Indexed OCR Text

Pages 341-360

١.٨٠-
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
مِنْ لحمِهِ، ودماً خيراً مِنْ دِمِهِ، وإنْ توفيتُهُ .. توفيتُهُ إلى رحمتي))(١).
حمي
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أفضلُ الأعمالِ ما أُكرهَتْ عليهِ
النفوسُ)) (٢)، فقيلَ: معناهُ: ما دخلَ عليها مِنَ الأمراضِ والمصائبِ ،
وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَعَسَىَ أَنْ تَكَّرَ هُوَأْشَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
وكانَ سهلٌ يقولُ : ( تركُ التداوي وإنْ ضعفَ عنِ الطاعاتِ وقصرَ عنِ
الفرائضِ أفضلُ مِنَ التداوي لأجلِ الطاعاتِ)(٣).
حن
وكانَتْ بهِ علَّةٌ عظيمةٌ ، فلمْ يكنُ يتداوى منها ، وكانَ يداوي الناسَ
منها ، وكانَ إذا رأى العبدَ يصلِّي مِنْ قعودٍ ولا يستطيعُ أعمالَ البرِّ مِنَ
الأمراضِ ، فيتداوى للقيام في الصلاةِ والنهوضِ إلى الطاعةِ .. يعجبُ مِنْ
ذلكَ ويقولُ : ( صلاتُهُ مِنْ قعودٍ مع الرضا بحالِهِ أفضلُ مِنَ التداوي للقوَّةِ
والصلاةِ قائماً)(٣).
وسُئِلَ عنْ شربِ الدواءِ ، فقالَ : ( كلُّ مَنْ دخلَ في شيءٍ مِنَ الدواءِ
فإنَّما هوَ سعةٌ مِنَ اللهِ تعالى لأهلِ الضعفِ ، ومَنْ لمْ يدخلْ في شيءٍ منهُ ..
فهوَ أفضلُ ؛ لأنَّهُ إِنْ أخذَ شيئاً مِنَ الدواءِ ولوْ كانَ هوَ الماءَ الباردَ .. يُسألُ عنهُ
(١) قوت القلوب (٢٥/٢)، وبنحوه رواه أحمد في ((المسند)) (١٥٩/٢)، وابن
أبي الدنيا في (( المرض والكفارات)) ( ٧٦).
(٢) قوت القلوب (٢٥/٢)، ورواه ابن أبي الدنيا في ((محاسبة النفس)) ( ١١٣)، وابن
الجوزي في (( ذم الهوى)) ( ١٤٨) من قول عمر بن عبد العزيز .
(٣) قوت القلوب (٢٣/٢).
٣٤١

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
ـكن
لِمَ أخذتَ؟ ومَنْ لمْ يأخذْ .. فلا سؤالَ عليهِ)(١) .
٠
وكان مذهبُهُ ومذهبُ البصريينَ تضعيفَ النفسِ بالجوعِ وكسرِ الشهواتِ ؛
العلمِهِمْ بأنَّ ذرَّةً مِنْ أعمالِ القلوبِ مثلَ الصبرِ والرضا والتوكلِ أفضلُ مِنْ
أمثال الجبالِ مِنْ أعمالِ الجوارح(١) ، والمرضُ لا يمنعُ مِنْ أعمالِ القلوبِ
إلا إذا كانَ ألمُهُ غالباً مدهشاً .
وقالَ سهلٌ رحمهُ اللهُ: ( عللُ الأجسام رحمةٌ، وعللُ القلوب عقوبةٌ)(١).
السببُ الخامسُ : أنْ يكونَ العبدُ قدْ سبقَ لهُ ذنوبٌ وهوَ خائفٌ منها ،
عاجزٌ عنْ تكفيرِها ، فيرى المرضَ إذا طالَ تكفيراً ، فيتركَ التداويَ خوفاً مِنْ أنْ
يسرعَ زوالُ المرضِ ؛ فقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تزالُ الحقَّى والمليلةُ
بالعبدِ حتَّى يمشيَ على الأرضِ كالبردةِ ما عليهِ ذنبٌ ولا خطيئةٌ )) (٢).
وفي الخبرِ: ((حمَّى يوم كفارةُ سنةٍ))(٣)، فقيلَ: لأنَّها تهدُّ قوَّةَ سنةٍ،
(١) قوت القلوب (٢٣/٢).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٤/٢)، ورواه بنحوه البيهقي في (( الشعب)) (٩٤٣٣) ولفظه:
((إن الحمى والمليلة لا يزالان بالمؤمن وإن ذنبه مثل أحد ، فما يدعانه وعليه من ذنبه
مثقال حبة من خردل)»، وعند الترمذي (٢٠٨٦): ((إنما مثل المريض إذا برأ وصحّ
كالبردة تقع من السماء في صفائها ولونها))، والمليلة : حرارة يجدها المرء ، وهي
حتَّى في العظام .
(٣) كذا في «القوت)) (٢٤/٢)، ورواه تمام في «فوائده)» (٤٧٩)، والقضاعي في
(مسند الشهاب)) (٦٢).
حةحج حن حق ح6
٣٤٢
كن
ان

