Indexed OCR Text

Pages 501-520

ربع المنجيات
جوبعدـ
كتاب المحبة والشوق
حن
أعطيتَهُ، فأذهبَ اللهُ عنهُ جملةَ الجزءِ ، وبقيَ معَهُ عشْرُ معشارِهِ ، وهوَ جزءٌ
مِنْ عشرةِ آلافِ ألفِ جزءٍ مِنْ ذرةٍ(١) ، فاعتدلَ خوفُهُ وحبُّهُ ورجاؤُهُ ، وسكنَ
وصارَ كسائرِ العارفينَ (٢).
وقدْ قيلَ في وصفِ حالِ العارفِ (٣):
[من الوافر ]
عنِ الأَحْرارِ مِنْهُمْ وَأَلْعَبِيدِ
قَرِيبٌ أَلْوَجْدِ ذُو مَرْمىٌ بَعِيدٍ
كَأَنَّ فُؤَادَهُ زُبَرُ الْحَدِيدِ
غَرِيبُ الْوَصْفِ ذُو عِلْمٍ غَرِيبٍ
عَنِ الأَبْصارِ إِلا لِلشَّهِيدِ
لَقَدْ عَزَّتْ مَعانِيهِ فَغَابَتْ
لَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ أَلْفُ عيدٍ
يَرَى الأَعْيَادَ فِي الأَوْقَاتِ تَجْرِي
وَلَا يَجِدُ الشُّرُورَ لَهُ بِعِيدٍ
وَلِلَأَحْبابِ أَفْرَاحٌ بِعِيدٍ
وقدْ كانَ الجنيدُ رحمَهُ اللهُ ينشدُ أبياتاً يشيرُ بها إلى أسرارِ أحوالِ العارفينَ
وأنَّ ذلكَ لا يجوزُ إظهارُهُ ، وهيَ هذهِ الأبياتُ(٤) :
[من الطويل]
فَحَلُوا بِقُرْبِ الْمَاجِدِ الْمُتَفَضِّلُ
سَرتْ بِأُناسِ فِي الْغُيُوبِ قُلُوبُهُمْ
تَجُولُ بِها أَرْواحُهُمْ وَتَنَقَّلُ
عِراصاً بِقُرْبِ اللهِ فِي ظِلِّ قُدْسِهِ
وَمَصْدَرُهُمْ عَنْهَا لِمَا هُوَ أَكْمَلُ
مَوارِدُهُمْ فِيها عَلَى الْعِزِّ وَالنُّهَى
(١) في ( ب، د، ع، ف): ( وهو جزء من ألف ألف جزء ) .
(٢) قوت القلوب (٢/ ٦٠).
(٣) هكذا أنشد هذه الأبيات صاحب ((القوت))، إلا أنه بتقديم البيت الأخير على الذي
قبله. ((إتحاف)" (٦٣١/٩) .
(٤) قوت القلوب (٥٩/٢)، الإتحاف (٦٣٢/٩).
٥٠١
حن
حن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
وَفِي حُلَلِ التَّوْحِيدِ تَمْشِي وَتَرْفُلُ
تَرُوحُ بِعِزِّ مُفْرَدٍ مِنْ صِفاتِهِ
وَمَا كَتْمُهُ أَوْلَىْ لَدَيْهِ وَأَعْدَلُ
وَمِنْ بَعْدِ هَذا مَا تَدِقُّ صِفاتُهُ
وَأَبْذُلُ مِنْهُ مَا أَرَى أَلْحَقَّ يَبْذُلُ
سَأَكْتُمُ مِنْ عِلْمِي بِهِ ما يَصُونُهُ
وَأَمْنَعُ مِنْهُ مَا أَرَى أَلْمَنْعَ يَفْضُلُ
وَأُعْطِي عِبَادَ اللهِ مِنْهُ حُقُوقَهُمْ
4G
إِلَىْ أَهْلِهِ فِي السِّرِّ وَالصَّوْنُ أَجْمَلُ
عَلَى أَنَّ لِلرَّحْمَنِ سِرّاً يَصُونُهُ
وأمثالُ هذهِ المعارفِ التي إليها الإشارةُ لا يجوزُ أنْ يشتركَ الناسُ فيها ،
ولا يجوزُ أنْ يظهرَها مَنِ انكشفَ لهُ شيءٌ منها لمَنْ لمْ ينكشفْ لهُ، بلْ لوٍ
اشتركَ الناسُ فيها .. لخربَتِ الدنيا، فالحكمةُ تقتضي شمولَ الغفلةِ لعمارةِ
الدنيا .
بلْ لوْ أكلَ الناسُ كلُّهُمُ الحلالَ أربعينَ يوماً .. لخربَتِ الدنيا ؛ لزهدِهِمْ
فيها ، وبطلَتِ الأسواقُ والمعايشُ .
ـكن
بلْ لوْ أكلَ العلماءُ الحلالَ .. لاشتغلوا بأنفسِهِمْ، ولوقفَتِ الألسنةُ
والأقدامُ عنْ كثيرٍ ممَّا انتشرَ مِنَ العلوم ، ولكنْ اللهِ تعالى فيما هوَ شَرٌّ في
الظاهرِ أسرارٌ وحكمٌ ، كما أنَّ لهُ في الخيرِ أسراراً وحكماً ، ولا منتهى
لحكمتِهِ ، كما لا غايةَ لقدرتِهِ .
ومنها : كتمانُ الحبِّ ، واجتنابُ الدعوى ، والتوقَّ مِنْ إظهارِ الوجدِ
والمحبّةِ :
٥٠٢

