Indexed OCR Text
Pages 281-300
ربع المنجيات ميرة كتاب التوحيد والتوكل علىُ أنَّ اللهَ تعالى لا يفعلُ بهِ إلا ما فيهِ صلاحُهُ ، فإنْ أهلكَ بضاعتَهُ .. فهوَ خيرٌ لهُ، فلعلَّهُ لوْ تركَها .. كانَ سبباً لفسادِ دِينِهِ ؟ وقدْ لطفَ اللهُ تعالى بهِ ، وغايتُهُ أنْ يموتَ جوعاً، فينبغي أنْ يعتقدَ أنَّ الموتَ جوعاً خيرٌ لهُ في الآخرةِ مهما قضى اللهُ عليهِ بذلكَ ، مِنْ غيرِ تقصيرٍ مِنْ جهتِهِ ، فإذا اعتقدَ جميعَ ذلكَ .. استوىُ عندَهُ وجودُ البضاعةِ وعدمُها؛ ففي الخبرِ: ((إنَّ العبدَ ليهمُّ مِنَ الليلِ بأمرٍ مِنْ أمورِ التجارةِ ممَّا لَوْ فعلَهُ .. لكانَ فيهِ هلاكُهُ، فينظرُ اللهُ تعالىُ إليهِ مِنْ فوقِ عرشِهِ ، فيصرفُهُ عنهُ ، فيصبحُ كئيباً حزيناً يتطيّرُ بجارِهِ وابنِ عمِّهِ، مَنْ سبقَني؟ مَنْ دهاني؟ وما هو إلا رحمةٌ رحمَهُ اللهُ بها))(١). ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لا أبالي أصبحتُ غنيّاً أوْ فقيراً ؛ فإنِّي لا أدري أيُهُما خيرٌ لي)(٢). ١٠٠٠ ومَنْ لمْ يتكاملْ يقينُهُ بهذهِ الأمورِ .. لمْ يُتصوَّرْ منهُ التوكلُ ، ولذلكَ قالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ لأحمدَ بنِ أبي الحواري : ( لي مِنْ كلِّ مقام نصيبٌ إلا مِنْ هذا التوكلِ المباركِ ؛ فإنِّي ما شمِمتُ منهُ رائحةٌ )(٣)، هذا كلامُهُ معَ علوّ قدرِهِ ، ولمْ ينكرْ كونَهُ مِنَ المقاماتِ الممكنةِ، ولكنَّهُ قالَ : ما أدركتُهُ ، ولعلَّهُ أرادَ إدراكَ أقصاهُ . ـهو. (١) كذا في ((القوت)) (١٢/٢)، وقد رواه بنحوه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٠٤/٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً . (٢) روى هذا ابن المبارك في ((الزهد)) (٥٦٦)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٢/١) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . (٣) الرسالة القشيرية (ص٣٠٢) . ٢٨١ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات حر ـمو وما لمْ يكملِ الإيمانُ بأن لا فاعلَ إلا اللهُ، ولا رازقَ سواهُ ، وبأنَّ كلَّ ما يقدِّرُهُ على العبدِ مِنْ فقرٍ وغنىّ ، وموتٍ وحياةٍ فهوَ خيرٌ لهُ ممَّا يتمنَّاهُ العبدُ .. لمْ يكملْ حالُ التوكلِ ، فبناءُ التوكلِ على قوَّةِ الإِيمانِ بهِهذِهِ الأمورِ كما سبقَ ، وكذا سائرُ مقاماتِ الدينِ مِنَ الأحوالِ والأعمالِ تنبني على أصولِها مِنَ الإيمانِ . وبالجملةِ : التوكلُ مقامٌ مفهومٌ، ولكنْ يستدعي قوَّةَ القلبِ وقوَّةً اليقينِ ، ولذلكَ قالَ سهلٌ: ( مَنْ طعنَ على التكشُّبِ .. فقدْ طعنَ على السنَّةِ، ومَنْ طعنَ على تركِ التكسبِ .. فقدْ طعنَ على التوحيدِ )(١). ٠جبر فإنْ قلتَ : فهلْ مِنْ دواءٍ يُنتفعُ بهِ في صرفِ القلبِ عنِ الركونِ إِلى الأسبابِ الظاهرةِ ، وحسن الظنِّ باللهِ تعالى في تيسيرِ الأسبابِ الخفيّةِ ؟ فأقولُ : نعمْ ، هوَ أَنْ تعرفَ أنَّ سوءَ الظنِّ تلقينُ الشيطانِ ، وحسنَ الظنِّ تلقينُ اللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿الشَّيْطَنُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءٌ وَاَللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةٌ مِنْهُ وَفَضْلًا﴾، فالإنسانُ بطبعِهِ مشغوفٌ بسماع تخويفِ الشيطانِ، ولذلكَ قيلَ : ( الشفيقُ بسوءِ الظنِّ مولعٌ)(٢). (١) كذا في ((القوت)) (٦/٢)، وقد رواه أبو نعيم في «الحلية)) (١٩٥/١٠)، والقشيري في (( رسالته)) ( ص٢٩٩). (٢) يراد منه أن ذا الشفقة يضع سوء الظن في غير موضعه. ٢٨٢ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل وإذا انضمَّ إلى سوءِ الظنِّ الجبنُ ، وضعفُ القلبِ ، ومشاهدةُ المتكلينَ على الأسبابِ الظاهرةِ والباعثينَ عليها .. غلبَ سوءُ الظنِّ وبطلَ التوكلُ بالكليّةِ . بلْ رؤيةُ الرزقِ مِنَ الأسبابِ الخفيّةِ أيضاً تبطلُ التوكلَ ، فقدْ حُكِيَ عنْ عابدٍ أنَّهُ عكفَ في مسجدٍ ولمْ يكنْ لهُ معلومٌ، فقالَ لهُ الإِمامُ : لوٍ اكتسبتَ .. لكانَ أفضلَ لكَ، فلمْ يجبْهُ حتَّى أعادَ القولَ ثلاثاً ، فقالَ في الرابعةِ : يهوديٌّ في جوارِ المسجدِ قدْ ضمنَ لي كلَّ يومٍ رغيفينٍ ، فقالَ : إِنْ كانَ صادقاً في ضمانِهِ .. فعكوفُكَ في المسجدِ خيرٌ لكَ، فقالَ: يا هذا؛ لوْ لمْ تكنْ إماماً تقفُ بينَ يديِ اللهِ وبينَ العبادِ معَ هذا النقصِ في التوحيدِ .. كانَ خيراً لكَ(١) ؛ أيْ: فضلتَ وعدَ يهوديٍّ على ضمانِ اللهِ تعالىُ بالرزقِ . وقالَ إمامُ مسجدٍ لبعض المصلِّينَ : مِنْ أينَ تأكلُ ؟ فقالَ : يا شيخُ ؛ اصبرْ حتَّى أعيدَ الصلاةَ التي صلَّيْتُها خلفَكَ ثمّ أجيبُكَ(١). وينفعُ في حسنِ الظنِّ بمجيءِ الرزقِ مِنْ فضْلِ اللهِ تعالى بواسطةِ الأسباب الخفيّةِ أنْ تسمعَ الحكاياتِ التي فيها عجائبُ صنع اللهِ تعالى في وصولٍ الرزقِ إلى صاحبهٍ ، وفيها عجائبُ قهرِ اللهِ تعالى في إهلاكِ أموالِ التجارِ والأغنياءِ وقتلِهِمْ جوعاً، كما رُوِيَ عنْ حذيفةَ المرعشيِّ وكانَ قدْ خدمَ إبراهيمَ بنَ أدهمَ ، فقيلَ لهُ : ما أعجبُ ما رأيتَ منهُ ؟ فقالَ : بقينا في طريقٍ 05. (١) قوت القلوب (١٥/٢). ٢٨٣ ـدى كتاب التوحيد والتوكل ـحر ربع المنجيات مكَّةَ أياماً لمْ نجدْ طعاماً ، ثمَّ دخلنا الكوفةَ ، فأوينا إلى مسجدٍ خرابٍ ، فنظرَ إليَّ إبراهيمُ وقالَ : يا حذيفةُ ؛ أرىُ بكَ أثرَ الجوع، فقلتُ: هوَ ما رأى الشيخُ ، فقالَ : عليَّ بدواةٍ وقرطاسٍ ، فجئتُ بهِ ، فكتبَ : بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيم ، أنتَ المقصودُ إليهِ بكلِّ حالٍ ، والمشارُ إليهِ بكلِّ معنىٌ ، وكتبَ شعراً(١) : [من الكامل] أَنَا جَائِعٌ أَنَا نَائِعٌ (٢) أَنَا عَارِيْ أَنَا حامِدٌ أَنَا شاكِرٌ أَنَا ذاكِرٌ فَكُنِ الضَّمِينَ لِنِصْفِها يا بَارِيْ هِيَ سِنَّةٌ وَأَنَا الضَّمِينُ لِنِصْفِها فَأَجِرْ عُبَيْدَكَ مِنْ دُخُولِ النَّارِ مَدْحِي لِغَيْرِكَ لَهْبُ نارِ خُضْتُها ثُمَّ دفعَ إليَّ الرقعةً وقالَ : اخرجْ ولا تعلِّقْ قلبَكَ بغيرِ اللهِ تعالى ، وادفع الرقعةَ إلى أوَّلِ مَنْ يلقاكَ، فخرجتُ ، فأوَّلُ مَنْ لقيَني كانَ رجلاً على بغلةٍ ، فناولتُهُ الرقعةَ، فأخذَها ، فلمَّا وقفَ عليها .. بكى وقالَ : ما فعلَ صاحبُ هذهِ الرقعةِ ؟ فقلتُ : هوَ في المسجدِ الفلانيِّ ، فدفعَ إليَّ صرَّةً فيها ستُّ مئة دينارِ، ثمَّ لقيتُ رجلاً آخرَ ، فسألتُهُ عنْ راكبِ البغلةِ ، فقالَ : هذا نصرانيٌّ ، فجئتُ إلى إبراهيمَ وأخبرتُهُ بالقصّةِ ، فقالَ: لا تمسَّها ؛ فإنَّهُ يجيءُ الساعةَ، فلمَّا كانَ بعدَ ساعةٍ .. دخلَ (١) البيتان الأول والثاني في ((معجم الشعراء)) ( ص ٤٧٥) للخليج الأصفر الرقي ، والثلاثة في ((المستطرف)) (٤٥٦/١) لإبراهيم بن الأدهم . (٢) النائع : العطشان ، وقيل : إتباع للجائع . ٢٨٤ ..-- ٠٠٠٠ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل النصرانيُّ وأكبَّ على رأسِ إبراهيمَ يقبّلَهُ، وأسلمَ(١). وقال أبو يعقوبَ الأقطعُ البصريُّ : جعتُ مرَّةً بالحرمِ عشرةَ أيامٍ ، فوجدتُ ضعفاً ، فحدثَتْني نفسي بالخروجِ ، فخرجتُ إلى الوادي لعلِّ أجدُ شيئاً يسكنُ ضعفي، فرأيتُ سَلْجَمَةً مطروحةٌ(٢) ، فأخذتُها ، فوجدتُ في قلبي منها وحشةً ، وكأنَّ قائلاً يقولُ لي : جعتَ عشرةَ أيام وآخرُهُ يكونُ حظُّكَ سلجمةً متغيّرةً ؟ فرميتُ بها ودخلتُ المسجدَ ، فقعدتُ ، فإذا أنا برجلٍ أعجميٍّ قدْ أقبلَ ، حتَّى جلسَ بينَ يديَّ ووضعَ قمطرةً ، وقالَ : هُذهِ لكَ ، فقلتُ : كيفَ خصصتَي بها؟ فقالَ: اعلمْ أنَّا كنَّا في البحرِ منذُ عشرةٍ أيام، وأشرفَتِ السفينةُ على الغرقِ ، فنذرتُ إنْ خلَّصَني اللهُ تعالى أنْ ے أتصدَّقَ بهذِهِ على أوَّلِ مَنْ يقعُ عليهِ بصري مِنَ المجاورينَ، وأنتَ أوَّلُ مَنْ لقيتُهُ ، فقلتُ : افتحْها ، ففتحَها ، فإذا فيها سميدٌ مصريٍّ ، ولوزٌ مقشّرٌ وسكرٌ كعابٌ، فقبضتُ قبضةً مِنْ ذا وقبضةً مِنْ ذا ، وقلتُ : ردَّ الباقي إلى صبيانِكَ هديةٌ مِنِّي إليكُمْ ، وقدْ قبلتُها ، ثمَّ قلتُ في نفسي: رزقُكَ يسيرُ إليكَ مِنْ عشرةِ أيامٍ وأنتَ تطلبُهُ مِنَ الوادي ؟! (٣). وقالَ مِمشاذُ الدينوريُّ : كانَ عليَّ دينٌ ، فاشتغلَ قلبي بسببهِ ، فرأيتُ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨/٨)، والقشيري في ((رسالته)) (ص٣٠٦) واللفظ له . (٢) السلجمة : واحدة السلجم بوزان جعفر، وهو النبت المسمَّى باللفت ، شبه الفجل . (٣) الرسالة القشيرية (ص ٣٠٢). ٢٨٥ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات ٹن. في النوم كأنَّ قائلاً يقولُ : يا بخيلُ ؛ أخذتَ علينا هذا المقدارَ مِنَ الدينِ ؟! خُذْ، عليكَ الأخذُ وعلينا العطاءُ (١) ، فما حاسبتُ بعدَ ذلكَ بقَّالاً ولا قصَّاباً ولا غيرَهما(٢). وحُكِيَ عنْ بنانِ الحمَّالِ قالَ : كنتُ في طريقٍ مَّةَ أجيءُ مِنْ مصرَ ومعي زادٌ، فجاءَتْني امرأةٌ وقالَتْ لي : يا بنانُ؛ أنتَ حمَّالٌ تحملُ على ظهرِكَ الزادَ وتتوهَّمُ أنَّهُ لا يرزقُكَ؟ قالَ : فرميتُ بزادي ، ثمَّ أَتى عليَّ ثلاثٌ لَمْ آكلْ ، فوجدتُ خلخالاً في الطريقِ ، فقلتُ في نفسي: أحملُهُ حتَّى يجيءَ صاحبُهُ ، فربَّما يعطيني شيئاً فأردُّهُ عليهِ ، فإذا أنا بتلكَ المرأةِ ، فقالَتْ لي : أنتَ تاجرٌ؟ تقولُ: عسى يجيءُ صاحبُهُ فآخذُ منهُ شيئاً؟! ثمَّ رمَتْ إليَّ شيئاً مِنَ الدراهمِ وقالَتْ : أنفقْها، فاكتفيتُ بها إلى قريبٍ مِنْ مكةً(٣) . ويُحكى أنَّ بناناً احتاجَ إلى جاريةٍ تخدمُهُ ، فانبسطُ إلى إخوانِهِ ، فجمعوا لهُ ثمَنَها، وقالوا : هوَ ذا يجيءُ النفرُ فنشتري ما يوافقُ، فلمَّا وردَ النفرُ .. اجتمعَ رأيُهُمْ على واحدةٍ ، وقالوا : إنَّها تصلحُ لهُ ، فقالوا لصاحبها : بكمْ هذهِ ؟ فقالَ : إِنَّها ليسَتْ للبيع، فألُّوا عليهِ ، فقالَ : إنَّها لبنانٍ الحمالِ ، أهدتْها إليهِ امرأَةٌ مِنْ سمرقندَ ، فحُملَتْ إلى بنانٍ وذُكرَتْ لهُ القصَّةُ (٤). ـدن حم حن ملاين حن +0 (١) في ( ب): ( القضاء ) بدل ( العطاء ) . (٢) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٣٠٣). (٣) الرسالة القشيرية (ص٣٠٣)، ووقع في النسخ: (قريب من مصر)، والمثبت من (ق) و((الرسالة القشيرية)). (٤) الرسالة القشيرية (ص ٣٠٤). ٢٨٦ محن. ـكن " سيد " أو عد بطيب ٥ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل ت وقيلَ : كانَ في الزمنِ الأوَّلِ رجلٌ في سفرٍ ومعَهُ قرصٌ ، فقالَ : إِنْ أكلتُهُ .. متُّ، فوكلَ اللهُ عزَّ وجلَّ بهِ ملكاً وقالَ: إنْ أكلَّهُ فارزقْهُ ، وإنْ لمْ يأكلُّهُ .. فلا تعطِهِ غيرَهُ، فلمْ يزلِ القرصُ معَهُ إلى أنْ ماتَ ولمْ يأكلُهُ ، وبقيَ القرصُ بعدَهُ(١) . وقال أبو سعيدٍ الخرّازُ : دخلتُ الباديةَ بغيرِ زادٍ ، فأصابَتْني فاقةٌ ، فرأيتُ المرحلةَ مِنْ بعيدٍ (٢) ، فسُررتُ بأنْ وصلتُ، ثمَّ فكرتُ في نفسي أني سكنتُ واتكلتُ على غيرِهِ ، فآليتُ ألا أدخلَ المرحلةَ إلا أنْ أُحملَ إليها ، فحفرتُ لنفسي في الرملِ حفيرةً ، وواريتُ جسدي فيها إلى صدري ، فسمعوا صوتاً في نصفِ الليلِ عالياً : يا أهلَ المرحلةِ ؛ إنَّ اللهِ تعالى وليّاً حبسَ نفسَهُ في هذا الرملِ فالحقوهُ ، فجاءَ جماعةٌ فأخرجوني وحملوني إلى القريةِ (٣). ورُوِيَ أنَّ رجلاً لازمَ بابَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ ، فقالَ عمرُ : يا هذا ؛ هاجرتَ إلى عمرَ أوْ إلى اللهِ تعالى؟ اذهبْ فتعلَّم القرآنَ، فإنَّهُ سيغنيكَ عنْ بابِ عمرَ ، فذهبَ الرجلُ وغابَ حتَّى افتقدَهُ عمرُ ، فإذا هوَ قدِ اعتزلَ واشتغلَ بالعبادةِ ، فجاءَهُ عمرُ فقالَ لهُ : إنِّي قَدْ اشتقتُ إليكَ ، فما الذي شغلَكَ عنَّا؟ فقالَ : إِنِّي قرأتُ القرآنَ، فأغنائي عنْ عمرَ وآلِ عمرَ ، فقالَ (١) الرسالة القشيرية (ص ٣٠٤) . (٢) المرحلة : القرية . (٣) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص ٣٠٥). ٢٨٧ ـحن كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات عمرُ: رحمَكَ اللهُ، فما وجدتَ فيهِ؟ فقالَ: وجدتُ فيهِ: ﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، فقلتُ: رزقي في السماءِ وأنا أطلبُهُ في الأرضِ ؟! فبكى عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ وقالَ: صدقتَ، فكانَ عمرُ بعدَ ذلكَ يأتيه ويجلسُ إليهِ (١) . وقالَ أبو حمزةَ الخراسانيُّ : حججتُ سنةً مِنَ السنينِ ، فبينا أنا أمشي في الطريقِ .. إذْ وقعتُ في بئرٍ ، فنازعَتْني نفسي أن أستغيثَ ، فقلتُ : لا واللهِ لا أستغيثُ، فما استتممتُ هذا الخاطرَ حتَّى مرَّ برأسِ البئرِ رجلانِ ، فقالَ أحدُهُما للآخرِ : تعالَ حتَّى نسدَّ رأسَ ههذا البئرِ لئلا يقعَ فيهِ أحدٌ، فأتَوا بقصبٍ وباريةٍ (٢)، وطُّوا رأسَ البئرِ، فهممتُ أنْ أَصيحَ ، فقلتُ في نفسي : إلى مَنْ أصيحُ ؟ هوَ أقربُ منهُما، وسكنتُ ، فبينا أنا بعدَ ساعةٍ إِذْ أنا بشيءٍ جاءَ وكشفَ عنْ رأسِ البئرِ وأدلى رجلَهُ، وكأنَّهُ يقولُ : تعلّقْ بي في همهمةٍ لهُ كنتُ أعرفُ ذلكَ ، فتعلَّقْتُ بهِ فأخرجَني ، فإذا هوَ سبعٌ ، فمرَّ وهتفَ بي هاتفٌ: يا أبا حمزةَ ؛ أليس هذا أحسنَ ؟ نجَّيناكَ مِنَ التلفِ بالتلفِ ، فمشيتُ وأنا أقولُ (٣): [من الطويل] وَأَغْنَيْتِي بِالْفَهْمِ مِنْكَ عَنِ الْكَشْفِ نَهَانِي حَيَائِي مِنْكَ أَنْ أَكْتُمَ اُلْهَوَى إِلَى غَائِي وَاللُّطْفُ يُدْرَكُ بِالنُّطْفِ تَلَطَّفْتَ فِي أَمْرِي فَأَبْدَيْتَ شاهِدِي (١) كذا في ((القوت)) (٨/٢)، ورواه بنحوه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣١) من زيادات نعيم بن حماد، وابن أبي شيبة في (« مصنفه)) ( ٣٦٧٨٩) مختصراً . (٢) البارية : الحصير . (٣) الأبيات لمحمد بن إبراهيم الصوفي. انظر ((المحمدون من الشعراء)) (ص ١٢٣ ). ٢٨٨ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل تُشِّرُّنِي بِالْغَيْبِ أَنَّكَ فِي الْكَفِّ تَرَاءَيْتَ لِي بِالْغَيْبِ حَتَّى كَأَنَّما فَتُؤْنِسُنِي بِاللُّطْفِ مِنْكَ وَبِالْعَطْفِ أَرَاكَ وَبِي مِنْ هَيْبَتِي لَكَ وَحْشَةٌ وَذَا عَجَبٌ كَوْنُ الْحَياةِ مَعَ الْحَتْفِ وَتُحْيِي مُحِبّاً أَنْتَ فِي أَلْحُبِّ حَتْفُهُ وأمثالُ هذهِ الوقائع ممَّا يكثرُ(١) ، وإذا قويَ الإيمانُ بهِ، وانضمَّ إليهِ القدرةُ على الجوعِ قَدْرَ أسبوعٍ مِنْ غيرِ ضيقِ صدرٍ ، وقويَ الإيمانُ بأنَّهُ إنْ لمْ يُسقْ إليهِ رزقُهُ في أسبوع فالموتُ خيرٌ لهُ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولذلكَ حبسَهُ عنهُ .. تمَّ التوكُّلُ بهذهِ الأحوالِ والمشاهداتِ، وإلا .. فلا يتمُّ أصلاً . (١) رواه القشيري في ((رسالته)) (ص٣٠٥)، وقد اعترض على المصنف في إيراده لهذه القصة، وقد أجاب عن الاعتراض رحمه الله في ((إملائه))، وكذا التمس لهذا عذراً القاضي ابن العربي المالكي في ((أحكام القرآن)» (٨٣/٣)، والحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٤٩١/٩ ). ٢٨٩ حز كتاب التوحيد والتوكل جومي ربع المنجيات بيان توكل المعمل اعلمْ : أَنَّ مَنْ لهُ عيالٌ فحكمُهُ يفارقُ حكمَ المنفردِ ؛ لأنَّ المنفردَ لا يصحُّ توكلُهُ إلا بأمرينِ : أحدُهُما : قدرتُهُ على الجوع أسبوعاً مِنْ غيرِ استشرافٍ وضيقِ نفسٍ . والآخرُ : أبوابٌ مِنَ الإيمانِ ذكرناها؛ مِنْ جملتِها أنْ يطيبَ نفساً بالموتِ إنْ لمْ يأتِهِ رزقُهُ ؛ علماً بأنَّ رزقَهُ الموتُ والجوعُ ، وهوَ وإنْ كانَ نقصاناً في الدنيا .. فهوَ زيادةٌ في الآخرةِ ، فيرى أنَّهُ سيقَ إليهِ خيرُ الرزقينِ لهُ، وهوَ رزقُ الآخرةِ، وأنَّ هذا هوَ المرضُ الذي به يموتُ ، ويكونُ راضياً بذلكَ، وأَنَّهُ كذا قُضيَ وقُدِّرَ لهُ، فبهذا يتمُّ للمنفردِ التوكلُ . ولا يجوزُ تكليفُ العيالِ الصبرَ على الجوع، ولا يمكنُ أنْ يقرِّرَ عندَهُمُ الإيمانَ بالتوحيدِ وأنَّ الموتَ على الجوعِ رزقٌ مغبوطٌ عليهِ في نفسِهِ إِنِ اتفقَ ذلكَ نادراً ، وكذا سائرُ أبوابِ الإيمانِ، فإذاً؛ لا يمكنُهُ في حقِّهِمْ إلا توكلُ المكتسِبِ ، وهوَ المقامُ الثالثُ ؛ كتوكلِ أبي بكرٍ الصديقِ رضيَ اللهُ عنهُ إِذْ خرجَ للكسبٍ(١) . فأمَّا دخولُ البوادي وتركُ العيالِ توكلاً في حقُّهِمْ ، أوِ القعودُ عنِ عن جم حن ون جم (١) روى ذلك ابن سعد في ((الطبقات)) (١٦٨/٣)، والمحب الطبري في (( الرياض النضرة)" (٢٠٢/١ ) . ـدن ٢٩٠ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل الاهتمام بأمرِهِمْ توكلاً في حقَّهمْ .. فهذا