١
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
سببسيس
وقيلَ : للإنسانِ ثلاثُ مئةٍ وستونَ مفصلاً ، فتدخلُ الحقَّى في جميعِها ،
ويجدُ مِنْ كلِّ واحدٍ ألماً ، فيكونُ كلُّ ألمٍ كفارةَ يوم (١).
ولمّا ذكرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كفارةَ الذنوبِ بالحمَّى .. سألَ زيدُ بنُ
ثابتٍ رَّهُ عزَّ وجلَّ ألا يزالَ محموماً ، فلمْ تكنِ الحمَّى تفارقُهُ حتَّى ماتَ
رضيَ اللهُ عنهُ(٢) .
وسألَ ذلكَ طائفةٌ مِنَ الأنصارِ ، فكانَتِ الحقَّى لا تزايلُهُمْ (٣).
ولمَّا قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَنْ أذهبَ اللهُ كريمتيهِ .. لمْ يرضَ لهُ
ثواباً دونَ الجنةِ )) .. قالَ: فلقدْ كانَ مِنَ الأنصارِ مَنْ يتمنَّى العمى (٤).
معمصر
وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( لا يكونُ عالماً مَنْ لمْ يفرحْ بدخولِ المصائبِ
والأمراضٍ على جسدِهِ ومالِهِ لما يرجو في ذلكَ مِنْ كفارةِ خطاياهُ)(٥) .
ورُويَ أنَّ موسى عليهِ السلامُ نظرَ إلى عبدٍ عظيم البلاءِ ، فقالَ :
(١) قوت القلوب (٢٤/٢).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٤/٢).
(٣) منهم أبي بن كعب رضي الله عنه، فقد روى البيهقي في ((الشعب)) ( ٩٤٩٧) عنه
قال : ( اللهم ؛ إني أسألك ألا تزال الحمى مضارعة لجسد أبي بن كعب حتى يلقاك،
لا تمنعه من صلاة ولا صيام ولا حج ولا عمرة ولا جهاد في سبيلك ) ، فارتكبته الحمى
مكانه ، فلم تفارقه حتى مات ، وكان في ذلك يشهد الصلاة ويصوم ويحج ويعتمر
ويغزو .
(٤) كذا في ((القوت)) (٢٤/٢)، والحديث رواه الترمذي (٢٤٠١) .
(٥) قوت القلوب (٢٤/٢) .
٣٤٣
حن

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
يا ربِّ؛ ارحمْهُ، فقال تعالى: كيفَ أرحمُهُ ممَّا بهِ أرحمُهُ ؛ أي : بهِ أكفِّرُ
ذنوبَهُ، وأزيدُ في درجاتِهِ (١) .
السببُ السادسُ : أنْ يستشعرَ العبدُ مِنْ نفسِهِ مباديَ البطرِ والطغيانِ بطولٍ
مدَّةِ الصحةِ ، فيتركَ التداويَ خوفاً مِنْ أنْ يعاجلَهُ زوالُ المرضِ فتعاودَهُ الغفلةُ
والبطرُ والطغيانُ ، أَوْ طولُ الأملِ والتسويفُ في تداركِ الفائتِ وتأخيرِ
الخيراتِ ؛ فإنَّ الصحةَ عبارةٌ عنْ قوَّةِ الصفاتِ ، وبها ينبعثُ الهوى وتتحرَّكُ
الشهواتُ ، وتدعو إلى المعاصي ، وأقلُّها أنْ تدعوَ إلى التنقُّمِ في
المباحاتِ ، وهوَ تضييعٌ للأوقاتِ ، وإهمالٌ للربحِ العظيمِ في مخالفةِ النفسِ
وملازمة الطاعات
٠
وإذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيراً .. لمْ يخِلِهِ عنِ التنبيهِ بالأمراضِ والمصائبِ،
ولذلكَ قيلَ : ( لا يخلو المؤمنُ مِنْ علَّةٍ أوْ قلَّةٍ أوْ ذِلَّةٍ)(٢).
وقدْ رُوِيَ أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ( الفقرُ سجني ، والمرضُ قيدي ، أحبسُ
بِهِ مَنْ أحبُّ مِنْ خلقي)(٢) .
فإذا كانَ في المرضِ حبسٌ عنِ الطغيانِ وركوبِ المعاصي .. فأيُّ خیرِ
(١) قوت القلوب (٢٤/٢)، وقال الله تعالى في تصديق ذلك: ﴿وَلَوْ رَحِمنَهُمْ وَكَتَفْنَامَا يِهِم
مِن ضُرٍ تَّلَبُواْ فِي ◌ُغْيَئِنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، فأخبر أن ترك الرحمة لهم من الأمراض لطفاً بهم
ورحمة بالمنة لهم. ((إتحاف)) (٥٢٧/٩) .
ـحر
(٢) قوت القلوب (٢٤/٢) .
٣٤٤
ـن
بو

1
ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
يزيدُ عليهِ ؟! ولِمَ ينبغي أنْ يشتغلَ بعلاجِهِ مَنْ يخافُ ذلكَ على نفسِهِ ؟!
فالعافيةُ في تركِ المعاصي ؛ فقدْ قالَ بعضُ العارفينَ الإنسانِ : كيفَ كنتَ
بعدي ؟ قالَ : في عافيةٍ ، قالَ : إِنْ كنتَ لمْ تعصِ اللهَ .. فأنتَ في عافيةٍ ،
وإنْ كنتَ قدْ عصيتَهُ .. فأيُّ داءٍ أدوأُ مِنَ المعصيةِ ؟! ما عُوفيَ مَنْ
عصى الله(١) .
وقالَ عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ لمَّا رأى زينةَ النَّبَطِ بالعراقِ في يوم عيدهِمْ :
ما هذا الذي أظهروهُ ؟ قالوا : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ هذا يومُ عيدٍ لَهُمْ ،
فقالَ : كلُّ يومٍ لا نعصي اللهَ تعالى فيهِ فهوَ لنا عيدٌ(١).
وقال تعالى: ﴿وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَآ أَرَنَكُمْ مَّا تُحِبُّونَ﴾، قيلَ:
العوافي ، وقالَ: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَيَطْغَى .. أَنْ زَّءَاهُ أَسْتَغْنَى﴾، وكذلكَ إذا استغنى
بالعافيةِ .
.FV
وقالَ بعضُهُمْ: إنَّما قالَ فرعونُ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ لطولِ العافيةِ؛ لأنَّهُ
لبثَ أربعَ مئةِ سنةٍ لمْ يُصدَّعْ لَهُ رأسٌ ، ولمْ يُحمَّ لهُ جسمٌ ، ولمْ يضربْ عليهِ
عرقٌ؛ فادَّعى الربوبيةَ لعنَهُ اللهُ، ولوْ أخذَتْهُ الشقيقةُ كلَّ يوم .. لشغلَتْهُ عنِ
الفضولِ فضلاً عنْ دعوى الربوبيةِ (١).
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أكثروا مِنْ ذكرِ هاذم اللذاتِ))(٢)،
(١) قوت القلوب (٢٤/٢) .
(٢) رواه الترمذي ( ٢٣٠٧)، والنسائي (٤/٤)، وابن ماجه (٤٢٥٨).
٣٤٥

كتاب التوحيد والتوكل
.
ربع المنجيات
حن
وقيلَ : ( الحقَّى رائدُ الموتِ )(١) ، فهيَ تذكرةٌ بهِ ، ودافعةٌ للتسويفِ .
وقال تعالى: ﴿أَوَّلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ قَّزَةً أَوْ مَرَّتَيْنِ
ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، قيلَ: يفتنونَ بأمراضٍ يُختبرونَ
|(٢)
بها (٢) .
ويُقالُ : إِنَّ العبدَ إذا مرضَ مرضتينِ ثمَّ لمْ يتبْ .. قالَ لهُ ملكُ الموتِ:
يا غافلُ؛ جاءَكَ مِنِّي رسولٌ بعدَ رسولٍ فلمْ تُجبْ(٣)؟!
وقدْ كانَ السلفُ لذلكَ يستوحشونَ إذا خرجَ عامٌ لم يُصابوا فيهِ بنقصٍ في
نفسٍ أوْ مالٍ (٤).
وقالوا : لا يخلو المؤمنُ في كلِّ أربعينَ يوماً أنْ يُروَّعَ روعةٌ، أَوْ يُصابَ
ببليَّةٍ ، حتَّى رُويَ أنَّ عمارَ بنَ ياسرٍ تزوَّجَ امرأةً ، فلمْ تكنْ تمرضُ ،
فطلَّقَها(٥) ، وأنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عُرضَتْ عليهِ امرأةٌ ، فَذُكِرَ مِنْ
٤٠
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) (٧٤) عن سعيد بن جبير، ومرسلاً عن
الحسن (٧٣)، وفي (ج، د، ن، ع): ( بريد) بدل (رائد)، وهي كذلك في
((القوت)) (٢٦/٢)، ورواها كذلك أبو نعيم في «الحلية)) (٢٢٩/١٠) عن
أبي حفص النيسابوري .
(٢)
قوت القلوب ( ٢٦/٢) .
(٣) قوت القلوب (٢٦/٢)، والمعنى: فلم تُجبْ إلا أن آتيك بنفسي أضربك ضربة أقطع
منك الوتين. «إتحاف)) (٥٢٩/٩).
(٤) قوت القلوب (٢٦/٢).
(٥) قوت القلوب (٢٦/٢).
حن حم حن فن حن عن من حن عن
٣٤٦
ش

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
وصفِها حتَّى همَّ أنْ يتزوجَها، فقيلَ: وإنَّها ما مرضَتْ قطُّ، فقالَ: ((لا
حاجةَ لي فيها))(١) .
ـحن
وذكرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأمراضَ والأوجاعَ ؛ كالصداع
وغيرِهِ ، فقالَ رجلٌ: وما الصداعُ؟ ما أعرفُهُ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( إليكَ عنِّي، مَنْ أرادَ أنْ ينظرَ إلى رجلٍ مِنْ أَهلِ النارِ .. فلينظرْ إلى
هذا)) (٢)، وهذا لأنَّهُ وردَ في الخبرِ: أنَّ الحمَّى حظّ كلِّ مؤمنٍ مِنَ
النار (٣).
مدن
2
وفي حديثٍ أنسٍ وعائشةَ رضيَ اللهُ عنهُما : قيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ هلْ
يكونُ معَ الشهداءِ يومَ القيامةِ غيرُهُمْ؟ فقالَ: (( نعمْ ، مَنْ ذكرَ الموتَ في
كلّ يومٍ عشرينَ مرَّةٌ))، وفي لفظٍ آخرَ: (( الذي يذكرُ ذنوبَهُ فتحزنُهُ)) (٤).
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (١٥٥/٣).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٦/٢)، وقد رواه أبو داوود (٣٠٨٩)، إذ قال الرجل :
وما الأسقام؟ والله ما مرضت قط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( قُمْ عنا،
فلست منا )) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((المرض والكفارات)) ( ١٥٧)، وعند الترمذي
(٢٠٨٨)، وابن ماجه ( ٣٤٧٠) أنه صلى الله عليه وسلم قال للذي وعك: (( أبشر،
فإن الله يقول : هي ناري أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا ؛ لتكون حظه من النار في
الآخرة)) .
(٤) كذا بروايته في ((القوت)) (٢٦/٢)، ورواه الطبراني في ((الأوسط)) (٧٦٧٢) من
حديث عائشة رضي الله عنها ، ولفظه أنها قالت : يا رسول الله ؛ ليس الشهيد إلا من
قتل في سبيل الله؟ فقال: (( يا عائشة؛ إن شهداء أمتي إذاً لقليل ، من قال في يوم =
٣٤٧
ـكن
كن

