Indexed OCR Text
Pages 601-620
ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف وكلُّ صنفٍ على حدتِهِ محيطُونَ بهِ ، وسليمانُ عليهِ السلامُ قائمٌ على رأسِهِ ، و فيأخذُ في الثناءِ على ربِّهِ ، فيضُّونَ بالبكاءِ والصراخ ، ثمَّ يأخذ في ذكرِ الجنَّةِ والنارِ ، فتموتُ الهوائُ وطائفةٌ مِنَ الوحوشِ والسباعِ والناسِ ، ثُمَّ يأخذُ في أهوالِ القيامةِ ، وفي النياحةِ على نفسِهِ ، فيموتُ مِنْ كلِّ نوع طائفةٌ، فإذا رأى سليمانُ كثرةَ الموتى .. قالَ: يا أبتاهُ؛ قدْ مزَّقتَ المستمعينَ كلَّ ممزَّقٍ ، وماتَتْ طوائفُ مِنْ بني إسرائيلَ ومِنَ الوحوشِ والهوامٌّ ، فيأخذُ في الدعاءِ ، فبينا هوَ كذلكَ .. إذْ ناداهُ بعضُ عبَّادِ بني إسرائيلَ : يا داوودُ ؛ عجلْتَ بطلبِ الجزاءِ على ربّكَ، قالَ : فيخرُ داوودُ مغشياً عليهِ ، فإذا نظرَ سليمانُ إلى ما أصابَهُ .. أتىْ بسريرٍ فحملَهُ عليهِ، ثمَّ أمرَ منادياً ينادي : ألا مَنْ كانَ لهُ معَ داوودَ حميمٌ أَوْ قريبٌ .. فليأتِ بسریرٍ فليحملْهُ ، فإنَّ الذينَ كانوا معَهُ قدْ قتلَهُمْ ذكرُ الجنَّةِ والنارِ ، فكانَتِ المرأةُ تأتي بالسريرِ وتحملُ قريبَها وتقولُ : يا مَنْ قتلَهُ ذكرُ النارِ ، يا مَنْ قتلَهُ خوفُ اللهِ ، ثمَّ إذا أفاقَ داوودُ .. قامَ ووضعَ يدَهُ على رأسِهِ ، ودخلَ بيتَ عبادتِهِ ، وأغلقَ بابَهُ ، ويقولُ : يا إلهَ داوودَ ؛ أغضبانُ أنتَ على داوودَ ؟ ولا يزالُ يناجي ربَّهُ، فيأتي سليمانُ ويقعدُ على البابِ ، ويستأذنُ ، ثمَّ يدخلُ ومعَهُ قرصٌ مِنْ شعيرٍ ، فيقولُ : يا أبتاهُ ؛ تقوَّ بهذا على ما تريدُ ، فيأكلُ مِنْ ذلكَ القرصِ ما شاءَ اللهُ، ثمَّ يخرجُ إلى بني إسرائيلَ فيكونُ بِينَهُمْ( (١) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الخائفين)). ((إتحاف)) (٢٤٨/٩)، ورواه السراج القاري في (( مصارع العشاق)) (١/ ٢٧٢). ٦٠١ ـكن حر ـرحن كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات .. وقالَ يزيدُ الرقاشيُّ: خرِجَ داوودُ ذاتَ يومٍ بالناسِ يعُهُمْ ويخوّفُهُمْ : فخرجَ في أربعينَ ألفاً ، فماتَ منهُمْ ثلاثونَ ألفاً ، وما رجعَ إلا في عشرةٍ آلافٍ، قالَ : وكانَ لهُ جاريتانِ اتخذَهُما، حتَّى إذا جاءَهُ الخوفُ، وسقطَ فاضطربَ .. قعدتا على صدرِهِ وعلى رجليهِ مخافةَ أنْ تتفرَّقَ أعضاؤهُ ومفاصلُهُ فيموتَ(١) . وقالَ ابنُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما : دخلَ يحيى بنُ زكريا عليهما السلامُ بيتَ المقدسِ وهوَ ابنُ ثمانِ حججٍ ، فنظرَ إلى عبَّادِهِمْ قدْ لبسوا مدارعَ الشعرِ والصوفِ ، ونظرَ إلى مجتهديهِمْ قدْ خرقوا التراقيّ وسلكوا فيها السلاسلَ ، وشدُّوا أنفسَهُمْ إلى أطرافِ بيتِ المقدسِ ، فهالَهُ ذلكَ ، فرجعَ إلى أبويهِ ، فمرَّ بصبيانٍ يلعبونَ ، فقالوا لهُ : يا يحيى ؛ هلمَّ بنا لنلعبَ ، فقالَ : إنِّي لمْ أُخلقْ للَّعبِ ، قالَ: فأتى أبويهِ ، فسألَهُما أنْ يدرِّعاهُ الشعرَ ، ففعلا ، فرجعَ إلى بيتِ المقدسِ ، وكانَ يخدمُهُ نهاراً ، ويصبحُ فيهِ ليلاً (٢) ، حتَّى أتَتْ عليهِ خمسَ عشرةَ سنةً ، فخرجَ ولزمَ أطوادَ الأرضِ وغيرانَ الشعابِ ، فخرجَ أبواهُ في طلبهِ ، فأدركاهُ على بحيرةِ الأردنُّ وقدْ أنقعَ رجليهِ في الماءِ وقدْ كادَ ـكن (١) وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٣٩٩) عن ثابت البناني قال : ( كان داوود نبي الله عليه السلام إذا ذكر عقاب الله .. تخلعت أوصاله ، لا يشدها إلا الأسر ، فإذا ذكر رحمة الله .. تراجعت )، والأسر : العصب والشد ، والمراد هنا : الأعصاب والعروق لشبهها بالحبل . ـكن (٢) أي: يسرج السرج. ((إتحاف)) (٢٤٨/٩). ٦٠٢ ء G ربع المنجيات خر كتاب الرجاء والخوف العطشُ يذبحُهُ وهوَ يقولُ : وعزَّتِكَ وجلالِكَ ؛ لا أذوقُ باردَ الشرابِ حتَّى أعلمَ أينَ مكاني منكَ ، فسألَهُ أبواهُ أنْ يفطرَ على قرْصٍ كانَ معهما مِنْ شعيرٍ ، ويشربَ مِنْ ذلكَ الماءِ ، ففعلَ وكفَّرَ عنْ يمينِهِ ، فمُدِحَ بالبرِّ ، فردَّهُ أبواهُ إلى بيتِ المقدسِ ، فكانَ إذا قامَ يصلِّي .. بكى حتَّى يبكيّ معَهُ الشجرُ والمدرُ ، ويبكيَ زكريا عليهِ السلامُ لبكائِهِ ، حتَّى يُغمى عليهِ ، فلمْ يزلْ يبكي