Indexed OCR Text

Pages 541-560

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
فهوَ أفضلُ ، فبهذا الاعتبارِ غلبةُ الخوفِ أفضلُ ؛ لأنَّ المعاصيَ والاغترارَ
على الخلقِ أغلبُ .
وإنْ نظرَ إلى مطلع الخوفِ والرجاءِ .. فالرجاءُ أفضلُ ؛ لأنَّهُ مستقىَ مِنْ
بحرِ الرحمةِ ، ومستقى الخوفِ مِنْ بحرِ الغضبِ ، ومَنْ لاحظُ مِنْ صفاتِ اللهِ
تعالى ما يقتضي اللطفَ والرحمةَ .. كانَتِ المحبَّةُ عليهِ أغلبَ ، وليسَ وراءَ
المحبَّةِ مقامٌ، وأمَّا الخوفُ .. فمستندُهُ الالتفاتُ إلى الصفاتِ التي تقتضي
العنفَ، فلا تمازجُهُ المحبَّةُ ممازجتَها للرجاءِ(١).
عــ
جن
وعلى الجملةِ : فما يُرادُ لغيرِهِ ينبغي أنْ يُستعملَ فيهِ لفظُ الأصلحِ ،
لا لفظُ الأفضلِ، فنقولُ : أكثرُ الخلقِ الخوفُ لهُمْ أصلحُ مِنَ الرجاءِ ،
وذلكَ لأجلِ غلبةِ المعاصي ، فأمَّا التقيُّ الذي تركَ ظاهرَ الإثمِ وباطنَهُ ،
وخفيَّهُ وجليَّهُ .. فالأصلحُ أنْ يعتدلَ خوفُهُ ورجاؤُهُ ، ولذلكَ قيلَ : ( لوْ وُزْنَ
خوفُ المؤمنِ ورجاؤُهُ .. لاعتدلا)(٢).
(١) وممن نظر إلى المطلع صالح بن عبد الكريم، فقد أورد الخركوشي في ((تهذيب
الأسرار)) (ص٢٣٥) أنه قال : إن الرجاء والخوف في القلب لهما نوران ، فقيل :
أيهما أشد ضياء ؟ قال : الرجاء ، فبلغ ذلك أبا سليمان ، فقال أبو سليمان :
يا سبحان الله ! ما أعجب هذا الكلام ! الخوف يتشعب منه التقوى والصوم والصلاة
وأعمال البر ، والرجاء لا يتشعب منه هذه الخصال ، فكيف يكون أشد ضياء ؟! فبلغ
ذلك صالحاً ، فقال : صدق أبو سليمان ، ولكن الرجاء رجع إلى كرمه ، فصار أشد
ضياء .
(٢) أورده كل من أبي النصر الطوسي في ((اللمع)) (ص٩١)، والخركوشي في ( تهذيب
الأسرار)) (ص٢٢٧)، والسلمي في ((درجات المعاملات)) ( ص١٦٨) مرفوعاً ، =
٥٤١

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
ورُوِيَ أنَّ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ قالَ لبعضٍ ولدِهِ : ( يا بنيَّ ؛ خفِ اللهَ خوفاً
ترى أنَّكَ إنْ أتيتَهُ بحسناتِ أهلِ الأرضِ .. لمْ يتقبلْها منكَ، وارجُ اللهَ رجاءً
ترى أنَّكَ إنْ أتيتَهُ بسيئاتِ أهلِ الأرضِ .. غفرَها لكَ)(١) .
ولذلكَ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لوْ نوديَ : ليدخلِ النارَ كلُّ الناسِ إلا
رجلاً واحداً .. لرجوتُ أنْ أكونَ أنا ذلكَ الرجلَ ، ولوْ نوديَ : ليدخلِ الجنَّةَ
كلُّ الناسِ إلا رجلاً واحداً .. لخشيتُ أنْ أكونَ أنا ذلكَ الرجلَ )(٢)، وهذهِ
عبارةٌ عنْ غايةِ الخوفِ والرجاءِ ، واعتدالِهِما معَ الغلبةِ والاستيلاءِ ، ولكنْ
على سبيلِ التقاومِ والتساوي ، فمثلُ عمرَ رضيَ اللهَ عنهُ ينبغي أنْ يساويَ
خوفَهُ رجاؤُهُ ، فأمَّا العاصي إِذا ظنَّ أنَّهُ الرجلُ الذي استثنيَ مِنَ الذينَ أُمروا
بدخولِ النارِ .. كانَ ذلكَ دليلاً على اغترارِهِ .
فإِنْ قلتَ : مثلُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ لا ينبغي أنْ يتساوى خوفُهُ ورجاؤُهُ ،
بلْ ينبغي أنْ يغلبَ رجاؤُهُ كما سبقَ في أوَّلِ كتابِ الرجاءِ ، وأنَّ قوَّتَهُ ينبغي أنْ
تكونَ بحسَبِ قوَّةِ أسبابِهِ كما مُثِّل بالبذرِ والزرع ، ومعلومٌ أنَّ مَنْ بثَّ البذرَ
حنة
= وقد رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن بالله)) (١٣٣)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٢٠٨/٢) من كلام مطرف بن عبد الله الشخير .
(١) أورده الآبي في ((نثر الدر)) (١٩٠/٥) عن الحسن، ورواه ابن أبي الدنيا في ((حسن
الظن بالله)) ( ١٣٢) عن داوود بن شابور من وصية لقمان لابنه بلفظ : ( خف الله خوفاً
يحول بينك وبين الرجاء ، وارجه رجاء يحول بينك وبين الخوف ) .
ـكن
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٥٣/١).
٥٤٢