كتاب التوحيد والتوكل
ـة
ربع المنجيات
ولا شكّ في أنَّ ذكرَ الموتِ على المريضِ أغلبُ .
فلمَّا أنْ كثرَتْ فوائدُ المرضِ .. رأى جماعةٌ تركَ الحيلةِ في زوالِها؛ إِذْ
رأَوا لأنفسِهِمْ مزيداً فيها ، لا مِنْ حيثُ رأَوا التداويَ نقصاناً، وكيفَ يكونُ
نقصاناً وقدْ فعلَهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟!
G
G
٨٠٨٥٠
جن
----
=
خمسة وعشرين مرة : اللهم ؛ بارك في الموت وفيما بعد الموت ، ثم مات على
فراشه .. أعطاه الله أجر شهيد)).
٣٤٨

ربع المنجيات
٥٠٠
كتاب التوحيد والتوكل
بيان الرد على من قال: إن ترك الشّداوي أفضل بجل عمال
فلوْ قالَ قائلٌ : إنَّما فعلَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ليسُنَّ لغيرِهِ ،
وإلا .. فهوَ حالُ الضعفاءُ، ودرجةُ الأقوياءِ تُوجبُ التوكلَ بتركِ الدواءِ .
3
فيُقالُ لهُ : فينبغي أنْ يكونَ مِنْ شرطِ التوكلِ تركُ الحجامةِ والفصدِ عندَ
تبيّغِ الدم ، فإنْ قيلَ: إنَّ ذلكَ أيضاً شرطٌ .. فليكنْ مِنْ شرطِهِ أنْ تلدغَهُ
العقربُ أوِ الحيةُ فلا ينخِّيَها عنْ نفسِهِ؛ إذ الدمُ يلدغُ الباطنَ ، والعقربُ تلدغُ
الظاهرَ ، فأيُّ فرقٍ بينَهُما ؟
فإِنْ قالَ : وذلكَ أيضاً شرطُ التوكلِ .
فيُقالُ : ينبغي ألا يزيلَ لدغَ العطشِ بالماءِ ولدغَ الجوعِ بالخبزِ ولدغَ البردِ
بالجبَّةِ ، وهذا لا قائلَ بهِ ، ولا فرقَ بينَ هذهِ الدرجاتِ ؛ فإنَّ جميعَ ذلكَ
أسبابٌ رتَّبَّها مسبِّبُ الأسبابِ سبحانَهُ وتعالى وأجرى بها سنّهُ .
ويدلُّ على أنَّ ذلكَ ليسَ مِنْ شرطِ التوكلِ ما رُويَ عنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ
وعنِ الصحابةِ في قصَّةِ الطاعونِ، فإنَّهُمْ لمَّا قصدوا الشامَ وانتهَوا إلى
الجابيةِ(١) .. بلغَهُمُ الخبرُ أنَّ بهِ موتاً ذريعاً ووباءً عظيماً، فافترقَ الناسُ
فرقتينِ ، فقالَ بعضُهُمْ : لا ندخلُ على الوباءِ فنلقيَ بأيدينا إلى التهلكةِ ،
وقالَتْ طائفةٌ أخرى : بلْ ندخلُ ونتوكلُ ، ولا نهربُ مِنْ قدرِ اللهِ تعالى ،
(١) موضع من أعمال دمشق ، يقع في شمال حوران .
٣٤٩

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
حن
محن
ولا نفرٌّ مِنَ الموتِ فنكونَ كمَنْ قالَ اللهُ تعالى فيهم: ﴿أَلَمّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ
مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفُ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾، فرجعوا إلى عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ فسألوهُ عنْ
رأيِهِ ، فقالَ : نرجعُ ولا ندخلُ على الوباءِ ، فقالَ لهُ المخالفونَ في رأيِهِ : أنفرُ
مِنْ قدرِ اللهِ تعالى؟! فقالَ عمرُ : نعمْ ، نفرٌ مِنْ قدرِ اللهِ إلى قدرِ اللهِ ، ثمَّ
ضربَ لهُمْ مثلاً وقالَ : أرأيتُمْ لوْ كانَ لأحدِكُمْ غنمٌ ، فنزلَ بها وادياً لهُ
شعبتانِ ؛ إحداهما مخصبةٌ ، والأخرى مجدبةٌ ، أليسَ إنْ رعى المخصبةَ ..
رعاها بقدرِ اللهِ تعالى وإنْ رعى المجدبةَ .. رعاها بقدرِ اللهِ تعالى؟ فقالوا :
نعمْ، ثُمَّ طلبَ عبدَ الرحمنِ بنَ عوفٍ ليسألَّهُ عنْ رأيِهِ وكانَ غائباً ، فلمَّا
أصبحوا . . جاءَ عبدُ الرحمنِ، فسألَّهُ عمرُ عنْ ذلكَ ، فقالَ : عندي فيهِ يا أميرَ
المؤمنينَ شيءٌ سمعتُهُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ عمرُ : اللهُ
أكبرُ! فقالَ عبدُ الرحمنِ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ :
((إذا سمعتُمْ بالوباءِ بأرضٍ .. فلا تقدموا عليهِ، وإذا وقعَ بأرضٍ وأنتُمْ بها ..
فلا تخرجوا فراراً منهُ))، ففرحَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ بذلكَ وحمدَ اللهَ تعالى إذْ
وافقَ رأيَهُ ، ورجعَ بالناسِ مِنَ الجابيةِ(١).
حن
فإِذاً ؛ كيفَ اتفقَ الصحابةُ كلُّهُمْ على تركِ التوكلِ وهوَ مِنْ أعلى المقاماتِ
إنْ كانَ أمثالُ هذا مِنْ شروطِ التوكلِ ؟
شي كن وم حن ش جن ثن حن حن
ـدن
(١) رواه بمرفوعه البخاري (٥٧٢٩)، ومختصراً ملم (٢٢١٩).
٣٥٠
2
٠٫٠٠

