رَآهُ ، وبئْسَ المستندُ ذلكَ في إنكارِ قدرةِ اللهِ تعالى . بلْ إنَّما يَشَمُّ روائحَ المكاشفةِ مَنْ سلكَ شيئاً ولوْ مِنْ مبادي الطريقِ ؛ كما قيلَ لبشرٍ : بأيِّ شيءٍ بلغتَ هذهِ المنزلةَ ؟ فقالَ: كنتُ أكاتمُ اللهَ تعالى حالي . معناهُ: أسألُهُ أنْ يكتمَ عليَّ ويُخفيَ أمري (١). ورُوِيَ أنَّهُ رأى الخضرَ عليهِ السلامُ، فقالَ لهُ : ادعُ اللهَ تعالى لي ، فقالَ : يسَّرَ اللهُ عليكَ طاعتَهُ ، قلتُ : زدْني، فقالَ: وسترَها عليكَ. (١) قوت القلوب (٧٣/٢) . ٥٧٤ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق فقيلَ : معناهُ سترَها عنِ الخلقِ ، وقيلَ : معناهُ : سترَها عنكَ حتَّى لا تلتفتَ أنتَ إليها (١). وعنْ بعضِهِمْ أَنَّهُ قالَ : أقلقَني الشوقُ إلى الخضرِ عليهِ السلامُ ، فسألتُ اللهَ تعالى مرَّةٌ أنْ يريَني إِيَّاهُ ليعلِّمَني شيئاً كانَ أهمّ الأشياءِ عليَّ، قالَ : فرأيتُهُ ، فما غلبَ عليَّ همِّي ولا همَّتي إلا أنْ قلتُ لهُ : يا أبا العباسِ؛ علِّمْني شيئاً إذا قلتُهُ حُجبتُ عن قلوبِ الخليقةِ ، فلمْ يكنْ لي فيها قدْرٌ ، ولمْ يعرفني أحدٌ بصلاحٍ ولا ديانةٍ ، فقالَ : قل : اللهمَّ؛ أسبلْ عليَّ كثيفَ سترِكَ، وحُطّ عليَّ سرادقاتِ حجُبكَ ، واجعلْني في مكنونٍ غيِكَ ، واحجبْني عنْ قلوبِ خلقِكَ(٢) . قالَ : ثمَّ غابَ فلمْ أرهُ ، ولمْ أشتقْ إليهِ بعدَ ذلكَ ، فما زلتُ أقولُ هذهِ الكلماتِ في كلِّ يومٍ . فحكى أنَّهُ صارَ بحيثُ كانَ يُستدلُّ ويُمتهنُ ، حتَّى كانَ أهلُ الذمَّةِ يسخرونَ بهِ ، ويستسخرونهُ في الطرقِ يحملُ الأشياءَ لهُمْ، لسقوطِهِ عندَهُمْ ، وكانَ الصبيانُ يُولعونَ بهِ ، فكانَتْ راحتُهُ ووجودُ قلبهِ واستقامةٌ حالِهِ في ذلِّهِ وخمولِهِ(٣). المـسـ (١) قوت القلوب (٧٣/٢)، وأوردها كذلك القشيري فى ((رسالته)) (ص٥٩٨). (٢) في غير (ع، ف): ( واحجبني في قلوب خلقك ) . (٣) قوت القلوب (٧٣/٢) . ٥٧٥ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات فهكذا حالُ أولياءِ اللهِ تعالى ، ففي أمثالِ هؤلاءِ ينبغي أنْ يُطلبوا ، والمغرورونَ إنَّما يطلبونَهُمْ تحتَ المرقَّعاتِ والطيالسةِ ، وفي المشهورينَ بينَ الخلقِ بالعلمِ والورع والرئاسةِ ، وغيرةُ اللهِ تعالى على أوليائِهِ تأبى إلا إخفاءَهُمْ ، كما قالَ تعالى : ( أوليائي تحتَ قبابي ، لا يعرفُهُمْ غيري ) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طمرينٍ لا يُؤْبَهُ لهُ، لو أقسم على اللهِ .. لأبرّهُ))(١) . وبالجملةِ : فأبعدُ القلوبِ عنْ مشامِّ هذهِ المعاني القلوبُ المتكبِّرَةُ ، المعجبةُ بأنفسِها ، المستبشرةُ بعملِها وعلمِها . وأقربُ القلوبِ إليها القلوبُ المنكسرةُ ، المستشعرةُ ذلَّ نفسِها استشعاراً إذا أُذِلَّ واهتُضمَ .. لمْ يحسَّ بالذلِّ؛ كما لا يحسُّ العبدُ بالذلِّ مهما ترفَّعَ علیهِ مولاءُ . فإذا لمْ يحسَّ بالذلِّ، ولمْ يشعرْ أيضاً بعدم التفاتِهِ إلى الذلِّ ، بلْ كانَ عندَ نفسِهِ أخسَّ منزلةً مِنْ أنْ يرى جميعَ أنواع الذلِّ ذُلاَ في حقِّهِ ، بلْ یری نفسَهُ دونَ ذلكَ ، حتَّى صارَ التواضعُ بالطبع صفةً ذاتِهِ .. فمثلُ هذا القلب يُرجى لهُ أنْ يستنشقَ مباديَ هذهِ الروائحِ . فإنْ فقدنا مثلَ هذا القلبِ ، وحُرمنا مثلَ هذا الروح .. فلا ينبغي أنْ (١) رواه الترمذي (٣٨٥٤)، وأصله عند مسلم (٢٦٢٢) . ٥٧٦ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق يُطرحَ الإيمانُ بإمكانِ ذلكَ لأهلِهِ، فمَنْ لا يقدرُ أنْ يكونَ مِنْ أولياءِ اللهِ .. فليكنْ محبّاً لأولياءِ اللهِ ، مؤمناً بهِمْ، فعسى أنْ يُحشرَ معَ مَنْ أحبَّ . ويشهدُ لهذا ما رُويَ أنَّ عيسى عليهِ السلام قالَ لبني إسرائيلَ : أينَ ينبتُ الزرعُ ؟ قالوا : في الترابِ ، فقالَ: بحقِّ أقولُ لكُمْ : لا تنبتُ الحكمةُ إلا في قلبٍ مثلٍ الترابِ (١). ولقدِ انتهى المريدونَ لولايةِ اللهِ تعالى في طلبٍ شروطِها بإذلالِ النفسِ إلى منتهى الضعةِ والخسَّةِ . حتَّى رُوِيَ أَنَّ ابنَ الكَرَنْبِيِّ وهوَ أستاذُ الجنيدِ دعاهُ رجلٌ ثلاثَ مرَّاتٍ إلى طعامِهِ ، ثمَّ كانَ يرُّهُ ، ثمَّ يستدعيهِ ، فيرجعُ إليهِ بعدَ ذلكَ، حتَّى أدخلَهُ في المرّةِ الرابعةِ ، فسألَهُ عنْ ذلكَ ، فقالَ : قدْ رُضْتُ نفسي على الذلِّ عشرينَ سنةً، حتَّى صارَتْ بمنزلةِ الكلبِ ، يُطردُ فينطردُ، ثمَّ يُدعى فيُرمى لهُ عظمٌ فيعودُ، ولوْ رددتَني خمسينَ مرَّةٌ ثمّ دعوتَني بعدَ ذلكَ .. لأجبتُ(٢). وعنهُ أيضاً أنَّهُ قالَ : نزلتُ في محلَّةٍ ، فعُرفتُ فيها بالصلاح ، فتشتَّتَ قلبي ، فدخلتُ (١) قوت القلوب (٢/ ٧٤). (٢) قوت القلوب (٧٤/٢)، وبنحوه أورد القشيري في ((رسالته)) (ص٤١٤) عن أبي عثمان الخيري . ٥٧٧ ٠٠حة ـلبوا ، ـهورينَ بی إلا . ( ـهُ لهُ ، كَبِّرةُ ، ـشعاراً ا ترقَّعَ ـلْ كانَ يرى لقلبٍ في أنْ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات الحمَّامَ ، وعيّنتُ على ثيابٍ فاخرةٍ فسرقتُها ولبستُها ، ثمَّ لبستُ مرفَّعتي فوقَها وخرجتُ ، وجعلتُ أمشي قليلاً قليلاً ، فلحقوني فنزعوا مرتَّعتي ، وأخذوا الثيابَ ، وصفعوني وأوجعوني ضرباً ، فصرتُ بعدَ ذلكَ أُعرِفُ بلصِّ الحمامِ ، فسكنَتْ نفسي(١). فهكذا كانوا يروضونَ أنفسَهُمْ حتَّى يخلّصَهُمُ اللهُ مِنَ النظرِ إلى الخلقِ ، ثُمَّ مِنَ النظرِ إلى النفسِ ، فإنَّ الملتفتَ إلى نفسِهِ محجوبٌ عنِ اللهِ تعالى ، وشغلُهُ بنفسِهِ حجابٌ لهُ، فليسَ بينَ القلبِ وبينَ اللهِ حجابٌ ببعْدٍ وتخلُّلِ حائلٍ، وإنَّما بعْدُ القلوبِ شغلُها بغيرِهِ أوْ بنفسِها، وأعظمُ الحجبِ شغلُ النفسِ. ولذلكَ حُكِيَ أنَّ شاهداً عظيمَ القذْرِ مِنْ أعيانِ أهلِ بِسطامَ كانَ لا يفارقُ مجلسَ أبي يزيدَ ، فقالَ لهُ يوماً : يا أبا يزيدَ ؛ أنا منذُ ثلاثينَ سنةً أصومُ الدهرَ لا أفطرُ، وأقومُ الليلَ لا أنامُ ، ولا أجدُ في قلبي مِنْ هذا العلمِ الذي تذكرُ شيئاً ، وأنا أصدِّقُ بهِ وأحبُّهُ ، فقالَ أبو يزيدَ : ولوْ صمتَ ثلاثَ مئة سنةٍ ، وقمتَ ليلَها .. ما وجدتَ مِنْ هذا ذرَّةً ، قالَ : ولِمَ ؟ قالَ : لأنَّكَ محجوبٌ بنفسِكَ، قَالَ : فلهذا دواءٌ؟ قالَ : نعمْ، قالَ : قُلْ لي حتَّى أعملَهُ ، قالَ: لا تقبلُهُ، قالَ : فاذكرْهُ لي حتَّى أَعملَهُ ، قَالَ : (١) كذا في ((القوت)) (٢/ ٧٤). ٥٧٨ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق حر اذهبِ الساعةَ إلى المزيَّنِ فاحلقْ رأسَكَ ولحيتَكَ ، وانزعْ هذا اللباسَ واتَّزرْ بعباءةٍ ، وعلّقْ في عنقِكَ مخلاةً مملوءةٌ جوزاً ، واجمع الصبيانَ حولَكَ وقُلْ : كلُّ مَنْ صفعَني صفعةً .. أعطيتُهُ جوزةً ، وادخلِ السوقَ، وطُفِ الأسواقَ كلَّها عندَ الشهودِ وعندَ مَنْ يعرفُكَ وأنتَ على ذلكَ ، فقالَ الرجلُ : سبحانَ اللهِ! تقولُ لي مثلَ هذا؟! فقالَ أبو يزيدَ : قولُكَ: سبحانَ اللهِ شركٌ، قالَ : وكيفَ ؟ قالَ : لأنََّكَ عظَّمتَ نفسَكَ فسبَّحتَهَا ، وما سبَّحتَ ربَّكَ ، فقالَ: هذا لا أفعلُهُ، ولكنْ دُلَّني على غيرِهِ ، فقالَ : ابتدىءْ بهذا قبلَ كلِّ شيءٍ ، فقالَ: لا أطيقُهُ، فقالَ: قدْ قلتُ لكَ: إِنَّكَ لا تقبلُ(١). فهذا الذي ذكرَهُ أبو يزيدَ هوَ دواءُ مَنِ اعتلَّ بنظرِهِ إلى نفسِهِ ومرضَ بنظرٍ الناسِ إليهِ ، ولا ينجي مِنْ هذا المرضِ دواءٌ سوى هذا وأمثالِهِ . فمَنْ لا يطيقُ الدواءَ .. فلا ينبغي أنْ ينكرَ إمكانَ الشفاءِ في حقِّ مَنْ داوى نفسَهُ بعدَ المرضِ ، أوْ لمْ يمرضْ بمثلِ هذا المرضِ أصلاً . فأقلُّ درجاتِ الصحَّةِ الإيمانُ بإمكانِها ، فويلٌ لمَنْ حُرِمَ هذا القدْرَ القليلَ أيضاً . وهذهِ أمورٌ جليَّةٌ في الشرع واضحةٌ ، وهيَ معَ ذلكَ مستبعدةٌ عندَ مَنْ حسـ (١) قوت القلوب (٧٤/٢) . ٥٧٩ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات يعدُّ نفسَهُ مِنْ علماءِ الشرع، فقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يستكملُ العبدُ الإيمانَ حتَّى تكونَ قلَّةُ الشيءِ أحبَّ إليهٍ مِنْ كثرتِهِ ، وحتَّى يكونَ ألا يُعرفَ أحبَّ إليهِ مِنْ أنْ يُعرفَ)) (١) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ .. استكملَ إيمانَةً: لا يخافُ في اللهِ لومة لائمٍ ، ولا يرائي بشيءٍ مِنْ عملِهِ، وإذا عُرِضَ عليهِ أمرانِ؛ أحدُهُما للدنيا ، والآخرُ للآخرةِ .. آثرَ أمرَ الآخرةِ على أمرٍ الدنيا))(٢) وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: « لا يكملُ إيمانُ العبدِ حتَّى يكونَ فيهِ ثلاثُ خصالٍ: مَنْ إذا غضبَ .. لمْ يخرجْهُ غضبُهُ عَنْ حقِّ، وإذا رضيَ .. لمْ يدخلْهُ رضاهُ في باطلٍ، وإذا قدرَ .. لمْ يتناولْ ما ليسَ لهُ))(٣). وفي حديثٍ آخرَ : (١) كذا في ((القوت)) (٧٥/٢)، حيث قال: (وقد روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصف كمال الإيمان ثلاثة أحاديث من أصول هذه الأحوال ، وأساس هذه الأفعال ... ) فذكرها، وانظر ((الإتحاف)) (٣٣٢/٩). (٢) كذا في ((القوت)) (٧٥/٢)، وهو عند الديلمي في (( مسند الفردوس» (٢٤٥٥)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١٣/٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (٣) كذا في ((القوت)) (٧٥/٢)، وبنحوه رواه الطبراني في ((الصغير)) (٦١/١)، وأبو نعيم في « تاريخ أصبهان)) (١٦٨/١) من حديث أنس رضي الله عنه . ٥٨٠