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
الصحيحَ في أرضٍ نقيَّةٍ وواظبَ على تعهُّدِها، وجاءَ بجميع شروطٍ
الزراعةِ .. غلبَ على قلبِهِ رجاءُ الإدراكِ، ولمْ يكنْ خوفُهُ مساوياً لرجائِهِ ،
فهكذا ينبغي أنْ تكونَ أحوالُ المتقينَ .
فاعلمْ: أنَّ مَنْ يأخذُ المعارفَ مِنَ الألفاظِ والأمثلةِ يكثرُ زللُهُ ، وذلكَ
وإنْ أوردناهُ مثالاً ، فليسَ يضاهي ما نحنُ فيهِ مِنْ كلِّ وجهٍ ؛ لأنَّ سببَ غلبةٍ
الرجاءِ العلمُ الحاصلُ بالتجربةِ ، إذْ علمَ بالتجربةِ صحَّةَ الأرضِ ونقاءَها ،
وصحَّةَ البذْرِ ، وصحَّةَ الهواءِ ، وقلَّةَ الصواعقِ المهلكةِ في تلكَ البقاعِ
وغيرِها ، وإنَّما مثالُ مسألتِنا بذرٌ لمْ يُجرَّبْ جنسُهُ، وقدْ بُثَّ في أرضٍ غريبةٍ
لمْ يعهدْها الزارعُ ولمْ يختبرها ، وهيَ في بلادٍ ليسَ يُدرىُ أَتكثرُ الصواعقُ بها
أمْ لا ، فمثلُ هذا الزارع وإنْ أدَّى كنْهَ مجهودِهِ وجاءَ بكلِّ مقدورِهِ فلا يغلبُ
رجاؤهُ على خوفِهِ .
والبذَرُ في مسألتِنا هوَ الإيمانُ ، وشروطُ صَتِهِ دقيقةٌ ، والأرضُ
القلبُ ، وخفايا خبثِهِ وصفائِهِ مِنَ الشركِ الخفيِّ والنفاقِ والریاءِ ، وخبايا
الأخلاقِ فيهِ غامضةٌ ، والآفاتُ هيَ الشهواتُ وزخارفُ الدنيا ، والتفاتُ
القلبِ إليها في مستقبلِ الزمانِ وإنْ سلمَ في الحالِ ، وذلكَ ممَّا لا يُتحقَّقُ
ولا يُعرفُ بالتجربةِ ؛ إذْ قدْ يعرضُ مِنَ الأسبابِ ما لا يُطاقُ مخالفتُهُ ، ولمْ
يُجرَّبْ مثلُهُ ، والصواعقُ هيَ أهوالُ سكراتِ الموتِ ، واضطرابُ الاعتقادِ
عندَهُ ، وذلكَ ممَّا لَمْ يُجرَّبْ مثلُهُ ، ثمَّ الحصادُ والإدراكُ عندَ المنصرَفِ مِنَ
القيامةِ إلى الجنَّةِ ، وذلكَ لمْ يُجرَّبْ .
٥٤٣
دن
حن

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
فمَنْ عرفَ حقائقَ هذهِ الأمورِ ؛ فإِنْ كانَ ضعيفَ القلبِ ، جباناً في
نفسِهِ .. غلبَ خوفُهُ على رجائِهِ لا محالةَ ، كما سنحكي في أحوالِ الخائفينَ
مِنَ الصحابة والتابعينَ ، وإنْ كانَ قويَّ القلبِ ، ثابتَ الجأشِ، تامّ
المعرفةِ .. استوى خوفُهُ ورجاؤُهُ، فأمَّا أنْ يغلبَ رجاؤُهُ .. فلا .
٠٢٧
ولقدْ كانَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ يبالغُ في تفتيشِ قلبهِ ، حتَّى كانَ يسألُ
حذيفةَ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ هلْ يعرفُ بهِ مِنْ آثارِ النفاقِ شيئاً ، إذْ كانَ قدْ خصَّهُ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعلمِ المنافقينَ ، فمَنْ ذا الذي يقدرُ على
تطهيرِ قلبِهِ مِنْ خفايا النفاقِ والشركِ الخفيِّ؟ وإنِ اعتقدَ نقاءَ قلبهِ عنْ ذلكَ ..
فمِنْ أينَ يأمنُ مكرَ اللهِ تعالى بتلبيسِ حالِهِ عليهِ ، وإخفاءِ عيبهِ عنهُ ؟ وإنْ وثقَ
بهِ .. فمِنْ أينَ يثقُ ببقائِهِ على ذلكَ إلى تمامِ حسنِ الخاتمةِ ؟
وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( إنَّ الرجلَ ليعملُ عملَ أهلِ الجنَّةِ
خمسينَ سنةً، حتَّى لا يبقى بينَهُ وبينَ الجنَّةِ إلا شبرٌ - وفي روايةٍ: إلا قدْرُ
فُواقِ ناقةٍ - فيسبقُ عليهِ الكتابُ ، فيُختمُ لهُ بعملِ أهلِ النارِ )) (١) ، وقدْرُ فواقٍ
(١) كذا في ((القوت)) (٢٢٦/١)، وهو عند مسلم (٢٦٥١) من حديث أبي هريرة
مرفوعاً ، ولفظه: (( إن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله
بعمل أهل النار ، وإن الرجل ليعمل الزمن الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله
بعمل أهل الجنة)) .
ورواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٤٦٩) وفيه: (( إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة =.
٥٤٤

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
الناقةِ لا يحتملُ عملاً بالجوارح ، إنَّما هوَ بمقدارِ خاطرٍ يختلجُ في القلبِ
عندَ الموتِ ، فيقتضي خاتمةَ السوءِ ، فكيفَ يُؤمنُ ذلكَ ؟!
ـدة
فإِذاً ؛ أقصى غاياتِ المؤمن أنْ يعتدلَ خوفُهُ ورجاؤُهُ ، وأمَّا غلبةُ الرجاءِ في
غالبِ الناسِ يكونُ مستندُهُ الاغترارَ وقلَّةَ المعرفةِ ، ولذلكَ جمعَ اللهُ تعالى
بينَهُما في وصفٍ مَنْ أثنى عليهِمْ، فقالَ: ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾، وقالَ :
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًّا﴾، وأينَ مثلُ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ؟!
فالخلقُ الموجودونَ في هذا الزمانِ كلُّهُمُ الأصلحُ لهُمْ غلبةُ الخوفِ ،
بشرطِ ألا يخرجَهُمْ إلى اليأسِ وتركِ العملِ ، وقطعِ الطمعِ مِنَ المغفرةِ ،
فيكونُ ذلكَ سبباً للتكاسلِ عنِ العملِ ، وداعياً إلى الانهماكِ في المعاصي ،
فإنَّ ذلكَ قنوطٌ وليسَ بخوفٍ ، إنَّما الخوفُ هوَ الذي يحثُّ على العملِ ،
ويكدِّرُ جميعَ الشهواتِ ، ويزعجُ القلبَ عنِ الركونِ إلى الدنيا ، ويدعوهُ إلى
التجافي عنْ دارِ الغرورِ ، فهوَ الخوفُ المحمودُ ، دونَ حديثِ النفسِ الذي
لا يؤثِّرُ في الكفِّ والحثِّ، ودونَ اليأسِ الموجبِ للقنوطِ .
وقدْ قالَ يحيى بنُ معاذٍ: ( مَنْ عَبَدَ اللهَ تعالى بمحضِ الخوفِ .. غرقَ
في بحارِ الأفكارِ ، ومَنْ عبدَهُ بمحضٍ الرجاءِ .. تاهَ في مفازةِ الاغترارِ ، ومَنْ
عبدَهُ بالخوفِ والرجاءِ .. استقامَ في محجَّةِ الأذكارِ)(١).
سبعين سنة ... ))، وليس فيه ذكر الشبر والفواق ، بل فيه ذكر الذراع كما هو عند
=
البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم ( ٢٦٤٣).
(١) قوت القلوت (١/ ٢٤٢).
و.
٥٤٥