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
فإنْ قلتَ : فِلِمَ نهى عنِ الخروجِ مِنَ البلدِ الذي فيهِ الوباءُ وسببُ الوباءِ
في الطبِّ الهواءُ، وأظهرُ طرقِ التداوي الفرارُ مِنَ المضرِّ ، والهواءُ هوَ
المضرُّ ، فلِمَ لمْ يرخصْ فيهِ ؟
فاعلمْ : أَنَّهُ لا خلافَ في أنَّ الفرارَ عنِ المضرُّ غيرُ منهيٍّ عنهُ ؛ إذ
الحجامةُ والفصدُ فرارٌ مِنَ المضرِّ وتركُ التوكلِ في أمثالِ هذا مباحٌ ، وهذا
لا يدلُّ على المقصودِ ، ولكنَّ الذي ينقدحُ فيهِ - والعلمُ عندَ اللهِ تعالى - أنَّ
الهواءَ لا يضرُّ مِنْ حيثُ يلاقي ظاهرَ البدنِ ، بِلْ مِنْ حيثُ دوامُ الاستنشاقِ
لهُ، فإنَّهُ إذا كانَ فيهِ عفونةٌ، ووصلَ إلى الرئةِ والقلبِ وباطنِ الأحشاءِ .. أثَّرَ
فيها بطولِ الاستنشاقِ ، فلا يظهرُ الوباءُ على الظاهرِ إلا بعدَ طولِ التأثيرِ في
الباطنِ ، فالخروجُ مِنَ البلدِ لا يخلصُ غالباً مِنَ الأثرِ الذي استحكمَ مِنْ
قبلُ ، ولكنَّهُ يتوهّمُ الخلاصَ ، فيصيرُ هذا مِنْ جنسِ الموهوماتِ ، كالرَّفْي
والطيرةِ وغيرِهِما ، ولوْ تجرَّدَ هذا المعنى .. لكانَ مناقضاً للتوكلِ ولمْ يكنْ
منهيّاً عنهُ، ولكنْ صارَ منهياً عنهُ؛ لأنَّهُ انضافَ إليهِ أمرٌ آخرُ، وهوَ أنَّهُ لوْ
رخّصَ للأصحاءِ في الخروجِ .. لما بقيَ في البلدِ إلا المرضى الذين أقعدَهَمُ
الطاعونُ وانكسرَتْ قلوبُهُمْ وفقدوا المتعهِّدينَ ، ولمْ يبقَ في البلدِ مَنْ يسقيهِمُ
الماءَ ويطعمُهُمُ الطعامَ ، وهمْ يعجزونَ عنْ مباشرتِهِما بأنفسِهِمْ، فيكونُ
ذلكَ سعياً في إهلاكِهِمْ تحقيقاً، وخلاصُهُمْ منتظرٌ، كما أنَّ خلاصَ
الأصحَّاءِ منتظرٌ، فلوْ أقاموا .. لمْ تكنِ الإقامةُ قاطعةً بالموتِ ، ولوْ
خرجوا .. لمْ يكنِ الخروجُ قاطعاً بالخلاصِ ، وهوَ قاطعٌ في إهلاكِ الباقينَ ،
٣٥١
الاراء مخترع
ش

