Indexed OCR Text
Pages 401-420
ربع المنجيات ــوعـ كتاب المحبة والشوق حر حر : فإذاً ؛ الجميلُ محبوبٌ، والجميلُ المطلقُ هوَ الواحدُ الذي لا ندَّ لهُ ، الفردُ الذي لا ضدَّ لهُ ، الصمدُ الذي لا منازعَ لهُ، الغنيُّ الذي لا حاجةَ لهُ ، القادرُ الذي يفعلُ ما يشاءُ ويحكمُ ما يريدُ ، لا رادَّ لحكمِهِ ، ولا معقِّبَ لقضائِهِ ، العالمُ الذي لا يعزبُ عنْ علمِهِ مثقالُ ذرَّةٍ في السماواتِ والأرضِ ، القاهرُ الذي لا يخرجُ عنْ قبضةِ قدرتِهِ أعناقُ الجبابرةِ ، ولا ينفلتُ مِنْ سطوتِهِ وبطشِهِ رقابُ القياصرةِ ، الأزليُّ الذي لا أوَّلَ لوجودِهِ ، الأبديُّ الذي لا آخرَ لبقائِهِ ، الضروريُّ الوجودِ الذي لا يحومُ إمكانُ العدم حولَ حضرتِهِ ، القُّومُ الذي يقومُ بنفسِهِ ويقومُ كلُّ موجودٍ بهِ ، جَبَّارُ الأرضِ والسماواتِ ، خالقُ الجمادِ والحيوانِ والنباتِ، المنفردُ بالعزَّةِ والجبروتِ ، المتوحِّدُ بالملكِ والملكوتِ ، ذو الفضْلِ والجلالِ ، والبهاءِ والجمالِ ، والقدرةِ والكمالِ ، الذي تتحيَّرُ في معرفةِ جلالِهِ العقولُ ، وتخرسُ في وصفِهِ الألسنةُ ، الذي كمالُ معرفةِ العارفينَ الاعترافُ بالعجزِ عنْ معرفتِهِ ، ومنتهى نبوّةِ الأنبياءِ الإقرارُ بالقصورِ عنْ وصفِهِ ، كما قالَ سيِّدُ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهِ وعليهِمْ أجمعينَ: (( لا أحصي ثناءً عليكَ، أنتَ كما أثنيتَ على نفسِكَ))(١)، وقالَ سيِّدُ الصدِّيقينَ رضيَ اللهُ عنهُ: ( سبحانَ مَنْ لمْ يجعلْ للخلقِ طريقاً إلى معرفتِهِ إلا بالعجزِ عنْ معرفتِهِ )(٢) ، فالعجزُ عنْ درْكِ الإدراكِ إدراكٌ . چممر % (١) رواه مسلم ( ٤٨٦). (٢) الرسالة القشيرية (ص ٤٩٥). ٤٠١ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات فليتَ شعري مَنْ ينكرُ إمكانَ حبِّ اللهِ تعالى تحقيقاً ويجعلُهُ مجازاً .. أينكرُ أنَّ هذهِ الأوصافَ هيَ مِنْ أوصافِ الجمالِ والمحامدِ ، ونعوتِ الكمالِ والمحاسنِ ، أوْ ينكرُ كونَ اللهِ تعالى موصوفاً بها ، أوْ ينكرُ كونَ الكمالِ والجمالِ والبهاءِ والعظمةِ محبوباً بالطبع عندَ مَنْ أدركَهُ ؟! فسبحانَ مَنِ احتجبَ عنْ بصائرِ العميانِ غیرةً على جمالِهِ وجلالِهِ أنْ يطلعَ عليهِ إلا مَنْ سبقَتْ لهُ منهُ الحسنى ! الذينَ هُمْ عنْ نارِ الحجابِ مبعدونَ ، وتركَ الخاسرينَ في ظلماتِ العمىُّ يتيهونَ ، وفي مسارحِ المحسوساتِ وشهواتِ البهائمِ يتردّدونَ ، يعلمونَ ظاهراً مِنَ الحياةِ الدنيا ، وهُمْ عنِ الآخرةِ هُمْ غافلونَ ، الحمدُ للهِ ، بلْ أكثرُهُمْ لا يعلمونَ . والحبُّ بهذا السببِ(١) أقوى مِنَ الحبِّ بالإحسانِ؛ لأنَّ الإحسانَ يزيدُ وينقصُ ، ولذلكَ أوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ السلامُ: (إنَّ أوذَّ الأودَّاءِ إليَّ مَنْ عبدَني بغيرِ نوالٍ، لكنْ ليُعطيَ الربوبيَّةَ حقَّها)(٢) . وفي الزبورِ : ( مَنْ أظلمُ ممَّنْ عبدَني لجنَّةٍ أَوْ نارٍ ، لوْ لمْ أخلقْ جنَّةً ولا ناراً .. ألمْ أكنْ أهلاً أنْ أُطاعَ؟! )(٣). ومرَّ عيسى عليهِ السلامُ على طائفةٍ مِنَ العبَّادِ قدْ نحلوا ، فقالوا : نخافُ ـم (١) التعرف على صفات الكمال المطلق للذات الأحدية ، مع الإقرار بالعجز المطلق عن دركها . ـحن (٢) قوت القلوب ( ٥٦/٢). (٣) قوت القلوب (٥٦/٢) . ٤٠٢ ـنة ربع المنجيات النارَ ونرجو الجنَّةَ، فقالَ لهُمْ: مخلوقاً خفتُمْ ومخلوقاً رجوتُمْ، ومرَّ بقوم م كتاب المحبة والشوق ھے آخرينَ كذلكَ، فقالوا : نعبدُهُ حبّاً لهُ وتعظيماً لجلالِهِ ، فقالَ: أنتُمْ أولياءُ اللهِ حقّاً، معَكُمْ أُمرتُ أنْ أقيمَ (١) . وقالَ أبو حازم : ( إنِّي لأستحيي أنْ أعبدَهُ للثوابِ والعقابِ ، فأكونَ كالعبدِ السوءِ؛ إنْ لمْ يخفْ .. لمْ يعملْ، وكالأجيرٍ السوءِ؛ إنْ لمْ يُعطَ .. لمْ يعملْ)(٢). حن وفي الخبرِ: (( لا يكونَنَّ أحدُكُمْ كالأجيرِ السوءِ؛ إنْ لمْ يُعطَ أجراً .. لمْ يعملْ، ولا كالعبدِ السوءِ؛ إنْ لمْ يخفْ .. لمْ يعملْ))(٣). 