Indexed OCR Text

Pages 381-400

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
يحسنُ بهِ الفرسُ ، ولا يحسنُ الخطَّ بما يحسنُ بهِ الصوتُ ، ولا تحسنُ
الأواني بما تحسنُ بهِ الثيابُ ، وكذلكَ سائرُ الأشياءِ .
فإنْ قلتَ : فهذهِ الأشياءُ وإنْ لمْ تُدركُ جميعُها بحسنِ البصرِ ؛
مثلُ الأصواتِ والطعوم والأرائح .. فإنَّها لا تنفكُ عنْ إدراكِ الحواسِّ
لها ، فهيَ محسوساتٌ ، وليسَ يُنكرُ الحسنُ والجمالُ للمحسوساتِ ،
ولا يُنكرُ حصولُ اللذةِ بإدراكِ حسنِها ، وإنَّما يُنكرُّ ذلكَ في غيرِ المدرَكِ
بالحواسِ .
عن
3
2
فاعلمْ : أنَّ الحسنَ والجمالَ موجودٌ في غيرِ المحسوساتِ ؛ إذْ يُقالُ :
هذا خلقٌ حسنٌ، وهذا علمٌ حسنٌ ، وهذهِ سيرةٌ حسنةٌ ، وهذهِ أخلاقٌ
جميلةٌ ، وإنَّما الأخلاقُ الجميلةُ يُرادُ بها العلمُ والعقلُ والعفةُ والشجاعةُ
والتقوى والكرمُ والمروءةُ وسائرُ خلالِ الخيرِ ، وشيءٌ مِنْ هذهِ الصفاتِ
لا يُدركُ بالحواسِّ الخمسِ ، بلْ يُدركُ بنورِ البصيرةِ الباطنةِ ، وكلُّ هـذِهِ
الخصالِ الجميلةِ محبوبةٌ ، والموصوفُ بها محبوبٌ بالطبع عندَ مَنْ عرفَ
صفاتِهِ .
وآيةُ ذلكَ وأنَّ الأمرَ كذلكَ : أنَّ الطباعَ مجبولةٌ على حبُّ الأنبياءِ
صلواتُ اللهِ عليهِمْ ، وعلى حبِّ الصحابةِ رضيَ اللهُ تعالى عنهُمْ، معَ أَنَّهُمْ لمْ
يُشاهدوا ، بلْ على حبِّ أربابِ المذاهبِ ؛ مثلِ الشافعيِّ وأبي حنيفةَ ومالكٍ
٣٨١
دن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
قاء
وغيرِهِمْ، حتَّى إنَّ الرجلَ قدْ يجاوزُ بهِ حبُّهُ لصاحبٍ مذهبهِ حدَّ العشقِ ،
فيحملُهُ ذلكَ على أنْ ينفقَ جميعَ أموالِهِ في نصرةِ مذهبهِ والذبِّ عنهُ ،
ويخاطرَ بروحِهِ في قتالِ مَنْ يطعنُ في إمامِهِ ومتبوعِهِ ، فكمْ مِنْ دم أَريقَ في
نصرةٍ أربابِ المذاهبِ ، وليتَ شعري مَنْ يحبُّ الشافعيَّ مثلاً فِلِمَ يحبُّهُ ولمْ
يشاهدْ قطّ صورتَهُ؟! ولوْ شاهدَهُ ربَّما لمْ يستحسنْ صورتَهُ ، فاستحسانُهُ
الذي حملَهُ على إفراطِ الحبِّ هوَ لصورتِهِ الباطنةِ ، لا لصورتِهِ الظاهرةِ ؛
فإنَّ صورتَهُ الظاهرةَ قدِ انقلبَتْ تراباً معَ الترابِ ، وإنَّما يحبُّهُ لصفاتِهِ الباطنةِ ؛
مِنَ الدينِ ، والتقوى ، وغزارةِ العلمِ ، والإحاطةِ بمداركِ الدينِ ،
وانتهاضِهِ لإفاضةِ علمِ الشرع ، ونشرِهِ هذهِ الخيراتِ في العالمٍ ، وهذهِ
أمورٌ جميلةٌ لا يُدركُ جمالُها إلا بنورِ البصيرةِ، فأمَّا الحواسُ .. فقاصرةٌ
عنها .
وكذلكَ مَنْ يحبُّ أبا بكرِ الصديقَ رضيَ اللهُ عنهُ ويفضِّلُهُ على غيرِهِ ، أَوْ
يحبُّ عليّاً رضيَ اللهُ تعالى عنهُ ويفضلُهُ ويتعصَّبُ لهُ، فلا يحبُّهُمْ إلا
الاستحسانِ صورهِمُ الباطنةِ ؛ مِنَ العلمِ ، والدينِ ، والتقوى ، والشجاعةِ ،
والكرمِ وغيرِهِ ، فمعلومٌ أنَّ مَنْ يحبُّ الصدِّيقَ رضيَ اللهُ عنهُ مثلاً ليسَ يحبُّ
لحمَهُ وعظمَهُ وجلدَهُ وأطرافَهُ وشكلَهُ ؛ إذْ كلُّ ذلكَ قدْ زالَ وتبدَّلَ وانعدمَ ،
ولكنْ بقيَ ما كانَ الصدِّيقُ بهِ صدِّيقاً، وهيَ الصفاتُ المحمودةُ التي هيَ
مصادرُ السيّرِ الجميلةِ ، فكانَ الحبُّ باقياً ببقاءِ تلكَ الصفاتِ معَ زوالِ جميعٍ
الصور .
ب
حمـ
٣٨٢
ـنة