كتاب التوحيد والتوكل
مر
جر
ربع المنجيات
والمسلمونَ كالبنيانِ يشدُّ بعضُهُ بعضاً، والمؤمنونَ كالجسدِ الواحدِ ؛ إذا
اشتكى منهُ عضوٌ .. تداعىُ إليهِ سائرُ أعضائِهِ .
فهذا هوَ الذي ينقدحُ عندَنا في تعليلِ النهي ، وينعكسُ هُذا فيمَنْ لمْ
يقدمْ بعدُ على البلدِ ؛ فإنَّهُ لمْ يؤثِّرِ الهواءُ في باطِهِمْ ، ولا بأهلِ البلدِ حاجةٌ
إلیھمْ .
نعمْ ، لوْ لمْ يبقَ في البلدِ إلا مطعونونَ ، وافتقروا إلى المتعهدينَ ، وقدمَ
عليهِمْ قومٌ .. فربَّما كانَ ينقدحُ استحبابُ الدخولِ ههنا لأجلِ الإعانةِ ،
ولا يُنهى عنِ الدخولِ ؛ لأنَّهُ تعرُّضٌ لضررٍ موهومٍ على رجاءِ دفعٍ ضررٍ عنْ
بقيَّةِ المسلمينَ ، ولهذا شُبِّهَ الفرارُ مِنَ الطاعونِ في بعضِ الأخبارِ
بالفرارِ مِنَ الزحفِ (١)؛ لأنَّ فيهِ كسراً لقلوب بقيّةِ المسلمينَ ، وسعياً في
إهلاكِهِمْ .
فهذهِ أمورٌ دقيقةٌ، فمَنْ لا يلاحظَها ، وينظرُ إلى ظواهرِ الأخبارِ
والآثار .. يتناقضُ عندَهُ أكثرُ ما يسمعُهُ، وغلطُ العبَّادِ والزهَّادِ في مثلِ هذا
يكثرُ، وإنَّما شرفُ العلمِ وفضيلتُهُ لأجلِ ذلكَ .
٩
(١) فقد روى أحمد في ((المسند)) (٨٢/٦) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعاً:
« الفار من الطاعون كالفار من الزحف)» .
٣٥٢

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
فإنْ قلتَ : ففي تركِ التداوي فضلٌ كما ذكرتَ ، فلِمَ لمْ يتركْ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ التداويّ لينالَ الفضْلَ ؟
فنقولُ : فيهِ فضْلٌ بالإضافةِ إلى مَنْ كثرَتْ ذنوبُهُ ليكفِّرَها ، أوْ خافَ على
نفسِهِ طغيانَ العافيةِ وغلبةَ الشهواتِ ، أوِ احتاج إلى ما يذكِّرُهُ الموتَ لغلبةِ
الغفلةِ ، أوِ احتاجَ إلى نيلِ ثوابِ الصابرينَ لقصورِهِ عنْ مقاماتِ الراضينَ
والمتوكلينَ ، أَوْ قصرَتْ بصيرتُهُ عنِ الاطلاع على ما أودعَ اللهُ تعالى في
الأدويةِ منْ لطائفِ المنافع حتَّى صارَ في حقِّهِ موهوماً كالرَّقْي، أوْ كانَ شغلُهُ
بحالِهِ يمنعُهُ عنِ التداوي ، وكانَ التداوي يشغلُهُ عنْ حالِهِ لضعفِهِ عن
الجمع ، فإلى هذهِ المعاني رجعَتِ الصوارفُ في تركِ التداوي ، وكلُّ ذلكَ
كمالاتٌ بالإضافةِ إلى بعضِ الخلقِ ، ونقصانٌ بالإضافةِ إلى درجةِ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، بلْ كانَ مقامُهُ أعلى مِنْ هذهِ المقاماتِ كلِّها ؛ إذْ كانَ
حالُهُ يقتضي أنْ تكونَ مشاهدتُهُ على وتيرةٍ واحدةٍ عندَ وجودِ الأسبابِ
وفقدِها ، فإنَّهُ لمْ يكنْ لهُ نظرٌ في الأحوالِ إلا إلى مسبِّبِ الأسبابِ ، ومَنْ كانَ
هذا مقامَهُ .. لمْ تضرُّهُ الأسبابُ ، كما ذكرنا أنَّ الرغبةَ في المالِ نقصٌ ،
والرغبةَ عنِ المالِ كراهةً لهُ وإنْ كانتْ كمالاً فهوَ أيضاً نقصٌ بالإضافةِ إلى مَنْ
يستوي عندَهُ وجودُ المالِ وعدمُهُ، فاستواءُ الحجرِ والذهبِ أكملُ مِنَ الهربِ
مِنَ الذهبِ دونَ الحجرِ ، وكانَ حالُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ استواءَ المدرِ
والذهبِ عندَهُ، وكانَ لا يمسكُهُ لتعليمِ الخلقِ مقامَ الزهدِ ، فإنَّهُ منتهى
قوَّتِهِمْ ، لا لخوفِهِ على نفسِهِ مِنْ إمساكِهِ ، فإنَّهُ كانَ أعلى رتبةٌ مِنْ أنْ تغرَّهُ
حن:
عن
X
٣٥٣
حن
ٹ
من
حن
هر