حتَّى أحرقَتْ دموعُهُ لحمَ خذَّيهِ ، وبدَتْ أضراسُهُ للناظرينَ ، فقالَتْ لهُ أَمُّهُ : يا بنيَّ ؛ لوْ أذنتَ لي أنْ أتخذَ لكَ شيئاً تواري بهِ أضراسَكَ عنِ الناظرينَ ، فأذنَ لها ، فعمدَتْ إلى قطعتي لبودٍ فألصقَتْهُما على خدَّيهِ ، فكانَ إذا قامَ يصلِّي .. بكى، فإذا استنقعَتْ دموعُهُ في القطعتينِ .. أتتْ إليهِ أُّهُ فعصرتهما ، فإذا رأى دموعَهُ تسيلُ على ذراعي أمِّهِ .. قالَ: اللهمَّ ؛ هذهِ دموعي ، وهذهِ أمِّي، وأنا عبدُكَ، وأنتُ أرحم الراحمينَ ، فقالَ لهُ زكريا يوماً : يا بنيَّ ؛ إنَّما سألتُ ربِّي أنْ يهبَكَ لي لتقرَّ عيناي بكَ، فقالَ يحيى : يا أبتِ ؛ إنَّ جبريلَ أخبرَني أنَّ بينَ الجنَّةِ والنارِ مفازةً لا يقطعُها إلا كلُّ بِكَّاءِ ، فقالَ زكريا عليهِ السلامُ: فابكِ يا بنيَّ(١). برجر وقالَ عيسىُ عليهِ السلامُ : ( معاشرَ الحواريينَ ؛ خشيةُ اللهِ وحبُّ الفردوسِ يورثانِ الصبرَ على المشقّةِ ، ويباعدانِ مِنَ الدنيا ، وبحقِّ أقولُ (١) رواه ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (٢٩٤/٢) إلى قوله: (وأنت أرحم الراحمين ) عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٥٣/١٩) عن یزید بن أبي منصور . ٦٠٣ حز ون كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات لكُمْ : إنَّ أكلَ الشعيرِ والنومَ على المزابلِ معَ الكلابِ في طلبِ الفردوسِ قليلٌ)(١) . وقيلَ : كانَ الخليلُ عليهِ السلامُ إذا ذكرَ خطيئتهُ .. يُغشى عليهِ ، ويُسمعُ اضطرابُ قلبهِ ميلاً في ميلٍ ، فيأتيهِ جبريلُ فيقولُ لهُ : الجبَّارُ يقرئُكَ السلامَ ويقولُ : هلْ رأيتَ خليلاً يخافُ خليلَهُ ؟ فيقولُ : يا جبريلُ ؛ إنِّي إذا ذكرتُ خطيئَتي .. نسيتُ خلَّتي(٢). فهذهِ أحوالُ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ ، فدونَكَ والتأمُّلَ فيها ؛ فإنَّهُمْ أعرفُ خلقِ اللهِ باللهِ تعالى وبصفاتِهِ صلواتُ اللهِ عليهِمْ أجمعينَ ، وعلى كلِّ عبادِ اللهِ المقربينَ ، وحسبنا الله ونعمَ الوكيلُ . (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٩/٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق )) ( ٤٧ /٤٢٢) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((الخائفين)). ((إتحاف)) (٢٤٩/٩). ٦٠٤ ربع المنجيات حـ كتاب الرجاء والخوف بيان أحوال الصحابة والتابعين والسّلف الصّالحين في شدة الخوف رُوِيَ أنَّ أبا بكرٍ الصدِّيقَ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ لطائرٍ : ( ليتَنَي مثلُكَ يا طائرٌ ولمْ أُخلقْ بشراً)(١). وقالَ أبو ذرٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( وددتُ لوْ أنِّي شجرةٌ تُعضدُ)(٢) ، وكذا قالَ طلحةٌ(٣) . وقالَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( وددتُ أنّي إذا مثُّ لمْ أُبعثْ )(٤) وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( وددتُ أنِّي كنتُ نسياً منسياً)(٥) . ورُوِيَ أنَّ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ كانَ يسقطُ مِنَ الخوفِ إذا سمعَ آيَةً مِنَ القرآنِ مغشياً عليهٍ ، فكانَ يُعادُ أيَّامً(٦) . وأخذَ يوماً تبنةٌ مِنَ الأرضِ فقالَ : ( يا ليتَنَي كنتُ هذهِ التبنةَ ، يا ليتَنَّي (١) رواه بنحوه البيهقي في ((الشعب)) (٧٦٩). (٢) رواه الترمذي (٢٣١٢)، وذكره موقوفاً عليه رضي الله عنه . (٣) قوت القلوب (٢٢٨/١) . (٤) كذا في ((القوت)) (٢٢٨/١)، وروى ابن أبي الدنيا في ((المتمنين)) (٧٢) عنه رضي الله عنه قال : ( لو وقفت بين الجنة والنار ، فخيِّرت بين أن أصير رماداً أو أخير إلى أي الدارين أصير .. لاخترت أن أكون رماداً ) . (٥) رواه البخاري ( ٤٧٥٣). (٦) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥١/١). ـحو ٦٠٥ بحر كن كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات لمْ أكُ شيئاً مذكوراً ، يا ليتني كنتُ نسياً منسيّاً ، يا ليتَي لمْ تلذْني أمِّي)(١) وكانَ في وجهِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ خطَّانِ أسودانٍ مِنَ الدموعِ (٢) . وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ خافَ اللهَ .. لمْ يشفِ غيظَهُ ، ومَنِ اتقى