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
تعظيماً للمحبوب ، وإجلالاً لهُ، وهيبةً منهُ، وغيرةً على سرّهِ ؛ فإنَّ
الحبّ سرٍّ مِنْ أسرارِ الحبيبِ ، ولأنَّهُ قدْ يدخلُ في الدعوى ما يتجاوزُ حدَّ
المعنى ويزيدُ عليهِ ، فيكونُ ذلكَ مِنَ الافتراءِ ، وتعظمُ العقوبةُ عليهِ في
العقبى ، وتتعجَّلُ عليهِ البلوى في الدنيا .
نعمْ ، قدْ يكونُ للمحبِّ سكرةٌ في حبِّهِ حتَّى يدهشَ فيهِ ، وتضطرب
أحوالُهُ، فيظهرَ عليهِ حبُّهُ ، فإِنْ وقعَ ذلكَ عنْ غيرِ تمثّلٍ أَوِ اكتسابٍ .. فهوَ
معذورٌ؛ لأنَّهُ مقهورٌ .
وربَّما تشتعلُ مِنَ الحبُّ نيرانُهُ ، فلا يُطاقُ سلطانُهُ ، وقدْ يفيضُ القلبُ بهِ
فلا يندفعُ فيضانُهُ فالقادرُ على الكتمانِ يقولُ :
[من الطويل]
بِقُرْبِ شعاع الشَّمْسِ لَوْ كَانَ فِي حِجْرِي
وَقَالُوا: قَرِيبٌ، قلتُ: ما أَنَا صانِعٌ
يُهَيِّحُ نَارَ الْحُبِّ وَالشَّوْقِ فِي صَدْرِي
فَمَا لِيَ مِنْهُ غَيْرُ ذِكْرٍ بخاطِرٍ
والعاجزُ عنهُ يقولُ :
[من السريع]
وَيُظْهِرُ الْوَجْدَ عَلَيْهِ النَّفَسْ
[من الطويل]
ويقولُ أيضاً(١):
يُخْفِي فَيُبْدِي الدَّمْعُ أَسْرارَهُ
وَمَنْ قَلْبُهُ مَعْ غَيْرِهِ كَيْفَ حالُهُ وَمَنْ سِرُّهُ فِي جَفْنِهِ كَيْفَ يَكْتُمُ
وقدْ قالَ بعضُ العارفينَ: ( أكثرُ الناسِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ بعداً أكثرُهُمْ
(١) البيت للمتنبي في ((ديوانه بشرح العكبري)) (٤ /٨١).
٥٠٣
حة
ـحن

كتاب المحبة والشوق
مــ
ربع المنجيات
إشارةٌ بهِ)(١) ، كأنَّهُ أرادَ مَنْ يكثرُ التعريضَ بهِ في كلِّ شيءٍ ، ويظهرُ التصنُّعَ
بذكرِهِ عندَ كلٌّ أحدٍ ، فهوَ ممقوتٌ عندَ المحبِّينَ والعلماءِ باللهِ عزَّ وجلَّ .
ودخلَ ذو النونِ المصريُّ على بعضٍ إخوانِهِ ممَّنَ كانَ يذكرُ المحبَّةَ ، فرآهُ
مبتلىّ بيلاءٍ ، فقالَ : لا يحبُّهُ مَنْ وجدَ ألمَ ضرِبِهِ ، فقالَ الرجلُ : لكنِّي
أقولُ : لا يحبُّهُ مَنْ لمْ يتنعَّمْ بضرِبِهِ ، فقالَ ذو النونِ : ولكنِّي أَقولُ :
لا يحبُّهُ مَنْ شهرَ نفسَهُ بحبِّهِ، فقالَ الرجلُ: أستغفرُ اللهَ وأتوبُ إليهِ (٢).
فإنْ قلتَ : المحبَّةُ منتهى المقاماتِ ، وإظهارُها إظهارٌ للخير ، فلماذا
يُستنکرُ ؟
فاعلمْ : أنَّ المحبَّةَ محمودةٌ، وظهورُها محمودٌ أيضاً ، وإنَّما المذمومُ
التظاهرُ بها ؛ لما يدخلُ فيهِ مِنَ الدعوى والاستكبارِ ، وحقُّ المحبِّ أنْ ينمَّ
على حبِّهِ الخفيِّ أفعالُهُ وأحوالُهُ دونَ أقوالِهِ ، بلْ ينبغي أنْ يظهرَ حبُّهُ مِنْ غيرِ
قصدٍ منهُ إلى إظهارِ الحبِّ ، ولا إلى إظهارِ الفعلِ الدالِّ على الحبِّ ، بلْ
ينبغي أنْ يكونَ قصدُ المحبّ اطلاعَ الحبيبِ فقطْ، فأمَّا إرادتُهُ اطلاعَ غيرِهِ . .
فشركٌ في الحبِّ ، وقادحٌ فيهِ ؛ كما وردَ في الإِنجيلِ : ( إذا تصدقتَ ..
فتصدَّقْ بحيثُ لا تعلمُ شمالُكَ ما صنعَتْ يمينُكَ ، فالذي يرى الخفيَّاتِ
(١) طبقات الصوفية (ص ٧٣)، قوت القلوب (٢/ ٦٧).
(٢) قوت القلوب (٦٧/٢).
٥٠٤
حن

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
يجزيكَ بهِ علانيةً، وإذا صمتَ .. فاغسلْ وجهَكَ وادهنْ رأسَكَ ؛ لئلا يعلمَ
بذلكَ غيرُ ربِّكَ )(١) .
فإظهارُ القولِ والفعل كلُّهُ مذمومٌ ، إلا إذا غلبَ سكرُ الحبِّ فانطلقَ
اللسانُ واضطربَتِ الأعضاءُ .. فلا يلامُ فيهِ صاحبُهُ .
حُكِيَ أَنَّ رجلاً رأى مِنْ بعضِ المجانينِ ما استجهلَهُ فيهِ (٢)، فأخبرَ بذلكَ
معروفاً الكرخيَّ رحمهُ اللهُ، فتبسَّمَ ثمَّ قالَ: يا أخي؛ لهُ محُّونَ صغارٌ
وكبارٌ، وعقلاءُ ومجانينُ ، فهذا الذي رأيتَهُ مِنْ مجانيِهِمْ(٣).
وممَّا يكرهُ التظاهرُ بالحبِّ بسببهِ : أنَّ المحبَّ إنْ كان عارفاً، وعرفَ
أحوالَ الملائكةِ في حبِّهِمُ الدائمِ وشوقِهِمُ اللازم ، الذي بهِ يسبِّحونَ الليلَ
والنهارَ لا يفترونُ، ولا يعصونَ اللهَ ما أمرَهُمْ ويفعلونَ ما يُؤمرونَ ..
لاستنكفَ مِنْ نفسِهِ ومِنْ إظهارِ حبُِّ، وعلمَ قطعاً أنَّهُ أخسُّ المحبينَ في
مملكتِهِ ، وأنَّ حبَّهُ أنقصُ مِنْ حبِّ كلٌّ محبّ اللهِ تعالى .
قالَ بعضُ المكاشفينَ مِنَ المحبِينَ : عبدتُ اللهَ تعالى ثلاثينَ سنةً بأعمالٍ
القلوبِ والجوارحِ على بذلِ المجهودِ واستفراغ الطاقةِ ، حتَّى ظننتُ أنَّ لي
(١) وقد روى أبو نعيم في «الحلية)) (١٣٦/١) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :
( إذا أصبح أحدكم صائماً .. فليترجِّل، وإذا تصدق بصدقة بيمينه .. فليخفها عن
شماله ، وإذا صلى صلاة أو صلى تطوعاً .. فليصلها في داخله ).
(٢) كذا في النسخ: ( استجهله فيه)، وفي (ق): ( استجلَّهُ فيه ) .
(٣) قوت القلوب (٦٧/٢ ).
٥٠٥