0 وأمَّا السببُ الخامسُ للحبِّ : فهوَ المناسبةُ والمشاكلةُ : لأنَّ شبهَ الشيءِ منجذبٌ إليهِ ، والشكلُ إلى الشكلِ أميلُ ، ولذلكَ ترى الصبيَّ يألفُ الصبيَّ، والكبيرَ يألفُ الكبيرَ ، ويألفُ الطيرُ نوعَهُ، وينفرُ مِنْ (١) كذا في ((القوت)) (٥٦/٢)، وروى أبو نعيم في «الحلية» (٨/١٠) نحوه . (٢) كذا في ((القوت)) (٥٦/٢)، ورواه أبو نعيم في « الحلية)» (٢٤٢/٣) بنحوه، وقد رواه عن حكيم من الحكماء ابنُ المبارك في (( الزهد)) (٢١٩) وفيه زيادة: ( ولكن يستخرج مني حب ربي عز وجل ما لم يستخرج مني غيره) . (٣) كذا في ((القوت)) (٥٦/٢)، حيث قال بعد إيراده لكلام أبي حازم المدني: ( وقد روينا معنى هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يكون أحدكم كالعبد السوء؛ إن خاف .. عمل، ولا كالأجير السوء؛ إن لم يعط أجراً .. لم يعمل)")، وقال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٩ /٥٦٧). ٤٠٣ جم كتاب المحبة والشوق نجوم ربع المنجيات G غيرِ نوعِهِ ، وأنسُ العالمٍ بالعالمِ أكثرُ منهُ بالمحترفِ، وأنسُ النجَّار بالنجار أكثرُ مِنْ أَنسِهِ بالفلاح، وهذا أمرٌ تشهدُ بهِ التجربةُ، وتشهدُ لهُ الأخبارُ والآثارُ كما استقصيناهُ في بابِ الأخوّةِ في اللهِ مِنْ كتابِ آدابِ الصحبةِ ، فلیطلب منهُ . وإذا كانَتِ المناسبةُ سببَ التحابِّ .. فالمناسبةُ قَدْ تكونُ في معنىّ ظاهرٍ ؛ كمناسبةِ الصبيِّ الصبيَّ في معنى الصبا ، وقدْ يكونُ خفيّاً حتَّى لا يُطلعُ عليهِ ؛ كما ترىُ مِنَ الاتحادِ الذي يتفقُ بينَ شخصينٍ مِنْ غيرِ ملاحظةٍ جمالٍ ، أوْ طمع في مالٍ أوْ غيرِهِ ، كما أشارَ إليهِ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذْ قالَ: ((الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ، فما تعارفَ منها .. ائتلفَ، وما تناكرَ منها .. اختلفَ))(١)، والتعارفُ هوَ التناسبُ، والتناكرُ هوَ التباينُ(٢). وهذا السببُ أيضاً يقتضي حبَّ اللهِ تعالى لمناسبةٍ باطنةٍ لا ترجعُ إلى المشابهةِ في الصورِ والأشكالِ ، بلْ إلى معانٍ باطنةٍ يجوزُ أنْ يُذكرَ بعضُها في الكتبِ ، وبعضُها لا يجوزُ أنْ يُسطرَ ، بلْ يُتركُ تحتَ غطاءِ الغيرةِ حتَّى يعثرَ عليهِ السالكونَ للطريقِ إذا استكملوا شرطَ السلوكِ . فالذي يُذكرُ هوَ قربُ العبدِ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ في الصفاتِ التي أُمرَ فيها (١) رواه مسلم (٢٦٣٨) . (٢) أي: ما تناسب منها في عالم الأزل .. حصل بينهما الائتلاف في عالم الشهادة ، وما تباين هناك .. أوجب حصول الاختلاف ههنا. ((إتحاف)) (٥٦٨/٩). ـجن ٤٠٤ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق حر بالاقتداءِ والتخلُّقِ بأخلاقِ الربوبيَّةِ، حتَّى قيلَ: ( تخلَّقوا بأخلاقِ اللهِ)(١)، وذلكَ في اكتسابِ محامدِ الصفاتِ التي هيَ مِنْ صفاتِ الإلهيةِ ؛ مِنَ العلمِ ، والبرِّ ، والإحسانِ ، واللطفِ ، وإفاضةِ الخيرِ والرحمةِ على الخلقِ ، والنصيحةِ لهُمْ ، وإرشادِهِمْ إلى الحقِّ، ومنعِهِمْ مِنَ الباطلِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ مكارمِ الشريعةِ، فكلُّ ذلكَ يقرِّبُ إلى اللهِ سبحانَهُ وتعالى، لا بمعنى طلبِ القربِ بالمكانِ ، بَلْ بالصفاتِ . وأمَّا ما لا يجوزُ أنْ يُسطرَ في الكتبِ مِنَ المناسبةِ الخاصَّةِ التي اختُصَّ بها الآدميُّ .. فهيَ التي يومىُ إليها قولُهُ تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ﴾، إذْ بيَّنَ أنَّهُ أمرٌ ربَّانِيٌّ خارجٌ عنْ حدِّ عقولِ الخلقِ . وأوضحُ مِنْ ذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِى﴾، ولذلكَ أسجدَ لهُ ملائكتهُ . ويشيرُ إليهِ قولُهُ تعالى: ﴿يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ﴾ إذْ لمْ يستحقَّ آدمُ خلافةَ اللهِ تعالى إلا بتلكَ المناسبةِ(٢). وإليهِ يرمزُ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ خلقَ آدَمَ على سسـ (١) إذ روى ابن أبي الدنيا في ((مكارم الأخلاق)) (٢٧) من حديث عثمان رضي الله عنه مرفوعاً: (( لله مئة وسبعة عشر خلقاً، من جاء بخلق منها .. أدخله الله