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
وقالَ مكحولٌ النسفيُّ : ( مَنْ عبدَ اللهَ بالخوفِ .. فهوَ حروريٌّ ، ومَنْ
عبدَهُ بالرجاءِ .. فهوَ مرجىءٌ، ومَنْ عبدَهُ بالمحبَّةِ .. فهوَ زنديقٌ، ومَنْ عبدَهُ
بالخوفِ والرجاءِ والمحبةِ .. فهوَ موحِّدٌ)(١).
فإذاً ؛ لا بدَّ مِنَ الجمع بينَ هذهِ الأمورِ ، وغلبةُ الخوفِ هوَ الأصلحُ ،
ولكنْ قبلَ الإشرافِ على الموتِ ، فأمَّا عندَ الموتِ .. فالأصلحُ غلبةُ الرجاءِ
وحسنُ الظنِّ ؛ لأنَّ الخوفَ جارِ مَجرى السوطِ الباعثِ على العملِ ، وقدٍ
انقضى وقتُ العملِ ، فالمشرفُ على الموتِ لا يقدرُ على العملِ ، ثُمَّ
لا يطيقُ أسبابَ الخوفِ ، فإنَّ ذلكَ يقطعُ نياطَ قلبِهِ ، ويعينُ على تعجيلٍ
موتِهِ، وأمَّا رَوْحُ الرجاءِ .. فإنَّهُ يقوي قلبَهُ، ويحبِّبُ إليهِ ربَّهُ الذي إليهِ
رجاؤهُ .
ولا ينبغي أنْ يفارقَ أحدٌ الدنيا إلا محبّاً للهِ تعالى ؛ ليكونَ محبّاً للقاءِ اللهِ
تعالى، فإنَّ مَنْ أحبَّ لقاءَ اللهَ .. أحبَّ اللهُ لقاءَهُ، والرجاءُ تقارنُهُ المحبَّةُ ،
فمَنِ ارتجى كرمَهُ .. فهوَ محبوبٌ، والمقصودُ مِنَ العلوم والأعمالِ كلِّها
معرفةُ اللهِ ، حتَّى تثمرَ المعرفةُ المحبَّةَ ، فإنَّ المصيرَ إليهِ ،
حز
حن
٢
ـة
(١) كذا في ((القوت)) (٢٤٢/١) حيث قال: (وقال مكحول النسفي رحمه الله تعالى في
معناه - أي : معنى قول يحيى بن معاذ السابق - إلا أنه جاوز فيه الحد ) وذكره ، ووقع
في (أ): (الشامي)، وفي (س): (الدمشقي) بدل ( النسفي ) ، وتصدى لبيان
هذه العبارة الإمام تقي الدين السبكي في ((فتاويه)) (٥٥٥/٢)، وأورد الإمام
أبو عبد الرحمن السلمي في ((تفسيره)) (١٣٨/٢) عن أحمد بن يسع السجزي
نحوه .
٥٤٦
حن
حت

ربع المنجيات
كن
كتاب الرجاء والخوف
والقدومَ بالموتِ عليهِ ، ومَنْ قدمَ على محبوبِهِ .. عظمَ سرورُهُ بقدْرِ محبَّتِهِ ،
ومَنْ فارقَ محبوبَهُ .. اشتدَّتْ محنتُهُ وعذابُهُ .
فمهما كانَ القلبُ الغالبُ عليهِ عندَ الموتِ حبُّ الأهلِ والولِدِ والمالِ
والمسكنِ والعقارِ والرفقاءِ والأصحابِ .. فهذا رجلٌ محاُّهُ كلُّها في
الدنيا ، فالدنيا جنَّتُهُ، إذِ الجنَّةُ عبارةٌ عنِ البقعةِ الجامعةِ لجميع المحابِّ ،
فموتُهُ خروجٌ مِنَ الجنَّةِ ، وحيلولةٌ بينَهُ وبينَ ما يشتهيهِ ، ولا يخفى حالُ مَنْ
يُحالُ بينَهُ وبينَ ما يشتهيهِ .
جن
بون
حن
فأمَّا إذا لمْ يكنْ لهُ محبوبٌ سوى اللهِ تعالى وسوى ذكرِهِ ومعرفتِهِ والفکرِ
فيهِ .. فالدنيا وعلائقُها شاغلةٌ لهُ عنِ المحبوبِ ، فالدنيا إذاً سجنُهُ؛ لأنَّ
السجنَ عبارةٌ عنِ البقعةِ المانعةِ للمحبوسِ عنِ الانسراحِ إلى محابِّهِ ، فموتُهُ
قدومٌ على محبوبِهِ وخلاصٌ مِنَ السجنِ ، ولا يخفى حالُ مَنْ أفلتَ مِنَ
السجنِ وخُلِّيَ بينَهُ وبينَ محبوبِهِ بلا مانعٍ ولا مكدِّرٍ ، فهذا أوَّلُ ما يلقاهُ كلُّ
مَنْ فارقَ الدنيا عَقيبَ موتِهِ مِنَ الثوابِ والعقابِ ، فضلاً عمَّا أعدَّهُ اللهُ لعبادِهِ
الصالحينَ ممَّا لمْ ترهُ عينٌ ولمْ تسمعْهُ أذنٌ، ولا خطرَ عَلَى قَلْبٍ بشرٍ ،
وفضلاً عمَّا أعدَّهُ اللهُ تعالى للذينَ استحبُّوا الحياةَ الدنيا على الآخرةِ ورضوا
بها واطمأنوا إليها ؛ مِنَ الأنكالِ ، والسلاسلِ والأغلالِ ، وضروبِ الخزيٍ
والنكالِ ، فنسألُ اللهُ تعالى أنْ يتوقَّنا مسلمينَ ، ويلحقَنا بالصالحينَ .
ولا مطمعَ في إجابةِ هذا الدعاءِ إلا باكتسابِ حبِّ اللهِ تعالى، ولا سبيلَ
٥٤٧

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
إليهِ إِلا بإخراج حبٍّ غيرِهِ مِنَ القلبِ ، وقطع العلائقِ عنْ كلِّ ما سوى اللهِ
تعالىُ مِنْ جاهٍ ومالٍ ووطنٍ ، فالأولىُ أنْ ندعوَ بما دعا بهِ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ إذْ قالَ: ((اللهمَّ؛ ارزقْني حبَّكَ، وحبَّ مَنْ أحبَّكَ، وحبَّ
ما يقربُني إلى حبِّكَ، واجعلْ حبَّكَ أحبّ إليَّ مِنَ الماءِ الباردِ))(١).
والغرضُ أنَّ غلبةَ الرجاءِ عندَ الموتِ أصلحُ ؛ لأنَّهُ أجلبُ للمحبَّةِ ،
وغلبةُ الخوفِ قبلَ الموتِ أصلحُ ؛ لأنَّهُ أحرقُ لنارِ الشهواتِ ، وأقمعُ لمحبَّةِ
الدنيا عنِ القلب .
ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا يموتنَّ أحدُكُمْ إلا وهوَ يحسنُ
الظنَّ بربِّهِ))(٢) .
وقالَ تعالى: ((أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظنَّ بي ما شاءَ))(٣).
ولمَّا حضرَتْ سليمانَ التيميَّ الوفاةُ .. قالَ لابنِهِ: ( يا بنيَّ؛ حدِّثْني
بالرُّخَصِ ، واذكرْ ليَ الرجاءَ ؛ حتَّى ألقى اللهَ على حسنِ الظنِّ بهِ )(٤).
حن
(١) وكان من دعاء داوود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كما روى ذلك الترمذي
(٣٤٩٠ ) .
(٢) رواه مسلم ( ٢٨٧٧ / ٨٢) .
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٩١/٣)، وابن حبان في ((صحيحه)) ( ٦٣٣)، وأصله
في (( الصحيحين)).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن بالله)) (٢٩)، وأبو نعيم في (( الحلية))
(٣١/٣) .
ف
٥٤٨

ربع المنجيات
حن
كتاب الرجاء والخوف
وكذلكَ لمَّا حضرَتِ الثوريَّ الوفاةُ واشتدَّ جزعُهُ .. جمعَ العلماءَ حولَهُ
يُرِجُونَهُ(١) .
وقالَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهُ لابنِهِ عندَ الموتِ : ( اذكرْ ليَ
الأخبارَ التي فيها الرجاءُ وحسنُ الظنِّ)(٢).
حن
والمقصودُ مِنْ ذلكَ كلِّهِ أنْ يحبِّبَ اللهَ إلى نفسِهِ .
ولذلكَ أوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ السلامُ : أنْ حبِّبْني إلى عبادي ،
فقالَ : بماذا ؟ قالَ: بأنْ تذكِّرَهُمْ آلائي ونعمائي(٣).
فإذاً ؛ غايةُ السعادةِ أنْ يموتَ العبدُ محبّاً للهِ تعالى، وإنَّما تحصلُ المحبَّةُ
بالمعرفةِ ، وبإخراج حبِّ الدنيا مِنَ القلبِ ، حتَّى تصيرَ الدنيا كالسجنِ
المانعِ مِنَ المحبوبِ .
ولذلكَ رأى بعضُ الصالحينَ أبا سليمانَ الدارانيَّ في المنامِ وهوَ يطيرُ ،
فسألَهُ، فقالَ: الآنَ أفلتُ، فلمَّا أصبحَ .. سألَ عنْ حالِهِ، فقيلَ لهُ: إنَّهُ
ماتَ البارحةَ .
(١) قوت القلوب (٢١٩/١).
(٢) قوت القلوب (٢١٩/١).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٢/٦)، ولكن عنده مما أوحى الله إلى موسى عليه
السلام .
٥٤٩
بحر

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
بيان الدواء الذي به يستجلب حال الخوف
اعلمْ : أنَّ ما ذكرناهُ في دواءِ الصبرِ ، وشرحناهُ في كتابِ الصبرِ
والشكرِ .. هوَ كافٍ في هذا الغرضِ ؛ لأنَّ الصبرَ لا يمكنُ إلا بعدَ حصولٍ
الخوفِ والرجاءِ ؛ لأنَّ أوَّلَ مقاماتِ الدينِ اليقينُ الذي هوَ عبارةٌ عنْ قوَّةِ
الإيمانِ باللهِ تعالى واليوم الآخرِ والجنةِ والنارِ ، وهذا اليقينُ بالضرورةِ يهِّجُ
الخوفَ مِنَ النارِ ، والرجاءَ للجنَّةِ ، والخوفُ والرجاءُ يقوِّيانِ على الصبرِ ؛
فإنَّ الجنَّةَ قدْ حُفَّتْ بالمكارهِ ، فلا يُصبرُ على تحمُّلِها إلا بقوَّةِ الرجاءِ ،
والنارُ قدْ حُفَّتْ بالشهواتِ ، فلا يُصبرُ على قمعِها إلا بقوَّةِ الخوفِ .
ولذلكَ قالَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ : ( مَنِ اشتاقَ إلى الجنَّةِ .. سلا عنِ
الشهواتِ ، ومَنْ أشفقَ مِنَ النارِ .. رجعَ عنِ المحرَّماتِ ) .
ثمَّ يؤدي مقامُ الصبرِ المستفادُ مِنَ الخوفِ والرجاءِ إلى مقامِ المجاهدةِ ،
والتجرُّدِ لذكرِ اللهِ تعالى، والفكرِ فيهِ على الدوامِ ، ويؤدي دوامُ الذكرِ إلى
الأنسِ ، ودوامُ الفكرِ إلى كمالِ المعرفةِ ، ويؤدِّي كمالُ المعرفةِ والأنسُ إلى
المحبَّةِ ، ويتبعُها مقامُ الرضا والتوكُّلِ ، وسائرُ المقامات.
ـدن
ـحن
9
02
فهذا هوَ الترتيبُ في سلوكِ منازلِ الدينِ ، وليسَ بعدَ أصلِ اليقينِ مقامٌ
سوى الخوفِ والرجاءِ ، ولا بعدَهُما مقامٌ سوى الصبرِ ، وبهِ المجاهدةُ
والتجرُّدُ للهِ باطناً وظاهراً ، ولا مقامَ بعدَ المجاهدةِ لمَنْ فُتِحَ لهُ الطريقُ إلا
٥٥٠

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
الهدايةُ والمعرفةُ ، ولا مقامَ بعدَ المعرفةِ إلا المحبةُ والأنسُ ، ومِنْ ضرورةِ
المحبَّةِ الرضا بفعلِ المحبوبِ، والثقةُ بعنايتِهِ ، وهوَ التوُّلُ .
فإذاً ؛ فيما ذكرنا في علاج الصبرِ كفايةٌ ، ولكنَّا نفردُ الخوفَ بكلام
جُمَلِيٍّ فنقولُ :
الخوفُ يحصلُ بطريقينِ مختلفينِ ، أحدُهُما أعلى مِنَ الآخرِ ، ومثالُهُ :
أنَّ الصبيَّ إذا كانَ في بيتٍ ، فدخلَ عليهِ سبُعٌ أوْ حيَّةٌ .. ربما كانَ لا يخافُ ،
وربما مدَّ اليدَ إلى الحيّةِ ليأخذَها ويلعبَ بها ، ولكنْ إذا كانَ معَهُ أبوُه وهوَ
عاقلٌ .. خافَ مِنَ الحِيَّةِ وهربَ منها، فإذا نظرَ الصبيُّ إلى أبيهِ وهوَ ترتعدُ
فرائصُهُ ، ويحتالُ في الهربِ .. قامَ معَهُ ، وغلبَ عليهِ الخوفُ ، ووافقَهُ في
الهربِ ، فخوفُ الأبِ عنْ بصيرةٍ ومعرفةٍ بصفةِ الحيّةِ وسمِّها وخاصيَّتِها ،
وسطوةِ السبع وبطشِهِ وقلَّةِ مبالاتِهِ ، وأمَّا خوفُ الابنِ .. فإيمانٌ بمجرَّدِ
التقليدِ؛ لأنَّهُ يحسنُ الظنَّ بأبيهِ ، ويعلمُ أنَّهُ لا يخافُ إلا مِنْ سببٍ مَخُوفٍ
في نفسِهِ ، فيعلمُ أنَّ السبعَ مَخُوفٌ ، ولا يعرفُ وجهَهُ .
حن
فإذا عرفتَ هذا المثالَ .. فاعلمْ أنَّ الخوفَ مِنَ اللهِ تعالى على مقامينِ :
أحدُهُما : الخوفُ مِنْ عذابِهِ .
والثاني : الخوفُ منهُ في ذاتِهِ .
نجومه
فأمَّا الخوفُ منهُ .. فهوَ خوفُ العلماءِ وأربابِ القلوبِ العارفينَ مِنْ
صفاتِهِ ما يقتضي الهيبةَ والخوفَ والحذرَ ، المطَّلعينَ على سرِّ قولهِ تعالى :
٥٥١
:حن
دں
حن.
حن حن

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، وقولِهِ تعالى: ﴿أَثَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ ﴾
فأمَّا الأوَّلُ : فهوَ خوفُ عموم الخلقِ ، وهوَ حاصلٌ بأصلِ الإيمانِ بالجنَّةِ
والنارِ ، وكونِهِما جزاءينِ على الطاعةِ والمعصيةِ، وضعفُهُ بسببِ الغفلةِ ،
وبسببٍ ضعفِ الإيمانِ ، وإنَّما تزولُ الغفلةُ بالوعظِ والتذكيرِ ، وملازمةِ
الفكرِ في أهوالِ القيامةِ وأصنافِ العذابِ في الآخرةِ ، وتزولُ أيضاً بالنظرِ إلى
الخائفينَ ومجالستِهِمْ ، ومشاهدةِ أحوالِهِمْ، فإنْ فاتَتِ المشاهدةُ ..
فالسماعُ لا يخلو عنْ تأثيرٍ .
وأمَّا الثاني وهوَ الأعلىُ: فأنْ يكونَ اللهُ تعالى هوَ المَخُوفَ ؛ أعني : أنْ
يخافَ البعدَ والحجابَ عنهُ ، ويرجوَ القربَ منهُ ، قالَ ذو النونِ رحمهُ الله تعالى:
( خوفُ النارِ عندَ خوفِ الفراقِ كقطرةٍ قُطرَتْ في بحرٍ لجِّيٍّ)(١)، وهذهِ خشيةٌ
العلماءِ، حيثُ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾.
ولعموم المؤمنينَ أيضاً حظٍّ مِنْ هذهِ الخشيةِ ، ولكنْ هوَ بمجرَّدٍ
التقليدِ ، يضاهي خوفَ الصبيِّ مِنَ الحيَّةِ تقليداً لأبيهِ ، وذلكَ لا يستندُ إلى
بصيرةٍ ، فلا جرمَ يضعفُ ويزولُ عنْ قرْبٍ ، حتَّى إنَّ الصبيَّ ربما يرى المعزِّمَ
يقدمُ على أخذِ الحيَّةِ ، فينظرُ إليهِ ويغترُ بهِ ، فيتجرأُ على أخذِها تقليداً لهُ ،
كما احترزَ مِنْ أخذِها تقليداً لأبيهِ ، والعقائدُ التقليديَّةُ ضعيفةٌ في الغالبِ ،
ـحن
(١) أورده أبو طالب في ((القوت)) (٢٢٥/١)، والخركوشي في ((تهذيب الأسرار))
(ص٢٣٠) وزاد : ( ولا أعلم شيئاً أحمد للقلب من خوف الفراق ) .
٥٥٢

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
إلا إذا قويَتْ بمشاهدةِ أسبابها المؤكدة لها على الدوام ، وبالمواظبة على
مقتضاها في تكثيرِ الطاعاتِ واجتنابِ المعاصي مدَّةً طويلةً على الاستمرارِ .
ـحن
ـكن
ـة
فإذاً ؛ مَنِ ارتقى إلى ذروةِ المعرفةِ ، وعرفَ اللهَ تعالى .. خافَهُ
بالضرورةِ ، فلا يحتاجُ إلى علاج لجلبِ الخوفِ ، كما أنَّ مَنْ عرفَ السبعَ
ورأى نفسَهُ واقعاً في مخالبِهِ لا يحتاجُ إلى علاجٍ ليجلبَ الخوفَ إلى قلبهِ ،
بلْ يخافُهُ بالضرورةِ شاءَ أمْ أبى .
ولذلكَ أوحى اللهُ تعالى إلى داوودَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : ( خفْني كما
تخافُ السبعَ الضاريَ )(١) ، ولا حيلةَ في جِلْبِ الخوفِ مِنَ السبعِ الضاري
إلا معرفةُ السبع ، ومعرفةُ الوقوع في مخالبِهِ ، فلا يحتاجُ إلى حيلةٍ سواهُ ،
فمَنْ عرفَ اللهَ تعالى .. عرفَ أنَّهُ يفعلُ ما يشاءُ ولا يبالي ، ويحكمُ ما يريدُ
ولا يخافُ(٢) ، قَرَّبَ الملائكةَ مِنْ غيرِ وسيلةٍ سابقةٍ، وأبعدَ إبليسَ مِنْ غيرِ
جريمةٍ سالفةٍ، بلْ صفتُهُ ما ترجمَهُ قولُهُ تعالى: (( هؤلاءِ في الجنَّةِ
ولا أبالي ، وهؤلاءِ في النارِ ولا أبالي))(٣).
(١) قوت القلوب (٢٤١/١).
(٢) إذ قال من إليه الرهبوت والرغبوت: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنِبِهِمْ فَسَوَّنْهَا ث{}، وَلَا يَخَافُ
عُقْبَهَا﴾ .
(٣) رواه أحمد في (( المسند)) (١٨٦/٤)، وابن حبان في ((صحيحه)) (٣٣٨) من حديث
عبد الرحمن السلمي رضي الله عنه مرفوعاً ، قال الحافظ الزبيدي في « إتحافه ))
(٢٢٣/٩): (لكن يشترط في هذه المعرفة أن يكون الفكر فيها بإمعان ، فإنه هو
المستجلب للخوف، وإلا .. فالفكر الخفيف لا ينضج قساوة القلب، أرأيت لو أوقدت =
٥٥٣
حن

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
جـو
وإنْ خطرَ ببالِكَ أنَّهُ لا يعاقبُ إلا على معصيةٍ ، ولا يثيبُ إلا على
طاعةٍ .. فتأمَّلْ أنَّهُ لِمَ يمدُّ المطيعَ بأسبابِ الطاعةِ حتَّى يطيعَ شاءَ أم أبى ؟ ولِمَ
يمدُّ العاصيَ بدواعي المعصيةِ حتَّى يعصيَ شاءَ أمْ أبى؟ فإنَّهُ مهما خلقَ
الغفلةَ والشهوةَ والقدرةَ على قضاءِ الشهوةِ .. كانَ الفعلُ واقعاً بها
بالضرورةِ ، فإنْ كانَ أبعدَهُ لأنَّهُ عصاهُ .. فلِمَ حملَهُ على المعصيةِ ؟
هلْ ذلكَ لمعصيةٍ سابقةٍ حتَّى يتسلسلَ إلى غيرِ نهايةٍ ؟! أوْ يقفَ -
لا محالةَ - على أوَّلَ لا علَّةَ لهُ مِنْ جهةِ العبدِ ، بلْ قُضِيَ عليهِ في الأزلِ ؟
وعنْ هذا المعنى عبَّرَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذْ قالَ: (( احتجَّ آدمُ وموسى
عليهما الصلاةُ والسلامُ عندَ ربِّهِما ، فحجَّ آدمُ موسى ، قالَ موسى : أنتَ
آدمُ الذي خلقَكَ اللهُ بيدِهِ ، ونفخَ فيكَ مِنْ روحِهِ ، وأسجدَ لكَ ملائكتهُ ،
وأسكنَكَ جنَّتَهُ، ثمَّ أهبطتَ الناسَ بخطيئتِكَ إلى الأرضِ ؟ فقالَ آدمُ : أنتَ
موسى الذي اصطفاكَ اللهُ برسالتِهِ وبكلامِهِ ، وأعطاكَ الألواحَ فيها تبيانُ كلِّ
شيءٍ، وقرَّبَكَ نجيّاً، فبِكَمْ وجدتَ اللهَ كتبَ التوراةَ قبلَ أنْ أُخلقَ ؟ قالَ
موسى : بأربعينَ عاماً ، قالَ آدمُ : فهلْ وجدتَ فيها : وعصى آدمُ ربَّهُ
فغوى ، قالَ : نعمْ ، قالَ : أفتلومُني علىُ أنْ عملتُ عملاً كتبَهُ اللهُ عليَّ قبلَ
ـور
= ناراً تحت قدر ثم أخمدت قبل الإنضاح ، ثم أوقدت ، ثم أخمدت .. فني الوقود
وما حصل الإنضاج ، فلا بد من الإقبال بكنه الهمة على الفكر المحتاج إليه حتى ينضج
القلب على الفور ؛ لئلا يفنى الزمان ولا يتحصل المقصود ) .
حن
٥٥٤
حن
فا

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
حن
أنْ أعملَهُ قبلَ أنْ يخلقَني بأربعينَ سنةً ؟! قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : فحجَّ
آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى)) (١) .
فمَنْ عرفَ السببَ في هذا الأمرِ معرفةً صادرةً عنْ نورِ الهدايةِ .. فهوَ مِنْ
خصوصِ العارفينَ المطلعينَ علىُ سرِّ القدرِ، ومَنْ سمعَ هذا فَآمَنَ بهِ
وصدَّقَ بمجرَّدِ السماع .. فهوَ مِنْ عمومِ المؤمنينَ ، ويحصلُ لكلِّ واحدٍ مِنَ
الفريقينِ خوفٌ ، فإنَّ كلَّ عبدٍ فهوَ واقعٌ في قبضةِ القدرةِ وقوعَ الصبيِّ
الضعيفِ في مخالبِ السبع ، والسبعُ قدْ يغفُلُ بالاتفاقِ فيخلِّيهِ ، وقدْ يهجمُ
عليه فيفترسُهُ ، وذلك بحسَبِ ما يتفقُ ، ولذلكَ الاتفاقِ أسبابٌ مرتبةٌ بقدَرِ
معلومٍ ، لكنْ إذا أُضيفَ إلى مَنْ لا يعرفُهُ .. سُمِّيَ اتفاقاً ، وإنْ أُضيفَ إلى
علمِ اللهِ .. لَمْ يجزْ أنْ يُسمَّى اتفاقاً ، والواقعُ في مخالبِ السبع لوْ كملَتْ
معرفتُهُ .. لكانَ لا يخافُ السبعَ ؛ لأنَّ السبعَ مسخَّرٌ ؛ إنْ سَلَّطَ عليهِ
الجوعَ .. افترسَ، وإنْ سلَّطَ عليهِ الغفلةَ .. خلَّى وتركَ، فإنَّما يُخافُ خالقُ
السبع وخالقُ صفاتِهِ ، فلستُ أقولُ : ( مثالُ الخوفِ مِنَ اللهِ تعالى الخوفُ
مِنَ السبع) ، بلْ إذا كُشفَ الغطاءُ .. عُلمَ أنَّ الخوفَ مِنَ السبع هوَ عينُ
الخوفِ مِنَ اللهِ تعالى ، لأنَّ المهلِكَ بواسطةِ السبع هوَ اللهُ تعالى .
حن
دن
حر
فاعلم : أنَّ سباعَ الآخرةِ مثلُ سباع الدنيا ، وأنْ اللهَ تعالى خلقَ أسبابَ
العذابِ وأسبابَ الثوابِ ، وخلقَ لكلِّ واحدٍ أهلاً ، يسوقُهُ القدرُ المتفرِّعُ عنِ
(١) رواه البخاري (٣٤٠٩)، ومسلم (٢٦٥٢) واللفظ له .
٥٥٥
حة جن