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
عندَ اللهِ شأناً ، فذكرَ أشياءَ مِنْ مكاشفاتِ آياتِ السماواتِ في قصَّةٍ طويلةٍ قالَ في
آخرِها : فبلغتُ صفّاً مِنَ الملائكةِ بعددِ جميع ما خلقَ اللهُ مِنْ شيءٍ ، فقلتُ :
مِنْ أنتمْ ؟ فقالوا : نحنُ المحبُّونَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، نعبدُهُ ههنا منذُ ثلاثِ مئةِ ألفٍ
سنةٍ ، ما خطرَ على قلوبنا قطُّ سواهُ، ولا ذكرنا غيرَهُ، قالَ : فاستحييتُ مِنْ
أعمالي ، فوهبتُها لمَنْ حقَّ عليهِ الوعيدُ تخفيفاً عنهُمْ في جهنَّمَ(١).
0
فإذاً؛ مَنْ عرفَ نفسَهُ، وعرفَ ربَّهُ، واستحيا منهُ حقَّ الحياءِ .. خرِسَ
لسانُهُ عنِ التظاهرِ بالدعوى .
نعمٌ ، يشهدُ على حبِّهِ حركاتُهُ وسكناتهُ وإقدامُهُ وإحجامُهُ وتردداتُهُ ؛ كما
حُكِيَ عنِ الجنيدِ أنَّهُ قالَ : مرضَ أستاذُنا السريُّ رحمهُ اللهُ، فلمْ نعرفْ لعلَِّهِ
دواءً ، ولا عرفنا لها سبباً ، فوُصفَ لنا طبيبٌ حاذقٌ ، فأخذنا قارورةَ مائِهِ ،
فنظرَ إليهِ الطبيبُ وجعلَ ينظرُ ملياً ، ثمّ قالَ لي : أراهُ بولَ عاشقٍ ، قالَ
الجنيدُ : فصعقتُ وغُشيَ عليَّ، ووقعتِ القارورةُ مِنْ يدي ، ثمَّ رجعتُ إلى
السريِّ فأخبرتُهُ، فتبسَّمَ ثمَّ قالَ: قاتلَهُ اللهُ ما أبصرَهُ! قلتُ : يا أستاذٌ ؛
وتبينُ المحبةُ في البولِ ؟ قالَ : نعمْ .
وقدْ قالَ السريُّ مرَّةً : ( لوْ شئتُ أقولُ : ما أيبسَ جلدي على عظمي ،
ولا سلَّ جسمي إلا حبُّهُ)، ثمَّ غُشِيَ عليهِ (٢).
طق حن حن وق حن حن ج حن حن من نحن
(١) قوت القلوب (٦٨/٢).
(٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٤٨٧) بنحوه .
٥٠٦
ـكن
جرم

.....
ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
وتدلُّ الغشيةُ على أنَّهُ أفصحَ في غلبةِ الوجدِ ومقدماتِ الغشيةِ
فهذهِ مجامعُ علاماتِ الحبِّ وثمراتِهِ .
ومنها : الأنسُ والرضا : كما سيأتي .
وبالجملةِ : جميعُ محاسنِ الدينِ ومكارم الأخلاقِ ثمرةُ الحبِّ ، وما لا
يثمرُهُ الحبُّ فهوَ اتِبّاعُ الهوىُ، وهوَ مِنْ رذائلِ الأخلاقِ .
حن
حن
نعمْ ، قدْ يحبُّ اللهَ الإحسانِهِ إليهِ، وقدْ يحبُّهُ لجلالِهِ وجمالِهِ وإنْ لمْ
يحسنْ إليهِ ، والمحبُّونَ لا يخرجونَ عنْ هذينِ القسمينِ .
بيان
ولذلكَ قالَ الجنيدُ : ( الناسُ في محبةِ اللهِ تعالى عامٌ وخاصٌّ ، فالعوامُ
نالوا ذلكَ بمعرفتِهِمْ في دوامِ إحسانِهِ وكثرةٍ نعمِهِ ، فلمْ يتمالكوا أنْ أرضَوهُ ،
إلا أنَّهُمْ تقلُّ محبتُهُمْ وتكثرُ على قدْر النعمِ والإحسانِ، فأمَّا الخاصَّةُ ..
فنالوا المحبَّةَ بعظمِ القدرِ والقدرةِ والعلمِ والحكمةِ والتفرُّدِ بالملكِ ، ولمَّا
عرفوا صفاتِهِ الكاملةَ وأسماءَهُ الحسنى .. لمْ يمتنعوا أنْ أحبُّوهُ؛ إذِ استحقَّ
عندَهُمُ المحبَّةَ بذلكَ لأنَّهُ أَهلٌ لها ولوْ أزالَ عنهُمْ جميعَ النعمِ .
نعمْ، مِنَ الناسِ مَنْ يحبُّ هواهُ وعدوَّ اللهِ إِبليسَ، وهوَ معَ ذلكَ يلُِّ
على نفسِهِ بحكمِ الغرورِ والجهلِ، فيظنُّ أنَّهُ محبٌّ اللهِ عزَّ وجلَّ)(١) ، وهو
الذي فُقَدَتْ فيهِ هذهِ العلاماتُ، أَوْ يلُِّ بها نفاقاً ورياءً وسمعةٌ وغرضُهُ
(١) قوت القلوب (٨٢/٢).
٥٠٧
حن
حن
مدں
ـحن حنة

