Indexed OCR Text
Pages 521-540
ربع المنجيات حن كتاب المحبة والشوق فلمْ يُحتملْ لهُ ذلكَ وكانَ آصفُ مِنَ المسرفينَ ، وكانَتْ معصيتُهُ في الجوارحِ ، فعفا عنهُ، فقدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى سليمانَ عليهِ السلامُ: يا رأسَ العابدينَ، ويا بنَ محجةِ الزاهدينَ ؛ إلى كمْ يعصيني ابنُ خالتِكَ آصفُ وأنا أحلمُ عليهِ مرَّةُ بعدَ مرَّةٍ ، فوعزتي وجلالي ؛ لئنْ أخذَتْهُ عطفةٌ مِنْ عطفاتي عليه .. لأتركنَّهُ مُثلةً لمَنْ معَهُ ، ونكالاً لمَنْ بعدَهُ، فلمَّا دخلَ آصفُ على سليمانَ عليهِ السلامُ .. أخبرَهُ بما أوحى اللهُ تعالىُ إليهِ ، فخرجَ حتَّى علا كئيباً مِنْ رملٍ ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ ويديهِ نحوَ السماءِ وقالَ : إلهي وسيِّدي ؛ أنتَ أنتَ، وأنا أنا، فكيفَ أتوبُ إنْ لم تتبْ عليَّ، وكيفَ أستعصمُ إنْ لمْ تعصمْني ، لأعودَنْ ، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : صدقتَ يا أصفُ، أَنتَ أنتَ، وأنا أنا، أستقبلُ التوبةَ إليَّ، فقدْ تبتُ عليكَ، وأنَّاً التَّوابُ الرحيمُ وهذا كلامُ مدلِّ بهِ عليهِ، وهاربٍ منهُ إليهِ ، وناظرِ بهِ إليهٍ(١) . وفي الخبرِ : أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى عبدٍ تدراكَهُ بعدَ أنْ كان أشفى على الهَلَكَةِ : كُمْ مِنْ ذنبٍ واجهتَنَي بهِ غفرتُهُ لكَ قدْ أهلكتُ في دونِهِ أمَّةً مِنَ الأممِ ؟!(٢) . فهذهِ سنّةُ اللهِ تعالى في عبادِهِ بالتفضيلِ ، والتقديم والتأخيرِ على (١) قوت القلوب (٦٥/٢). (٢) قوت القلوب (٦٦/٢). ـن حن حن طن حن ...<<-- ------- فات ٥٢١ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات ما سبقَتْ بهِ مشيئتُهُ الأزليَّةُ، وهذهِ القصصُ وردَتْ في القرآنِ لتعرفَ بها سنَّةَ اللهِ في عبادِهِ الذينَ خلوا مِنْ قبلُ، فما في القرآنِ شيءٌ إلا وهوَ هدىّ ونورٌ، وتعرُّفُ مِنَ اللهِ تعالى إلى خلقِهِ ، فتارةً يتعرَّفُ إليهِمْ بالتقديسِ فيقولُ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴿ اَللَّهُ الصَّمَدُ ﴾ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ: وَلَمْ يَكُنْ لَُّ كُفُوْا أَحَدُّ﴾ وتارةً يتعرَّفُ إليهِمْ بصفاتٍ جلالِهِ فيقولُ : ﴿ اَلْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ اَلْعَزِيزُ الْجَنَّارُ الْمُتَكَبِرُ﴾، وتارةً يتعرَّفُ إليهِمْ بأفعالِهِ المخوِّفةِ والمرجوّةِ ، فيتلو عليهِمْ سنَتَهُ في أنبيائِهِ وفي أعدائِهِ فيقولُ: ﴿أَلَمّ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ : ﴿﴿ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾، ﴿أَلَوْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَبِ اَلْفِيلِ﴾ . ولا يعدو القرآنُ هذهِ الأقسامَ الثلاثةَ؛ وهيَ الإرشادُ إلى معرفةِ ذاتِ اللهِ تعالى وتقديسِهِ ، أَوْ معرفةِ صفاتِهِ وأسمائِهِ ، أوْ معرفةِ أفعالِهِ وسَّتِهِ معَ (١) عبادِهِ (١). ولمَّا اشتملَتْ سورةُ الإخلاصِ على أحدِ هذهِ الأقسام الثلاثةِ ؛ وهوَ التقديسُ .. وازنَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بثلثِ القرآنِ فقالَ: « مَنْ قرأ سورة الإخلاصِ .. فقدْ قرأَ ثلثَ القرآنِ))(٢)؛ لأنَّ منتهى التقديسِ في أنْ (١) ولذلك انقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام : توحيد الذات ، وتوحيد الصفات ، وتوحيد الأفعال. ((إتحاف)) (٦٤٥/٩). (٢) رواه الترمذي (٢٨٩٦) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، وهو عن غيره عند البخاري (٥٠١٤ )، ومسلم ( ٨١١) بنحوه . حميدة ٥٢٢ 79 ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق يكونَ واحداً في ثلاثة أمور: لا يكونُ حاصلاً منهُ مَنْ هوَ نظيرُهُ(١) وشبهُهُ ؛ ودلَّ عليهِ قولُهُ تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، ولا يكونُ هوَ حاصلاً ممَّنْ هوَ نظيرُهُ وشبهُهُ؛ ودلَّ عليهِ قولُهُ: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾، ولا يكونُ في درجتِهِ وإنْ لمْ يكنْ أصلاً لَهُ ولا فرعاً مَنْ هوَ مثلُهُ (٢)؛ ودلَّ عليهِ قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنَ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ويجمعُ جميعَ ذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ﴾، وجملتُهُ تفصيلُ قولِكَ : لا إلهَ إلا اللهُ. فهذهِ أسرارُ القرآنِ ، ولا تتناهى أمثالُ هذهِ الأسرارِ في القرآنِ ، ولا رطبَ ولا يابسَ إلا في كتابٍ مبينٍ . ولذلكَ قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ثوِّروا القرآنَ والتمسوا غرائبَهُ ، ففيهِ علمُ الأوَّلِينَ والآخرينَ )(٣)، وهوَ كما قالَ، ولا يعرفُهُ إلا مَنْ طالَ في آحادٍ كلماتِهِ فكرُهُ، وصفا لها فهمُهُ، حتَّى تشهدَ لهُ كلُّ كلمةٍ منهُ بأنَّهُ كلامُ جبَّارِ قاهرٍ ، مليك مقتدرٍ ، وأنَّهُ خارجٌ عنْ حدِّ استطاعةِ البشرِ. وأكثرُ أسرارِ القرآنِ معبَّأةٌ في طيِّ القصصِ والأخبارِ ، فكنْ حريصاً على (١) في غير (ب، ص): (نوعه) بدل (نظيره) . (٢) والعبارة في (أ): ( ولا يكون له شبيه ونظير ) أي : بعد نفي الأصل والفرع . (٣) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٣٥/٩)، والخطيب في (( الفقيه والمتفقه)) (١٩٤) ولفظه : ( من أراد العلم .. فليثور القرآن ، فإن فيه علم الأولين والآخرين ) ، وقوله : ( والتمسوا غرائبه) جاءت في المرفوع من حديث أبي هريرة رضي الله عنه كما رواه الحاكم في (( المستدرك» (٢ / ٩٣٤) . ٥٢٣ محنة جر كتاب المحبة والشوق 20 ربع المنجيات استنباطِها ؛ لينكشفَ لكَ فيها مِنَ العجائبِ ما تستحقرُ معَها العلومَ المزخرفةَ الخارجةً عنها . فهذا ما أردنا ذكرَهُ مِنْ معنى الأنسِ والانبساطِ الذي هوَ ثمرتهُ ، وبیانِ تفاوتٍ عبادِ اللهِ فيهِ ، واللهُ سبحانَهُ وتعالى أعلمُ . حن كن كن ثل ون أن شن جن ض كن ٥٢٤ + +سود،د ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق القول في معنى الرضا بقضاء الله تعالى وحقيقته وما وَرَو في فضيلته اعلمْ : أنَّ الرضا ثمرةٌ مِنْ ثمارِ المحبَّةِ ، وهوَ مِنْ أعلى مقامات المقرَّبينَ ، وحقيقتُهُ غامضةٌ على الأكثرينَ ، وما يدخلُ عليهِ مِنَ التشابهِ والإيهامِ غيرُ منكشفٍ إلا لمَنْ علَّمَهُ اللهُ تعالى التأويلَ، وفهَّمَهُ وفقَّهَهُ في الدينِ . فقدْ أنكرَ منكرونَ تصوُّرَ الرضا بما يخالفُ الهوى ، ثمَّ قالوا : إنْ أمكنَ الرضا بكلِّ شيءٍ لأنَّهُ فعلُ اللهِ .. فينبغي أن يرضى بالكفرِ والمعاصي . وانخدعَ بذلكَ قومٌ ، فرأَوُا الرضا بالفجورِ والفسقِ ، وتركِ الاعتراضٍ والإنكارِ ؛ مِنْ بابِ التسليمِ لقضاءِ اللهِ تعالى . ولوٍ انكشفَتْ هذهِ الأسرارُ لمَنِ اقتصرَ على سماعِ ظواهرِ الشرعِ .. لما دعا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لابنِ عباسٍ حيثُ قالَ: ((اللهمَّ؛ فقهْهُ في الدينِ، وعلَّمْهُ التأويلَ))(١). فلنبدأ ببيانِ فضيلةِ الرضا ، ثمَّ بحكاياتِ أحوالِ الراضينَ ، ثم بذكر حقيقةِ الرضا وكيفيةِ تصوُّرِهِ فيما يخالفُ الهوى، ثمَّ نذكرُ ما يُظنُّ أنَّهُ مِنْ تمامٍ الرضا وليسَ منهُ ؛ كتركِ الدعاءِ والسكوتِ على المعاصي . (١) رواه البخاري (١٤٣) دون قوله: ((وعلمه التأويل))، وبتمامه عند أحمد في ((المسند)) (٢٦٦/١). ٥٢٥ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات بيان فضيلة الرضا أمَّا الآياتُ : فقولُهُ تعالى: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ ٠ وقال تعالى: ﴿هَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّ اُلْإِحْسَنُ﴾، ومنتهى الإحسانِ رضا اللهِ عنْ عبدِهِ ، وهوَ ثوابُ رضا العبدِ عَنِ اللهِ تعالى . .M.M وقال تعالى: ﴿وَمَسَكِنَ طَيِّبَةٌ فِي جَنَّتِ عَدْنٍ وَرِضْوَنٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، فقدْ رفعَ اللهُ الرضا فوقَ جناتِ عدنٍ ؛ كما رفعَ ذكرَهُ فوقَ الصلاةِ حيثُ قالَ: ﴿إِنَ الضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، فكما أنَّ مشاهدةَ المذكورِ في الصلاةِ أكبرُ مِنَ الصلاةِ .. فرضوانُ ربِّ الجنةِ أعلى مِنَ الجنةِ ، بلْ هوَ غاية مطالبٍ سكَّانِ الجنانِ ، وفي الحديثِ : ((إنَّ اللهَ تعالى يتجلَّى للمؤمنينَ، فيقولُ : سلوني، فيقولونَ: رضاكَ ))(١) ، فسؤالُهُمُ الرضا بعدَ النظرِ نهايةُ التفضيلِ. ٠جن وأمَّا رضا العبدِ .. فسنذكرُ حقيقتهُ. ـسيسي (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((صفة الجنة)) (٩١)، والطبراني في ((الأوسط)) (٢١٠٥) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً ضمن خبر طويل ، وعند أبي يعلى في (( مسنده» (٤٢٢٨) من حديثه أيضاً وفيه: ((ثم يقول : ماذا تريدون ؟ فيقولون : ربنا ؛ رضوانك )) . بسبب جي+ بيبسيب + + سم. ٥٢٦ حن ـحر ج- يدي ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق وأمَّا رضوانُ اللهِ تعالىُ عنِ العبدِ .. فهوَ بمعنىّ آخرَ يقربُ ممَّا ذكرناهُ في حبِّ اللهِ للعبدِ ، ولا يجوزُ أنْ يُكشفَ عنْ حقيقتِهِ ، إذْ تقصرُ أفهامُ الخلقِ عنْ درْكِهِ ، ومَنْ یقوی علیهِ .. فيستقلُّ بإدراكِهِ مِنْ نفسِهِ . وعلى الجملةِ : فلا رتبةَ فوقَ النظرِ إليهِ، فإنَّما سألوا الرضا لأنَّهُ سببُ دوامِ النظرِ ، فكأنَّهُمْ رأَوا غايةَ الغاياتِ وأقصى الأمانيِّ لمَّا ظفروا بنعيمٍ النظرِ ، فلمَّا أُمروا بالسؤالِ .. لم يسألوا إلا دوامَهُ، وعلموا أنَّ الرضا هوَ سببُ دوامٍ رفعِ الحجابِ . وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾، قالَ بعضُ المفسرينَ فيهِ: يأتي أهلَ الجنَّةِ في وقتِ المزيدِ ثلاثُ تحفٍ مِنْ عند ربِّ العالمينَ ؛ إحداها : هديَّةٌ مِنْ عندِ اللهِ تعالى ليسَ عندَهُمْ في الجنانِ مثلُها، فذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مِّنِ فُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾، والثانيةُ: السلامُ عليهِمْ مِنْ ربِّهِمْ، فيزيدُ ذلكَ على الهديةِ فضلاً، وهوَ قولُهُ تعالى ﴿سَلَامٌ قَوْلاً مِّن رَّبِّ رَّحِيمٍ﴾، والثالثةُ : يقولُ اللهُ تعالى: إنِّي عنكُمْ راضٍ، فيكونُ ذلكَ أفضلَ مِنَ الهديةِ والتسليمٍ ، فذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أيْ: مِنَ النعيمِ الذي هُمْ فيهِ (١) ، فهذا فضلُ رضا اللهِ تعالى، وهوَ ثمرةُ رضا العبدِ . حر +۵ ۔ ۔ (١) قوت القلوب (٣٩/٢) . ٥٢٧ كتاب المحبة والشوق 2. ربع المنجيات وأمّا الأخبارُ : فقدْ رُوِيَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سألَ طائفةٌ مِنْ أصحابِهِ: (( ما أنتُمْ؟))، فقالوا: مؤمنونَ، فقالَ: (( ما علامةُ إيمانِكُمْ؟ )) فقالوا : نصبرُ على البلاءِ ، ونشكرُ عندَ الرخاءِ ، ونرضىُ بمواقع القضاءِ ، فقالَ : ((مؤمنونَ وربِّ الكعبةِ))(١). وفي خبرٍ آخرَ أنَّهُ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: « حكماءُ علماءُ ، كادوا مِنْ فقههمْ أنْ يكونوا أنبياءَ))(٢). وفي الخبرِ: (( طوبى لمَنْ هُدِيَ إلى الإسلام، وكانَ رزقُهُ كفافاً ، ورضيَ بهِ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ رضيَ مِنَ اللهِ تعالى بالقليلِ مِنَ الرزقِ .. رضيَ اللهُ تعالى منهُ بالقليلِ مِنَ العملِ))(٤) . وقالَ أيضاً عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( إذا أحبَّ اللهُ عبداً .. ابتلاهُ، (١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٩٤٢٣) بنحوه . (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٧٩/٩)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ٤١ / ٤٠٠ ). ـحة: (٣) رواه مسلم (١٠٥٤)، والترمذي (٢٣٤٨)، وفيهما: ( وقنع به ) بدل ( ورضي به)، وانظر «قوت القلوب)) (٣٩/٢). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الفرج بعد الشدة)) (١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٩٥٣١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٢٨/٥٧) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه . ٥٢٨ ربع المنجيات عــجـ حن كتاب المحبة والشوق فإنْ صبرَ .. اجتباهُ، فإنْ رضيَ .. اصطفاهُ)) (١). ٠ وقالَ أيضاً عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( إذا كانَ يومُ القيامةِ .. أنبتَ اللهُ تعالى لطائفةٍ مِنْ أمَّتي أجنحةٌ ، فيطيرونَ مِنْ قبورِهِمْ إلى الجنانِ ، يسرحونَ فيها ويتنعَّمونَ كيف شاؤوا ، فتقولُ لهُمُ الملائكةُ : هلْ رأيتُمُ الحسابَ ؟ فيقولونَ : ما رأينا حساباً ، فيقولونَ : هلْ جُزْتُمُ الصراطَ ؟ فيقولونَ : ما رأينا صراطاً ، فيقولونَ لهُمْ : هل رأيتُمْ جهنَّمَ ؟ فيقولونَ : ما رأينا شيئاً ، فتقولُ الملائكةُ: مِنْ أمَّةِ مَنْ أنتُمْ؟ فيقولونَ : مِنْ أمَّةِ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فيقولونَ : ناشدناكُمُ اللهَ؛ حدِّئونا ما كانَتْ أعمالُكُمْ في الدنيا ؟ فيقولونَ : خصلتان كانتا فينا ، فبلَّغَنا اللهُ هذهِ المنزلةَ بفضلٍ رحمتِهِ ، فيقولونَ: وما هما؟ فيقولونَ: كثَّا إذا خلونا .. نستحي أن نعصيَهُ ، ونرضى باليسيرِ ممَّا قسمَ لنا ، فتقولُ الملائكةُ : يحقُّ لكُمْ هذا))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( يا معشرَ الفقراءِ ؛ أعطوا اللهَ تعالى الرضا (١) قوت القلوب (٥٣/٢)، وأورده الديلمى فى ((مسند الفردوس)) (٩٧١ ). (٢) كذا في ((القوت)) (٣٩/٢)، حيث قال: (وقد روينا حديثاً حسناً ، كالمسند عن حماد بن سلمة ، عن ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ) وذكره ، وقال الحافظ العراقي : (رواه ابن حبان في ((الضعفاء))، وأبو عبد الرحمن السلمي من حديث أنس مع اختلاف ، وفيه حميد بن علي القيسي ، ساقط هالك ، والحديث منكر مخالف للقرآن والأحاديث الصحيحة في الورود وغيره). ((إتحاف)) (٦٥٠/٩). ٥٢٩ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات مِنْ قلوبِكُمْ .. تظفروا بثوابٍ فقرِكُمْ، وإلا .. فلا)) (١). وفي أخبارِ موسى عليهِ السلامُ: أنَّ بني إسرائيلَ قالوا لهُ : سَلْ لنا ربَّكَ أمراً إذا نحنُ فعلناهُ .. يرضى بهِ عنَّا، فقالَ موسى عليه السلامُ : إلهي ؛ قدْ سمعتَ ما قالوا ، فقالَ : يا موسىُ ؛ قلُ لهُمْ يرضونَ عنِّي حتَّى أرضى و.(٢) عنهُمْ(٢) . ويشهدُ لهذا ما رُوِيّ عن نبيًا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: «مَنْ أحبَّ أنْ يعلمَ ما لهُ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ .. فلينظرْ ما اللهِ عزَّ وجلَّ عندَهُ ؛ فإنَّ اللهَ تعالى ينزِلُ العبدَ منهُ حيثُ أنزلَهُ العبدُ مِنْ نفسِهِ))(٣). وفي أخبارِ داوودَ عليهِ السلامُ : ( ما لأوليائِي والهمَّ بالدنيا ؟! إنَّ الهمَّ يذهبُ حلاوةَ مناجاتي مِنْ قلوبِهِمْ، يا داوودُ ؛ إنَّ محبَّتَي مِنْ أوليائي أنْ يكونوا روحانيينَ لا يغتُّونَ )(٤) . ورُوِيَ أنَّ موسى عليهِ السلامُ قالَ : يا ربِّ ؛ دلَّني على أمرٍ فيهِ رضاكَ حتَّى أعملَهُ ، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ : إنَّ رضايَ في كرهِكَ ، وأنتَ لا تصبرُ (١) قوت القلوب (١٩٤/٢)، وهو عند الديلمي في ((مسند الفردوس)) (٨٢١٦)، وحكى سنده الحافظ ابن حجر في ((زهر الفردوس)) (٢٨١/٤)، وانظر ((الإتحاف)» (٩ /٢٨٣، ٦٥٠) . (٢) قوت القلوب (٣٩/٢) . (٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٥٢٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٩٤/١). (٤) كذا في «القوت)) (٤٠/٢)، ورواه أبو نعيم في «الحلية)) (٧٩/١٠). ٥٣٠ بلايب بعيد ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق على ما تكرهُ، قالَ : يا ربِّ؛ دلَّني عليهِ، قالَ: فإنَّ رضايَ في رضاكَ بقضائي . وفي مناجاةٍ موسى عليهِ السلامُ : أَيْ ربِّ ؛ أيُّ خلقِكَ أحبُّ إليكَ ؟ قالَ : مَنْ إذا أخذتُ منهُ المحبوبَ .. سالمَني ، قالَ: فأيُّ خلِقِكَ أنتَ عليهِ ساخطٌ ؟ قالَ : مَنْ يستخيرُني في الأمر، فإذا قضيتُ لهُ .. سخطَ قضائي(١) . وقدْ رُوِيَ ما هوَ أشدُّ مِنْ ذلكَ، وهوَ أنَّ اللهَ تعالى قالَ: ( أنا اللهُ لا إله إلا أنا ، مَنْ لمْ يصبرْ على بلائي، ولمْ يشكرْ نعمائي ، ولمْ يرضَ بقضائي .. فليتخذْ ربّاً سوايَ)(٢) . ومثلُهُ في الشدَّةِ قولُهُ تعالى فيما أخبرَ عنهُ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ : ((قالَ اللهُ تعالى : قدرتُ المقاديرَ ودبرتُ التدبيرَ ، وأحكمتُ الصنعَ، فمَنْ رضيَ .. فلهُ الرضا منِّي حتَّى يلقاني، ومَنْ سخطَ .. فلهُ السخطُ مِنِّي حتَّى يلقاني)»(٣) . وفي الخبرِ المشهورِ: « يقولُ اللهُ تعالى: خلقتُ الخيرَ والشرّ ، فطوبى (١) قوت القلوب (٢/ ٤١) . (٢) كذا في ((القوت)) (٤١/٢)، وقد روي مرفوعاً كما هو عند الطبراني في « الكبير)» (٣٢٠/٢٢)، وأبو نعيم في «معجم الصحابة)) (٣٠٤٧/٦). (٣) كذا في ((القوت)) (٤١/٢)، وروى الترمذي (٢٣٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣١) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: ((إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوماً .. ابتلاهم؛ فمن رضي .. فله الرضا، ومن سخط .. فله السخط)). ٥٣١ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات لمَنْ خلقتُهُ للخيرِ وأجريتُ الخيرَ على يديهِ ، وويلٌ لمَنْ خلقتُهُ للشرِّ وأجريتُ الشرَّ على يديهِ، وويلٌ ثمّ ويلٌ لمَنْ قالَ: لِمَ؟ وكيفَ؟))(١). وفي الأخبارِ السالفةِ : أنَّ نبيّاً مِنَ الأنبياءِ شكا إلى اللهِ تعالى الجوعَ والفقرَ والقملَ عشرَ سنينَ ، فما أُجيبَ إلى ما أرادَ ، ثمَّ أوحى اللهُ تعالى إليهِ : كمْ تشكو ؟! هكذا كانَ بدؤُكَ عندي في أمِّ الكتابِ قبلَ أن أخلقَ السماواتِ والأرضَ ، وهكذا سبقَ لكَ منِّي ، وهكذا قضيتُ عليكَ قبلَ أنْ أخلقَ الدنيا ، أفتريدُ أنْ أعيدَ خلقَ الدنيا مِنْ أجلِكَ ؟! أمْ تريدُ أنْ أبدلَ ما قدَّرتُهُ عليكَ فيكونَ ما تحبُّ فوقَ ما أحبُّ ، ويكونَ ما تريدُ فوقَ ما أريدُ ؟! وعزَّتي وجلالي؛ لئنْ تلجلجَ (٢) هذا في صدرِكَ مرَّةً أخرى .. لأمحونَّكَ مِنْ ديوانِ النبوّةِ (٣) . ورُويَ أنَّ آدمَ عليهِ السلامُ كانَ بعضُ أولادِهِ الصغارِ يصعدونَ علىُ بدِنِهِ وينزلونَ ، يجعلُ أحدُهُمْ رجلَهُ على أضلاعِهِ كهيئةِ الدرجِ ، فيصعدُ إلى رأسِهِ، ثمَّ ينزلُ على أضلاعِهِ كذلكَ، وهوَ مطرقٌ إلى الأرضِ لا ينطقُ ولا يرفعُ رأسَهُ ، فقالَ لهُ بعضُ ولدِهِ : يا أبتِ ؛ أما ترى ما يصنعُ هذا (١) كذا في ((القوت)) (٤١/٢)، وقال الحافظ العراقي: (رواه ابن شاهين في ((شرح السنة )) من حديث أبي أمامة بند ضعيف))، وقد رواه دون الجملة الأخيرة منه الطبراني في « الكبير» (١٧٣/١٢) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. (٢) في (أ): (اختلج) بدل (تلجلج) . (٣) قوت القلوب (٤١/٢). ٥٣٢ حرة حق ربع المنجيات 05 كتاب المحبة والشوق بكَ ؟! لونهيتهُ عنْ ههذا، فقالَ: يا بنيَّ ؛ إنِّي رأيتُ ما لم ترَوا ، وعلمتُ ما لمْ تعلموا ، إنِّي تحرَّكتُ حركةٌ واحدةٌ فَأَهبطتُ مِنْ دارِ الكرامةِ إلى دارِ الهوانِ ، ومِنْ دارِ النعيمِ إلى دارِ الشقاءِ ، فأخافُ أن أتحرَّكَ حركةً أخرى فيصيبَي ما لا أعلمُ(١). وقالَ أنسُ بنُ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ: ( خدمتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عشرَ سنينَ ، فما قالَ لي لشيءٍ فعلتُهُ: لِمَ فعلتَهُ ، ولا لشيءٍ لَمْ أفعلْهُ: ألا فعلتَهُ، ولا قالَ في شيءٍ كانَ: ليتَهُ لمْ يكنْ ، ولا في شيءٍ لَمْ يكنْ : ليتَهُ كانَ، وكانَ إذا خاصمَني مخاصمٌ مِنْ أهلِهِ يقولُ: « دعوهُ ، لوْ قُضِيَ شيءٌ .. لكانَ)(٢). ويُروىُ أنَّ الله تعالى أوحى إلى داوودَ عليهِ السلامُ: ( يا داوودُ ؛ تريدُ وأريدُ ، وإنَّما يكونُ ما أريدُ؛ فإنْ سلَّمتَ لما أريدُ .. كفيتُكَ ما تريدُ ، وإنْ لمْ تسلُّمْ لما أريدُ .. أتعبتُكَ فيما تريدُ، ثمَّ لا يكونُ إلا ما أريدُ)(٣). چيه سبح ب وأمَّا الآثارُ : فقدْ قالَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما : ( أوَّلُ مَنْ يُدعى إلى الجنةِ يومَ مے (١) قوت القلوب (٤١/٢). (٢) رواه البخاري (٦٠٣٨)، ومسلم (٢٣٠٩) إلى قوله: ( ألا فعلته ) ، ورواه بتمامه أحمد في ((المسند)) ( ٢٣١/٣). (٣) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٩/ ٦٥٣). قح ٥٣٣ ـة كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات القيامةِ الذينَ يحمدونَ اللهَ تعالى على كلِّ حالٍ )(١). وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمَهُ اللهُ تعالى: ( ما بقيَ لي سرورٌ إلا في مواقعٍ القدرِ )(٢) . وقيلَ لهُ : ما تشتهي ؟ فقالَ : ما يقضي اللهُ تعالى . وقالَ ميمونُ بنُ مهرانَ : ( مَنْ لمْ يرضَ بالقضاءِ .. فليسَ لحمقِهِ دواءٌ)(٣). وقالَ الفضيلُ : ( إنْ لمْ تصلحْ على تقديرِ اللهِ .. لمْ تصلحْ على تقديرٍ نفسِكَ ) . وقالَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي روادٍ : ( ليسَ الشأنُ في أكلِ خبزِ الشعيرِ والخلِّ ، ولا في لبسٍِ الصوفِ والشعرِ، ولكنَّ الشأنَ في الرضا عن اللهِ عزَّ وجلَّ)(٤). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ : ( لأنْ ألحسَ جمرةً أحرقَتْ ما أحرقَتْ ، وأبقتْ ما أبقتْ .. أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أقولَ لشيءٍ كانَ: ليتَهُ لمْ يكنْ، أَوْ لشيءٍ لمْ يكنْ : ليتَهُ كانَ)(٥) . (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٩/١٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٠٢/١)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٦٩/٥) من حديثه رضي الله عنهما مرفوعاً . (٢) قوت القلوب (٤٠/٢). (٣) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٢٠٩) عن الحسن البصري . (٤) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) ( ١٣٦/٢٣) ضمن خبر له . (٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)﴾ (١٢٢) من زيادات نعيم بن حماد . ٥٣٤ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق ونظرَ رجلٌ إلى قرحةٍ في رجْلٍ محمدٍ بن واسع فقالَ : إِنِّي لأرحمُكَ مِنْ هذهِ القرحةِ، فقالَ: إنِّي لأشكرُها منذُ خرجَتْ إذْ لمْ تخرجْ في عيني!(١). ورُويّ في الإسرائيلياتِ أنَّ عابداً عبدَ اللهَ تعالى دهراً طويلاً ، فرأى في المنام : فلانةُ الراعيةُ رفيقتُكَ في الجنةِ ، فسألَ عنها إلى أنْ وجدَها ، فاستضافَها ثلاثاً لينظرَ إلى عملِها، فكانَ يبيتُ قائماً وتبيتُ نائمةً ، ويظلُّ صائماً وتظلُّ مفطرةً ، فقالَ : أما لكِ عملٌ غيرَ ما رأيتُ ؟ فقالَتْ: ما هوَ - واللهِ - إلا ما رأيتَ، لا أعرفُ غيرَهُ، فلمْ يزلْ يقولُ: تذكَّري حتَّى قَالَتْ: خُصيلةٌ واحدةٌ هيَ فيَّ ؛ إنْ كنتُ في شدَّةٍ .. لمْ أتمنَّ أنْ أكونَ في رخاءٍ ، وإنْ كنتُ في مرضٍ .. لمْ أتمنَّ أنْ أكونَ في صحَّةٍ ، وإنْ كنتُ في الشمسِ .. لمْ أتمنَّ أنْ أكونَ في الظلِّ، فوضعَ العابدُ يدَهُ على رأسِهِ وقالَ: أهذهِ خُصيلةٌ ؟! هذهِ - واللهِ - خصلةٌ عظيمةٌ يعجزُ عنها العبَّارُ(٢). وعنْ بعضٍِ السلفِ : ( أنَّ اللهَ تعالى إذا قضى في السماءِ قضاءً أحبَّ مِنْ أهلِ الأرضِ أنْ يرضَوا بقضائِهِ )(٣). وقالَ أبو الدرداءِ: ( ذروةُ الإيمانِ الصبرُ للحكم، والرضا بالقدر)(٤). (١) رواه أبونعيم في «الحلية)) (٣٥٢/٢). (٢) كذا فى ((القوت)» (٣٩/٢)، ورواه أبو نعيم فى «الحلية)) (٨/ ١٩٣). (٣) كذا في ((القوت)). ((إتحاف)) (٦٥٤/٩)، وفي ((القوت)) (٣٩/٢): ( وقد روينا عن ابن مسعود : من رضي بما ينزل من السماء إلى الأرض .. غفر له ) . (٤) كذا في ((القوت)) (٣٩/٢)، ورواه مع زيادة ابنُ المبارك في ((الزهد)) (١٢٣) من زيادات نعيم بن حماد . ٥٣٥ كن .: كتاب المحبة والشوق 253 ربع المنجيات وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ما أبالي على أيِّ حالٍ أصبحتُ وأمسيتُ مِنْ شدَّةٍ أَوْ رخاءٍ )(١). وقالَ الثوريُّ يوماً عندَ رابعةً : اللهمَّ ؛ ارضَ عنَّا ، فقالتْ : أما تستحي مِنَ اللهِ أنْ تسألَهُ الرضا وأنتَ عنهُ غيرُ راضٍ ؟! فقالَ: أستغفرُ اللهَ، فقالَ جعفرُ بنُ سليمانَ الضبعيُّ : فمتى يكونُ العبدُ راضياً عنِ اللهِ تعالى ؟ قالتْ: إذا كان سرورُهُ بالمصيبةِ مثلَ سرورِهِ بالنعمةِ (٢). وكانَ الفضيلُ يقولُ : ( إذا استوىُ عندَهُ المنعُ والعطاءُ .. فقدْ رضيَ عنِ اللهِ تعالى)(٣). ـح5 وقالَ أحمدُ بنُ أبي الحواري : قالَ أبو سليمان الدارانيُّ : إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ مِنْ كرمِهِ قَدْ رضيَ مِنْ عبيدِهِ بما رضيَ العبيدُ مِنْ مواليهِمْ ، قلتُ : وكيفَ ذاكَ ؟ قالَ : أليسَ مرادُ العبدِ مِنَ الخلقِ أَنْ يرضى عنهُ مولاهُ ؟ قلتُ : نعمْ ، قالَ: فإنَّ محبةَ اللهِ مِنْ عبيدِهِ أنْ يرضَوا عنهُ(٤) . وقالَ سهلٌ : ( حظّ العبيدِ مِنَ اليقينِ على قَدْرِ حظّهِمْ مِنَ الرضا ، (١) الرعاية (ص ٢٦١)، وقال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٣٠٤/٨): (أخرجه الإسماعيلي في (( مناقبه))) . (٢) قوت القلوب (٤٠/٢). (٣) قوت القلوب (٤٠/٢). (٤) قوت القلوب (٤٠/٢). ٥٣٦ بده حج جن جن حن بتن ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق وحظُهُمْ مِنَ الرضا على قدْرِ عيشِهِمْ معَ اللهِ عزَّ وجلَّ)(١) وقدْ قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ بحكمِهِ وجلالِهِ جعلَ الرَّوْحَ والفرحَ في الرضا واليقينِ ، وجعلَ الغمَّ والحزنَ في الشكِّ )(٢) والسخط))(٢). ++نسب + جه (١) قوت القلوب (٤١/٢). (٢) رواه الطبراني في «الكبير)) (٢١٥/١٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٢١/٤)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١١١٦) بنحوه، ولفظ المصنف في ((القوت)) ( ٤١/٢ ) . ٥٣٧ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات حر بيان حقيقة الرضا وتصوّره في المخالف الهوى اعلمْ : أَنَّ مَنْ قالَ : ( ليسَ فيما يخالفُ الهوى وأنواعَ البلاءِ إلا الصبرُ ، فأمَّا الرضا .. فلا يُتصوَّرُ) .. فإنَّما أُتِي مِنْ ناحيةِ إنكار المحبَّةِ، فأمَّا إذا ثبتَ تصوُّرُ الحبِّ للهِ تعالى، واستغراقِ الهمِّ بهِ .. فلا يخفى أنَّ الحبَّ يُورِثُ الرضا بأفعالِ الحبيبِ ، ويكونُ ذلكَ مِنْ وجهينِ : أحدُهُما : أنْ يبطلَ الإحساسُ بالألمٍ ، حتَّى يجري عليهِ المؤلمُ ولا يحسُّ، وتصيبُهُ جراحةٌ ولا يدركُ ألمَها ، ومثالُهُ : الرجلُ المحاربُ ؛ فإنَّهُ في حالِ غضبهِ أوْ حالِ خوفِهِ قدْ تصيبُهُ جراحةٌ وهوَ لا يحسُّ بها ، حتَّى إذا رأى الدمَ .. استدلَّ بهِ على الجراحةِ ، بلِ الذي يغدو في شغلٍ قريبٍ قدْ تصيبُهُ شوكةٌ في قدمِهِ ولا يحسُّ بألمٍ ذلكَ ؛ لشغلِ قلبِهِ ، بلِ الذي يُحجَمُ أوْ يُحلقُ رأسُهُ بحديدةٍ كالَّةٍ يتألَّمُ بها ؛ فإنْ كانَ مشغولَ القلبِ بمهمٌّ مِنْ مهمَّاتِهِ .. فرغَ المزيِّنُ والحجَّامُ وهوَ لا يشعرُ بهِ ، وكلُّ ذلكَ لأنَّ القلبَ إذا صارَ مستغرقاً بأمرٍ مِنَ الأمورِ مستوفىّ بهِ .. لمْ يدركْ ما عداهُ ، فكذلكَ العاشقُ المستغرقُ الهمّ بمشاهدةٍ معشوقِهِ أوْ بحبِّهِ قدْ يصيبُهُ ما كانَ يتألَّمُ بهِ أوْ يغتمُّ لهُ لولا عشقُهُ، ثمَّ لا يدركُ غمَّهُ وألمَهُ لفرطِ استيلاءِ الحبِّ على قلبهِ ، هذا إذا أصابَهُ مِنْ غيرِ حبيبهٍ ، فكيفَ إذا أصابَهُ مِنْ حبيبهِ ؟! 