ربع المنجيات
سحر
كتاب المحبة والشوق
وتلكَ الصفاتُ ترجعُ جملتُها إلى العلمِ والقدرةِ ؛ إذْ علمَ حقائقَ
الأمورِ ، وقدرَ على حملِ نفسِهِ عليها ؛ بقهرِ شهواتِهِ ، فجميعُ خلالٍ
الخيرِ تَتَشغَّبُ عنْ هذينِ الوصفينِ ، وهما غيرُ مدركينِ بالحسِّ ،
ومحلُّهُما مِنْ جملةِ البدنِ جزءٌ لا يتجزَّأُ ، فهوَ المحبوبُ بالحقيقةِ ، وليسَ
للجزءِ الذي لا يتجزّأُ صورةٌ وشكلٌ ولونٌ يظهرُ للبصرِ حتَّى يكونَ محبوباً
لأجلِهِ .
﴿
فإذاً ؛ الجمالُ موجودٌ في السيّرِ ، ولوْ صدرَتِ السيرةُ الجميلةُ مِنْ غيرِ
علمٍ وبصيرةٍ .. لمْ يُوجبْ ذلكَ حبّاً، فالمحبوبُ مصدرُ السيرةِ الجميلةِ ،
وهيَ الأخلاقُ الحميدةُ ، والفضائلُ الشريفةُ ، وترجعُ جملتُها إلى كمالِ
العلمِ والقدرةِ، وهوَ محبوبٌ بالطبع ، وغيرُ مدركٍ بالحواسِّ ، حتَّى إِنَّ
الصبيَّ المخلَّى وطبعَهُ إذا أردنا أنْ نحبِّبَ إليهِ غائباً أوْ حاضراً حيّاً أوْ ميتاً ..
لمْ يكنْ لنا سبيلٌ إلا بالإطنابِ في وصفِهِ بالشجاعةِ والكرمِ والعلمِ وسائرٍ
الخصالِ الحميدةِ ، فمهما اعتقدَ ذلكَ .. لمْ يتمالكْ في نفسِهِ ولمْ يقدرْ ألا
يحبَّهُ ، فهلْ غلبَ حبُّ الصحابةِ رضيَ اللهُ تعالى عنهُمْ وبغضُ أبي جهلٍ
وبغضُ إبليسَ لعنَهُ اللهُ إلا بالإطنابِ في وصفِ المحاسنِ والمقابحِ التي
لا تُدركُ بالحواسِّ ؟
بلْ لمَّا وصفَ الناسُ حاتِماً بالسخاءِ ، ووصفوا خالداً بالشجاعةِ ..
أحبَّتْهُمُ القلوبُ حبّاً ضرورياً ، وليسَ ذلكَ عنْ نظرٍ إلى صورةٍ محسوسةٍ ،
٣٨٣
تن
صن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ولا عنْ حظّ ينالُهُ المحبُّ منهُمْ ، بلْ إذا حُكِيَ مِنْ سيرةِ بعضِ الملوكِ في
بعضٍ أقطارِ الأرضِ العدلُ والإحسانُ وإفاضةُ الخيرِ .. غلبَ حبُّهُ على
القلوبِ معَ اليأسِ مِنِ انتشارِ إحسانِهِ إلى المحبِّينَ ؛ لبعدِ المزارِ وتنائي
الديار .
CG
فإِذاً ؛ ليسَ حبُّ الإنسانِ مقصوراً على مَنْ أحسنَ إليهِ ، بلِ المحسنُ في
نفسِهِ محبوبٌ وإنْ كانَ لا ينتهي قطُّ إحسانُهُ إلى المحبّ؛ لأنَّ كلَّ جمالٍ
وحسنٍ فهوَ محبوبٌ، والصورُ ظاهرةٌ وباطنةٌ، والحسنُ والجمالُ
يشملُهُما ، وتُدركُ الصورُ الظاهرةُ بالبصرِ الظاهرِ ، والصورُ الباطنةُ بالبصيرةِ
الباطنةِ ، فمَنْ حُرِمَ البصيرةَ الباطنةَ .. لا يدركُها ، ولا يلتذُّ بها، ولا يحبُّها
ولا يميلُ إليها ، ومَنْ كانَتِ البصيرةُ الباطنةُ أغلبَ عليهِ مِنَ الحواسِّ
الظاهرةِ .. كانَ حُّهُ للمعاني الباطنةِ أكثرَ مِنْ حبِّهِ للمعاني الظاهرةِ ، فشتّانَ
بينَ مَنْ يحبُّ نقشاً مصوَّراً على الحائطِ لجمالِ صورتِهِ الظاهرةِ ، وبينَ مَنْ
يحبُّ نبيّاً مِنَ الأنبياءِ لجمالٍ صورتِهِ الباطنةِ .
السببُ الرابعُ(١): المناسبةُ الخفيَّةُ بينَ المحبّ والمحبوبِ؛ إذْ ربَّ
شخصينٍ تتأكَّدُ المحبَّةُ بينَهُما لا بسبب جمالٍ أوْ حظّ ، ولكنْ بمجرَّدِ تناسبٍ
(١) من أسباب المحبة، وكذا وقع العدُّ في (أ): (الرابع)، وفي باقي النسخ
( الخامس )، وهو مشكل ، وقول المصنف الآتي: إنها خمسة .. على تفريع السبب
الثالث إلى : حب الإحسان مجرداً، وحب الجمال مجرداً. وكلاهما مجموعان في قوله
في السبب الثالث : ( حب الشيء لذاته ، لا لحظ يُنال منه وراء ذاته ) .
٣٨٤
حن
چتز
ـحم

mLES
ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
الأرواح، كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الأرواحُ جنودٌ مجندةٌ ، فما
تعارفَ منها .. ائتلفَ، وما تناكرَ منها .. اختلفَ))(١) ، وقدْ حققنا ذلكَ في
كتابِ آدابِ الصحبةِ ، عندَ ذكرِ الحبِّ في اللهِ، فليُطلبْ منهُ؛ لأنَّهُ أيضاً مِنْ
عجائبِ أسبابِ الحبِّ .
فإذاً ؛ ترجعُ أقسامُ الحبِّ إلى خمسةِ أسبابٍ :
وهوَ حتُّ الإنسانِ وجودَ نفسِهِ وکمالِهِ وبقائِهِ .
وحبُّهُ مَنْ أحسنَ إليهِ فيما يرجعُ إلى دوامِ وجودِهِ ويعينُ على بقائِهِ ودفع
المهلكاتِ عنهُ .
ہ
وحبُّهُ مَنْ كانَ محسناً في نفسِهِ إلى الناسِ وإنْ لمْ يكنْ محسناً إليهِ .
وحبُّهُ لكلِّ ما هوَ جميلٌ في ذاتِهِ ، سواءٌ كانَ مِنَ الصورِ الظاهرةِ أوِ
الباطنةِ .
وحبُّهُ لمَنْ بِينَهُ وبينَهُ مناسبةٌ خفيَّةٌ في الباطنِ .
فلو اجتمعَتْ هذهِ الأسبابُ في شخصٍ واحدٍ .. تضاعفَ الحبُّ
لا محالةً؛ كما لوْ كانَ للإنسانِ ولدٌ جميلٌ الصورةِ ، حسنُ الخلقِ ، كاملُ
العلمِ ، حسنُ التدبيرِ ، محسنٌ إلى الخلقِ ومحسنٌ إلى الوالدِ .. كانَ محبوباً
- لا محالةَ - غايةَ الحبِّ.
(١) رواه مسلم (٢٦٣٨).
٣٨٥