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
عاجلُ حظٍّ الدنيا ، وهوَ يظهرُ مِنْ نفسِهِ خلافَ ذلكَ ؛ كعلماءِ السوءِ وقَرَّاءِ
السوءِ ، أولئكَ بغضاءُ اللهِ في أرضِهِ .
وكانَ سهلٌ إذا تكلَّمَ معَ إنسانٍ .. قالَ: يا دُوْستُ(١) - أيْ: يا حبيبُ -
فقيلَ لهُ: قدْ لا يكونُ حبيباً ، فكيفَ تقولُ هذا؟! فقالَ في أذنِ القائلِ
سرّاً: لا يخلو إمَّا أَنَّ يكونَ مؤمناً أوْ منافقاً، فإنْ كانَ مؤمناً .. فهوَ
حبيبُ اللهِ عزَّ وجلّ، وإنْ كانَ منافقاً .. فهوُ حبيبُ إبليسَ(٢).
وقدْ قالَ أبو ترابِ النخشبيُّ في علاماتِ المحبَّةِ أبياتاً، وهيَ(٣): [من الكامل]
وَلَدَيْهِ مِنْ تُحَفِ الْحَبِيبِ وَسائِلُ
لا تُخْدَعَنَّ فَلِلْمُحِبِّ دَلائِلُ
وَسُرُورُهُ فِي كُلِّ ما هُوَ فاعِلُ
مِنْها تَنَتُّمُهُ بِمُرِّ بَلائِهِ
وَالْفَقْرُ إِكْرامٌ وَبِرِّ عاجِلُ
فَالْمَنْعُ مِنْهُ عَطِيَّةٌ مَقْبُولَةٌ
طوعَ الْخَبِيبِ وَإِنْ أَلَغَّ الْعَاذِلُ
وَمِنَ الدَّلائِلِ أَنْ يُرَىْ مِنْ عَزْمِهِ
وَأَلْقَلْبُ فِيهِ مِنَ أَلْحَبِيبِ بَلَائِلٌ
لِكَلامِ مَنْ يَحْظىُ لَدَيْهِ السَّائِلُ
مُتَحَفِّظاً مِنَ كُلِّ مَا هُوَ قَائِلُ
وَمِنَ الدَّلَائِلِ أَنْ يُرَى مُتَبَسِّماً
وَمِنَ الدَّلائِلِ أَنْ يُرَىُ مُتَفَهِّماً
وَمِنَ الدَّلائِلِ أَنْ يُرَىْ مُتَقَشِّفاً
وقالَ يحيى بنُ معادٍ (٣) :
[من الكامل]
فِي خِرْقَتَيْنِ عَلَى شُطِوطِ السَّاحِلٍ
وَمِنَ الذَّلائِلِ أَنْ تَراهُ مُشَمِّراً
wwwwww
wwwwww
(١) لفظة فارسية .
(٢) قوت القلوب (٢/ ٨٢).
(٣) قوت القلوب (٢/ ٦٣).
٥٠٨
حن
بدن

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
وَمِنَ الدَّلَائِلِ حُزْنُهُ وَنَحِيبُهُ
وَمِنَ الدَّلائِلِ أَنْ تَرَاهُ مُسافِراً
وَمِنَ الدَّلائِلِ زُهْدُهُ فِيمَا يَرَى
وَمِنَ الدَّلائِلِ أَنْ تَراهُ باكِياً
وَمِنَ الدَّلائِلِ أَنْ تَراهُ مُسَلِّماً
وَمِنَ الدَّلائِلِ أَنْ تَراهُ راضِياً
وَمِنَ الدَّلائِلِ ضِحْكُهُ بَيْنَ أَلْوَرَى
جَوْفَ الظَّلَام فَما لَهُ مِنْ عاذِلِ
نَحْوَ أَلْجِهَادِ وَكَلِّ فِعْلٍ فَاضِلٍ
مِنْ دارِ ذُلِّ وَالنَّعِيمِ الزَّائِلِ
أَنْ قَدْ رَآهُ عَلَىْ قَبِيحِ فعائلٍ(١)
كُلَّ الأُمُورِ إِلَى الْمَلِيكِ الْعَادِلِ
بِمِليكِهِ فِي كُلِّ حُكْمِ نازِلِ
وَأَلْقَلْبُ مَحْزُونٌ كَقَلْبِ الثاكِلِ
(١) في غير (ع): ( فاعل) بدل ( فعائل)، وفي ( ب): ( باطل ) .
٥٠٩

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ـون
بيان معنى الأنس بالله تعالى
G
قدْ ذكرنا أنَّ الأنسَ والخوفَ والشوقَ مِنْ آثارِ المحبَّةِ ، إلا أنَّ هذهِ آثارٌ
مختلفةٌ ، تختلفُ على المحبِّ بحسَبِ نظرِهِ ، وما يغلبُ عليهِ في وقتِهِ ، فإذا
غلبَ عليهِ التطلَّعُ مِنْ وراءِ حجبِ الغيبِ إلى منتهى الجمالِ ، واستشعرَ قصورَهُ
عنِ الاطلاع على كنْهِ الجلالِ .. انبعثَ القلبُ إلى الطلبِ، وانزعجَ لهُ، وهاجَ
إليهِ ، وتُسمَّى هذهِ الحالةُ في الانزعاج شوقاً ، وهوَ بالإضافةِ إلى أمرٍ غائبٍ .
وإذا غلبَ عليهِ الفرحُ بالقربِ ، ومشاهدةُ الحضورِ بما هوَ حاصلٌ مِنَ
الكشفِ ، وكانَ نظرُهُ مقصوراً على مطالعةِ الجمالِ الحاضرِ المكشوفِ ، غيرَ
ملتفتٍ إلى ما لم يدركْهُ بعدُ .. استبشرَ القلبُ بما يلاحظُهُ، فيُسمَّى استبشارُهُ
أنساً .
وإنْ كانَ نظرُهُ إلى صفاتِ العزِّ ، والاستغناءِ وعدم المبالاةِ ، وخطرٍ
إمكانِ الزوالِ والبعدِ .. تألَّمَ القلبُ بهذا الاستشعارِ ، فيُسمَّى تألُّمُهُ خوفاً .
وهذهِ الأحوالُ تابعةٌ لهذهِ الملاحظاتِ ، والملاحظاتُ تابعةٌ لأسبابٍ
تقتضيها لا يمكنُ حصرُها ، فالأنسُ : معناهُ استبشارُ القلبِ وفرحُهُ بمطالعةٍ
الجمالِ ، حتَّى إِنَّهُ إذا غلبَ ، وتجرَّدَ عنْ ملاحظةِ ما غابَ عنهُ ، وما يتطرّقُ
إليهِ مِنْ خطرِ الزوالِ .. عظمَ نعيمُهُ ولذَّتُهُ .
ومِنْ هنا نظرَ بعضُهُمْ حيثُ قيلَ لهُ : أنتَ مشتاقٌ ؟ فقالَ : لا ، إنَّما
٥١٠