9. دن حن متن وشغلُ القلبِ بالحبِّ والعشقِ مِنْ أعظمِ الشواغلِ ، وإذا تصوِّرَ هذا في ٥٣٨ شرخ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق ء ألمٍ يسيرٍ بسببِ حبٌّ خفيفٍ .. تَصوِّرَ في الألمِ العظيمِ بالحبِّ العظيمِ ؛ فإنَّ الحبَّ أيضاً يُتصوَّرُ تضاعفُهُ في القوَّةِ كما يُصوَّرُ تضاعفُ الألمٍ ، وكما يقوى حبُّ الصورِ الجميلةِ المدركةِ بحاسَّةِ البصرِ .. فكذا يقوى حبُّ الصورِ الجميلةِ الباطنةِ المدركةِ بنورِ البصيرةِ وجمالُ الحضرةِ الربوبيّةِ وجلالُها لا يُقاسُ بهِ جمالٌ ولا جلالٌ، فَمَنْ ينكشفُ لهُ شيءٌ منهُ .. فقدْ يبهرُهُ بحيثُ يدهشُ ويُغشى عليهِ ، فلا يحسُّ بما يجري عليهِ، فقدْ رُوِيَ أنَّ امرأةً فتح الموصليِّ عثرَتْ فانقطعَ ظفرُها، فضحكَتْ ، فقيلَ لها : أما تجدينَ الوجعَ ؟ فقالَتْ: إنَّ لذَّةَ ثوابِهِ أزالَتْ عنْ قلبي مرارةَ وجعِهِ(١). وكانَ سَهلٌ رحمَهُ اللهُ تعالى به عِلَّةٌ يعالجُ غيرَهُ منها ولا يعالجُ نفسَهُ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ: فقالَ : يا دُوْستُ ؛ ضربُ الحبيبِ لا يوجعُ(٢). وأمَّا الوجهُ الثاني: فهوّ أنْ يحسَّ بهِ ، ويدركَ ألمَهُ، ولكنْ يكونُ راضياً بهِ ، بلْ راغباً فيهِ ، مريداً لهُ : أعني: بعقلِهِ ، وإنْ كانَ كارهاً لهُ بطبعِهِ ، كالذي يلتمسُ مِنَ الفصَّادِ الفصدَ والحجامةَ ؛ فإنَّهُ يدركُ ألمَ ذلكَ، إلا أنَّهُ راضٍ بهِ وراغبٌ فيهِ ، ومتقلِّدٌ مِنَ الفصَّادِ منَّةً بفعلِهِ . فهذا حالُ الراضي بما يجري عليهِ مِنَ الألمٍ ، وكذلكَ كلُّ مَنْ يسافرُ في طلبٍ الربح يدركُ مشقَّةَ السفرِ ، ولكنْ حبُّهُ لثمرةِ سفرِهٍ طيَّبَ عندَهُ مشقَّةً (١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ٥١٩) . (٢) قوت القلوب (٦٧/٢)، ودوست: حبيب، لفظة فارسية تقدم استخدامها. ٥٣٩ ـحن سسسسسسسســـ ٠٥٥ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات حن السفرِ، وجعلَهُ راضياً بها ، ومهما أصابَهُ بليَّةٌ مِنَ اللهِ تعالى وكانَ لهُ يقينٌ بأنَّ ثوابَهُ الذي ادُّخرَ لهُ فوقَ ما فاتَهُ .. رضيَ بهِ ، ورغبَ فيهِ وأحبَّهُ ، وشكرَ اللهَ تعالىُ عليهِ ، هذا إِنْ كانَ يلاحظُ الثوابَ والإحسانَ الذي یجازیُ بهِ عليهِ . ويجوزُ أنْ يغلبَ الحبُّ بحيثُ يكونُ حظُّ المحبُّ في مرادٍ حبيبِهِ ورضاهُ ، لا لمعنىّ آخرَ وراءَهُ، فيكونُ مرادُ حبيبهِ ورضاهُ محبوباً عندَهُ ومطلوباً ، وكلُّ ذلكَ موجودٌ في المشاهداتِ في حبِّ الخلقِ ، وقدْ تواصفَها المتواصفونَ في نظمِهِمْ ونثرِهِمْ ، ولا معنى لهُ إلا ملاحظةُ جمالِ الصورةِ الظاهرةِ بالبصرِ . فإنْ نظرَ إلى الجمالِ .. فما هوّ إلا جلدٌ على لحم ودم ، مشحونٌ بالأقذار والأخباثِ ، بدايتُهُ مِنْ نطفةٍ مذرةٍ ، ونهايتُهُ جيفةٌ قذرةٌ ، وهوَ فيما بينَ ذلكَ يحملُ العذرةَ . وإنْ نظرَ إلى المدركِ للجمالِ .. فهيَ العينُ الخسيسةُ التي تغلطَ فيما ترى ط كثيراً، فترى الصغيرَ كبيراً، والكبيرَ صغيراً، والبعيدَ قريباً، والقبيحَ جميلاً . فإذا تُصوِّرَ استيلاءُ هذا الحبِّ .. فمِنْ أينَ يستحيلُ ذلكَ في حبِّ الجمالِ الأزليِّ الأبديِّ ، الذي لا منتهى لكمالِهِ المدرَكِ بعينِ البصيرةِ التي لا يعتريها الغلطَ ولا يدورُ بها الموتُ ، بلْ تبقىُ بعدَ الموتِ حيَّةً عندَ اللهِ ، فرحةٌ برزقِ اللهِ تعالىُ ، مستفيدةً بالموتِ مزيدَ تنتُّهِ واستكشافٍ ؟! ٥٤٠ كر