اللهَ .. لمْ يصنعْ ما يريدُ، ولولا يومُ القيامةِ .. لكانَ غيرَ ما ترونَ )(٣) . ٥ فات ولمَّا قرأْ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوَّرَتْ﴾، وانتهى إلى قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا اُلُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ .. خرَّ مغشياً عليهِ (٤) . ومرَّ يوماً بدارِ إنسانٍ وهوَ يصلِّي ويقرأُ ( سورةَ الطورِ ) فوقفَ يستمعُ ، فلمَّا بلغَ قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَيِّعٌ﴾ .. نزلَ عنْ حمارِهِ ، واستندَ إلى حائطٍ ، ومكثَ زماناً ، ورجعَ إلى منزِلِهِ ، فمرضَ شهراً يعودُهُ الناسُ ولا يدرونَ ما مرضُهُ(٥) . وقالَ عليٌّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ وقدْ سلَّمَ مِنْ صلاةِ الفجرِ وقدْ علاهُ كآبةٌ وهوَ يقلِّبُ يدَهُ: ( لقدْ رأيتُ أصحابَ محمدٍ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فلمْ أرَ اليومَ (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٣٤). (٢) رواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (٣١٨). حں (٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ٤٠٥ ) من طريق ابن أبي الدنيا ، ئر». وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٨/٨) . (٤) أورده المحب الطبري في ((الرياض النضرة)) (٣٧٥/٢). (٥) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٠٨/٤٤). ٦٠٦ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف ـحن شيئاً يشبهُهُمْ، لقدْ كانوا يصبحونَ شعثاً صفراً غبراً ، بينَ أعينِهِمْ أمثالُ رُكَبِ المعزى ، قدْ باتوا للهِ سجّداً وقياماً يتلونَ كتابَ اللهِ ، يراوحونَ بينَ جباهِهِمْ وأقدامِهِمْ، فإذا أصبحوا وذكروا اللهَ .. مادوا كما يميدُ الشجرُ في يومٍ الربح ، وهملَتْ أعينُهُمْ الدموعَ حتَّى تبلَّ ثيابَهُمْ، واللهِ ؛ كأنِّي بالقومِ باتوا غافلينَ )، ثمَّ قامَ فما رُئِيَ بعدَ ذلكَ ضاحكاً حتَّى ضربَهُ ابنُ ملجم(١) . ـور جن جة ـيم وقالَ عمرانُ بنُ الحصينِ : ( وددتُ أنِّي رمادٌ تسفيني الرياحُ في يومٍ عاصفٍ )(٢) . وقالَ أبو عبيدةَ ابنُ الجرّاحِ رضيَ اللهُ عنهُ : ( وددتُ أنِّي كبشٌ فيذبحُني أهلي، فيأكلونَ لحمي، ويحسونَ مرقي )(٣). وكانَ عليُّ بنُ الحسينِ رضيَ اللهُ عنهُ إذا توضَّأَ .. اصفرَ لونُهُ، فيقولُ لهُ أهلُهُ : ما هذا الذي يعتادُكَ عندَ الوضوءِ؟ فيقولُ: أتدرونَ بينَ يدي مَنْ أريدُ أنْ أقومَ ؟!(٤). وقالَ موسى بنُ مسعودٍ : كنَّا إذا جلسنا إلى الثوريّ كأنَّ النارَ قدْ أحاطَتْ بنا ؛ لما نرى مِنْ خوفِهِ وجزعِهِ (٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٢٠٥)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص٢٥٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٧٦/١). (٢) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٣٠٧/١١)، والبيهقي في ((الشعب)) (٧٧٠). (٤) رواه أحمد في ((الزهد)) (٢١٣٨)، وابن أبي الدنيا في ((الرقة والبكاء)) (١٤٨). (٣) هو ضمن الخبر المروي قبله . (٥) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ١٤٠). ٦٠٧ حن '۔۔ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات وقرأ مضرُ القارىءُ يوماً: ﴿هَذَا كِنَبُنَا يَنَطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ ... ) الآيةَ، فبكىُ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ حتَّى غُشِيَ عليهِ ، فلمَّا أفاقَ .. قالَ: وعزَّتِكَ ؛ لا عصيتُكَ جهدي أبداً، فأعنِّي بتوفيقِكَ على طاعتِكَ (١). وكانَ المسورُ بنُ مخرمةَ لا يقوى أنْ يسمعَ شيئاً منَ القرآنِ لشدَّةِ خوفِهِ ، ولقدْ كانَ يُقرأُ عندَهُ الحرفُ أوِ الآيةُ فيصيحُ صيحةً فما يعقلُ أياماً ، حتَّى أتى عليهِ رجلٌ مِنْ خثعمٍ ، فقرأ عليهِ: ﴿ يَوْمَ تَخْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِنَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾، فقالَ: أنا مِنَ المجرمينَ ، ولستُ مِنَ المتقينَ ، أعدْ عليَّ القولَ أيُّها القارىءُ ، فأعادَها عليهِ ، فشهقَ شهقةً فلحقَ بالآخرةِ(٢) . وقُرِىءَ عندَ يحيى