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
الشوقُ إلى غائبٍ ، فإذا كانَ الغائبُ حاضراً .. فإلى مَنْ يُشتاقُ ؟!(١)
وهذا كلامُ مستغرقٍ بالفرحِ بما نالَهُ ، غيرِ ملتفتٍ إلى ما بقيَ في الإمكانِ
مِنْ مزايا الألطافِ .
ومَنْ غلبَ عليهِ حالُ الأنسِ .. لمْ تكنْ شهوتُهُ إلا في الانفرادِ والخلوةِ ،
كما حُكِيَ أَنَّ إبراهيمَ بنَ أدهمَ نزلَ مِنَ الجبلِ ، فقيلَ لهُ : مِنْ أينَ أقبلتَ ؟
فقالَ : مِنَ الأنسِ باللهِ(٢).
وذلكَ لأَنَّ الأنسَ باللهِ يلازمُهُ التوخُّش مِنْ غيرِ اللهِ ، بلْ كلُّ ما يعوِّقُ عنِ
الخلوةِ فيكونُ مِنْ أنقلِ الأشياءِ على القلبِ ، كما رُويَ أنَّ موسىُ عليهِ السلامُ
لمَّا كَلَّمَهُ رُّهُ .. مكثَ دهراً لا يسمعُ كلامَ أحدٍ مِنَ الناسِ إلا أخذَهُ
الغشيانُ(٣) ؛ لأنَّ الحبَّ يُوجبُ عذوبةَ كلام المحبوبِ وعذوبةَ ذكرِهِ ،
فيخرجُ مِنَ القلبِ عذوبةً ما سواهُ .
ولذلكَ قالَ بعضُ الحكماءِ في دعائِهِ : ( يا مَنْ آنسَني بذكرِهِ ، وأوحشَني
مِنْ خلقِهِ )(٤) .
وقالَ اللهُ عزَّ وجلَّ لداوودَ عليهِ السلامُ : كُنْ لي مشتاقاً، وبي مستأنساً ،
ومِنْ سوايَ مستوحشاً)(٥).
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص١١٠).
(٢)
رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠/٨).
(٣) في (ع، ص): (أخذه الغثيان) بدل ( أخذه الغشيان ) .
(٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٠ / ١٠٧).
(٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ١٠٧/١٠).
٥
١

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
كن
وقيلَ لرابعةً : بِمَ نلتِ هذهِ المنزلةَ ؟ قالَتْ : بتركي ما لا يعنيني ،
وأُنسي بمَنْ لمْ يزلْ(١).
وقالَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ : مررتُ براهبٍ فقلتُ لهُ : يا راهبُ ؛ لقدْ
أعجبَتْكَ الوحدةُ؟ فقالَ: يا هذا، لوْ ذقتَ حلاوةَ الوحدةِ .. لاستوحشتَ
إليها مِنْ نفسِكَ ، الوحدةُ رأسُ العبادةِ ، قلتُ : يا راهبُ ؛ ما أقلُّ ما تجدُ
في الوحدةِ ؟ قالَ : الراحةُ مِنْ مداراةِ الناسِ ، والسلامةُ مِنْ شرِّهِمْ ، قلتُ :
يا راهبُ ؛ مثَّى يذوقُ العبدُ حلاوةَ الأنسِ باللهِ تعالى؟ قالَ : إذا صفا الوُدُّ ،
وخلصَتِ المعاملةُ ، قلتُ : ومتى يصفُو الودّ ؟ قالَ : إذا اجتمعَ الهِمُّ فصارَ
همّاً واحداً في الطاعةِ(٢).
وقالَ بعضُ الحكماءِ : عجباً للخلائقِ كيفَ أرادوا بكَ بدلاً ! عجباً
للقلوبِ كيفَ استأنسَتْ بسواكَ عنكَ !
فإنْ قلتَ : فما علامةُ الأنسِ ؟
فاعلمْ : أَنَّ علامتَهُ الخاصَّةَ ضيقُ الصدرِ مِنْ معاشرةِ الخلقِ ، والتبرُمُ
بِهِمْ، واستهتارُهُ بعذوبةِ الذكرِ ، فإنْ خالطَ .. فهوَ كمنفردٍ في جماعةٍ ،
ومجتمع في خلوةٍ ، وغريبٍ في حضرٍ ، وحاضرٍ في سفرٍ ، وشاهدٍ في
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٧/١٠).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) ( ١٠٧/١٠).
٥١٢
٠٠٠٠

ربع المنجيات
ےے
كتاب المحبة والشوق
غيبةٍ ، وغائبٍ في حضورِ ، مخالط بالبدنِ منفردٌ بالقلبِ ، مستغرقٌ بعذوبةٍ
الذكرِ ، كما قالَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ في وصفِهِمْ: ( هُمْ قومٌ هجمَ بهِمُ العلمُ
على حقيقةِ الأمرِ ، فباشروا روحَ اليقينِ ، واستلانوا ما استوعرَ المترفونَ ،
وأنسوا بما استوحشَ منهُ الجاهلونَ، صحبوا الدنيا بأبدانٍ أرواحُها معلقةٌ
بالمحلِّ الأعلى ، أولئكَ خلفاءُ اللهِ في أرضِهِ ، والدعاةُ إلى دينِهِ)(١) .
فهذا معنى الأنس باللهِ ، وهذهِ علامتُهُ ، وهذهِ شواهدُهُ .
وقدْ ذهبَ بعضُ المتكلِّمينَ إلى إنكارِ الأنسِ والشوقِ والحبِّ ؛ لظنِّهِ أَنَّ
ذلكَ يدلُّ على التشبيهِ ، وجهلِهِ بأنَّ جمالَ المدركاتِ بالبصائرِ أكملُ مِنْ
جمالِ المبصراتِ ، ولذَّةَ معرفتِها أغلبُ على ذوي القلوبِ ، ومنهُمْ
أحمدُ بنُ غالبٍ ، ويُعرفُ بغلام الخليلِ ، أنكرَ على الجنيدِ وعلى
أبي الحسينِ النوريِّ والجماعةِ حديثَ الحبِّ والشوقِ والعشقِ(٢)، حتَّى
أنكرَ بعضُهُمْ مقامَ الرضا وقالَ : ليسَ إلا الصبرَ ، فأمَّا الرضا .. فغيرُ
متصوَّرِ، وهذا كلَّهُ كلامُ ناقصٍ قاصرٍ ، لمْ يطلعْ مِنْ مقاماتِ الدينِ إلا على
القشورِ ، فظنَّ أَنَّهُ لا وجودَ إلا للقشرِ ، فإنَّ المحسوساتِ وكلَّ ما يدخلُ في
الخيالِ في طريقِ الدينِ قشرٌ مجرَّدٌ، ووراءَهُ اللبُّ المطلوبُ، فمَنْ لمْ يصلْ
مِنَ الجوزِ إلا إلى قشرِهِ .. يظنُّ أنَّ الجوزَ خشبٌ كلُّهُ، ويستحيلُ عندَهُ خروجُ
(١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٣١١).
(٢) قوت القلوب (٦٤/٢)، وفتنته تعرف بمحنة الصوفية، حتى رُفع أمرهم إلى القتل،
وتقدم تعليقاً ذكر قصتهم، وانظر («الحلية)) ( ٢٥٠/١٠).
٥١٣
........
0

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
الدهن منهُ لا محالةَ، وهو معذورٌ، ولكنَّ عذرَهُ غيرُ مقبولٍ ، وقدْ
قيلَ(١) :
[من البسيط]
وَلَيْسَ يُدْرِكُهُ بِالْحَوْلِ مُحْتَالُ
الأُنْسُ باللهِ لا يَحْوِيهِ بَطَّالُ
وَكُلُّهُمْ صَفْوَةٌ للهِ عُمَّالُ
وآَلْآنِسُونَ رِجالٌ كُلُّهُمْ نُجُبٌ
(١) قوت القلوب (٦٤/٢) عن بعض العارفين.
٥١٤
-

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
بيان معنى الانبساط والإدلال الذي تشمره غلية الأنس
اعلمْ : أَنَّ الأنسَ إذا دامَ وغلبَ واستحكمَ ، ولمْ يشوشْهُ قلقُ الشوقِ ،
ولمْ ينغصْهُ خوفُ التغيُّرِ والحجابِ . . فإنَّهُ يثمرُ نوعاً مِنَ الانبساطِ في الأقوالِ
والأفعالِ والمناجاةِ معَ اللهِ تعالى ، وقدْ يكونُ منكرَ الصورةِ لما فيهِ مِنَ
الجراءةِ وقلَّةِ الهيبةِ، ولكنَّهُ محتملٌ ممَّنْ أُقيمَ في مقام الأنسِ ، ومَنْ لمْ يقمْ
في ذلكَ المقام ، ويتشبّهْ بِهِمْ في الفعلِ والكلام .. هلكَ بهِ وأشرفَ على
الكفرِ .
ومثالُهُ : مناجاةُ بُرْخ الأسودِ الذي أمرَ اللهُ تعالى كليمَهُ موسى عليهِ السلامُ
أن يسألَهُ ليستسقيَ لبني إسرائيلَ بعدْ أنْ قحطوا سبعَ سنينَ ، وخرجَ موسى
عليهِ السلامُ يستسقي لهُمْ في سبعينَ ألفاً، فأوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إليهِ : كيفَ
أستجيبُ لهُمْ وقدْ أظلمَتْ عليهِمْ ذنوبُهُمْ، سرائرُهُمْ خبيئةٌ ، يدعونَني على
غيرِ يقينٍ ، ويأمنونَ مكري، ارجع إلى عبدٍ مِنْ عبادي يُقالُ لهُ: بُرْغٌ ، فقلْ
لهُ يخرجُ حتَّى أستجيبَ لهُ، فسألَ عنهُ موسى عليه السلامُ، فلمْ يُعرفْ ،
فبينا موسى ذاتَ يومٍ يمشي في طريقٍ إذا بعبدٍ أسودَ قدِ استقبلَهُ بينَ عينيهِ ترابٌ
مِنْ أثرِ السجودِ ، في شملةٍ قدْ عقدَها على عنقِهِ ، فعرفَهُ موسىُ عليهِ السلامُ
بنورِ اللهِ عزَّ وجلَّ، فسلَّمَ عليه وقالَ لهُ : ما اسمُكَ ؟ فقالَ : اسمي بُرْخٌ ،
قالَ : فَأَنتَ طَلِبَتُنا منذُ حينٍ ، اخرجْ فاستسقِ لنا ، فخرجَ ، فقالَ في
كلامِهِ : ما هذا مِنْ فعالِكَ! ولا هذا مِنْ حلمِكَ! وما الذي بدا لكَ ؟!
٥١٥
٥
حن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
حن
أنقصَتْ عليك عيونُكَ؟!(١) أمْ عاندَتِ الرياحُ عنْ طاعتِكَ ؟! أمْ نفدَ
ما عندَك ؟! أم اشتدَّ غضبُكَ على المذنبينَ ؟! ألستَ كنتَ غفّاراً؟! قبلَ خلقٍ
الخطّائينَ خلقتَ الرحمةَ، وأمرتَ بالعطفِ ، أمْ ترينا أنَّكَ ممتنعٌ ؟! أمْ
تخشى الفوتَ فتعجلَ بالعقوبةِ؟! قالَ: فما برحَ حتَّى اخضلَّتْ بنو إسرائيلَ
بالقطرِ ، وأنبتَ اللهُ تعالى العشبَ في نصفِ يوم حتَّى بلغَ الرُّكَبَ ، قَالَ :
فرجعَ بُرْخٌ ، فاستقبلَهُ موسى عليهِ السلامُ فقالَ : كيفَ رأيتَ حينَ خاصمتُ
ربِّي كيفَ أنصفَني ، فهمَّ بهِ موسى عليهِ السلامُ، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ : إنَّ
بُرْخاً يضحكُني كلَّ يومٍ ثلاثَ مرَّاتٍ(٢).
وعنِ الحسنِ قالَ : احترقَتْ أخصاصٌ بالبصرةِ ، فبقيَ في وسطِها خصٌّ لِمْ
يحترقْ ، وأبو موسى يومئذٍ أميرُ البصرةِ ، فَأُخبرَ بذلكَ ، فبعثَ إلى صاحبٍ
الخُصِّ ، قالَ: فأُتيَ بشيخ ، فقالَ: يا شيخُ؛ ما بالُ خُصِّكَ لمْ يحترقْ ؟
قالَ : إنِّي أقسمتُ على ربِّي عزَّ وجلَّ ألا يحرقَهُ ، فقالَ أبو موسى رضيَ اللهُ
عنهُ: إنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ((يكونُ في أَمَّتي قومٌ
شعئةٌ رؤوسُهُمْ دنسةٌ ثيابُهُمْ لَوْ أقسموا على اللهِ .. لأبرَّهُمْ))(٣).
(١) في (ب): ( أنقضت عليك عهودك)، وفي ((القوت)) (٦٥/٢): ( غيوثك ) وهي
كذلك في ( ف ) .
(٢) يشير إلى أنه من ضنائن أوليائه. ((إتحاف)) (٦٤١/٩)، والخبر عند صاحب
((القوت)) (٦٥/٢) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الأولياء)» (٤٢)، والمرفوع من حديثه عند الديلمي في (( مسند
الفردوس)» (٨٥٧٨)، ولفظ المصنف عند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٥٩٢).
٥١٦
١