كتاب الرجاء والخوف
25
ربع المنجيات
القضاءِ الجزْم الأزليِّ إلى ما خُلِقَ لَهُ، فخلقَ الجنَّةَ وخلقَ لها أهلاً سُخِّروا
لأسبابِها شاؤوا أمْ أَبَوا ، وخلقَ النارَ وخلقَ لها أهلاً سُخِّروا لأسبابها شاؤوا
أمْ أبَوا ، فلا يرى أحدٌ نفسَهُ في ملتطمٍ أمواج القدرِ إلا غلبَهُ الخوفُ
بالضرورةِ .
فهذهِ مخاوفُ العارفينَ بسرِّ القدرِ .
فمَنْ قعدَ بهِ القصورُ عنِ الارتفاع إلى يفاع الاستبصارِ .. فسبيلُهُ أنْ يعالجَ
نفسَهُ بسماعِ الأخبارِ والآثارِ ، فيطالَعُ أحوالَ الخائفينَ العارفينَ وأقوالَهُمْ ،
وينسبُ عقولَهُمْ ومناصبَهُمْ إلى مناصبِ الراجينَ المغرورينَ ، فلا يتمارى في
أنَّ الاقتداءَ بِهِمْ أولى؛ لأنَّهُمُ الأنبياءُ والأولياءُ والعلماءُ، وأمَّا الآمنونَ ..
فهُمُ الفراعنةُ والجهَّالُ والأغبياءُ .
أمّا رسولُنا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. فهوَ سيِّدُ الأولينَ والآخرينَ، وكانَ
أشدَّ الناسِ خوفاً ، حتَّى رُوِيَ أَنَّهُ كانَ يصلِّي على طفلٍ ، ففي روايةٍ: أنَّهُ
سُمِعَ في دعائِهِ يقولُ: ((اللهمَّ؛ قهِ عذابَ القبرِ وعذابَ النارِ))(١) ، وفي
ـدن
ـدة
c
(١) كذا في ((القوت)) (٢٢٩/١) وبيَّن أن الطفل كان منفوساً، وقد روى الطبراني في
((الكبير)) (١٢١/٤) من حديث أبي أيوب رضي الله عنه: أن صبياً دفن ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أفلت أحد من ضمة القبر .. لأفلت هذا
الصبي))، وعنده في ((الأوسط)) (٢٧٧٤) من حديث أنس رضي الله عنه : أن النبي
صلى الله عليه وسلم صلى على صبي أو صبية فقال: ((لو كان نجا أحد من ضمة
القبر .. لنجا هذا الصبي)).
ـة
ـدة
ـحة
وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١١٧٠٨، ٣٠٤٥٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه =
٥٥٦

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
روايةٍ ثانيةٍ : أنَّهُ سمعَ قائلاً يقولُ : هنيئاً لكَ، عصفورٌ مِنْ عصافيرِ الجنَّةِ ،
فغضبَ وقالَ : (( ما يدريكَ أنَّهُ كذلكَ ؟! واللهِ ؛ إنِّي رسولُ اللهِ ، وما أدري
ما يُصنعُ بي، إنَّ اللهَ تعالى خلقَ الجنةَ وخلقَ لها أهلاً ، لا يُزادُ فيهِمْ ،
ولا ينقصُ منهُمْ)) (١) .
ـمحن
وروِيَ أنَّهُ قالَ ذلكَ أيضاً على جنازةِ عثمانَ بنِ مظعونٍ - وكانَ مِنَ
المهاجرينَ والأوَّلينَ - لمَّا قَالَتْ أم سلمةَ: هنيئاً لكَ الجنَّةُ، فكانَتْ تقولُ أمُ
سلمةَ بعدَ ذلكَ: واللهِ ؛ لا أزكِّي أحداً بعدَ عثمانَ (٢) .
ون
من
وقالَ محمدُ بنُ خولةَ الحنفيّةِ : ( واللهِ ، لا أزكِّي أحداً غيرَ رسولِ اللهِ
ـى.
أنه كان يقوم على المنفوس من ولده الذي لم يعمل خطيئة فيقول : ( اللهم ؛ أجره من
=
عذاب القبر ) ، وفي الرواية الثانية: ( اللهم ؛ أجره من عذاب النار ) .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٢٩/١)، وروى مسلم (٢٦٦٢) نحوه .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٢٩/١)، ورواه أحمد في ((المسند)) (٢٣٧/١) ولم يعين
المرأة القائلة، وعنده في (( المسند)) (٤٣٦/٦)، والبخاري (٧٠٠٤) والقائلة هي أم
العلاء بنت الحارث الأنصارية، قال ابن عبد البر في (( الاستيعاب)) (ص٥٥٣) بعد
رواية الخبر: ((اختلفت الروايات في المرأة التي قال لها رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (( وما يدريك؟ )) حين شهدت لعثمان بن مظعون بالجنة ، وقالت له : طبت ،
هنيئاً لك الجنة أبا السائب .. على ثلاث نسوة ، فقيل : كانت امرأته أم السائب ،
وقيل : أم العلاء الأنصارية وكان نزل عليها ، وقيل : كانت أم خارجة بن زيد ) ، وذكر
في ترجمة أم العلاء أنها قد تكون أم خارجة ، بل قال ابن حجر في (( الإصابة ))
(٤٥٦/٤): (وهذا ظاهر في أن أم العلاء هي والدة خارجة - أحد الرواة -
المذكور)، وقال الحافظ العراقي: (ولم أجد فيه ذكر أم سلمة). ((إتحاف))
( ٩ /٢٢٥ ) .
٥٥٧
حن
حن
ئر