حرامٌ، وقدْ يفضي إلى هلاكِهِمْ، م ويكونُ هوَ مؤاخذاً بِهِمْ . بلِ التحقيقُ : أَنَّهُ لا فرقَ بينَهُ وبينَ عيالِهِ ؛ فإنَّهُ إنْ ساعدَهُ العيالُ على الصبرِ على الجوع مدَّةً وعلى الاعتدادِ بالموتِ على الجوع رزقاً وغنيمةً في الآخرةِ .. فلهُ أنْ يتوكَّلَ في حقُّهِمْ، ونفسُهُ أيضاً عيالٌ عندَهُ، لا يجوزُ لهُ أنْ يضيعَها إلا بأنْ تساعدَهُ على الصبرِ على الجوع مدَّةً ، فإنْ كانَ لا يطيقُهُ ، ويضطربُ عليهِ قلبُهُ، وتتشوَّشُ عبادتُهُ .. لمْ يجزْ لهُ التوكلُ . ت ولذلكَ رُوِيَ أنَّ أبا ترابِ النخشبيَّ نظرَ إلى صوفيٍّ مدَّ يدَهُ إلى قشرِ بطيخ ليأكلَهُ بعدَ ثلاثة أيام، فقالَ لهُ: ( لا يصلحُ لكَ التصوُّفُ، الزم السوقَ)(١) أيْ : لا تصوُّفَ إلا معَ التوكلِ ، ولا يصحُّ التوكلُ إلا لمَنْ يصبرُ عنِ الطعامِ أكثرَ مِنْ ثلاثةِ أيامٍ . وقالَ أبو عليٍّ الروذباريُّ: ( إذا قالَ الفقيرُ بعدَ خمسةِ أيام : أنا جائعٌ .. ے فألزموهُ السوقَ، ومُروهُ بالعملِ والكسبِ ) (٢). فإذاً؛ بدنُهُ عيالُهُ، وتوكلُهُ فيما يضرُّ ببدِنِهِ كتوكلِهِ في عيالِهِ ، وإنَّما يفارقُهُمْ في شيءٍ واحدٍ ، وهوَ أنَّ لهُ تكليفَ نفسِهِ الصبرَ على الجوع ، وليسَ لهُ ذلكَ في عيالِهِ . (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤٩/١٠)، والقشيري في ((رسالته)) (ص٧٤ ، ٣٠٢) . (٢) رواه القشيري (ص٢٦١، ٣٠٢). ٢٩١ كتاب التوحيد والتوكل .0 ربع المنجيات وقدِ انكشفَ لكَ مِنْ هذا أنَّ التوكلَ ليسَ انقطاعاً عنِ الأسبابِ ، بَلِ الاعتمادُ على الصبرِ على الجوع مدَّةً ، والرضا بالموتِ إِنْ تأخَّرَ الرزقُ نادراً ، وملازمةُ البلادِ والأمصارِ ، أَوْ ملازمةُ البوادي التي لا تخلو عنْ حشيشٍ وما يجري مجراهُ ، فهذهِ كلّها أسبابُ البقاءِ ، ولكنْ معَ نوعٍ مِنَ الأذى لا يمكنُ الاستمرارُ عليهِ إلا بالصبرِ ، والتوكلُ في الأمصارِ أقربُ إلى الأسبابِ مِنَ التوكلِ في البوادي ، وكلُّ ذلكَ مِنَ الأسبابِ ، إلا أنَّ الناسَ عدلوا إلى أسبابٍ أظهرَ منها ، فلمْ يعدُّوا تلكَ أسباباً ، وذلكَ لضعفٍ إيمانِهِمْ ، وشدَّةِ حرصِهِمْ ، وقلَّةِ صبرِهِمْ على الأذى في الدنيا لأجل الآخرةِ ، واستيلاءِ الجبنِ على قلوبِهِمْ بإساءةِ الظنِّ وطولِ الأملِ . ومَنْ نظرَ في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ .. انكشفَ لهُ تحقيقاً أنَّ اللهَ تعالى دبّرَ الملكَ والملكوتَ تدبيراً لا يجاوزُ العبدَ رزقُهُ وإِنْ تركَ الاضطرابَ ، فإنَّ العاجزَ عنِ الاضطرابِ لمْ يجاوزْهُ رزقُهُ، أما ترى الجنينَ في بطنِ أمِّهِ لمَّا أنْ كانَ عاجزاً عنِ الاضطرابِ كيفَ وصلَ سرَّتَهُ بالأمِّ حتَّى تنتهيَ إليهِ فضلاتُ غذاءِ الأمُّ بواسطةِ السرَّةِ ؟ ولمْ يكنْ ذلكَ بحيلةِ الجنينِ ، ثُمَّ لما انفصلَ .. سلَّطَ الحبَّ والشفقةَ على الأمِّ لتَكْفَلَ بهِ شاءَتْ أُمْ أَبتْ ، اضطراراً مِنَ اللهِ تعالى إليهِ بما أشعلَ في قلبِها مِنْ نارِ الحبِّ ، ثمَّ لمَّا لمْ يكنْ لهُ سِنٌّ يمضغُ بهِ الطعامَ .. جعلَ رزقَهُ مِنَ اللبنِ الذي لا يحتاجُ إلى المضغِ ، ولأنَّهُ الرخاوةِ مزاجِهِ كانَ لا يحتملُ الغذاءَ الكثيفَ ، فأدرَّ لهُ اللبنَ اللطيفَ في ثدي الأمُّ عندَ انفصالِهِ على حسبِ حاجتِهِ ، أفكانَ هذا بحيلةِ الطفلِ أوْ بحيلةٍ ٢٩٢ - ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل الأمّ ؟! فإذا صارَ بحيثُ يوافقُهُ الغذاءُ الكثيفُ .. أنبتَ لهُ أسناناً قواطعَ وطواحنَ لأجلِ المضغ ، فإذا كبرَ واستقلَّ .. يسَّرَ لهُ أسبابَ التعلُّمِ وسلوكٍ سبيلِ الآخرةِ ، فجبنُهُ بعدَ البلوغ جهلٌ محضٌ ؛ لأنَّهُ ما نقصَتْ أسبابُ معيشتِهِ ببلوغِهِ بلْ زادَتْ ؛ فإنَّهُ لمْ يكنْ قادراً على الاكتساب ، والآنَ قدْ قدرَ ، فزادَتْ قدرتُهُ . نعمْ ، كانَ المشفقُ عليهِ شخصاً واحداً وهوَ الأمُّ أوِ الأبُ، وكانَتْ شفقتُهُ مفرطةٌ جداً ، فكانَ يسقيهِ ويطعمُهُ في اليومِ مرَّةً أَوْ مرَّتينِ ، وكانَ إطعامُهُ بتسليطِ اللهِ تعالى الشفقةً والحبَّ على قلبهِ ، فكذلكَ قدْ سلَّطَ اللهُ تعالى الشفقةَ والمودةَ والرقَّةَ والرحمةَ على قلوبِ المسلمينَ وأهلِ البلدِ كافَّةً ، حتى إنَّ كلَّ واحدٍ منهُمْ إذا أحسَّ بمحتاج .. تألَّمَ قلبُهُ ورقَّ عليهِ ، وانبعثَتْ لهُ داعيةٌ إلى إزالةِ حاجتِهِ، فقدْ كانَ المشفقُ عليهِ واحداً، والآنَ المشفقُ عليهِ ألفٌ وزيادةٌ ، ولقدْ كانوا لا يشفقونَ عليهِ لأنَّهُمْ رأَوهُ في كفالةِ الأمّ والأبِ، وهيَ مشفقٌ خاصٌّ، فما رأَوهُ محتاجاً، ولوْ رأَوهُ يتيماً .. لسلَّطَ اللهُ داعيةَ الرحمةِ على واحدٍ مِنَ المسلمينَ أَوْ على جماعةٍ حتَّى يأخذوهُ ويكفلوهُ ، فما رُئِّيَ إلى الآنَ في سنيُّ الخصبِ يتيمٌ قدْ ماتَ جوعاً ، معَ أنَّهُ عاجزٌ عنِ الاضطرابِ ، وليسَ لهُ كافلٌ خاصٌ ، واللهُ تعالى كافلُهُ بواسطةٍ الشفقةِ التي خلقَها في قلوبِ عبادِهِ . فلماذا ينبغي أنْ يشغلَ قلبَهُ برزقِهِ بعدَّ البلوغ ولمْ يشتغلْ في الصبا ؟ وقدْ كانَ المشفقُ واحداً والمشفقُ الآنَ آلافٌ ؟! ٢٩٣ كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات نعمْ ، كانَتْ شفقةُ الأمَّ أقوى وأخصَّ، ولكنَّها واحدةٌ ، وشفقةُ آحادِ الناسِ وإنْ ضعفَتْ فيخرِجُ مِنْ مجموعِها ما يفيدُ الغرضَ ، فكمْ مِنْ يتيمٍ قدْ يسَّرَ اللهُ تعالى لهُ حالاً هوَ أحسنُ مِنْ حالٍ مَنْ لهُ أبٌ وأمّ ، فينجبرُ ضعفُ شفقةِ الآحادِ بكثرةِ المشفقينَ ، وبتركِ التنقُم ، والاقتصارِ على قدْرِ الضرورةِ ، ولقدْ أحسنَ الشاعرُ حيثُ يقولُ(١): [من الوافر] فَسِيَّانِ التَّحَرِكُ وَالسُّكُونُ جَرَىْ قَلَمُ الْقَضاءِ بِما يَكُونُ وَيُرْزَقُ فِي غِشَاوَتِهِ أَلْجَنِينُ جُنُونٌ مِنْكَ أَنْ تَسْعَىُ لِرِزْقٍ فإنْ قلتَ : الناسُ يكفلونَ اليتيمَ لأنَّهُمْ يرونَهُ عاجزاً لصباهُ ، وأمَّا هذا .. فبالغٌ قادرٌ على الكسب ، فلا يلتفتونَ إليهِ، ويقولونَ: هوَ مثلُنا، فليجتهدْ لنفسِهِ . فأقولُ: إنْ كانَ هذا القادرُ بِطَّالاً .. فقدْ صدقوا، فعليهِ الكسبُ ، ولا معنى للتوكلِ في حقُّهِ ، فإنَّ التوكلَ مقامٌ مِنْ مقاماتِ الدينِ يُستعانَ بهِ و على التفرّغ اللهِ تعالى، فما للبطَّالِ والتوكلِ ؟! وإنْ كانَ مشتغلاً باللهِ ، ملازماً لمسجدٍ أوْ بيتٍ ، وهوَ مواظبٌ على العلمِ والعبادةِ .. فالناسُ لا يلومونَهُ في تركِ الكسبِ، ولا يكلّفُونَهُ ذلكَ ، بلِ (١) البيتان في ((تتمة يتيمة الدهر)) (١٦٣/٥) لأبي الفرج بن هندو، و((مرآة الجنان)» (٣٨١/٣) لأبي الخير الواسطي . تـ ٢٩٤ ـحن ـد ٠٠٠ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل حسسسـ اشتغالُهُ باللهِ تعالى يقرِّرُ حبَّهُ في قلوبِ الناسِ ، حتَّى يحملونَ إليهِ فوقَ کفایتِهِ ، وإنَّما عليهِ ألا يغلقَ البابَ ، ولا يهربَ إلى جبلٍ مِنْ بينِ الناسِ ، وما رُئِيَ إلى الآنَ عالمٌ أوْ عابدٌ استغرقَ الأوقاتَ باللهِ تعالى وهوَ في الأمصارِ فماتَ جوعاً ، ولا يُرى قطُّ، بلْ لوْ أرادَ أنْ يطعمَ جماعةٌ مِنَ الناسِ بقولِهِ .. لقدرَ عليهِ ، فإنَّ مَنْ كانَ اللهِ تعالى .. كانَ اللهُ عزَّ وجلَّ لهُ، ومَنِ اشتغلَ باللهِ عزَّ وجلَّ .. ألقى اللهُ حبَّهُ في قلوبِ الناسِ ، وسخَّرَ لهُ القلوبَ كما سخَّرَ قلبَ الأَمِّ لولدِها . فقدْ دبَّرَ اللهُ تعالى الملْكَ والملكوتَ تدبيراً كافياً لأهلِ الملكِ والملكوتِ ، فَمَنْ شاهدَ هذا التدبيرَ .. وثقَ بالمدبِّرِ، واشتغلَ بهِ ، وآمنَ ونظرَ إلى مدبِّرِ الأسبابِ لا إلى الأسبابِ . نعمْ ، ما دَبَّرَهُ تدبيراً يصلُ إلى المشتغلِ بهِ الحلواءُ والطيورُ السمانُ والثيابُ الرفيعةُ والخيولُ النفيسةُ على الدوام لا محالةَ ، وقدْ يقعُ ذلكَ أيضاً في بعضِ الأحوالِ ، لكنْ دَبَّرَهُ تدبيراً يصلُ إلى كلِّ مشتغلٍ بعبادةِ اللهِ تعالى في كلِّ أسبوع قرصُ شعيرٍ أَوْ حشيشٌ يتناولُهُ لا محالةَ ، والغالبُ أنَّهُ يصلُ أكثرُ منهُ ، بلْ يصلُ ما يزيدُ على قدرِ الحاجةِ والكفاية . ٥٠ فلا سببَ لتركِ التوكلِ إلا رغبةُ النفسِ في التنقُّمِ على الدوامِ ، ولبسٍ الثيابِ الناعمةِ ، وتناولِ الأغذيةِ اللطيفةِ ، وليسَ ذلكَ مِنْ طريقِ الآخرةِ ، وذلكَ قدْ لا يحصلُ مِنْ غيرِ اضطرابٍ ، وهوَ في الغالبِ أيضاً ليسَ يحصلُ معَ الاضطراب، وإنَّما يحصلُ نادراً، وفي النادرِ أيضاً قدْ يحصلُ بغيرٍ اضطرابٍ ، فأثرُ الاضطرابِ ضعيفٌ عندَ مَنِ انفتحَتْ بصيرتُهُ ، فلذلكَ ٢٩٥ دن كتاب التوحيد والتوكل جــ ربع المنجيات لا يطمئنُّ إلى اضطرابِهِ ، بلْ إلى مدبِّرِ الملكِ والملكوتِ تدبيراً لا يجاوزُ عبداً مِنْ عبادِهِ رزقُهُ وإنْ سكنَ إلا نادراً ندوراً عظيماً يُتصوَّرُ مثلُهُ في حقِّ المضطربِ . فإذا انكشفَتْ هذهِ الأمورُ، وكانَ معَهُ قوَّةٌ في القلبِ وشجاعةٌ في النفسِ .. أثمرّ ما قالَهُ الحسنُ البصريُّ رحمَهُ اللهُ إِذْ قالَ : ( وددتُ أنَّ أهلَ البصرةِ في عيالي وأنَّ حبةٌ بدينارٍ )(١) . وقالَ وهيبُ بنُ الوردِ : ( لوْ كانَتِ السماءُ نحاساً ، والأرضُ رصاصاً ، واهتممتُ برزقي .. لظننتُ أنِّي مشركٌ)(١). فإذا فهمتَ هذهِ الأمورَ .. فهمتَ أنَّ التوكلَ مقامٌ مفهومٌ في نفسِهِ ، ويمكنُ الوصولُ إليهِ لمَنْ قهرَ نفسَهُ ، وعلمتَ أنَّ مَنْ أنكرَ أصلَ التوكلِ وإمكانَهُ .. أنكرَهُ عنْ جهلٍ، فإيَّاكَ أنْ تجمعَ بينَ إفلاسينِ ؛ إفلاسِ عنْ وجودِ المقامِ ذوقاً ، وإفلاسٍ عنِ الإيمانِ بهِ علماً . فإذاً ؛ عليكَ بالقناعةِ بالنزرِ القليلِ ، والرضا بالقوتِ ؛ فإنَّهُ يأتيكَ - لا محالةَ - وإنْ فررتَ منهُ، وعندَ ذلكَ على اللهِ أنْ يبعثَ إليكَ رزقَكَ على يدي مَنْ لا تحتسبُ ، فإنِ اشتغلتَ بالتقوى والتوكُّلِ .. شاهدتَ بالتجربةِ ... وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا مصداقَ قولِهِ تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرًَا يَحْتَسِبُ﴾، إلا أنَّهُ لمْ يتكفلْ لهُ أنْ يرزقَهُ لحمَ الطيرِ ولذائذَ الأطعمةِ ، فما ـئة (١) قوت القلوب (٩/٢). ٢٩٦ ....... ربع المنجيات حز كتاب التوحيد والتوكل ضمنَ إلا الرزقَ الذي تدومُ بهِ حياتُهُ، وهذا المضمونُ مبذولٌ لكلِّ مَنِ اشتغلَ بالضامنِ واطمأنَّ إلى ضمانِهِ ، فإنَّ الذي أحاطَ بهِ تدبيرُ اللهِ تعالىُ مِنَ الأسبابِ الخفيّةِ للرزقِ أعظمُ ممَّا ظهرَ للخلقِ ، بلْ مداخلُ الرزقِ لا تُحصىُ ، ومجاریهِ لا يُهتدى إليها ، وذلكَ لأنَّ ظهورَهُ على الأرضِ وسببُهُ في السماءِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَفِ السَّمَاءِ رِزْفُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، وأسرارُ السماءِ لا يُطلعُ عليها، ولهذا دخلَ جماعةٌ على الجنيدِ فقالوا : نطلبُ الرزقَ ، فقالَ : إنْ علمتُمْ أيُّ موضعٍ هوَ .. فاطلبوهُ، قالوا: فنسألُ اللهَ، قالَ: إنْ علمتُمْ أَنَّهُ ينساكُمْ .. فذكِّروهُ، فقالوا : ندخلُ البيتَ ونتوكَّلُ وننظرُ ما يكونُ ، فقالَ : التوكلُ على التجربةِ شكّ، قالوا : فما الحيلةُ ؟ قالَ: تركُ الحيلةِ(١). وقالَ أحمدُ بنُ عيسى الخرَّارُ : كنتُ في الباديةِ ، فنالَني جوعٌ شديدٌ ، فغلبَتْي نفسي أنْ أسألَ اللهَ تعالى طعاماً ، فقلتُ : ليسَ هذا مِنْ فعالِ المتوكلينَ ، فطالبَتْني أنْ أسألَ اللهَ عزَّ وجلَّ صبراً ، فلمّا هممتُ بذلكَ .. سمعتُ هاتفاً يهتفُ بي ويقولُ : [من الوافر] وأَنَّا لا نُضَيِّعُ مَنْ أَنانا وَيَزْعُمُ أَنَّهُ مِنَّا قَرِيبٌ وَيَسْأَلُنَا الْقِرَىُ جُهْداً وَصَبْراً كَأَنَّسا لا نَراهُ ولاَ يَرانسا(٢) (١) كذا في (( الرسالة القشيرية)) (ص ٣٠٢)، وقد رواه الخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٢٣٥/٧) عن جعفر الخلدي وكان بحضرة الجنيد . (٢) كذا الخبر عند الكلاباذي في ((التعرف)) (ص١٥٠)، ورواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٥ /١٤٠) . ٢٩٧ حن منه كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات فقدْ فهمتَ أَنَّ مَنِ انكسرَتْ نفسُهُ ، وقويَ قلبُهُ ، ولمْ يضعفْ بالجبنِ باطنُهُ ، وقويَ إيمانُهُ بتدبيرِ اللهِ تعالى .. كانَ مطمئنَّ النفسِ أبداً ، واثقاً باللهِ عزَّ وجلَّ، فإنَّ أَسوأَ حالِهِ أنْ يموتَ ولا بدَّ أنْ يأتيَهُ الموتُ كما يأتي مَنْ ليسَ مطمئناً . فإذاً ؛ تمامُ التوكلِ بقناعةٍ مِنْ جانبٍ ، ووفاءٍ بالمضمونِ مِنْ جانبٍ ، والذي ضمنَ رزقَ القانعينَ بهذهِ الأسبابِ التي دبَّرَها صادقٌ ، فاقنعْ وجرِّبْ .. تشاهدْ صدقَ الوعدِ تحقيقاً بما يردُ عليكَ مِنَ الأرزاقِ العجيبةِ التي لمْ تكنْ في ظنِّكَ وحسابِكَ ، ولا تكنْ في توكُّلِكَ منتظراً للأسبابِ ، بلْ لمسبِّبِ الأسبابِ ، كما لا تكونُ منتظراً لقلم الكاتبِ ، بلْ لقلبِ الكاتبِ ، فإنَّهُ أصلُ حركةِ القلم ، والمحرِّكُ الأوَّلُ واحدٌ ، فلا ينبغي أنْ يكونَ النظرُ إلا إليهِ ، وهذا شرطُ توكلٍ مَنْ يخوضُ البواديَ بلا زادٍ ، أَوْ يقعدُ في الأمصارِ وهوَ خاملٌ . وأمَّا الذي لهُ ذكرٌ بالعبادةِ والعلمِ ؛ فإذا قنعَ في اليوم والليلةِ بالطعامِ مرَّةً واحدةً كيفَ كانَ وإنْ لمْ يكنْ مِنَ اللذائذِ ، وبثوبٍ خشنٍ يليقُ بأهلِ الدينِ .. فهذا يأتيهِ مِنْ حيثُ يحتسبُ ومِنْ حيثُ لا يحتسبُ على الدوامِ ، بلْ يأتيهِ أضعافُهُ ، فتركُهُ التوكلَ واهتمامُهُ بالرزقِ غايةُ الضعفِ والقصورِ ، فإنَّ اشتهارَهُ بسببٍ ظاهرٍ يجلبُ الرزقَ إليهِ أقوىْ مِنْ دخولِ الأمصارِ في حقِّ الخاملِ معَ الاكتسابِ . حمن " حن جن جن جن جن حنجرة ٢٩٨ ربع المنجيات كتاب التوحيد والتوكل فالاهتمامُ بالرزقِ قبيحٌ بذوي الدينِ ، وهوَ بالعلماءِ أقبحُ ؛ لأنَّ شرطَهُمُ القناعةُ ، والعالمُ القانعُ يأتيهِ رزقُهُ ورزقُ جماعةٍ كثيرةٍ إِنْ كانوا معَهُ ، إلا إذا أرادَ ألا يأخذَ مِنْ أيدي الناس ويأكلَ مِنْ كسبِهِ ، فذلكَ لهُ وجهٌ لائقٌ بالعالم العاملِ الذي سلوكُهُ بظاهرِ العلمِ والعملِ ، ولمْ يكنْ لهُ سيرٌ بالباطنِ ، فإنّ الكسبَ يمنعُ مِنَ السيرِ بالفكرِ الباطنِ ، فاشتغالُهُ بالسلوكِ معَ الأخذِ مِنْ ید مَنْ يتقرَّبُ إلى اللهِ تعالى بما يعطيهِ أولى؛ لأنَّهُ تفرُّغٌ للهِ عزَّ وجلَّ، وإعانةٌ للمعطي على نيلِ الثوابِ . حن. ستن ومَنْ نظرَ إلى مجاري سنَّةِ اللهِ تعالى .. علمَ أنَّ الرزقَ ليسَ علىُ قَدْرِ الأسبابِ ، ولذلكَ سألَ بعضُ الأكاسرةِ حكيماً عنِ الأحمقِ المرزوقِ والعاقلِ المحروم ، فقالَ : أرادَ الصانعُ أنْ يدلَّ على نفسِهِ ؛ إذْ لوْ رزقَ كلَّ عاقلٍ وحرمَ كلَّ أحمقَ .. لظُنَّ أنَّ العقلَ رزقَ صاحبَهُ، فلمَّا رَأَوا خلافَهُ .. علموا أنَّ الرازقَ غيرُهُمْ ، ولا ثقةَ بالأسبابِ الظاهرةِ لهُمْ . قالَ الشاعرُ(١): [من الطويل] وَلَوْ كَانَتِ الأَرْزاقُ تَجْرِي عَلى أَلْحِجا هَلَكْنَ إِذاً مِنْ جَهْلِهِنَّ أَلْبَهَائِمُ (١) البيت لأبي تمام في ((ديوانه)) (١٧٨/٣). ٢٩٩ ـجن. كتاب التوحيد والتوكل ربع المنجيات بيان أحوال المتوكلين في التعلق بالأسب. بضرب مثال CG اعلمْ : أنَّ مثالَ الخلقِ معَ اللهِ تعالى مثالُ طائفةٍ مِنَ السؤَّالِ وقفوا في ميدانٍ على بابِ قصرِ الملكِ وهمْ محتاجونَ إلى الطعام ، فأخرجَ إليهِم غلماناً كثيرةً ومعَهُمْ أرغفةٌ مِنَ الخبزِ ، وأمرَهُمْ أنْ يعطوا بعضَهُمْ رغيفينٍ رغيفينِ، وبعضَهُمْ رغيفاً رغيفاً ، ويجتهدوا في ألا يغفُلُوا عنْ واحدٍ منهُمْ، وأمرَ منادياً حتَّى نادى فيهِمْ : أنِ اسكنوا ولا تتعلَّقوا بغلماني إذا خرجوا إليكُمْ ، بلْ ينبغي أنْ يطمئنّ كلُّ واحدٍ منكُمْ في موضعِهِ ، فإنَّ الغلمانَ مسخَّرونَ وهُمْ مأمورونَ بأنْ يوصلوا إليكُمْ طعامَكُمْ ، فمَنْ تعلَّقَ بالغلمانِ وآذاهُمْ وأخذَ رغيفينٍ ؛ فإذا فُتَحَ بابُ الميدانِ وخرجَ . . أتبعتُهُ بغلامِ يكونُ موكلاً بهِ إلى أنْ أتقدمَ لعقوبتِهِ في ميعادٍ معلومٍ عندي ولكنَّي أخفيهِ ، ومَنْ لَمْ يؤذِ الغلمانَ وقنعَ برغيفٍ واحدٍ أتاهُ مِنْ يدِ الغلامِ وهوَ ساكنٌ .. فإنِّي أخصُّهُ بخلعةٍ سنيّةٍ في الميعادِ المذكورِ لعقوبةِ الآخرِ ، ومَنْ ثبتَ في مكانِهِ ولكنَّهُ أخذَ رغيفينٍ .. فلا عقوبةَ عليهِ ولا خلعةَ لهُ، ومَنْ أخطأهُ غلماني فما أوصلوا إليهِ شيئاً ، فباتَ الليلةَ جائعاً غيرَ متسخِّطٍ على الغلمانِ ولا قائلٍ : ليتَهُ أَوصلَ إليَّ رغيفاً .. فإنِّي غداً أستوزرُهُ وأفوِّضُ ملكي إليهِ. فانقسمَ السؤَّالُ إلى أربعة أقسام : C قسمٌ غلبَتْ عليهِمْ بطونُهُمْ فلمْ يلتفتوا إلى العقوبةِ الموعودةِ ، وقالوا : ٣٠٠ .. .....