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
وتكونُ قوَّةُ الحبِّ بعدَ اجتماعِ هذهِ الخصالِ بحسَبِ قوَّةِ هذِهِ الخلالِ في
م
نفسِها ؛ فإنْ كانَتْ هذهِ الصفاتُ في أقصى درجاتِ الكمالِ .. كانَ الحبُّ -
لا محالةَ - في أعلى الدرجاتِ .
ـيه
مـ
فلنبيِّنِ الآنَ أنَّ هذهِ الأسبابَ كلَّها لا يُتصوَّرُ كمالُها واجتماعُها إلا في
حقِّ اللهِ تعالى ، فلا يستحقُّ المحبَّةَ بالحقيقةِ إلا اللهُ سبحانَهُ وتعالى .
G
٠٩ ٥٨٠٢٨٦
٠٠٠٠ ٨٠
ف:
٣٨٦
قرة

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
بيان أن المستحقّ للمحبة هو الله وحده
وأنَّ مَنْ أحبَّ غيرَ اللهِ لا مِنْ حيثُ نسبتُهُ إلى اللهِ تعالى .. فذلكَ لجهلِهِ
وقصورِهِ في معرفةِ اللهِ تعالى، وأنَّ حبَّ الرسولِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
محمودٌ ؛ لأنَّهُ عينُ حبِّ اللهِ تعالى ، وكذا حبُّ العلماءِ والأتقياءِ ؛ لأنَّ
محبوبَ المحبوبِ محبوبٌ، ورسولَ المحبوبِ محبوبٌ ، ومحبَّ المحبوب
محبوبٌ ، وكلُّ ذلكَ يرجعُ إلى حبِّ الأصلِ ، فلا يجاوزُهُ إلى غيرِهِ ، فلا
محبوبَ بالحقيقةِ عندَ ذوي البصائرِ إلا اللهُ تعالى، ولا مستحقَّ للمحبةِ سواهُ.
وإيضاحُهُ : بأنْ نرجعَ إلى الأسبابِ الخمسةِ التي ذكرناها ، ونبيِّنَ أنَّها
مجتمعةٌ في حقِّ اللهِ تعالى بجملتِها ، ولا يُوجدُ في غيرِهِ إلا آحادُها ، وأنَّها
حقيقةٌ في حقِّ اللهِ تعالى ، ووجودُها في حقِّ غيرِهِ وهمٌّ وتخيُّلٌ ، وهوَ مجازٌ
محضٌ، لا حقيقةَ لهُ، ومهما ثبتَ ذلكَ .. انكشفَ لكلِّ ذي بصيرةٍ ضدُّ
ما تخيَّلَهُ ضعفاءُ العقولِ والقلوبِ ؛ مِنِ استحالةِ حبِّ اللهِ تعالى تحقيقاً ،
وبانَ أنَّ التحقيقَ يقتضي ألا يُحبَّ أحدٌ غيرُ اللهِ تعالى .
فأمَّا السببُ الأوَّلُ : وهوَ حبُّ الإنسانِ نفسَهُ وبقاءَهُ وكمالَهُ ودوامَ وجودِهِ ،
وبغضُهُ لهلاکِهِ وعدمِهِ ونقصانِهِ وقواطع کمالِهِ :
فهذهِ جبلَّةُ كلِّ حِيٍّ ، ولا يُتصوَّرُ أنْ ينفكَّ عنها ، وهذا يقتضي غايةً
٣٨٧
حن خن حن حن كة

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
ـي
المحبَّةِ اللهِ تعالى، فإنَّ مَنْ عرفَ نفسَهُ، وعرفَ ربَّهُ .. عرفَ قطعاً أنَّهُ
لا وجودَ لهُ مِنْ ذاتِهِ ، وإنَّما وجودُ ذاتِهِ ودوامُ وجودِهِ وكمالُ وجودِهِ مِنَ اللهِ
وباللهِ وإلى اللهِ، فهوَ المخترعُ الموجدُ لهُ، وهوَ المبقي لهُ، وهوَ المكمِّلُ
لوجودِهِ ؛ بخلقِ صفاتِ الكمالِ ، وخلقِ الأسبابِ الموصلةِ إليهِ ، وخلقٍ
الهدايةِ إلى استعمالِ الأسبابِ ، وإلا .. فالعبدُ مِنْ حيثُ ذاتُهُ لا وجودَ لهُ مِنْ
ذاتِهِ ، بلْ هوَ محوٌ محضٌ وعدمٌ صرفٌ لولا فضْلُ اللهِ تعالى عليهِ بالإيجادِ ،
وهوَ هالكٌ عقيبَ وجودِهِ لولا فضْلُ اللهِ عليهِ بالإبقاءِ ، وهوَ ناقصٌ بعدَ
الوجودِ لولا فضْلُ اللهِ عليهِ بالتكميلِ لخلقتِهِ .
وبالجملةِ : فليسَ في الوجودِ شيءٌ لهُ بنفسِهِ قوامٌ إلا القُّومُ الحيُّ الذي
هوَ قائمٌ بذاتِهِ ، وكلُّ ما سواهُ قائمٌ بهِ ، فإنْ أحبَّ العارفُ ذاتَهُ ووجودُ ذاتِهِ
مستفادٌ مِنْ غيرِهِ .. فبالضرورةِ يحبُّ المفيدَ لوجودِهِ والمديمَ لهُ إنْ عرفَهُ
خالقاً موجداً ، ومخترعاً مبقياً، وقُوماً بنفسِهِ ، ومقوِّماً لغيرِهِ ، فإنْ كانَ
لا يحبُّهُ .. فهوَ لجهلِهِ بنفسِهِ وبربِّهِ، والمحبَّةُ ثمرةُ المعرفةِ، تنعدمُ
بانعدامِها ، وتضعفُ بضعفِها ، وتقوى بقوَّتِها .
753
ولذلكَ قالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ تعالى: ( مَنْ عرفَ ربَّهُ .. أحبَّهُ ،
ومَنْ عرفَ الدنيا .. زهدَ فيها)(١) .
بون:
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الهم والحزن)) (٩٣)، ورواه ابن المبارك في (( الزهد))
( ٢٠٩) عن بديل بن ميسرة .
٣٨٨