كتاب التوحيد والتوكل
جـيه
ربع المنجيات
الدنيا ، وقدْ عُرضَتْ عليهِ خزائنُ الأرضِ فأبى أنْ يقبلَها (١) ، فكذلكَ يستوي
عندَهُ مباشرةُ الأسبابِ وتركُها لمثلِ هذهِ المشاهدةِ .
وإنَّما لمْ يتركِ استعمالَ الدواءِ جرياً على سنَّةِ اللهِ تعالىُ ، وترخيصاً لأَمَّتِهِ
فيما تمسُّ إليهِ حاجتُهُمْ ، معَ أنَّهُ لا ضررَ فيهِ ، بخلافِ ادخارِ الأموالِ ، فإنَّ
ذلكَ يعظمُ ضررُهُ .
نعمٍ ، التداوي لا يضرُّ إلا مِنْ حيثُ رؤيةُ الدواءِ نافعاً دونَ خالقِ الدواءِ ،
وهذا قدْ نُهَيَ عنهُ، ومِنْ حيثُ إنَّهُ قدْ يُقصدُ بهِ الصحةُ ليُستعانَ بها على
المعاصي ، وذلكَ منهيٌّ عنهُ ، والمؤمنُ في غالبِ الأمرِ لا يقصدُ ذلكَ ،
وأحدٌ مِنَ المؤمنينَ لا يرى الدواءَ نافعاً بنفسِهِ ، بلْ مِنْ حيثُ إنَّهُ جعلَهُ اللهُ
تعالى سبباً للنفع ، كما لا يرى الماءَ مروياً ولا الخبزَ مشبعاً ، فحكمُ
التداوي في مقصودِهِ كحكم الكسبِ ؛ فإنَّهُ إنِ اكتسبَ للاستعانةِ على الطاعةِ
أَوْ على المعصيةِ .. كانَ لهُ حكمُها ، وإنِ اكتسبَ للتنقُمِ بالمباحِ .. فلهُ
حکمُهُ .
فقدْ ظهرَ بالمعاني التي أوردناها أنَّ تركَ التداوي قدْ يكونُ أفضلَ في
بعضِ الأحوالِ ، وأنَّ التداويَ قدْ يكونُ أفضلَ في بعضٍ ، وأنَّ ذلكَ يختلفُ
(١) فقد روى الترمذي (٢٣٤٧) عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً: ((عرض عليّ ربي
ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، قلت : لا يا ربّ ، ولكن أشبع يوماً وأجوع
يوماً ... )) .
ظن جن جن جن جن حن حن من حن حن حة
٣٥٤
حن

ربع المنجيات
حز
كتاب التوحيد والتوكل
باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ والنّاتِ ، وأنَّ واحداً مِنَ الفعلِ والتركِ ليسَ
شرطاً في التوكلِ ، إلا تركَ الموهوماتِ ؛ كالكيِّ والرَّقْي، فإنَّ ذلكَ تعمُقٌ
في التدبيراتِ لا يليقُ بالمتوكلينَ .
حن
2
ـريو
٣٥٥
محت
مدن

كتاب التوحيد والتوكل
ـاهـ
ربع المنجيات
بيان أحوال المؤكل في إظهار المرض وكتمانه
اعلمْ : أَنَّ كتمانَ المرضِ وإخفاءَ الفقرِ وأنواع البلاءِ مِنْ كنوزِ البرِّ ، وهوَ
مِنْ أعلى المقاماتِ ؛ لأنَّ الرضا بحكمِ اللهِ تعالى والصبرَ على بلائِهِ معاملةٌ
بينَ العبدِ وبينَ اللهِ تعالى ، فكتمانُهُ أسلمُ عنِ الآفاتِ ، ومعَ هذا فالإظهارُ
لا بأسَ بهِ إذا صحَّتْ فيهِ النيّةُ والقصدُ ، ومقاصدُ الإظهارِ ثلاثةٌ :
الأوَّلُ : أنْ يكونَ غرضُهُ التداويَ ، فيحتاجُ إلى ذكرِهِ للطبيبِ ، فيذكرُهُ
لا في معرضِ الشكايةِ ، بلْ في معرضِ الحكايةِ لما ظهرَ عليهِ مِنْ قدرةِ اللهِ
تعالى ، فقدْ كانَ بشرٌ يصفُ لعبدِ الرحمنِ المتطبِّبِ أوجاعَهُ(١) ، وكانَ أحمدُ
ابنُ حنبلٍ يخبرُ بأمراضٍ يجدُها ويقولُ: (إنَّما أصفُ قدرةَ اللهِ تعالى فيَّ )(١)
الثاني : أنْ يصفَ لغيرِ الطبيبِ وكانَ ممَّنْ يُقتدى بهِ ، وكانَ مكيناً في
المعرفةِ ، فأرادَ مِنْ ذِكْرِهِ أنْ يُتعلَّمَ منهُ حسنُ الصبرِ في المرضِ ، بلْ حسن
الشكرِ بأنْ يظهرَ أنَّهُ يرى المرضَ نعمةً فيُشكرُ عليها، فيتحدَّثُ بهِ كما
يتحدَّثُ بالنعم ، وقالَ الحسنُ البصريُّ: ( إذا حمدَ المريضُ اللهَ تعالى
وشكرَهُ، ثمَّ ذكرَ أوجاعَهُ .. لمْ يكنْ ذلكَ شكوى)(١).
(١) قوت القلوب (٢٨/٢).
٣٥٦