ربع المنجيات
حو
كتاب المحبة والشوق
قالَ : ووقعَ حريقٌ بالبصرةِ ، فجاءَ أبو عبيدةَ الخوَّاصُ فجعلَ يتخطَّى
النارَ ، فقالَ لهُ أميرُ البصرةِ : انظرْ، لا تحترقْ بالنارِ ، فقالَ : إنِّي أقسمتُ
علىُ ربِّي عزَّ وجلَّ ألا يحرقَني بالنارِ ، قالَ : فاعزمْ عليها أنْ تطفأَ ، قالَ :
فعزمَ عليها ، فطفئَتْ(١).
وكانَ أبو حفصٍ يمشي ذاتَ يومٍ، فاستقبلَهُ رستاقيٌّ مدهوشٌ، فقالَ لهُ
أبو حفصٍٍ : ما أصابَكَ ؟ فقالَ : ضلَّ حماري ولا أملكُ غيرَهُ، قالَ :
فوقفَ أبو حفصٍ وقالَ : وعزَّتِكَ لا أخطو خطوةً ما لمْ تردَّ عليهِ حمارَهُ ،
قالَ : فظهرَ الحمارُ في الوقتِ، ومرَّ أبو حفصٍ رحمَهُ اللهُ(٢).
فهذا وأمثالُهُ يجري لذوي الأنسِ وليسَ لغيرِهِمْ أن يتشبَّهَ بِهِمْ .
قالَ الجنيدُ رحمهُ اللهُ: ( أهلُ الأنسِ يقولونَ في كلامِهِمْ ومناجاتِهِمْ في
خلواتِهِمْ أشياءَ هيَ كفرٌ عندَ العامَّةِ )، وقال مرَّةً: ( لو سمعَها العمومُ ..
الكفَّروهُمْ) ، وهمْ يجدونَ المزيدَ في أحوالِهِمْ بذلكَ، وذلكَ محتمَلٌ منهُمْ
ويليقُ بِهِمْ ، وإليهِ أشارَ القائلُ :
[من البسيط]
والْعَبْدُ يَزْهُو عَلَى مِقْدَارِ مَؤْلاهُ
قَوْمٌ تَخالُجُهُمْ زَهْوٌ بِسَيِّدِهِمْ
يا حُسْنَ رُؤْيَتِهِمْ في عزِّ ما تاهُوا
تاهُوا بِرُؤْيَتِهِ عَمَّا سِواهُ لَهُ
(١) أورده الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٥٩٢).
(٢) رواه الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص٥٩٣).
CG
٥١٧
'.،