ربع المنجيات
حر
كتاب المحبة والشوق
وكيفَ يُتصوَّرُ أَنْ يحبَّ الإنسانُ نفسَهُ ولا يحبَّ ربَّهُ الذي بهِ قوامُ نفسِهِ ؟!
ومعلومٌ أنَّ المبتلى بحرِّ الشمسِ لمَّا كانَ يحبُّ الظلَّ .. فيحبُّ بالضرورةِ
الأشجارَ التي بها قوامُ الظلِّ، وكلُّ ما في الوجودِ بالإضافةِ إلى قدرةِ اللهِ
تعالى .. فهوَ كالظلِّ بالإضافةِ إلى الشجرِ ، والنورِ بالإضافةِ إلى الشمسِ ؛
فإنَّ الكلَّ مِنْ آثارِ قدرتِهِ ، ووجودُ الكلِّ تابعٌ لوجودِهِ ، كما أنَّ وجودَ النور
تابعٌ للشمسِ ، ووجودَ الظلِّ تابعٌ للشخصِ .
بلْ ههذا المثالُ صحيحٌ بالإضافةِ إلى أوهام العوامِّ ؛ إذْ تخيَّلوا أنَّ النورَ
أثرُ الشمسِ ، وفائضٌ منها ، وموجودٌ بها ، وهوَ خطأ محضٌ ؛ إذِ انكشفَ
لأربابِ القلوبِ انكشافاً أظهرَ مِنْ مشاهدةِ الأبصارِ أنَّ النورَ حاصلٌ مِنْ
قدرةِ اللهِ تعالى اختراعاً عندَ وقوع المقابلةِ بينَ الشمسِ وبينَ الأجسامِ
الكثيفةِ ؛ كما أنَّ نورَ الشمسِ وعينَها وشكلَها وصورتَها أيضاً حاصلٌ مِنْ
قدرةِ اللهِ تعالى ، ولكنَّ الغرضَ مِنَ الأمثلةِ التفهيمُ، فلا يُطلبُ فيها
الحقائقُ .
فإذاً؛ إنْ كانَ حبُّ الإنسانِ نفسَهُ ضرورياً .. فحبُّهُ لمَنْ بهِ قوامُهُ أَوَّلاً
ودوامُهُ ثانياً ؛ في أصلِهِ وصفاتِهِ ، وظاهرِهِ وباطنِهِ وجواهرِهِ وأعراضِهِ ..
أيضاً ضروريٍّ إنْ عرفَ ذلكَ كذلكَ، ومَنْ خلا عن هذا الحبِّ .. فلأنَّهُ
اشتغلَ بنفسِهِ وشهواتِهِ ، وذهَلَ عنْ ربِّهِ وخالقِهِ ، فلمْ يعرفُهُ حقَّ معرفتِهِ ،
وقَصَرَ نظرَهُ على شهواتِهِ ومحسوساتِهِ ، وهوَ عالمُ الشهادةِ الذي يشاركُهُ
٣٨٩
مـ جمــ
حن

كتاب المحبة والشوق
جوحي
ربع المنجيات
البهائمُ في التنقُّمِ بهِ ، والاتساعُ فيهِ دونَ عالمِ الملكوتِ الذي لا يطأُ أرضَهُ إلا
مَنْ يقربُ إلى شبهٍ مِنَ الملائكةِ ، فينظرُ فيهِ بقدْرِ قَرِهِ في الصفاتِ مِنَ
الملائكةِ ، ويقصرُ عنهُ بقدْرِ انحطاطِهِ إلى حضيضٍ عالمِ البهائمِ .
وأمَّا السببُ الثاني : وهوَ حبُّهُ مَنْ أحسنَ إليهِ :
فواساهُ بمالِهِ ، ولاطفَهُ بكلامِهِ ، وأمدَّهُ بمعونتِهِ ، وانتدبَ لنصرتِهِ ،
وقمحَ أعداءَهُ ، وقامَ بدفع شرِّ الأشرارِ عنهُ ، وانتهضَ وسيلةً إلى جميع
حظوظِهِ وأغراضِهِ في نفسِهِ وأولادِهِ وأقاربِهِ ؛ فإنَّهُ محبوبٌ - لا محالةَ -
عندَهُ، وهذا بعينِهِ يقتضي ألا يحبّ إلا اللهَ تعالى ؛ فإنَّهُ لوْ عرفَ حقَّ
المعرفةِ .. لعلمَ أنَّ المحسنَ إليهِ هوَ اللهُ تعالى فقطْ .
فأمَّا أنواعُ إحسانِهِ إلى كلِّ عبيدِهِ .. فلستُ أعدُّها ؛ إذْ ليسَ يحيطُ بها
حصرُ حاصرٍ كما قالَ تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا﴾، وقدْ أشرنا
إلى طرفٍ منهُ في كتابِ الشكرِ، ولكنَّ نقتصرُ الآنَ على بيانِ أنَّ الإحسانَ مِنَ
الناسِ غيرُ متصوَّرٍ إلا بالمجازِ ، وإنَّما المحسنُ هوَ اللهُ تعالى .
ولنفرضْ ذلكَ فيمَنْ أنعمَ عليكَ بجميع خزائنِهِ ومكَّنَكَ منها لتتصرَّفَ فيها
كيفَ تشاءُ ، فإنَّكَ تظنُّ أنَّ هذا الإحسانَ منهُ، وهوَ غلطٌ ؛ فإنَّهُ إِنَّما تمَّ
إحسانُهُ بهِ وبمالِهِ وبقدرتِهِ على المالِ وبداعيتِهِ الباعثةِ لهُ على صرفِ المالِ
إليكَ ، فمَنِ الذي أنعمَ بخلقِهِ ، وخلقِ مالِهِ ، وخلقِ قدرتِهِ ، وخلقِ إرادتِهِ
٣٩٠
حج حن حج حن

جيم
كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
وداعيتِهِ؟ ومَنِ الذي حبَّكَ إليهِ ، وصرفَ وجهَهُ إليكَ، وألقى في نفسِهِ أَنَّ
صلاحَ دينِهِ أَوْ دنياهُ في الإحسانِ إليكَ، ولولا كلُّ ذلكَ .. لما أعطاكَ حبَّةٌ
مِنْ مالِهِ ؟
ومهما سلَّطَ اللهُ عليهِ الدواعيَ ، وقرَّرَ في نفسِهِ أنَّ صلاحَ دينِهِ أو دنياهُ في
أنْ يسلِّمَ إليكَ مالَهُ .. كانَ مقهوراً مضطراً في التسليم ، لا يستطيعُ مخالفتهُ ،
فالمحسنُ هوَ الذي اضطرَّهُ وسخَّرَهُ لكَ، وسلَّطَ عليهِ الدواعيَ الباعثةَ
المرهقةَ إلى الفعلِ، وأمَّا يدُهُ .. فواسطةٌ يصلُ بها إحسانُ اللهِ تعالىُ إليكَ ،
وصاحبُ اليدِ مضطرّ في ذلكَ اضطرارَ مجرى الماءِ في جريانِ الماءِ فيهِ ، فإنِ
اعتقدتَهُ محسناً أوْ شكرتَهُ مِنْ حيثُ هوَ بنفسِهِ محسنٌ ، لا مِنْ حيثُ هوَ
واسطةٌ .. كنتَ جاهلاً بحقيقةِ الأمرِ، فإنَّهُ لا يُتصوَّرُ الإحسانُ مِنَ الإنسانِ إلا
إلى نفسِهِ ، أمَّا الإحسانُ إلى غيرِهِ .. فمحالٌ مِنَ المخلوقينَّ؛ لأنَّهُ لا يبذُنُ
مالَهُ إلا لغرضٍ لهُ في البذلِ ؛ إمَّا آجلٍ وهوَ الثوابُ، وإمَّا عاجلٍ وهوَ المنَّةُ
والاستسخارُ ، أوِ الثناءُ والصيتُ ، والاشتهارُ بالسخاءِ والكرم ، أوْ جذبِ
قلوبِ الخلقِ إلى الطاعةِ والمحبةِ .
وكما أنَّ الإنسانَ لا يلقي مالَهُ في البحرِ؛ إذْ لا غرضَ لهُ فيهِ .. فلا يلقيهِ
في يدِ إنسانٍ إلا لغرضٍ لهُ فيهِ، وذلكَ الغرضُ هوَ مطلوبُهُ ومقصدُهُ ، وأمَّا
أنتَ .. فلستَ مقصوداً ، بلْ يدُكَ آلٌ لهُ في القبضِ حتَّى يحصلَ غرضُهُ مِنَ
الذكرِ والثناءِ أوِ الشكرِ أوِ الثوابِ ؛ بسببٍ قبضِكَ المالَ ، فقدِ استسخرَكَ في
القبضِ للتوصُّلِ إلى غرضٍ نفسِهِ، فهوَ إذاً محسنٌ إلى نفسِهِ ، ومعتاضٌ عمَّا
٣٩١
2
حم عن جن جن خن