البَكَّاءِ: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِهِمْ﴾، فصاحَ صيحةٌ مكثَ منها مريضاً أربعة أشهرٍ يُعادُ مِنْ أطرافِ البصرةِ (٣). وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : بينما أنا أطوفُ بالبيتِ إذْ أنا بجُويريةَ المتعبدةِ متعلقةً بأستار الكعبةِ وهيَ تقولُ : يا ربِّ ؛ كمْ مِنْ شهوةٍ ذهبَتْ لذَّاتُها وبقيَتْ (١) بنحوه رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٣٠/٣٧). (٢) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٢٥٢/٩): ( هكذا ذكره المصنف في سبب موته ، والذي ثبت من قول عمرو بن علي الفلاس أنه أصابه المنجنيق في فتنة ابن الزبير وهو يصلي في الحجر ، فمكث خمسة أيام ثم مات ، فلعل هذه القصة إن صحت .. كانت في أثناء هذه الأيام الخمسة ، أو حصل التصحيف من النساخ في صاحب القصة ) . (٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٢١٣). ٦٠٨ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف تبعاتُها ؟! يا ربِّ؛ أما كانَ لكَ أدبٌّ وعقوبةٌ إلا النارُ؟! وتبكي ، فما زالَ ذلكَ مقامُها حتَّى طلعَ الفجرُ ، قالَ مالكٌ : فلمَّا رأيتُ ذلكَ .. وضعتُ يدي على رأسي صارخاً أقولُ: ثكلَتْ مالكاً أمُّهُ(١). ورُوِيَ أنَّ الفضيلَ رُئِيَ يومَ عرفةَ والناسُ يدعونَ وهوَ يبكي بكاءَ الثكلى المحترقةِ ، حتَّى إذا كادَتِ الشمسُ تغربُ .. قبضَ على لحيتِهِ ، ثمَّ رفعَ رأسَهُ إلى السماءِ وقالَ : واسوءتاهُ منكَ وإنْ غفرتَ ، ثمَّ انقلبَ معَ الناس(٢) . وسُئِلَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما عنِ الخائفينَ ، فقالَ : ( قلوبُهُمْ بالخوفِ قرحةٌ، وأعينُهُمْ باكيةٌ ، يقولونَ : كيفَ نفرحُ والموتُ مِنْ ورائِنا ، والقبرُ أمامَنا ، والقيامةُ موعدُنا، وعلى جهنَّمَ طريقُنا ، وبينَ يدي ربِّنا موقفُنا ؟! )(٣). ومرَّ الحسنُ بشابٍّ وهوَ مستغرقٌ في ضحكِهِ وهوَ جالسٌ معَ قومٍ في مجلسٍ ، فقالَ لهُ الحسنُ : يا فتى ؛ هلْ مررتَ بالصراطِ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فهلْ تدري إلى الجنَّةِ تصيرُ أمْ إلى النارِ ؟ قالَ : لا ، قالَ : فما هذا (١) رواه الفاكهي في (( أخبار مكة)) (٣١٩/١)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٣١/٥٦)، وكذا وقع في النسخ : ( المتعبدة ) بالتعريف ، وعند الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٩/ ٢٥٢): ( بجويريةٍ متعبدة ). (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٣٨٩٧)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق )) ( ٤٨ / ٤٢٠ ) . (٣) أورده ابن عبد ربه في ((العقد الفريد)) (١٧٧/٣). ٦٠٩ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات الضحكُ ؟! قالَ : فما رُئِيَ ذلكَ الفتى بعدَها ضاحكاً(١). وكانَ حمَّادُ بنُ عبدِ ربِّهِ إذا جلسَ .. جلسَ مستوفزاً على قدميهِ ، فيُقالُ لهُ: لوِ اطمأننتَ، فيقولُ : تلكَ جلسةُ الآمن، وأنا غيرُ آمنٍ ؛ إذْ عصيتُ اللهَ عزَّ وجلَّ . وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ : ( إنَّما جعلَ اللهُ تعالى هذهِ الغفلةَ في قلوبِ العبادِ رحمةً ؛ كي لا يموتوا مِنْ خشيةِ اللهِ عزَّ وجلَّ)(٢). وقالَ مالكُ بنُ دينارٍ : ( لقدْ هممتُ إذا أنا متُّ أنْ آمرَهُمْ أنْ يقيِّدوني ويغلُّوني ، ثمَّ ينطلقوا بي إلى ربِّي كما يُنطلقُ بالعبدِ الآبقِ إلى سيِّدهِ)(٣). وقالَ حاتم الأصمُّ : ( لا تغترَّ بموضعٍ صالحٍ ؛ فلا مكانَ أصلحُ مِنَ الجنَّةِ وقدْ لقيَ آدمُ عليهِ السلامُ فيها ما لقيَ ، ولا تغترَّ بكثرةِ العبادةِ ؛ فإنَّ إبليسَ بعدَ طولِ تعبُدِهِ لقيَ ما لقيَ ، ولا تغترَّ بكثرةِ العلمِ ؛ فإنَّ بلعامَ كانَ يحسنُ اسمَ اللهِ الأعظمَ ، فانظرْ ماذا لقيَ ، ولا تغترَّ برؤيةِ الصالحينَ ؛ فلا شخصَ أكبرُ منزلةً عندَ اللهِ مِنَ المصطفى صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولمْ ينتفعْ بلقائِهِ أقاربُهُ وأعداؤُهُ) (٤). ـن ـدة (١) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٢٥٣/٩). (٢) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (٢٥٣/٩). (٣) رواه أحمد في ((الزهد)) ( ١٨٨٠) بنحوه . (٤) الرسالة القشيرية (ص٢٤١). ٦١٠ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف وقالَ السريُّ : ( إنِّي لأنظرُ إلى أنفي كلَّ يوم مراتٍ ؛ مخافةَ أنْ يكونَ قدِ اسودَّ وجهي )(١) . وقالَ أبو حفصٍ : ( منذُ أربعينَ سنةً اعتقادي في نفسي أنَّ اللهَ تعالى ينظرُ إليَّ نظرَ السخطِ ، وأعمالي تدلُّ على ذلكَ)(٢). وخرجَ ابنُ المباركِ يوماً على أصحابِهِ فقالَ : ( إنِّي اجترأتُ البارحةَ على اللهِ تعالى؛ سألتُهُ الجنَّةَ)(٣). وقالَتْ أُمُ محمدِ بنِ كعبِ القرظيِّ لابنِها : يا بنيَّ ؛ إنِّي أعرفُكَ صغيراً طيِّاً ، وكبيراً طيِّياً، وكأنَّكَ أحدَثتَ حدثاً موبقاً لما أراكَ تصنعُ في ليلِكَ ونهارِكَ !(٤) فقالَ: يا أمَّاهُ ؛ ما يؤمنُني أنْ يكونَ اللهُ عزَّ وجلَّ قِدِ اطلعَ عليَّ وأنا على بعضٍ ذنوبي فمقتَني وقالَ: وعزَّتي وجلالي؛ لا غفرتُ لكَ ؟!(٥). وقالَ الفضيلُ : ( إنِّي لا أغبطُ نبيّاً مرسلاً ، ولا ملكاً مقرباً ، ولا عبداً صالحاً ، أليسَ هؤلاءِ يعاينونَ يومَ القيامةِ؟! إنَّما أغبطُ مَنْ لمْ يُخلقْ)(٦). (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١١٦/١٠). الرسالة القشيرية ( ص ٢٤٠)، وأبو حفص هو عمر بن مسلمة الحداد . (٢) (٤) أي: من الاجتهاد في العبادة، والبكاء من الخوف. ((إتحاف)) (٢٥٣/٩). (٣) الرسالة القشيرية ( ص٢٤١) . (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٩٠)، وأبو نعيم في (( الحلية)) ( ٢١٤/٣) . (٦) رواه بنحوه أبو نعيم في ((الحلية)) (٩/٨)، ويعاينون: يشاهدون أهوالها. ٦١١ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات ورُوِيَ أنَّ فتىّ مِنَ الأنصارِ دخلتهُ خشيةُ النارِ ، فكانَ يبكي حتَّى حبسَهُ ذلكَ في البيتِ ، فجاءَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فدخلَ عليهِ واعتنقَهُ ، فخرَّ ميتاً ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( جهِّزوا صاحبَكُمْ؛ فإنَّ الفَرَقَ مِنَ النارِ فَثَّتَ كبدَهُ))(١). ورُوِيَ عن أبي ميسرةَ أنَّهُ كانَ إذا أوى إلى فراشِهِ قَالَ : يا ليتَ أمِّ لمْ تلذْني ، فقالَتْ لهُ أمُّهُ : يا أبا ميسرةَ ؛ إنَّ اللهَ تعالى قدْ أحسنَ إليكَ ؛ هداكَ للإسلام ، قالَ : أجلْ، ولكنَّ اللهَ تعالى قدْ بيَّنَ لنا أنَّا واردو النارِ ، ولمْ يبيِّنْ لنا أنا صادرونَ عنها(٢) . وقيلَ لفرقدِ السَّبَخِيِّ : أخبرنا بأعجبِ شيءٍ بلغَكَ عنْ بني إسرائيلَ ، فقالَ : بلغَني أنَّهُ دخلَ بيتَ المقدسِ خمسُ مئةٍ عذراءَ ، لباسُهُنَّ الصوفُ والمسوحُ ، فتذاكرْنَ ثوابَ اللهِ وعقابَهُ، فمتنَ جميعاً في يومٍ واحدٍ(٣) . وكانَ عطاءُ السَّليميُّ مِنَ الخائفينَ ، ولمْ يكنْ يسألُ اللهَ الجنَّةَ أبداً ، إنَّما كانَ يسألُ اللهَ العفوَ (٤). (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣٢٠)، من زيادات نعيم بن حماد، وأحمد في ((الزهد)) (٢٣٤٩)، والحاكم في ((المستدرك)) (٤٩٤/٢)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٩٠٨ ) . (٢) رواه النسائي في ((الكبرى)) (١١٨٣٧)، وابن المبارك في ((الزهد)) (٣١٢)، وفي غير (ب) : (وروي عن ابن أبي ميسرة) . (٣) أورده ابن الجوزي في ((المدهش)) (٦١٣/٢). (٤) روى ذلك له أبو نعيم في ((الحلية)) (٦/ ٢١٧). ٦١٢ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف وقيلَ لهُ في مرضِهِ : ألا تشتهي شيئاً ؟ فقالَ : إنَّ خوفَ جهنَّمَ لمْ يدعْ في قلبي موضعاً للشهوةٍ(١). ويُقالُ : إنَّهُ ما رفعَ رأسَهُ إلى السماءِ ولا ضحكَ أربعينَ سنةً ، وإنَّهُ رفعَ رأسَهُ يوماً ، ففزعَ، فسقطَ، فانفتقَ في بطنِهِ فتقٌ(٢). وكانَ يمسُ جسدَهُ في بعضِ الليلةِ مخافةَ أنْ يكونَ قدْ مُسِخَ(٣). وكانَ إذا أصابَتْهُمْ ريحٌ أوْ برقٌ أوْ غلاءُ طعام .. قالَ : هذا مِنْ أجلي يصيبُهُمْ، لوْماتَ عطاءٌ .. لاستراحَ الناسُ(٤). وقالَ عطاءٌ : خرجنا معَ عتبةَ الغلامِ وفينا كهولٌ وشبَّنٌ يصلُّونَ صلاةَ الفجرِ بطهورِ العشاءِ ، قَدْ تورَّمَتْ أقدامُهُمْ مِنْ طولِ القيام ، وغارَتْ أعينُهُمْ في رؤوسِهِمْ، ولصقَتْ جلودُهُمْ على عظامِهِمْ، وبقيَتِ العروقُ كأنَّها الأوتارُ، يصبحونَ كأنَّ جلودَهُمْ قشورُ البطيخ ، وكأنَّهُمْ قَدْ خرجوا مِنَ القبورِ يخبرونَ كيفَ أكرمَ اللهُ المطيعينَ ، وكيفَ أهانَ العاصينَ ، فبينَما هُمْ يمشونَ . . إذْ مرَّ بمكانٍ ، فخرَّ مغشياً عليهِ ، فجلسَ أصحابُهُ حولَهُ بیکونَ في يومٍ شديدِ البردِ ، وجبينُهُ يرشحُ عرقاً ، فجاؤوا بماءٍ فمسحوا وجهَهُ ، (١) روى ما يفيد هذا أبو نعيم في ((الحلية)) (٢١٩/٦). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢١/٦). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٢/٦). (٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢١/٦). ٦١٣ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات فأفاقَ، وسألوهُ عنْ أمرِهِ ، فقالَ : إنِّي ذكرتُ أنِّي كنتُ عصيتُ اللهَ في ذلكَ المكانِ(١). وقالَ صالحُ المريُّ : قرأتُ على رجلٍ مِنَ المتعبدينَ : ﴿يَوْمَ تُقَذَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ يَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾، فصعقَ، ثمَّ أفاقَ فقالَ: زدْني يا صالحُ ؛ فإنِّي أجدُ غمّاً، فقرأتُ: ﴿كُلَّمَا أَرَادُواْ أَنْ يَخْرُجُواْ مِنْهَا أُعِيدُ وافِيهَا﴾، فخرَّ ميتاً . ورُوِيَ أنَّ زرارةَ بنَ أوفى صلَّى بالناس الغداةَ ، فلمَّا قرأ: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِى النَّقُورِ﴾ .. خرَّ مغشياً عليه، فحُملَ ميتاً(٢). ودخلَ يزيدُ الرقاشيُّ على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ، فقالَ : عظْني يا يزيدُ ؛ فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ اعلمْ أنَّكَ لستَ أوَّلَ خليفةٍ يموتُ ، فبكىُ ، ثمَّ قالَ : زدْني ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ ليسَ بينَكَ وبينَ آدَمَ أبٌّ إلا مَيِّتٌ ، فبكى ، ثمَّ قالَ : زدْني يا يزيدُ، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ ؛ ليسَ بينَكَ وبينَ الجنَّةِ والنارِ منزلٌ ، فسقطَ مغشياً عليهِ(٣) . وقالَ ميمونُ بنُ مهرانَ : لمَّا نزلَتْ هذهِ الآيةُ: ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ .. صاحَ سلمانُ الفارسيُّ، ووضعَ يدَهُ على رأسِهِ ، جن (١) خبر أنه مرَّ بمكان فأصابه ما أصابه رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٨/٦). (٢) رواه الترمذي (٤٤٥) بنحوه . (٣) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٥٥١). ٦١٤ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف وخرجَ هارباً ثلاثةَ أيامٍ لا يقدرونَ عليهِ (١) . ورأى داوودُ الطائيُّ امرأةً تبكي على رأسِ قبرِ والِدِها وهيَ تقولُ : يا أبتاهُ؛ ليتَ شعري أيُّ خديكَ بدأَ بهِ الدودُ أوَّلاً ؟ فصعقَ داوودُ وسقطَ مكانةٌ(٢) . وقيلَ : مرضَ سفيانُ الثوريُّ، فعُرِضَ بولُهُ على طبيبٍ ذميٍّ ، فقالَ : هذا رجلٌ قطعَ الخوفُ كبدَهُ ، ثمَّ جاءَ وجسَّ عروقَهُ ، ثمّ قالَ : ما علمتُ أنَّ في الملةِ الحنيفيةِ مثلَهُ(٣) . وقالَ أحمدُ ابنُ حنبلِ رحمَهُ اللهُ: سألتُ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يفتحَ عليَّ باباً مِنَ الخوفِ ، ففتحَ ، فخفتُ على عقلي ، فقلتُ : يا ربِّ ؛ على قَدْرِ ما أطيقُ ، فسكنَ قلبي (٤) . وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرو بنِ العاصِ : ( ابكوا ، فإنْ لمْ تبكوا .. فتباكَوا، فوالذي نفسي بيدهِ ؛ لوْ يعلمُ العلمَ أحدُكُمْ .. لصرِخَ حتَّى ينقطعَ صوتُهُ ، وصلَّىُ حتَّى ينكسرَ صلبُهُ)(٥) ، وكأنَّهُ أشارَ إلى معنى قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ (١) قال الحافظ العراقي: (لم أقف له على أصل). ((إتحاف)) (٢٥٥/٩). (٢) رواه البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٥٢٤)، وعند القشيري في (( الرسالة)) (ص٥٩) أن سبب زهد داوود رحمه الله تعالى أنه سمع نائحة تنوح وتقول : بأيُّ خديك تبدَّى البلى وأي عينيك إذاً سالا (٣) الرسالة القشيرية (ص ٢٤١). (٤) الرسالة القشيرية (ص ٢٤٢). (٥) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٧٨/٤). ٦١٥ كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات وسلَّمَ : ((لوْ تعلمونَ ما أعلمُ .. لضحكتُمْ قليلاً، ولبكيتُمْ كثيراً))(١). وقالَ العنبريُّ : اجتمعَ أصحابُ الحديثِ على بابِ الفضيلِ بنِ عياضٍ ، فاطلعَ عليهِمْ مِنْ كَوَّةٍ وهوَ يبكي ولحيتُهُ ترجفُ ، فقالَ : عليكمْ بالقرآنِ ، عليكُمْ بالصلاةِ ، ويحَكُمْ ، ليسَ هذا زمانَ حديثٍ ، إنَّما هذا زمانُ بكاءٍ وتضرُّعٍ واستكانةٍ ، ودعاءٍ كدعاءِ الغريقِ ، إنَّما هذا زمانُ : احفظْ لسانَكَ ، وأخفِ مكانَكَ، وعالجْ قلبَكَ، وخذْ ما تعرفُ، ودعْ ما تنكرُ(٢) . ورُئِيَ الفضيلُ يوماً وهوَ يمشي ، فقيلَ لهُ : إلى أينَ ؟ فقالَ : لا أدري ، وكانَ يمشي والهاً مِنَ الخوفِ (٣). وقالَ ذرُّ بنُ عمرَ لأبيهِ عمرَ بنِ ذرٍّ : ما بالُ المتكلمينَ يتكلَّمونَ فلا يبكي أحدٌ، فإذا تكلمتَ أنتَ .. سمعتُ البكاءَ مِنْ كلِّ جانبٍ ؟ فقالَ : يا بنيَّ ، ليسَتِ النائحةُ الثكلىُ كالنائحةِ المستأجرةِ (٤). وحُكِيَ أنَّ قوماً وقفوا بعابدٍ وهوَ يبكي ، فقالوا : ما الذي يبكيكَ يرحمُكَ اللهُ؟ قالَ : روعةٌ يجدُها الخائفونَ في قلوبِهِمْ ، قالوا : وما هيَ ؟ (١) رواه البخاري (١٠٤٤)، ومسلم (٤٢٦). (٢) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٩٤/٨) من طريق الحسين بن زياد قال: سمعت الفضيل يقول : ( احفظ لسانك ، وأقبل على شأنك، واعرف زمانك ، وأخف مكانك ). (٣) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (٢٥٦/٩). (٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١١٠/٥). ٦١٦ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف قالَ: روعةُ النداءِ بالعرضِ على اللهِ عزَّ وجلّ (١). وكانَ الخوَّاصُ يبكي ويقولُ في مناجاتِهِ : ( قدْ كبرتُ وضعفَ جسمي عنْ خدمتِكَ ، فأعتقْني)(٢). وقالَ صالحٌ المرِّيُّ : قدمَ علينا ابنُ السمَّاكِ مرَّةً فقالَ : أرني شيئاً مِنْ بعضٍ عجائبٍ عُبَّادِكُمْ ، فذهبتُ بهِ إلى رجلٍ في بعضِ الأحياءِ في خُصِِّ لهُ ، فاستأذنا عليهِ ، فإذا رجلٌ يعملُ خوصاً ، فقرأتُ عليهِ : ﴿ إِذِ الْأَغْظَلُ فِىّ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿ فِى الْحَمِيمِ ثُمَّ فِ النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾، فشهقَ الرجلُ شهقةٌ وخرّ مغشياً عليهِ ، فخرجنا مِنْ عندِهِ وتركناهُ على حالِهِ ، وذهبنا إلى آخرَ ، فدخلنا عليهِ ، فقرأتُ هذهِ الآيةَ ، فشهقَ شهقةً وخرّ مغشيّاً عليهِ ، فذهبنا واستأذنا على ثالثٍ ، فقالَ : ادخلوا إنْ لمْ تشغلونا عنْ ربًّا ، فقرأتُ : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدٍ﴾، فشهقَ شهقةً ، فبدا الدمُ مِنْ منخريهِ ، وجعلَ يتشخَّطُ في دمِهِ حتَّى يبسَ ، فتركناهُ على حالِهِ وخرجنا ، فأدرتُهُ على سنَّةِ أنفسٍ ، كلٌّ نخرجُ مِنْ عندِهِ ونتركُهُ مغشياً عليهِ ، ثمَّ أتيتُ بهِ السابعَ ، فاستأذنا ، فإذا امرأةٌ من وراءِ الخُصِّ تقولُ : ادخلوا ، فدخلنا ، فإذا شيخٌ فانٍ جالسٌ في مصلاَهُ ، فسلَّمنا عليهِ ، فلمْ يشعرْ بسلامِنا ، فقلتُ بصوتٍ عالٍ ، ألا إنَّ للخلقِ غداً مقاماً ، فقالَ الشيخُ : بينَ يدي مَنْ ويحَكَ ؟ ثمَّ بقيَ مبهوتاً ، فاتحاً فاهُ، شاخصاً بصرَهُ ، يصيحُ بصوتٍ لهُ (١) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٢٥٧/٩). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الرقة والبكاء)) (٢٨٢) بنحوه. ٦١٧ کتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات ضعيفٍ : أوْهِ أوْهِ ، حتَّى انقطعَ ذلكَ الصوتُ ، فقالَتِ امرأتُهُ : اخرجوا ، فإنَّكُمْ لا تنتفعونَ بهِ الساعةَ، فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ .. سألتُ عنِ القوم ، فإذا ثلاثةٌ قدْ أفاقوا، وثلاثةٌ قَدْ لحقوا باللهِ تعالى، وأمَّا الشيخُ .. فإنَّهُ مكثَ ثلاثةَ أيامٍ على حالتِهِ مبهوتاً متحيِّراً ، لا يؤدِّي فرضاً ، فلمَّا كانَ بعدَ ثلاثٍ .. عقلَ(١) . وكانَ يزيدُ بنُ الأسودِ يُرى أنَّهُ مِنَ الأبدالِ ، وكانَ قدْ حلفَ ألا يضحكَ أبداً ، ولا ينامَ مضطجعاً ، ولا يأكلَ سميناً أبداً، فما رُئِّيَ ضاحكاً ، ولا مضطجعاً ، ولا أكلَ سميناً حتَّى ماتَ رحمَهُ اللهُ(٢). وقالَ الحجَّاجُ لسعيدِ بنِ جبيرٍ : بلغَني أنَّكَ لمْ تضحكْ قطُّ ، فقالَ : كيفَ أضحكُ وجهنَّمُ قدْ سُعرَتْ ، والأغلالُ قدْ نُصبَتْ ، والزبانيةُ قدْ أُعدَّتْ(٣). وقالَ رجلٌ للحسنِ : يا أبا سعيدٍ ؛ كيفَ أصبحتَ ؟ قالَ : بخيرٍ ، قالَ: كيفَ حالُكَ ؟ فتبسَّمَ الحسنُ وقالَ : تسألُني عنْ حالي ؟! ما ظنُّكَ بناسٍ ركبوا سفينةً حتَّى توسَطوا البحرَ فانكسرَتْ سفينتُهُمْ ، فتعلَّقَ كلُّ إنسانٍ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٩/٦). (٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (١١١/٦٥) من طريق ابن أبي الدنيا ، وصوَّب الزبيدي في «إتحافه)) (٢٥٧/٩) أنه الأسود بن يزيد ، ولكن في النسخ والأصل المنقول عنه كما أثبت . (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩١/٤) ضمن خبر طويل ، ولفظه : ( وكيف يضحك مخلوق خلق من الطين ، والطين تأكله النار ) . ٦١٨ ربع المنجيات كتاب الرجاء والخوف منهُمْ بخشبةٍ ، على أيِّ حالٍ هُمْ ؟ قالَ الرجلُ : على حالٍ شديدةٍ ، قالَ الحسنُ : حالي أشدُّ مِنْ حالِهِمْ (١) . ودخلَتْ مولاةٌ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ عليهِ ، فسلَّمَتْ عليهِ ، ثمَّ قامَتْ إلى مسجدٍ في بيتِهِ ، فصلَّتْ فيهِ ركعتينٍ ، وغلبتها عيناها ، فرقدَتْ ، فاستبكَتْ في منامِها(٢) ، ثمَّ انتبهتْ فقالَتْ: يا أميرَ المؤمنينَ؛ إنِّي رأيتُ - واللهِ - عجباً ، قالَ : وما ذاكِ ؟ قالَتْ : رأيتُ النارَ وهيَ تزفرُ على أهلِها، ثمَّ جيءَ بالصراطِ فوُضعَ على متنِها ، فقالَ : هيهِ ، قالَتْ : فجيءَ بعبدِ الملكِ بنِ مروانَ ، فحُملَ عليهِ ، فما مضى عليهِ إلا يسيراً حتَّى انكفأَ بهِ الصراطُ ، فهوى إلى جهنّمَ ، فقالَ عمرُ : هيهِ ، قالَتْ ثمَّ جِيءَ بالوليدِ بنِ عبدِ الملكِ ، فحُملَ عليهِ ، فما مضى إلا يسيراً حتَّى انكفاً بهِ الصراطُ ، فهوى إلى جهنَّمَ ، فقالَ عمرُ : هيهِ ، قَالَتْ : ثمَّ جِيءَ بسليمانَ بنِ عبدِ الملكِ ، فما مضى عليهِ إلا يسيراً حتَّى انكفأَ بهِ الصراطُ ، فهوى كذلكَ ، فقالَ عمرُ : هيهِ ، قالَتْ : ثمَّ جِيءَ بكَ - واللهِ - يا أميرَ المؤمنينَ ، فصاحَ عمرُ رحمةُ اللهِ عليهِ صيحةً خرَّ مغشياً عليهِ ، فقامَتْ إليهِ ، فجعلَتْ تنادي في أذنِهِ : يا أميرَ المؤمنينَ ، إنِّي رأيتُكَ - واللهِ - حتَّى نجوتَ(٣) ، قالَ: وهيَ تنادي وهوَ يصيحُ ويفحصُ برجليهِ(٤) . (١) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٢٥٨/٩). (٢) أي: انتبهت باكية مذعورة. ((إتحاف)) (٢٥٨/٩). (٣) في (د): (إني رأيتك والله حتى نجوت، إني رأيتك والله حتى نجوت )، وكذا في (ج ) دون ( حتى ) . (٤) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (٢٥٨/٩). ٦١٩ - - ------- كتاب الرجاء والخوف ربع المنجيات ويُحكى أنَّ أويساً القرنيَّ رحمَهُ اللهُ كانَ يحضرُ عندَ القاصِّ فيبكي مِنْ كلامِهِ ، فإذا ذكرَ النارَ .. صرخَ أويسٌ، ثمَّ يقومُ منطلقاً ، فيتبعُهُ الناسُ ، فيقولونَ : مجنونٌ مجنونٌ . وقالَ معاذُ بنُ جبلٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنَّ المؤمنَ لا تسكنُ روعتُهُ حتَّى يخلِّفَ جسرَ جهنَّمَ وراءَهُ)(١) . وكانَ طاووسٌ يفرشُ فراشَهُ ، ثمَّ يضطجعُ ويتقلَّى كما تتقلَّى الحبّةُ في المقلَى، ثمَّ يثبُ فيدرجُهُ(٢) ويستقبلُ القبلةَ حتَّى الصباح، ويقولُ: (طيِّرَ ذكرُ جهَّمَ نومَ الخائفينَ )(٣). وقالَ الحسنُ البصريُّ رحمهُ اللهُ : ( يخرجُ مِنَ النارِ رجلٌ بعدَ ألفِ عامٍ ويا ليتَي كنتُ ذلكَ الرجلَ )(٤)، وإنَّما قالَ ذلكَ لخوفِهِ منَ الخلودِ وسوءِ الخاتمةِ . ورُوِيَ أنَّهُ ما ضحكَ أربعينَ سنةً ، قالَ : وكنتُ إذا رأيتُهُ قاعداً كأنَّهُ أسيرٌ (١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٩٢٧٠)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣١/١٠) من حديث معاذ رضي الله عنه مرفوعاً . (٢) أي : يطوي الفراش. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((التهجد وقيام الليل)) (٩١)، وفيه: ( العابدين ) بدل ( الخائفين ) . (٤) قوت القلوب (١٥٠/٢)، وقد رواه أحمد في ((المسند)) (٢٣٠/٣) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً ، ولم يذكر قول الحسن ، وساق قول الحسن من رواية أبي بكر الآجري ابنُ حجر في ((القول المسدد في الذب عن مسند أحمد)» (ص ٣٥). ٦٢٠