الجنة))، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿كُونُواْرَبِّنْنَ﴾. (٢) لأنه أنموذج من نور الله تعالى ، ولا يخلو الأنموذج عن محاكاة ، وإن كان لا يرقى إلى ذروة المساواة، وهذا ربما هزَّك للتفطن لسرّ الآية. ((إتحاف)) (٥٦٨/٩). ٤٠٥ حن ے كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات صورتِهِ))(١)، حتَّى ظنَّ القاصرونَ أنْ لا صورةَ إلا الصورةُ الظاهرةُ المدركةُ بالحواسِّ ، فشبَّهوا وجسَّموا وصوَّروا ، تعالى اللهُ رُّ العالمينَ عمَّا يقولُ الجاهلونَ علوّاً كبيراً . وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالىُ لموسى عليهِ السلامُ : مرضتُ فلمْ تعدْني ، فقالَ: يا ربِّ؛ وكيفَ ذلكَ ؟ قالَ : مرضَ عبدي فلانٌ فلمْ تعدْهُ ، ولوْ عدتَةُ .. لوجدتني عندَهُ(٢). وهذهِ المناسبةُ لا تظهرُ إلا بالمواظبة على النوافلِ بعدَ إحكامِ الفرائضِ ؛ كما قالَ اللهُ تعالى: ((ولا يزالُ العبدُ يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتَّى أحبَّهُ ، فإذا أحببتُهُ .. كنتُ سمعَهُ الذي يسمعُ بهِ ، وبصرَهُ الذي يبصرُ بهِ ، ولسانَهُ الذي ینطقُ بهِ )) . وهذا موضعٌ يجبُ قبضُ عنانِ القلمِ فيهِ ، فقدْ تحزَّبَ الناسُ فيهِ : إلى قاصرينَ مالوا إلى التشبيهِ الظاهرِ ، وإلى غالينَ مسرفينَ جاوزوا حدَّ المناسبةِ إلى الاتحادِ وقالوا بالحلولِ، حتَّى قالَ بعضُهُمْ: ( أنا الحقُّ)، وضلَّ النصارى في عيسى عليهِ السلامُ فقالوا : ( هوَ الإلهُ)، وقالَ آخرونَ منهُمْ : (١) رواه مسلم ( ٢٦١٢ /١١٥). (٢) روى مسلم (٢٥٦٩) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (( إن الله عز وجل يقول يوم القيامة : يا بن آدم؛ مرضت فلم تعدني ، قال : يا رب ؛ كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده ، أما علمت أنك لو عدته .. لوجدتني عنده؟ ... )) الحديث . ٤٠٦ حن ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق ( تدرَّعَ الناسوتُ باللاهوتِ )، وقالَ آخرونَ: ( اتحدَ بهِ)(١). ٢٠٠ وأمَّا الذينَ انكشفَ لهمُ استحالةُ التشبيهِ والتمثيل ، واستحالةُ الاتحادِ والحلولِ، واتضحَ لهُمْ معَ ذلكَ حقيقةُ السرِّ .. فهُمُّ الأقلُّونَ، ولعلَّ أبا الحسينِ النوريَّ عنْ هذا المقام كانَ ينظرُ ؛ إذْ غلبَهُ الوجدُ في قولِ القائلِ: [من الكامل] لا زِلْتُ أَنْزِلُ مِنْ وِدَادِكَ مَنْزِلاً تَتَخَيَّرُ الأَلْبابُ عِنْدَ نُزُولِهِ فلمْ يزلْ يعدو في وجدِهِ على أجمةِ قصبٍ قدْ قُطعَتْ وبقيَتْ أصولُها ، حتَّى تشقَّقَتْ قدماهُ وتورَّمتا ، وماتَ مِنْ ذلكَ(٢). وهذا هوَ أعظمُ أسبابِ الحبِّ وأقواها ، وهوَ أعزُّها وأبعدُها وأقلُّها وجوداً . ٧٠٠ فهذهِ هيَ المعلومةُ مِنْ أسبابِ الحبِّ ، وجملةُ ذلكَ متظاهرةٌ في حقِّ اللهِ تعالى تحقيقاً لا مجازاً ، وفي أعلى الدرجاتِ لا في أدناها، فكانَ المعقولُ المقبولُ عندَ ذوي البصائرِ حبَّ اللهِ تعالى فقط، كما أنَّ المعقولَ الممكنَ عندَ العميانِ حبُّ غيرِ اللهِ تعالى فقطْ . ثمَّ كُّ مَنْ يحبُّ واحداً مِنَ الخلقِ بسببٍ مِنْ هذهِ الأسبابِ يُتصوَّرُ أنْ (١) تقدم هذا السياق للمصنف ، وقد ألح المصنف في معالجة هذه الأغلوطة في عدد من مؤلفاته؛ كـ ((المنقذ من الضلال)) (ص٧٠)، و((المقصد الأسنى)) (ص١٠٦)، و((ميزان العمل)) (ص٢٠٧)، و(( مشكاة الأنوار)) (ص ٤٢). (٢) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد)) (٣٤٢/٥)، والقشيري في (( الرسالة)) (ص٥٠٤)، وأورده الطوسي في ((اللمع)) (ص ٣٦٣). ٤٠٧ جن كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات ـترة يحبّ غيرَهُ لمشاركتِهِ إِيَّاهُ في السببِ ، والشركةُ نقصانٌ في الحبِّ ، وغضٌّ مِنْ كمالِهِ ، ولا ينفردُ أحدٌ بوصفٍ محبوبٍ إلا وقدْ يُوجدُ لهُ شريكٌ فِيهِ ، فإِنْ لمْ يُوجدْ .. فيمكنُ أنْ يُوجدَ ، إلا اللهَ تعالى، فإنَّهُ موصوفٌ بههذهِ الأوصافِ التي هيَ نهايةُ الجلالِ والكمالِ ، ولا شريكَ لهُ في ذلكَ وجوداً ، ولا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ ذلكَ إمكاناً ، فلا جرمَ لا يكونُ في حبِّهِ شركةٌ ، فلا يتطرّقُ النقصانُ إلى حبُّهِ ؛ كما لا تتطرّقُ الشركةُ إلى صفاتِهِ ، فهوَ المستحقُّ إذاً لأصلِ المحبةِ ولكمالِ المحبةِ استحقاقاً لا يُساهَمُ فيهِ أصلاً . G ٠٠٠ ٤٠٨ ربع المنجيات جـ كتاب المحبة والشوق بيان أَنْ أَجْلَّ اللّت وأعلاها معرفة الله تعالى والنّظر إلى وجهه الكريم وأنّ ل ◌ُصَوَّ أَن يُؤْثر عليها لذّةَ أَخْرِى إِلّا مَن ◌ُِم هذه اللّه اعلمْ : أَنَّ اللذاتِ تابعةٌ للإدراكاتِ ، والإنسانُ جامعٌ لجملةٍ مِنَ القوىُ والغرائزِ ، ولكلِّ قوةٍ وغريزةٍ لذةٌ ، ولذتُها في نيلها لمقتضى طبعِها الذي خُلقَتْ لهُ، فإنَّ هذهِ الغرائزَ ما رُكِّبَتْ في الإِنسانِ عبئاً ولا هزلاً، بلْ خُلقَتْ كلُّ قوَّةٍ وغريزةٍ لأمرٍ مِنَ الأمورِ هوَ مقتضاها بالطبع ، فغريزةُ الغضبِ خُلقَتْ للتشفِّي والانتقام ، فلا جرمَ لذَّتُها في الغلبةِ والانتقام الذي هوَ مقتضى طبعِها ، وغريزةُ شهوةِ الطعام مثلاً خُلقَتْ لتحصيلِ الغذاءِ الذي بهِ القوامُ ، فلا جرمَ لذَّتُها في نيلِ الغذاءِ الذي هوَ مقتضى طبعِها ، وكذلكَ لذَّهُ السمع والبصرِ والشمِّ في الإبصارِ والاستماع والاشتمام ، فلا تخلو غريزةٌ مِنْ هذهِ الغرائزِ عنْ ألمٍ ولذةٍ بالإضافةِ إلى مدركاتِها ؛ فكذلكَ في القلبِ غريزةٌ تُسمَّى النورَ الإلهيَّ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّيِّهِ﴾، وقدْ تُسمَّى العقلَ، وقدْ تُسمَّى البصيرةَ الباطنةَ، وقدْ تُسمَّى نورَ الإيمانِ واليقينِ(١)، ولا معنى للاشتغالِ بالأسامي ؛ فإنَّ الاصطلاحاتِ مختلفةٌ ، والضعيفُ يظنُّ أنَّ الاختلافَ واقعٌ في المعاني ؛ لأنَّ الضعيفَ :نيو (١) وكل ذلك تعبيرات عن عين في القلب منزهة عن نقائص العين الظاهرة. ((إتحاف)) ( ٩ /٥٧١ ) . ٤٠٩ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات حن يطلبُ المعانيَ مِنَ الألفاظِ، وهوَ عكسُ الواجبِ(١). فالقلبُ مفارقٌ لسائرِ أجزاءِ البدنِ بصفةٍ بها يدركُ المعانيَ التي ليسَتْ متخيَّلةً ولا محسوسةً ؛ كإدراكِهِ خلْقَ العالمٍ ، وافتقارَهُ إلى خالقٍ قدیٍ مدبٍِّ حكيمٍ ، موصوفٍ بصفاتٍ إلهيةٍ، ولنسمِ تلكَ الغريزةَ عقلاً ؛ بشرطِ ألا يُفهمَ مِنْ لفظِ العقلِ ما يُدركُ بهِ طرقُ المجادلةِ والمناظرةِ ، فقدِ اشْتَهرَ اسمُ العَقلِ بهذا، ولهذا ذقَّهُ بعضُ الصوفيةِ ، وإلا .. فالصفةُ التي فارقَ الإنسانُ بها البهائمَ ، وبها يدركُ معرفةَ اللهِ تعالى أعزُّ الصفاتِ ؛ فلا ينبغي أنْ تُذُمَّ ، وهذهِ الغريزةُ خُلقَتْ ليعلمَ بها حقائقَ الأمورِ كلّها ، فمقتضى طبعِها المعرفةُ والعلمُ ، وهيَ لذَّتُها ، كما أنَّ مقتضى طبع سائرِ الغرائزِ هوَ لذَّتُها . وليسَ يخفى أنَّ في العلم والمعرفةِ لذةً ، حتَّى إنَّ الذي يُنسبُ إلى العلمِ والمعرفةِ ولَوْ في شيءٍ خسيسٍ يفرحُ بهِ ، والذي يُنسبُ إلى الجهلِ ولَوْ في شيءٍ حقيرٍ يغتمُّ بهِ ، وحتَّى إنَّ الإنسانَ لا يكادُ يصبرُ عنِ التحدِّي بالعلمِ والتمدُّحِ بهِ في الأشياءِ الحقيرةِ ، فالعالمُ باللعبِ بالشطرنجِ على خسَّتِهِ لا يطيقُ السكوتَ فيهِ عنِ التعليمِ ، وينطلقُ لسانُهُ بذكرٍ ما يعلمُهُ ، وكلُّ ذلكَ الفرْطِ لذَّةِ العلمِ ، وما يستشعرُهُ مِنْ كمالِ ذاتِهِ بهِ ، فإنَّ العلمَ مِنْ أخصِّ صفاتِ الربوبيَّةِ ، وهي منتهى الكمالِ . حرة ٤٠ ولذلكَ يرتاحُ الطبعُ إذا أَثنيّ عليهِ بالذكاءِ وغزارةِ العلم ؛ لأنَّهُ يستشعرُ (١) فإن دائرة المعاني أوسع من دائرة الألفاظ ، فلا تكاد الألفاظ تحيط بها كما ينبغي . ((إتحاف)) (٩ /٥٧١) . ٠ ٤ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق حة عندَ سماع الثناءِ كمالَ ذاتِهِ وكمالَ علمِهِ ، فيعجبُ بنفسِهِ ويلتذُّ بهِ . ثمَّ ليسَ لذةُ العلمِ بالحراثَةِ والخياطةِ كِلذَّةِ العلمِ بسياسةِ الملكِ وتدبيرِ أمرِ الخلقِ ، ولا لذَّهُ العلمِ بالنحوِ والشعرِ كلذّةِ العلمِ باللهِ تعالى وصفاتِهِ وملائكتِهِ وملكوتِ السماواتِ والأرضِ ، بلْ لذّةُ العلمِ بقدْرِ شرفِ العلمِ ، وشرفُ العلمِ بقدْرٍ شرفِ المعلوم ، حتَّى إنَّ الذي يعرفُ بواطنَ أحوالِ الناسِ ويخبُّرُها .. يجدُ لهُ لذَّةً، وإنْ جهلَهُ .. يتقاضاهُ طبعُهُ أنْ يفحصَ عنهُ. فإِنْ علمَ بواطنَ أحوالِ رئيسِ البلدِ وأسرارَ تدبيرِهِ في رئاستِهِ .. كانَ ذلكَ ألذَّ عندَهُ وأطيبَ مِنْ علمِهِ بباطنِ حالِ فلاحٍ أَوْ حائكِ ، فإنِ اطلعَ على أسرارٍ الوزيرِ وتدبيرِهِ وما هوَ عازمٌ عليهِ في أمورِ الوزارةِ .. فهوَ أشهىُ عندَهُ وألذُّ مِنْ علمِهِ بأسرارِ الرئيسِ ، فإنْ كانَ خبيراً بباطنٍ أحوالِ الملكِ والسلطانِ الذي هوَ المستولي على الوزيرِ .. كانَ ذلكَ أطيبَ عندَهُ وألذَّ مِنْ علمِهِ بباطنِ أسرارِ الوزيرِ ، وكانَ تمُّحُهُ بذلكَ وحرصُهُ عليهِ وعلى البحثِ عنهُ أشدَّ، وحبُّهُ لهُ أكثرَ ؛ لأنَّ لذَّتَهُ فيهِ أعظمُ . فبهذا استبانَ أنَّ ألذَّ المعارفِ أشرفُها ، وشرفُها بحسَبِ شرفٍ المعلوم ، فإنْ كانَ في المعلوماتِ ما هوَ الأجلُّ والأكملُ والأشرفُ والأعظمُ .. فالعلمُ بهِ ألذُّ العلوم - لا محالةَ - وأشرفُها وأطيبُها. وليتَ شعري هلْ في الوجودِ شيءٌ أجلُّ وأعلى وأشرفُ وأكملُ وأعظمُ مِنْ خالقِ الأشياءِ كلِّها ، ومكمِّلِها ومرتِّبها ، ومُبدِئِها ومُعيدِها ، ومدبِّرِها ٤١١ ـن كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات ومزيِّنِها ؟ وهلْ يُتصوَّرُ أنْ تكونَ حضرةٌ في الملكِ والكمالِ والجمالِ والبهاءِ والجلالِ أعظمَ مِنَ الحضرةِ الربّانيَّةِ التي لا يحيطَ بمبادي جلالِها وعجائبٍ أحوالِها وصفُ الواصفينَ ؟! G فإنْ كنتَ لا تشكُّ في ذلكَ .. فلا ينبغي أنْ تشكّ في أنَّ الاطلاعَ على أسرارِ الربوبيّةِ والعلمَ بترتُّبِ الأمورِ الإلهيّةِ المحيطةِ بكلِّ الموجوداتِ .. هوَ أعلى أنواع المعارفِ والاطلاعاتِ وألذُّها وأطيبُها وأشهاها ، وأحرى ما تستشعرُ بهِ النفوسُ عندَ الاتصافِ بهِ كمالَها وجمالها ، وأجدرُ ما یعظمُ بهِ الفرحُ والارتياحُ والاستبشارُ . وبهذا تبيَّنَ أنَّ العلمَ لذيذٌ، وأنَّ ألذَّ العلوم العلمُ باللهِ تعالى وبصفاتِهِ وأفعالِهِ ، وتدبيرِهِ في مملكتِهِ مِنْ منتهى عرشِهِ إلى تخوم الأرضينَ ، فينبغي أنْ يعلمَ أنَّ لذَّةَ المعرفةِ أقوىُ مِنْ سائرِ اللذاتِ ؛ أعني : لذَّةَ الشهوةِ والغضبٍ ولذَّةَ سائرِ الحواسِّ الخمسِ ، فإنَّ اللذاتِ مختلفةٌ بالنوع أولاً ؛ كمخالفةِ لذَّةِ الوقاع للذةِ السماع ، ولذةِ المعرفةِ للذةِ الرئاسةِ ، وهيَ مختلفةٌ بالضعفِ والقوّةِ ؛ كمخالفةِ لذَّةِ الشَّبِقِ المغتلمِ مِنَ الجماع للذَّةِ الفاترِ الشهوةِ ، وكمخالفةِ لذَّةِ النظرِ إلى الوجهِ الجميلِ الفائقِ الجمالِ للذةِ النظرِ إلى ما دونَهُ في الجمالِ، وإنَّما تُعرفُّ أقوى اللذاتِ بأنْ تكونَ مُؤْثَرَةٌ على غيرِها ، فإنَّ المخيَّرَ بينَ النظرِ إلى صورةٍ جميلةٍ والتمتع بمشاهدتِها وبينَ استنشاقِ روائحَ طيبةٍ إذا اختارَ النظرَ إلى الصورةِ الجميلةِ .. عِلِمَ أنَّها ألذُّ عندَهُ مِنَ الروائح الطيبةِ ، وكذلكَ إذا حضرَ الطعامُ وقتَ الأكلِ واستمرَّ من ٤١٢ --- ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق اللاعبُ بالشطرنج على اللعبِ وتركَ الأكلَ .. فيعلمُ بهِ أنَّ لذةَ الغلبةِ في الشطرنج أقوىُ عندَهُ مِنْ لذةِ الأكلِ . فهذا معيارٌ صادقٌ في الكشفِ عنْ ترجيحِ اللذاتِ ، فنعودُ ونقولُ : اللذاتُ تنقسمُ إلى ظاهرةٍ ؛ كلذَّاتِ الحواسِّ الخمسِ ، وإلى باطنةٍ ؛ كلذَّةِ الرئاسةِ والغلبةِ والكرامةِ والعلمِ وغيرِها ؛ إذْ ليسَتْ هذهِ اللذَّهُ للعينِ ، ولا للأنفِ ، ولا للأذنِ ، ولا للمسِ ، ولا للذوقِ ، والمعاني الباطنةُ أغلبُ على ذوي الكمالِ مِنَ اللذاتِ الظاهرةِ فلوْ خُيِّرَ الرجلُ بينَ لذَّةِ الهريسةِ والدجاجِ المسمَّنِ واللوزينج وبينَ لذَّةِ الرئاسةِ وقهرِ الأعداءِ ونيلٍ درجةٍ الاستيلاءِ؛ فإنْ كانَ المخيَّرُ خسيسَ الهِمَّةِ، مَيِّتَ القلبِ ، شديدٌ النهمةِ(١) .. اختارَ الهريسةَ والحلاوةَ، وإنْ كانَ عاليَ الهمَّةِ، كاملَ العقلِ .. اختارَ الرئاسةَ، وهان عَليهِ الجوعُ والصبرُ عنْ ضرورةِ القوتِ أياماً كثيرةٌ ، فاختيارُهُ للرئاسةِ يدلُّ على أنَّها ألذُّ عندَهُ مِنَ المطعوماتِ الطيِّةِ . نعم ، الناقصُ الذي لمْ تكملْ معانيهِ الباطنةُ بعدُ ؛ كالصبيِّ، أوِ الذي ماتَتْ قواهُ الباطنةُ كالمعتوهِ . . لا يبعدُ أنْ يؤثرَ لذَّةَ المطعوماتِ على لذَّةِ الرئاسةِ ، وكما أنَّ لذَّةَ الرئاسةِ والكرامةِ أغلبُ اللذاتِ على مَنْ جاوزَ نقصانَ الصبا والعتهِ .. فلذةُ معرفةِ اللهِ تعالى ، ومطالعةِ جمالِ حضرةِ الربوبيّةِ ، والنظرِ إلى أسرارِ الأمورِ الإلهيةِ ألذُّمِنَ الرئاسةِ التي هيَ أعلى اللذاتِ الغالبةِ على الخلقِ . (١) في (أ): (شديد النهم)، وفي غير (ص): (شديد البهيمية) . ٤١٣ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات وغايةُ العبارةِ عنهُ أنْ يُقالَ : فلا تعلمُ نفسٌ ما أُخفيَ لهُمْ مِنْ قَرَّةِ أعينٍ ، وإنَّهُ أعدَّ لهُمْ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعَتْ، ولا خطرَ على قلب بشر . وهذا الآنَ لا يعرفُهُ إلا مَنْ ذاقَ اللذتينِ جميعاً، فإنَّهُ - لا محالةَ - يؤثرُ التبثُّلَ والتفرُّدَ والفكرَ والذكرَ ، وينغمسُ في بحارِ المعرفةِ ، ويتركُ الرئاسةً ، ويستحقرُ الخلقَ الذينَ يرأسُهُمْ؛ لعلمِهِ بفناءِ رئاستِهِ وفناءِ مَنْ عليهِ رئاستُهُ ، وكونِهِ مشوباً بالكدوراتِ التي لا يُتصوَّرُ الخلوُّ عنها ، وكونِهِ مقطوعاً بالموتِ الذي لا بدَّ مِنْ إتيانِهِ مهما أخذَتِ الأرضُ زخرفَها وازََّّنَتْ وظنَّ أهلُها أنَّهُمْ قادرونَ عليها ، فيستعظمُ بالإضافةِ إليها لذَّةَ معرفةِ اللهِ تعالى ، ومطالعةٍ صفاتِهِ وأفعالِهِ ونظام مملكتِهِ مِنْ أعلى عليينَ إلى أسفلِ السافلينَ ؛ فإنَّها خاليةٌ عنِ المزاحماتِ والمكدِّراتِ ، متسعةٌ للمتواردينَ عليها ، لا تضيقُ عنهُمْ بكبرِها ، وإنَّما عرضُها مِنْ حيثُ التقديرُ السماواتُ والأرضُ، وإذا خرجَ النظرُ عنِ المقدراتِ .. فلا نهايةَ لعرضِها ، فلا يزالُ العارفُ بمطالعتِها في جنَّةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ ، يرتعُ في رياضِها ، ويقطفُ مِنْ ثمارِها ، ويكرعُ في حياضِها ، وهوَ آمَنٌ مِنِ انقطاعِها ؛ إذْ ثمارُ هذهِ الجنَّةِ غيرُ مقطوعةٍ ولا ممنوعةٍ . ب ثمَّ هيَ أبديّةٌ سرمديَّةٌ ، لا يقطعُها الموتُ ؛ إذِ الموتُ لا يهدمُ محلَّ معرفةِ اللهِ تعالى ، ومحلَّها الروحُ الذي هوَ أمرٌ ربَّانِيٌّ سماويٌّ، وإنَّما الموتُ يغيِّرُ أحوالَها، ويقطعُ شواغلَها وعوائقَها ، ويخلِّيها مِنْ حبسِها ، حم عن حم ٤١٤ حن ربع المنجيات كن كتاب المحبة والشوق فأمَّا أنْ يعدمَها .. فلا، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿هُ: فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَنْهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ ... ﴾ الآيةَ، ولا تظنَّنَّ أنَّ هذا مخصوصٌ بالمقتولِ في المعركةِ ، فإنَّ للعارفِ بكلِّ نَفَسٍ درجةَ ألفِ شهيدٍ ، وفي الخبرِ: أنَّ الشهيدَ يتمنَّى في الآخرةِ أنْ يُردَّ إلى الدنيا ليقتلَ مرَّةً أخرى ؛ لعظمٍ ما يراهُ مِنْ ثوابِ الشهادةِ(١)، وأنَّ الشهداءَ يتمنونَ لوْ كانوا علماءَ(٢) ؛ لما يرونَهُ مِنْ علوِّ درجةِ العلماءِ . فإذاً ؛ جميعُ أقطارِ ملكوتِ السماواتِ والأرضِ ميدانُ العارفِ، يتبوَّأُ منهُ حيثُ يشاءُ ، مِنْ غيرِ حاجةٍ إلى أنْ يتحرَّكَ إليها بجسمِهِ وشخصِهِ ، فهوَ مِنْ مطالعةٍ جمالِ الملكوتِ في جنَّةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ ، وكلُّ عارفٍ فلةُ مثلُها مِنْ غيرٍ أنْ يضيقَ بعضُهُمْ على بعضٍ أصلاً ، إلا أنَّهُمْ يتفاوتونَ في سعةٍ متنزَّهاتِهِمْ بقدْرِ تفاوتِهِمْ في اتساعِ نظرِهِمْ وسعةِ معارفِهِمْ، وهمْ درجاتٌ عندَ اللهِ ، ولا يدخلُ في الحصرِ تفاوتُ درجاتِهِمْ . مدن فقدْ ظهرَ أنَّ لذَّةَ الرئاسةِ - وهيَ باطنةٌ - أقوى في ذوي الكمالِ مِنْ لذَّاتِ الحواسِّ كلُّها ، وأنَّ هذهِ اللذَّةَ لا تكونُ لبهيمةٍ ولا لصبيٍّ ولا لمعتوهٍ ، وأنَّ (١) رواه البخاري (٢٧٩٥)، ومسلم ( ١٨٧٧ ) . (٢) عقد الإمام ابن عبد البر فصلاً في ((جامع بيان العلم وفضله)) (١٤٩/١) أورد فيه الأخبار في تفضيل العلماء على الشهداء . ٤١٥ ـکن كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات حن در الذّهَ المحسوساتِ والشهواتِ تكونُ لذوي الكمالِ معَ الذَّةِ الرئاسةِ ، ولكنْ يؤثرونَ الرئاسةَ . فأمَّا معنى كونِ معرفةِ اللهِ تعالى وصفاتِهِ وأفعالِهِ وملكوتِ سماواتِهِ وأسرارِ ملكِهِ أعظمَ لذَّةٌ مِنَ الرئاسةِ .. فهذا يختصُّ بمعرفتِهِ مَنْ نالَ رتبةً المعرفةِ وذاقَها ، ولا يمكنُ إثباتُ ذلكَ عندَ مَنْ لا قلبَ لهُ ؛ لأنَّ القلبَ معدنُ هذهِ القوَّةِ ، كما أنَّهُ لا يمكنُ إثباتُ رجحانِ لذَّةِ الوقاع على لذَّةِ اللعبِ بالصولجانِ عندَ الصبيانِ ، ولا رجحانِهِ على لذةِ شمِّ البنفسجِ عندَ العنينِ ؛ لأنَّهُ فقدَ الصفةَ التي بها تُدركُ هذهِ اللذةُ، ولكنْ مَنْ سلمَ مِنْ آفةِ العنَّةِ وسلمَتْ حاسَّةُ شمِّهِ .. أدركَ التفاوتَ بينَ اللذتينِ ، وعندَ هذا لا يبقى إلا أنْ يُقالَ : ( مَنْ ذاقَ .. عرفَ ). ولعمري ؛ طلابُ العلوم وإنْ لمْ يشتغلوا بطلبٍ معرفةِ الأمورِ الإلهيةِ فقدِ استنشقوا رائحةَ هذهِ اللذةِ عندَ انكشافِ المشكلاتِ وانحلالِ الشبهاتِ التي قويَ حرصُهُمْ على طلبها ؛ فإنَّها أيضاً معارفُ وعلومٌ ، وإنْ كانَتْ معلوماتُها غيرَ شريفةٍ شرفَ المعلوماتِ الإلهيةِ . ينز جـ فأمَّا مَنْ طالَ فكرُهُ في معرفةِ اللهِ سبحانَهُ ، وقدِ انكشفَ لهُ مِنْ أسرار ملكِ اللهِ تعالى ولوِ الشيءَ اليسيرَ .. فإنَّهُ يصادفُ في قلبهِ عندَ حصولٍ الكشفِ مِنَ الفرحِ ما يكادُ يطيرُ بهِ ، ويتعجَّبُ مِنْ نفسِهِ في ثباتِهِ واحتمالِهِ القوَّةٍ فرحِهِ وسرورِهِ ، وهذا ممَّا لا يُدركُ إلا بالذوقِ ، والحكايةُ فيهِ قليلةٌ الجدوى . ٤١٦ ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق فهذا القدْرُ ينبِّهُكَ على أنَّ معرفةَ اللهِ سبحانَهُ ألذُّ الأشياءِ، وأَنَّهُ لا لذَّةً فوقَها ، ولهذا قالَ أبو سليمان الدارانيُّ : (إنَّ للهِ تعالى عباداً ليسَ يشغلُهُمْ عنِ اللهِ خوفُ النارِ ولا رجاءُ الجنَّةِ ، فكيفَ تشغلُهُمُ الدنيا عنِ اللهِ؟!)(١) ولذلكَ قالَ بعضُ إخوانِ معروف الكرخيِّ لهُ : أخبرني يا أبا محفوظٍ ؛ أيُّ شيءٍ أهاجَكَ إلى العبادةِ والانقطاع عنِ الخلقِ ؟ فسكتَ ، فقالَ : ذكرُ الموتِ ، فقالَ : وأيُّ شيءٍ الموتُ ؟ فقالَ : ذكرُ القبرِ والبرزخ ، فقالَ : وأيُّ شيءٍ القبرُ؟ فقالَ : خوفُ النار ورجاءُ الجنةِ ؟ فقالَ: وأيُّ شيءٍ هذا ؟ إنَّ ملكاً هذا كلُّهُ بيدِهِ إنْ أحببتَهُ .. أنساكَ جميعَ ذلكَ، وإنْ كانَتْ بينكَ وبينَهُ معرفةٌ .. كفاكَ جميعَ هذا(٢) . wwwwwww وفي أخبارِ عيسىُ عليهِ السلامُ : ( إذا رأيتَ التقيَّ مشغوفاً في طلبِ الربِّ تعالى .. فقدْ ألهاهُ ذلكَ عمَّا سواهُ)(٢). ورأى بعضُ الشيوخ بشرَ بنَ الحارثِ في النومِ فقالَ : ما فعلَ أبو نصرٍ التمَّارُ وعبدُ الوهَّابِ الورَّاقُ؟ فقالَ : تركتُهُما الساعةَ بينَ يدي اللهِ تعالى يأكلانِ ويشربانِ ، قلتُ : فأنتَ ؟ قالَ : علمَ اللهُ قلَّةَ رغبتي في الأكلِ والشربِ فأعطاني النظرَ إليهِ (٣). (١) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٩ /٥٧٥) . (٢) قوت القلوب (٥٦/٢). (٣) نسبه الحافظ الزبيدي لصاحب ((القوت)) في ((إتحافه)) (٥٧٥/٩) وقال : ( وحدثني بعض الأشياخ عن منصور الحربي وغيره أنه رأى بشر بن الحارث في النوم ... ). 6 ٤١٧ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات وعنْ عليٍّ بنِ الموفقِ قالَ : رأيتُ في النوم كأنِّي أُدخلتُ الجنةَ، فرأيتُ رجلاً قاعداً على مائدةٍ وملكانِ عنْ يمينِهِ وشمالِهِ يلقمانِهِ مِنْ جميع الطيباتِ وهوَ يأكلُ ، ورأيتُ رجلاً قائماً على بابِ الجنةِ يتصفّحُ وجوهَ الناسِ ، فيدخلُ بعضاً ويرذُّ بعضاً ، قالَ : ثمَّ جاوزتَهُما إلى حظيرةِ القدسِ ، فرأيتُ في سرادقِ العرشِ رجلاً قدْ شخصَ ببصرِهِ ينظرُ إلى اللهِ تعالى لا يطرفُ ، فقلتُ لرضوانَ : مَنْ هذا ؟ فقالَ : معروف الكرخيُّ ، عبدَ اللهَ لا خوفاً مِنْ نارِهِ ولا شوقاً إلى جنَّتِهِ ، بلْ حبّاً لهُ، فأباحَهُ النظرَ إليهِ إلى يومِ القيامةِ ، وذكرَ أنَّ الآخرينِ بشرُ بنُ الحارثِ وأحمدُ ابنُ حتبلٍ (١) . ولذلكَ قالَ أبو سليمانَ الدارانيُ: ( مَنْ كانَ اليومَ مشغولاً بنفسِهِ .. فهوَ غداً مشغولٌ بنفسِهِ ، ومَنْ كانَ اليومَ مشغولاً بربِّهِ .. فهوَ غداً مشغولٌ بربّه)(٢) . وقالَ الثوريُّ لرابعةً : ما حقيقةُ إِيمانِكِ ؟ قالَتْ : ما عبدتُهُ خوفاً مِنْ نارِهِ ولا حبّاً لجنَّتِّهِ فأكونَ كالأجيرِ السوءِ ، بلْ عبدتهُ حبّاً لَهُ وشوقاً إليهِ . وقالَتْ في معنى المحبةِ نظماً (٣): [من المتقارب] أُحِبُّكَ حُبَيْنِ حُبَّ الْهَوَى وَحُبّاً لأَنَّكَ أَهْلٌ لِذاكا (١) قوت القلوب (٥٦/٢). (٢) قوت القلوب (٥٧/٢). (٣) انظر ((شرح نهج البلاغة)) (١٥٦/١٠). ٤١٨ جن عن ربع المنجيات كتاب المحبة والشوق حن حن فَشُغْلِي بِذِكْرِكَ عَمَّنْ سِواکا فَأَمَّا أَلَّذِي هُوَ حُبُّ الْهَوَى فَكَشْفُكَ لِيْ الْحُجْبَ حَتَّى أُراکا وَأَمَّا الَّذِي أَنْتَ أَهْلٌ لَهُ وَلَكِنْ لَكَ أَلْحَمْدُ فِي ذا وَذاكا فَلَا أَلْحَمْدُ فِي ذا وَلا ذاكَ لِي ولعلَّها أرادَتْ بحبِّ الهوىُ حبَّ اللهِ لإحسانِهِ إليها وإنعامِهِ عليها بحظوظِ العاجلةِ ، وبحبِّهِ لما هوَ أهلٌ لهُ الحبَّ لجمالِهِ وجلالِهِ الذي انكشفَ لها ، وهوَ أعلى الحبّينِ وأقواهُما . حن 3 ولذَّهُ مطالعةِ جمالِ الربوبيَّةِ هيَ التي عبَّر عنها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حيثُ قالَ حاكياً عنْ ربِّهِ تعالى: (( أعددتُ لعبادي الصالحينَ ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنْ سمعَتْ، ولا خطر على قلبٍ بشرٍ))(١). 10 وقدْ يُتعجَّلُ بعضُ هذهِ اللذاتِ في الدنيا لمَنِ انتهى صفاءُ قلبهِ إلى الغايةِ، ولذلكَ قال بعضُهُمْ: إنِّي أقولُ: ( يا ربِّ، يا أللهُ .. فأجدُ ذلكَ أثقلَ على قلبي مِنَ الجبالِ ؛ لأنَّ النداءَ يكونُ مِنْ وراءِ حجابٍ ، وهلْ رأيتَ جليساً ينادي جليسَهُ)، وقالَ : ( إذا بلغَ الرجلُ في هذا العلمِ الغايةَ .. رماهُ الخلقُ بالحجارةِ ) أيْ : يخرجُ كلامُهُ عنْ حدٍّ عقولِهِمْ، فيرونَ ما يقولُهُ جنوناً أوْ كفراً(٢). فمقصدُ العارفينَ كلُّهمْ وصلُهُ ولقاؤُهُ فقطْ ، فهيَ قرَّةُ العينِ التي لا تعلمُ سوبيسي (١) رواه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤). (٢) عزاهما الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٥٧٨/٩) لصاحب ((القوت)). ٤١٩ كتاب المحبة والشوق ربع المنجيات نفسٌ ما أُخفي لها منها ، وإذا حصلَتْ .. انمحقَتِ الهمومُ والشهواتُ كلُّها ، وصارَ القلبُ مستغرقاً بنعيمِها ، فلوْ أُلقيَ في النارِ .. لمْ يحسَّ بها الاستغراقِهِ، ولوْ عُرضَ عليهِ نعيمُ الجنَّةِ .. لمْ يلتفتْ إليهِ لكمالِ نعيمِهِ ، وبلوغِهِ الغايةَ التي ليسَ فوقَها غايةٌ . وليتَ شعري مَنْ لا يفهمُ إلا حبَّ المحسوساتِ .. كيفَ يؤمنُ بلذَّةِ النظرِ إلى وجهِ اللهِ تعالى وما لهُ صورةٌ ولا شكلٌ ؟! وأيُّ معنىَ لوعدِ اللهِ تعالى بهِ عبادَهُ وذكرِهِ أنَّهُ أعظمُ النعمِ ؟ بلْ مَنْ عرفَ اللهَ .. عرفَ أنَّ اللذاتِ المفرَّقةَ بالشهواتِ المختلفةِ كلَّها تنطوي تحتَ هذهِ اللذَّةِ، كما قالَ بعضُهُمْ(١): [من البسيط] كانَتْ لِقَلْبِيَ أَهْواءٌ مُفَرَّقَةٌ فَأُسْتَجْمَعَتْ مُذْ رَأَتْكَ الْعَيْنُ أَهْوائِي وَصِرْتُ مَوْلَى أَلْوَرَىُ مُذْ صِرْتَ مَوْلَائِي فَصارَ يَحْسُدُنِي مَنْ كُنْتُ أَحْسُدُهُ شُغْلاً بِذِكْرِكَ يا دِينِي وَدُنْيَائِي تَرَكْتُ لِلنَّاسِ دُنْيَاهُمْ وَدِينَهُمُ ولذلكَ قالَ بعضُهُمْ (٢): [من السريع] وَوَضْلُهُ أَطْيَبُ مِنْ جَنَّتِهْ وَهَجْرُهُ أَعْظَمُ مِنْ نَارِهِ وما أرادوا بههذا إلا إيثارَ لذَّةِ القلبِ في معرفةِ اللهِ تعالى على لذةِ الأكلِ (١) الأبيات لمحمد بن داوود الأصفهاني في ((ديوانه)) (ص٣٢)، وهي مما نسب إلى الحلاج في (( ديوانه)» ( ٨٣ ) . (٢) انظر ((شرح نهج البلاغة)) (١٠/ ١٥٧). ٤٢٠