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
بذلَهُ مِنْ مالِهِ عوضاً هوَ أرجحَ عندَهُ مِنْ مالِهِ ، ولولا رجحانُ ذلكَ الحظّ
عندَهُ .. لما نزلَ عنْ مالِهِ لأجلِكَ أصلاً ألبتةَ، فإذاً؛ هوَ غيرُ مستحقٍّ للشكرِ
والحبِّ مِنْ وجهينِ :
أحدُهُما : أنَّهُ مضطرٌّ بتسليطِ اللهِ الدواعيَ عليهِ، فلا قدرةَ لهُ على
المخالفةِ ، فهوَ جارِ مجرىُ خازنِ الأميرِ ، فإنَّهُ لا يُرى محسناً بتسليمٍ خلعةٍ
الأميرِ إلى مَنْ خلعَ عليهِ ؛ لأنَّهُ مِنْ جهةِ الأميرِ مضطرٍّ إلى الطاعةِ والامتثالِ
لما يرسمُهُ ، ولا يقدرُ على مخالفتِهِ، ولوْ خلاهُ الأميرُ ونفسَهُ .. لما سلَّمَ
ذلكَ ؛ فكذلكَ كلُّ محسنٍ لوْ خلاهُ اللهُ ونفسَهُ .. لمْ يبذُلْ حبَّةً مِنْ مالِهِ ؛
حتَّى سلَّطَ اللهُ الدواعيَ عليهِ، وألقى في نفسِهِ أنَّ حظّهُ ديناً ودنيا في بذلِهِ ،
فبذلَهُ لذلكَ .
والثاني : أنَّهُ معتاضٌ عمَّا بذلَهُ حظاً هوَ أوفى عندَهُ وأحبُّ ممَّا بذلَهُ ،
فكما لا يعدُّ البائعُ محسناً لأنَّهُ بذلَ بعوضِ هوَ أحبُّ عندَهُ ممَّا بذلَهُ .. فكذلكَ
الواهبُ اعتاضَ الثوابَ أوِ الحمدَ والثناءَ أوْ عوضاً آخرَ ، وليسَ مِنْ شرطِ
العوضِ أنْ يكونَ عيناً متمؤَّلاً ، بل الحظوظُ كلُّها أعواضٌ تُستحقرُ الأموالُ
والأعيانُ بالإضافةِ إليها ، فالإحسانُ في الجودِ ، والجودُ هوَ بذلُ المالِ مِنْ
غيرِ عوضٍ وحظّ يرجعُ إلى الباذلِ ، وذلكَ محالٌ مِنْ غيرِ اللهِ تعالى ، فهوَ
الذي أنعمَ على العالمينَ إحساناً إليهِمْ، ولأجلِهِمْ، لا لحظُّ وغرضٍ يرجعُ
إليهِ ؛ فإنَّهُ يتعالىُ عنِ الأغراضِ .
فلفظُ الجودِ والإحسانِ في حقِّ غيرِهِ كذبٌ أَوْ مجازٌ ، ومعناهُ في حقِّ
مـ
٣٩٢

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
ـسـ
غيرِهِ محالٌ وممتنعٌ امتناعَ الجمع بينَ السوادِ والبياضِ ، فهوَ المنفردُ بالجودِ
والإحسانِ ، والطّوْلِ والامتنانِ .
فإنْ كانَ في الطبع حبُّ المحسنِ .. فينبغي ألا يحبّ العارفُ إلا اللهَ
تعالى ؛ إذِ الإحسانُ مِنْ غيرِهِ محالٌ ، فهوَ المستحقُّ لهذهِ المحبةِ وحدّهُ ،
وأَمَّا غيرُهُ .. فيستحقُّ المحبةَ على الإحسانِ بشرطِ الجهلِ بمعنى الإحسانِ
وحقيقتِهِ .
وأمَّا السببُ الثالثُ: وهوّ حبُّكَ للمحسنِ في نفسِهِ وإنْ لمْ يصلْ إليكَ إحسانُهُ:
وهذا أيضاً موجودٌ في الطباع ؛ فإنَّهُ إذا بلغَكَ خبرُ ملكِ عالمٍ عابدٍ
عادلٍ ، رفيقٍ بالناسِ ، متلطّفِ بهِمْ ، متواضع لهُمْ ، وهوَ في قطرٍ مِنْ أقطارٍ
الأرضِ بعيدٌ عنكَ ، وبلغَكَ خبرُ ملكٍ آخرَ ظالمٍ متكبِّرٍ ، فاسقٍ متهتِّكٍ
شريرٍ ، وهوَ أيضاً بعيدٌ عنكَ .. فإنَّكَ تجدُ في قلبكَ تفرقةً بينَهُما؛ إذْ تجدُ
في القلبِ ميلاً إلى الأوَّلِ ، وهوَ الحبُّ ، ونفرةً عنِ الثاني ، وهوَ البغضُ ،
معَ أنَّكَ آيسٌ مِنْ خيرِ الأوَّلِ وآمنٌ مِنْ شرِّ الثاني ؛ لانقطاع طمعِكَ عنِ التوغُلِ
إلى بلادِهِما ، فهذا حبُّ المحسنِ مِنْ حيثُ إنَّهُ محسنٌ فقطْ ، لا مِنْ حيثُ
إِنَّهُ محسنٌ إليكَ، وهذا أيضاً يقتضي حبَّ اللهِ تعالى ، بلْ يقتضي ألا يحبّ
غيرَهُ أصلاً إلا مِنْ حيثُ إنَّهُ يتعلَّقُ منهُ بسببٍ ، فإنَّ اللهَ تعالى هوَ المحسنُ إلى
الكافةِ والمتفضِّلُ على جميع أصنافِ الخلائقِ ؛ أوّلاً : بإيجادِهِمْ ، وثانياً :
٣٩٣
ـكن
ـحن
ـن:

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
بتكميلِهِمْ بالأعضاءِ والأسبابِ التي هيَ مِنْ ضروراتِهِمْ ، وثالثاً : بترفيهِهِمْ
وتنعيمِهِمْ بخلقِ الأسبابِ التي هيَ في مظانٌّ حاجاتِهِمْ ، وإنْ لمْ تكنْ في
مظانِّ الضرورةِ ، ورابعاً : بتجميلِهِمْ بالمزايا والزوائدِ التي هيَ في مَظِنَّةٍ
زينتِهِمْ، وهيَ خارجةٌ عنْ ضروراتِهِمْ وحاجاتِهِمْ .
جيـ
ومثالُ الضروريِّ مِنَ الأعضاءِ : الرأسُ ، والقلبُ، والكبدُ ، ومثالُ
المحتاجِ إليهِ: العينُ، واليدُ، والرجْلُ ، ومثالُ الزينةِ : استقواسُ
الحاجبينِ ، وحمرةُ الشفتينِ ، وتلوّنُ العينينِ ، إلى غيرِ ذلكَ ممَّا لوفاتَ ..
لمْ تنخرمْ بهِ حاجةٌ ولا ضرورةٌ .
ومثالُ الضروريِّ مِنَ النعم الخارجةِ عنْ بدنِ الإنسانِ : الماءُ والغذاءُ ،
ومثالُ الحاجةِ : الدواءُ ، واللحمُ ، والفواكهُ ، ومثالُ المزايا والزوائدِ :
خضرةُ الأشجارِ ، وحسنُ أشكالِ الأنوارِ والأزهارِ ، ولذائذُ الفواكهِ
والأطعمةِ التي لا تنخرمُ بعدمِها حاجةٌ ولا ضرورةٌ .
وهذهِ الأقسامُ الثلاثةُ موجودةٌ لكلِّ حيوانٍ ، بلْ لكلِّ نباتٍ ، بلْ لكلِّ
صنفٍ مِنْ أصنافِ الخلقِ مِنْ ذروةِ العرشِ إلى منتهى الثرى(١).
فإذاً ؛ هوَ المحسنُ ، وكيفَ يكونُ غيرُهُ محسناً وذلكَ المحسنُ حسنةٌ مِنْ
حسناتِ قدرتِهِ ؟! فإنَّهُ خالقُ الحسنِ ، وخالقُ المحسنِ ، وخالقُ الإحسانِ ،
(١) وفي نسخة الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٥٦٣/٩): (الفرش) بدل ( الثرى).
٣٩٤

ربع المنجيات
حر
كتاب المحبة والشوق
وخالقُ أسبابِ الإحسانِ ، فالحبُّ بهذهِ العلَّةِ لغيرِهِ أيضاً جهلٌ محضٌ ، ومَنْ
عرفَ ذلكَ .. لمْ يحبَّ بهذهِ العلةِ إلا الله تعالى .
ـحن
وأمَّا السببُ الرابعُ : وهوَ حبُّ كلِّ جميلٍ لذاتِ الجمالِ ، لا لحظٍّ يُنالُ منهُ
وراءَ إدراكِ الجمالِ :
فقدْ بيَّنَا أنَّ ذلكَ مجبولٌ في الطباع ، وأنَّ الجمالَ ينقسمُ إلى جمالٍ
الصورةِ الظاهرةِ المدركةِ بعينِ الرأسِ ، وإلى جمالِ الصورةِ الباطنةِ المدركةِ
بعينِ القلبِ ونورِ البصيرةِ ، والأوَّلُ يدركُهُ الصبيانُ والبهائمُ ، والثاني يختصُّ
بدركِهِ أربابُ القلوبِ ، ولا يشاركُهُمْ فِيهِ مَنْ لا يعلمُ إلا ظاهراً مِنَ الحياةِ
الدنيا .
وكلُّ جمالٍ فهوَ محبوبٌ عندَ مدركِ الجمالِ ، فإنْ كانَ مدركاً بالقلبِ ..
فهوَ محبوبٌ بالقلبِ ، ومثالُ هذا في المشاهدةِ : حبُّ الأنبياءِ والعلماءِ
وذوي المكارم السنيّةِ والأخلاقِ المرضيّةِ ؛ فإنَّ ذلكَ متصوَّرٌ معَ تشوُّشٍ
صورةٍ الوجهِ وسائرِ الأعضاءِ ، وهوَ المرادُ بحسنِ الصورةِ الباطنةِ ، والحسنُّ
لا يدركُهُ .
ـجو
٣۵٠۵۵ سار۔۔
نعمْ، يدركُ الحسنُّ آثارَهُ الصادرةَ منهُ الدالَّةَ عليهِ ، حتَّى إذا دلَّ القلبَ
عليه .. مالَ القلبُ إليهِ فأحبَّهُ، فمَنْ يحبُّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ،
أوِ الصدِّيقَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ، أوِ الشافعيَّ رحمةُ اللهِ تعالىُ عليهِ .. فلا
٣٩٥
حر

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
يحبُّهُمْ إلا لحسنِ ما ظهرَ لهُ منهُمْ، وليسَ ذلكَ لحسنِ صورِهِمْ ، ولا لحسنٍ
أفعالِهِمْ ، بلْ دلَّ حسنُ أفعالِهِمْ على حسنِ الصفاتِ التي هيَ مصدرُ
الأفعالِ ، إذِ الأفعالُ آثارٌ صادرةٌ عنها ، ودالَّةٌ عليها .
فمَنْ رأى حسنَ تصنيفِ المصنِّفِ ، وحسنَ شعرِ الشاعرِ ، بلْ حسنَ نقشٍ
النَّقاشِ وبناءِ البنَّاءِ .. انكشفَ لهُ مِنْ هذهِ الأفعالِ صفاتُهُمُ الجميلةُ الباطنةُ
التي يرجعُ حاصلُها عندَ البحثِ إلى العلمِ والقدرةِ ، وكلَّما كانَ المعلومُ
أشرفَ وأتمَّ جمالاً وعظمةً .. كانَ العلمُ أشرفَ وأجملَ ، وكذا المقدورُ
كلَّما كانَ أعظمَ رتبةً وأجلَّ منزلةً .. كانَتِ القدرةُ عليهِ أجلَّ رتبةً وأشرفَ
قدْراً .
وأجلُّ المعلوماتِ هوَ اللهُ تعالى ، فلا جرمَ أحسنُ العلوم وأشرفُها
معرفةُ اللهِ تعالى ، وكذلكَ ما يقاربُهُ ويختصُّ بهِ فشرفُهُ على قدْرِ تعلُّقِهِ
بهِ(١).
فإذاً؛ جمالُ صفاتِ الصدِّيقينَ الذينَ تحبُّهُمُ القلوبُ طبعاً ترجعُ إلى
ثلاثةِ أمور :
ـنة®
أحدُها : علمُهُمْ باللهِ تعالى وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ وشرائع أنبيائِهِ .
(١) وإنما شرفه لأنه معرفة لأفعال الله تعالى، ومعرفة للطريق الذي يقرِّب العبد من الله
تعالى، والأمر الذي يسهل به الوصول إلى معرفة الله والقرب منه ، وكل معرفة خارجة
عن ذلك .. فليس فيها كبير شرف. ((إتحاف)) (٥٦٣/٩).
٣٩٦
116++m-l#

ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
كر
والثاني : قدرتَهُمْ على إصلاح أنفسِهِمْ وإصلاح عبادِ اللهِ تعالى بالإرشادِ
والسياسةِ .
- .
والثالثُ : تنزُّهُهُمْ عنِ الرذائلِ والخبائثِ والشهواتِ الغالبةِ الصارفةِ عنْ
سننِ الخيرِ ، الجاذبةِ إلى طريقِ الشرِّ .
ويمثلِ هذا يُحبُّ الأنبياءُ والعلماءُ والخلفاءُ والملوكُ الذينَ همْ أهلُ
العدلِ والكرم ، فانسبْ هذهِ الصفاتِ إلى صفاتِ اللهِ تعالى .
أمَّا العلمُ : فأينَ علمُ الأوَّلينَ والآخرينَ مِنْ علمِ اللهِ تعالى الذي يحيطُ
بالكلِّ إحاطةً خارجةً عنِ النهايةِ ؛ حتَّى لا يعزبُ عنهُ مثقالُ ذرَّةٍ في السماواتِ
ولا في الأرضِ ؟
وقدْ خاطبَ الخلقَ كلَّهُمْ فقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا أُوتِلِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾،
بلْ لوِ اجتمعَ أهلُ الأرضِ والسماءِ على أنْ يحيطوا بعلمِهِ وحكمتِهِ في تفصيلٍ
خلقِ نملةٍ أوْ بعوضةٍ .. لمْ يطلعوا على عُشْرٍ عَشِيرِ ذلكَ! ولا يحيطونَ بشيءٍ
مِنْ علمِهِ إلا بما شاءَ، والقذْرُ اليسيرُ الذي علمَهُ الخلائقُ كلُّهُمْ فبتعليمِهِ
علموهُ؛ كما قالَ تعالى: ﴿ خَلَقَ الْإِنِسَنَ فْ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾.
فإنْ كانَ جمالُ العلمِ وشرفُهُ أمراً محبوباً ، وكانَ هوَ في نفسِهِ زينةً وكمالاً
للموصوفِ بهِ .. فلا ينبغي أنْ يُحبَّ بهذا السببِ إلا اللهُ تعالى، فعلومُ
العلماءِ جهلٌ بالإضافةِ إلى علمِهِ ، بلْ مَنْ عرفَ أعلمَ أهلِ زمانِهِ وأجهلَ أهلِ
زمانِهِ .. استحالَ أنْ يحبَّ بسببِ العلمِ الأجهلَ ويتركَ الأعلمَ ، وإنْ كانَ
ف
٣٩٧

كتاب المحبة والشوق
ربع المنجيات
الأجهلُ لا يخلو عنْ علمٍ ما بتفاصيلِ معيشتِهِ ، والتفاوتُ بينَ علمِ اللهِ وبينَ
علمِ الخلائقِ أكثرُ مِنَ التفاوتِ بينَ علمٍ أعلمِ الخلائقِ وأجهلِهِمْ ؛ لأنَّ الأعلمَ
لا يفضلُ الأجهلَ إلا بعلومِ معدودةٍ متناهيةٍ يُتصوَّرُ في الإمكانِ أنْ ينالَها
الأجهلُ بالكسبِ والاجتهادِ ، وفضْلُ علمِ اللهِ سبحانَهُ على علومِ الخلائقِ
كلَّهِمْ خارجٌ عنِ النهايةِ ؛ إذْ معلوماتُهُ لا نهايةَ لها ، ومعلوماتُ الخلقِ
متناهيةٌ .
وأمَّا صفةُ القدرةِ : فهيَ أيضاً كمالٌ ، والعجزُ نقصٌ ، وكلُّ كمالٍ وبهاءٍ
وعظمةٍ ومجدٍ واستيلاءٍ فإنَّهُ محبوبٌ، وإدراكُهُ لذيذٌ، حتَّى إِنَّ الإنسانَ
ليسمعُ في الحكايةِ شجاعةَ عليٍّ وخالدٍ - رضيَ اللهُ تعالى عنهُما - وغيرِهِما
مِنَ الشجعانِ ، وقدرتَهُما واستيلاءَهُما على الأقرانِ ، فيصادفُ في قلبِهِ
اهتزازاً وفرحاً وارتياحاً ضرورياً بمجرَّدٍ لذَّةِ السماع فضلاً عنِ المشاهدةِ ،
ويورثُ ذلكَ حبّاً في القلبِ ضرورياً للمتصفِ بهِ ، فإنَّهُ نوعُ كمالٍ .
فانسبِ الآنَ قدرةَ الخلقِ كلِّهِمْ إلى قدرةِ اللهِ تعالى ، فأعظمُ الأشخاصِ
قوَّةً، وأوسعُهُمْ ملكاً، وأقواهُمْ بطشاً، وأقهرُهُمْ للشهواتِ ، وأقمعُهُمْ
الخبائثِ النفسِ ، وأجمعُهُمْ للقدرةِ على سياسةِ نفسِهِ وسياسةِ غيرِهِ ..
ما منتهى قدرتِهِ ؟ وإنَّما غايتُهُ أنْ يقدرَ على بعضٍ صفاتِ نفسِهِ ، وعلىُ بعضٍ
أشخاصِ الإنسِ في بعضِ الأمورِ ، وهوَ معَ ذلكَ لا يملكُ لنفسِهِ موتاً
ولا حياةً ولا نشوراً، ولا نفعاً ولا ضرّاً، بلْ لا يقدرُ على حفظِ عِينِهِ مِنَ
العمى ، ولسانِهِ مِنَ الخرسِ ، وأذنِهِ مِنَ الصممِ ، وبدنِهِ مِنَ المرضِ ،
M
FISIS
BtIP
٣٩٨
كن

١
ـسيسيه
ولا يُحتاجُ إلى عدِّ ما يعجزُ عنهُ في نفسِهِ وغيرِهِ ممَّا هوَ على الجملةِ متعلَّقُ
قدرتِهِ ، فضلاً عمَّا لا تتعلَّقُ بهِ قدرتُهُ مِنْ ملكوتِ السماواتِ وأفلاكِها
وكواكبها ، والأرضِ وجبالِها وبحارِها ورياحِها وصواعقِها ومعادنِها ونباتِها
وحيواناتِها وجميع أجزائِها ، فلا قدرةَ لهُ على ذرَّةٍ منها .
وما هوَ قادرٌ عليهِ مِنْ نفسِهِ وغيرِهِ فليسَتْ قدرتُهُ مِنْ نفسِهِ وبنفسِهِ ، بلِ اللهُ
خالقُهُ وخالقُ قدرتِهِ ، وخالقُ أسبابِهِ ، والممكِّنُ لهُ مِنْ ذلكَ، ولَوْ سلَّطَ
بعوضاً على أعظمٍ ملكٍ وأقوى شخصٍ مِنَ الحيواناتِ .. لأهلكَهُ ، فليسَ
للعبدِ قدرةٌ إلا بتمكينِ مولاهُ ، كما قالَ في أعظمٍ ملوكِ الأرضِ ذي القرنينِ :
إِنَّا مَكَنَّا لَهُ فِ الْأَرْضِ﴾، فلمْ يكنْ جميعُ ملكِهِ وسلطنتِهِ إلا بتمكينِ اللهِ تعالى
إِيَّاهُ في جزءٍ مِنَ الأرضِ ، والأرضُ كلُّها مدرةٌ بالإضافةِ إلى أجسامِ العالمِ ،
وجميعُ الولاياتِ التي يحظى بها الناسُ مِنَ الأرضِ غبرةٌ مِنْ تلكَ المدرةِ ، ثمَّ
تلكَ الغيرةُ أيضاً مِنْ فضْلِ اللهِ تعالى وتمكينِهِ ، فيستحيلُ أنْ يحبَّ عبداً مِنْ
عبادِ اللهِ تعالى لقدرتِهِ وسياستِهِ ، وتمكّنِهِ واستيلائِهِ وكمالِ قوَّتِهِ ..
ولا يحبّ اللهَ تعالى لذلكَ ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ العليِّ العظيمِ ، فهوّ
الجبّارُ القاهرُ، والعليمُ القادرُ، السماواتُ مطوياتٌ بيمينِهِ، والأرضُ
وما عليها في قبضتِهِ ، وناصيةُ جميع المخلوقاتِ في قبضةِ قدرتِهِ ، إنْ
أهلكَهُمْ مِنْ عندِ آخرِهِمْ .. لمْ ينقصْ مِنْ سلطانِهِ وملكِهِ ذرَّةٌ ، وإنْ خلقَ
أمثالَهُمْ ألفَ مرَّةٍ .. لمْ يعْيَ بخلقِهِ ، ولا يمسُّهُ لغوبٌ ولا فتورٌ في اختراعِهِ ،
فلا قدرةَ ولا قادرَ إلا وهوَ أثرٌ مِنْ آثارٍ قدرتِهِ ، فلهُ الجمالُ والبهاءُ ، والعظمةُ
3
مرص
حي
، ،ہ.
ربع المنجيات
كتاب المحبة والشوق
٣٩٩
حر

كتاب المحبة والشوق
موصى
ربع المنجيات
حن
والكبرياءُ ، والقهرُ والاستيلاءُ ، فإنْ كانَ يُتصوَّرُ أنْ يُحبَّ قادرٌ لكمالٍ
قدرتِهِ . . فلا يستحقُّ الحبَّ بكمالِ القدرةِ سواهُ أصلاً .
وأمّا صفةُ التنزُّهِ عنِ العيوبِ والنقائصِ ، والتقُّسِ عنِ الرذائلِ
والخبائثِ : فهوَ أحدُ موجباتِ الحبِّ ، ومقتضياتِ الحسنِ والجمالِ في
الصورةِ الباطنةِ ، والأنبياءُ والصدِّيقونَ وإنْ كانوا منزَّهينَ عنِ العيوبِ
والخبائثِ .. فلا يُصوَّرُ كمالُ التقديسِ والتنزيهِ إلا الواحدِ الحقِّ ، الملكِ
القدوسِ ، ذي الجلالِ والإكرامِ .
وأمَّا كلُّ مخلوقٍ .. فلا يخلو عنْ نقصٍ وعنْ نقائصَ، بلْ كونُهُ عاجزاً
مخلوقاً مسخّراً مضطراً هوَ عينُ العيبِ والنقصِ ، فالكمالُ للهِ وحدَهُ ، وليسَ
لغيرِهِ كمالٌ إلا بقدْرِ ما أعطاهُ اللهُ ، وليسَ في المقدورِ أنْ ينعمَ بمنتهى الكمالِ
على غيرِهِ ، فإنَّ منتهى الكمالِ أقلُّ درجاتِهِ ألا يكونَ عبداً مسخّراً لغيرِهِ وقائماً
بغيرِهِ ، وذلكَ محالٌ في حقِّ غيرِهِ ، فهوَ المنفردُ بالكمالِ ، المنزَّهُ عنِ
النقصِ ، المقدَّسُ عنِ العيوبِ، وشرحُ وجوهِ التقديسِ والتنزيهِ في حقُّهِ عنِ
النقائصِ يطولُ ، وهوَ مِنْ أسرارِ علومِ المكاشفاتِ ، فلا نطوِّلُ بذكرِهِ .
فهذا الوصفُ أيضاً إِنْ كانَ كمالاً وجمالاً محبوباً .. فلا تتمُّ حقيقتُهُ إلا
لهُ، وكمالُ غيرِهِ وتنزُّهُهُ لا يكونُ مطلقاً ، بلْ بالإضافةِ إلى ما هوَ أشدُّ منهُ
نقصاناً ، كما أنَّ للفرسِ كمالاً بالإضافةِ إلى الحمارِ ، وللإنسانِ كمالاً
بالإضافةِ إلى الفرسِ ، وأصلُ النقصِ شاملٌ للكلِّ ، وإنَّما يتفاوتونَ في
درجاتِ النقصانِ .
ـود:
مدن
٤٠٠