ربع المنجيات
حر
كتاب التوحيد والتوكل
الثالثُ : أنْ يظهرَ بذلكَ عجزَهُ وافتقارَهُ إلى اللهِ تعالى ، وذلكَ يحسنُ ممَّنْ
تليقُ بهِ القوَّةُ والشجاعةُ ويُستبعدُ منهُ العجزُ ، كما رُويَ أنَّهُ قيلَ لعليٍّ رضيَ اللهُ
عنهُ في مرضِهِ : كيفَ أنتَ ؟ قالَ : بشرٍّ، فنظرَ بعضُهُمْ إلى بعضٍ كأنَّهُمْ كرهوا
ذلكَ، وظنُّوا أنَّهُ شكايةٌ، فقالَ: أتجلَّدُ على اللهِ؟! (١) فأحبّ أنْ يظهرَ عجزَهُ
وافتقارَهُ معَ ما عُلِمَ بِهِ مِنَ القوَّةِ والصرامةِ ، وتأذَّبَ فيهِ بتأديبِ النبيِّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ إِيَّهُ ؛ حيثُ مرضَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ فسمعَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ وهوَ يقولُ : اللهُمَّ؛ صبِّرْني على البلاءِ، فقالَ لهُ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((لقدْ سألتَ اللهَ تعالى البلاءَ، فسلِ اللهَ العافيةَ))(٢).
حن . .حن حن ھن
2
فبهذهِ النّيَّاتِ يُرخّصُ في ذكرِ المرضِ ، وإنَّما يُشترطُ ذلكَ؛ لأنَّ ذكرَهُ
شكايةٌ ، والشكوىُ مِنَ اللهِ تعالى حرامٌ ؛ كما ذكرناهُ في تحريمِ السؤالِ على
الفقراءِ إلا بضرورةٍ .
ويصيرُ الإظهارُ شكايةً بقرينةِ السخطِ وإظهارِ الكراهةِ لفعلِ اللهِ تعالى ،
فإنْ خلا عنْ قرينةِ التسخُّطِ وعنِ النّيَّاتِ التي ذكرناها .. فلا يُوصفُ
بالتحريمِ ، ولكنْ يُحكمُ فيهِ بأنَّ الأولى تركُهُ ؛ لأنَّهُ ربَّما يوهمُ الشكايةَ ،
ولأنَّهُ ربَّما يكونُ فيهِ تصنُّعٌ ومزيدٌ في الوصفِ على الموجودِ مِنَ العلَّةِ ، ومَنْ
(١) قوت القلوب (٢٨/٢) .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٩/٢)، ورواه الترمذي (٣٥٢٧) ولم يذكر أن القائل هو علي
رضي الله عنه ، وعيّته ( ٣٥٦٤).
٣٥٧

كتاب التوحيد والتوكل
ربع المنجيات
05
تركَ التداويَ توكلاً .. فلا وجهَ في حقُّهِ للإظهار ؛ لأنَّ الاستراحةَ إلى الدواءِ
أحسنُ مِنَ الاستراحةِ إلى الإفشاءِ .
وقدْ قالَ بعضُهُمْ : ( مَنْ بثَّ .. لمْ يصبرْ)(١)
وقيلَ في معنى قولهِ تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾: لا شكوىُ فيهِ(٢).
وقيلَ ليعقوبَ عليهِ السلامُ : ما الذي أذهبَ بصرَكَ ؟ قالَ : مُرُّ الزمانِ
وطولُ الأحزانِ ، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ : تفرَّغتَ لشكوايَ إلى عبادي ؟!
فقالَ : يا ربِّ؛ أتوبُ إليكَ(٣).
ورُويَ عنْ طاووسٍ ومجاهدٍ أَنَّهُما قالا : يُكتبُ على المريض أنينُهُ في
مرضِهِ ، وكانوا يكرهونَ أنينَ المريضِ ؛ لأنَّهُ إظهارُ معنىً يقتضي الشكوى ،
حتَّى قيلَ : ما أصابَ إبليسُ لعنَهُ اللهُ مِنَ أيوبَ عليهِ السلامُ إلا أنينَهُ في
مرضِهِ ، فجُعِلَ الأنينُ حظّهُ منهُ(٤) .
وفي الخبرِ : ((إذا مرضَ العبدُ .. أوحى اللهُ تعالى إلى الملكينِ : انظرا
ما يقولُ لعَّادِهِ؛ فإنْ حمدَ اللهَ وأثنى بخيرٍ .. دعوا لهُ، وإنْ شكا وذكرَ
شرّاً .. قالا: كذلكَ تكونُ))(٥).
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٦٢/١٣/٨) عن مسلم بن يسار مرفوعاً .
(٢) رواه الطبري في تفسيره» (٢٠٦/١٢/٧) عن حبان بن أبي جبلة مرفوعاً مع الخبر السابق.
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٨/٢)، ورواه هناد في ((الزهد)» (٧٨٣).
(٤) كذا في ((القوت)) (٢٨/٢)، وعن مجاهد رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٠٩٣٥).
(٥) قوت القلوب (٢٨/٢)، ورواه مالك في ((الموطأ)) (٩٤٠/٢) عن عطاء بن يسار =.
٣٥٨

ربع المنجيات
كتاب التوحيد والتوكل
وإنَّما كرةَ بعضُ العبّادِ العيادةَ خشيةَ الشكايةِ وخوفَ الزيادةِ في الكلام ،
فكانَ بعضُهُمْ إذا مرضَ .. أغلقَ بابَهُ ، فلمْ يدخلْ عليهِ أحدٌ حتَّى يبرأَ فيخرجَ
إليهِمْ ، منهُمْ فضيلٌ ووهيبٌّ وبشرٌ ، وكانَ فضيلٌ يقولُ : ( أشتهي أنْ أمرضَ
بلا عوَّادٍ )(١)، وقالَ: (لا أكرهُ العلَّةَ إلا لأجل العوَّادِ)(٢).
ثم كتاب التوحيد والتؤكل
وهو الكتاب الخامس من ربع المنجيات من كتب إحياء علوم الدين
وصلّى اله على شجرة من خلقه محمد الشّبي وآله الطاهرين وسلم تسليماً
يتلوه كتاب المحبة والشوق والأنس والرضا
م. ع.
مرسلاً ، وأسنده موصولاً ابن عبد البر في ((التمهيد)) ( ٤٧/٥)، ورواه ابن أبي الدنيا
في (( المرض والكفارات)» ( ٧٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً ، كلهم رواه
بنحوه .
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٦/٨).
(٢) قوت القلوب (٢٨/٢) بتمام السياق .
٣٥٩
ـتر
متن