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ولا تستبعدَنْ رضاهُ عنِ العبدِ بما يغضبُ بهِ على غيرِهِ مهما اختلفَ
مقامُهُما ، ففي القرآنِ تنبيهاتٌ على هذهِ المعاني لوْ فطنتَ وفهمتَ ، فجميعُ
قصصِ القرآنِ تنبيهاتٌ لأولي البصائرِ والأبصارِ ؛ حتَّى ينظروا إليها بعينٍ
الاعتبارِ ، وإنَّما هيَ عندَ ذوي الاغترارِ مِنَ الأسمارِ .
فأوَّلُ القصصِ قصَّةُ آدَمَ عليهِ السلامُ وإبليسَ ، أما تراهُما كيفَ اشتركا في
اسم المعصيةِ والمخالفةِ، ثُمَّ تباينا في الاجتباءِ والعصمةِ ؛ أما
إبليسُ .. فأبلسَ منْ رحمةِ اللهِ(١) ، وقيلَ: إنَّهُ مِنَ المبعدينَ. وأمَّا آدمُ عليهِ
** ثُمَّ أَخْبَهُ رَبُّهُ فَابَ عَلَيْهِ
السلامُ .. فقيلَ فيهِ: ﴿وَعَصَ ءَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى
وَهَدَى﴾ .
وقد عاتبَ اللهُ تعالى نبيَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في الإعراضِ عنْ عبد
والإقبالِ على عبدٍ وهما في العبوديّةِ سيَّانِ ، ولكنْ في الحالِ مختلفانٍ ،
فقالَ: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَ يَسْعَىِّ :﴿ُ: وَهُوَ يَخْشَى الْهَ فَأَنْتَ عَنَّهُ نَهَى﴾، وقالَ في الآخرِ :
﴿أَمَّا مَنِ أُسْتَغْىٌّ لَهُ فَأَنْتَ لَمُ تَصَدَّىَ﴾.
وكذلك أمرَهُ بالقعودِ معَ طائفةٍ فقالَ: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ إِنَايَِنَا
فَقُلْ سَلَمَّ عَلَيْكُمْ﴾، وأمرَهُ بالإعراضِ عنْ غيرِهِمْ فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ
يَخُوضُونَ فِىّ ءَايَغِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ حتى قالَ: ﴿فَلَ نَفْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ الْقَوْمِ
كن شن حن حن من حن
(١) أبلس هنا : يئس .
٥١٨
لازر

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
اُلََّلِينَ﴾، وقال تعالى ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ
وَاَلْعَشْتِ﴾ .
فكذا الانبساطُ والإدلالُ يُحتملُ مِنْ بعضِ العبادِ دونَ بعضٍ .
فمِنِ انبساطِ الأنسِ قولُ موسى عليه السلامُ: ﴿ إِنْ هِىَ إِلَّا فِذْفَئُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن
تَشَاءُ وَتَهْدِى مَن تَّشَآءُ﴾، وقولُهُ في التعلُّلِ والاعتذارِ لمَّا قِيلَ لهُ: اذهبْ إلى
فرعونَ، فقالَ: ﴿وَهُمْ عَلَىَّ ذَنْبٌ﴾ وقولُهُ: ﴿إِنَّ أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ : ﴿ وَيَضِيقُ
صَدْرِى وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِ﴾، وقولُهُ: ﴿ إِنََّا غَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أن يَطْغَى﴾،
وهذا مِنْ غيرِ موسى عليه السلامُ مِنْ سوءِ الأدبِ ؛ لأنَّ الذي أُقيمَ مقامَ
الأنسِ يُلاطفُ ويُحتملُ .
ے
ولمْ يُحتملْ ليونسَ عليهِ السلامُ ما دونَ هذا لما أُقيمَ مقامَ القبضِ
والهيبةِ ، فَعُوقبَ بالسجنِ في بطنِ الحوتِ في ظلماتٍ ثلاثٍ ، ونُوديَ عليهِ
إلىْ يومِ الحشرِ: ﴿لَوْلاً أَنْ تَدَرَّكَمُ نِعْمَةُ مِّن رَّيِّهِ، لَهُذَ بِالْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾، قالَ
الحسنُ: ( العراءُ: هوَ القيامةُ)(١)، ونُهِيَ نبِيُنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
أن يقتديَ بهِ وقيلَ لهُ: ﴿فَضِرْ لِمَكْرِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبٍ أَلْمُتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ
مَكُومٌ﴾ .
وهذهِ الاختلافاتُ بعضُها لاختلافِ الأحوالِ والمقاماتِ ، وبعضُها لما
(١) ولفظ ((القوت)) (٢ /٦٤) - والسياق له -: (وقيل : عراء القيامة).
٥١٩

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
سبقَ في الأزلِ مِنَ التفاضلِ والتفاوتِ في القسمةِ بينَ العبادِ ، وقدْ قالَ
تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيْكِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾، وقالَ: ﴿مِنْهُم مَّن كَلَّمَ اَللَّهُ وَرَفَعَ
بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾، فكانَ عيسى عليهِ السلامُ مِنَ المفضَّلينَ، ولإدلالِهِ سلَّمَ
على نفسِهِ فقالَ : ﴿ وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلٌِّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾،
وهذا انبساطُ منهُ لما شاهدَ مِنَ اللطفِ في مقام الأنسِ ، وأمَّا يحيى بن زكريا
عليهما السلامُ .. فإنَّهُ أُقيمَ مقامَ الهيبةِ والحياءِ ، فلمْ ينطقْ حتَّى أثنىُ عليهِ
خالقُهُ فقالَ: ﴿ وَسَلَمُّ عَلَيْهِ﴾ .
وانظرْ كيفَ احتملَ لإخوةِ يوسفَ عليهِ السلامُ ما فعلوهُ بيوسفَ ، وقدْ
قالَ بعضُ العلماءِ : ( قدْ عددتُ مِنْ أَوَّلِ قولِهِ تعالى: ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ
وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا﴾ إلى رأسِ العشرينَ مِنْ إخبارِهِ تعالى عنْ زهدِهِمْ فيهِ
نيفاً وأربعينَ خطيئةٌ ، بعضُها أكبرُ مِنْ بعضٍ ، وقدْ يجتمعُ في الكلمةِ الواحدةِ
الثلاثُ والأربعُ ، فغفرَ لَهُمْ وعفا عنهُمْ ، ولمْ يحتملْ لعزيرٍ مسألةً واحدةً
سألَ عنها في القدرِ ، حتَّى قيلَ: مُحيَ مِنْ ديوانِ النبوَّةِ)(١).
وكذلكَ كانَ بلعمُ بن باعوراءَ مِنْ أكابرِ العلماءِ ، فأكلَ الدنيا بالدينِ ،
(١) سؤال عزير رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٦/ ٥٠) عن أبي عمران الجوني عن نوف
قال : قال عزير فيما يناجي ربه عز وجل : تخلق خلقاً ؛ فتضل وتهدي من تشاء ،
قال : فقيل : يا عزير ؛ أعرض عن هذا ، لتعرضن عن هذا أو لأمحونك من النبوة ،
لا أسأل عما أفعل وهم يسألون .
حر
٥٢٠