ـء
کتاب الرجاء والخوف
ـيـ
ربع المنجيات
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، ولا أبي الذي ولدَني ) ، قالَ : فثارتِ الشيعةُ عليهِ ،
فأخذَ يذكرُ مِنْ فضائلِ عليٍّ ومناقِهِ(١) .
ورُوِيَ في حديثٍ آخرَ : أنَّ رجلاً مِنْ أهلِ الصفَّةِ استشهدَ ، فقالَتْ أمُّهُ :
هنيئاً لكَ ، عصفورٌ مِنْ عصافيرِ الجنَّةِ ، هاجرْتَ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ ، وقتلتَ في سبيلِ اللهِ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( وما
يدريكِ؟! لعلَّهُ كانَ يتكلَّمُ بما لا ينفعُهُ ويمنعُ ما لا يضرُّهُ))(٢) .
وفي حديثٍ آخرَ : أنَّهُ دخلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على بعضِ أصحابِهِ
وهوَ عليلٌ ، فسمعَ امرأةً تقولُ : هنيئاً لكَ الجنَّةُ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : « مَنْ هذهِ المتألِّيّةُ على اللهِ عزَّ وجلَّ؟! فقالَ المريضُ : هيَ أمِّي
يا رسولَ اللهِ؛ فقالَ: «وما يدريكِ؟! لعلَّ فلاناً كانَ يتكلّمُ بما لا يعنيهِ ،
ويبخلُ بما لا يغنيهِ))(٣).
وكيفَ لا يخافُ المؤمنونَ كلُّهُمْ وهوَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ :
((شيَّبَتْي (سورةُ هودٍ) وأخواتُها؛ (سورةُ الواقعةِ)، و(إذا الشمسُ
ـدة
(١) كذا في ((القوت)) (٢٢٩/١)، ورواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))
( ٣٤٩/٥٤) .
ـوة
ـون
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٢٨/١)، وكان المقتول غلاماً، ورواه ابن أبي الدنيا في
((الصمت وآداب اللسان)) (١٠٩)، وأبو يعلى في ((مسنده)) ( ٤٠١٧).
حن
(٣) كذا في ((القوت)) (٢٢٨/١)، ورواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان))
(١١٠) والمريض هو كعب بن عجرة رضي الله عنه .
٥٥٨

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
كوِّرتْ)، و(عمَّ يتساءلونَ)))(١)، فقالَ العلماءُ: لعلَّ ذاكَ لما في ( سورةِ
هودٍ) مِنَ الإبعادِ ؛ كقولِهِ تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾، ﴿أَلَا بُعْدًا
لِثَمُودَ﴾، ﴿أَلَا بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، معَ علمِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
بأنَّهُ لوْ شاءَ اللهُ .. ما أشركوا ؛ إذْ لوْ شاءَ .. لآتى كلَّ نفسٍ هداها .
حت
وفي ( سورة الواقعةِ): ﴿ لَيَّسَ لِوَفْعَنِهَا كَذِيَةٌ ﴿٤: خَافِضَةٌ رَّفِعَةُ﴾ أيْ: جفَّ
القلمُ بما هوَ كائنٌ ، وتمَّتِ السابقةُ، حتَّى نزلَتِ الواقعةُ ؛ إمَّا خافضةً قوماً
كانوا مرفوعينَ في الدنيا ، وإمَّا رافعةً قوماً كانوا مخفوضينَ في الدنيا .
وفي ( سورةِ التكويرِ ) أهوالُ القيامةِ وانكشافُ الخاتمةِ ، وهوَ قولُهُ
تعالى: ﴿ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِرَتْ (٤) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ءَ: عَلِمَتْ نَفْسُرُ مَّا أَحْضَرَتْ﴾.
وفي ( عمَّ يتساءلونَ): ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، وقولُهُ: ﴿لَا
يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابً﴾.
حن
والقرآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إلى آخرِهِ مخاوفُ لمَنْ قرأَهُ بتدبُّرٍ ، ولوْ لمْ يكنْ فيهِ إلا
قولُهُ تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ أَهْتَدَى﴾ .. لكانَ كافياً ؛
إذْ علَّقَ المغفرةَ على أربعةِ شروطٍ يعجِزُ العبدُ عنْ آحادِها .
وأشدُ منهُ قولُهُ تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ
اٌلْمُفْلِحِينَ﴾.
(١) رواه الترمذي (٣٢٩٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٤٣/٢)، وكذا وقعت
الرواية هنا بإثبات كلمة ( سورة ) في جميع النسخ إلا (ق) .
٥٥٩

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
وقولُهُ تعالى: ﴿لِيَسْئَلَ الصَّدِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾
وقولُهُ: ﴿ سَنَفْرُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلنَّقَلَانِ﴾.
وقولُهُ: ﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اللهِ ... ) الآيةَ.
وقولُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ اُلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ: أَلِمٌ
شَدِيدٌ﴾ .
وقولُهُ: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ... ﴾ الآيتينِ(١).
وقولُهُ: ﴿ وَإِن ◌ِنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ... ) الآيةَ.
وقولُهُ : ﴿أَعْمَلُوْ مَا شِئْتُمْ ... ) الآيةَ.
وقولُهُ: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ فَزِدُ لَهُ فِي حَرْئِهِ ... ﴾ الآيَةَ.
وقولُهُ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرَايَرَهُ ... ﴾ الآيتين(٢).
وقولُهُ تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَنهُ هَبَآءُ مَّنْتُورًا﴾.
وكذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿وَاَلْعَصْرِّ :﴿﴿ إِنَّ الْإِنْسَنَ لَفِى خُسْرٍ ... ﴾ إلى آخرِ
السورةِ ، فهذهِ أربعةُ شروطٍ للخلاصِ مِنَ الخسرانِ .
ـن
وإنَّما كانَ خوفُ الأنبياءِ معَ ما فاضَ عليهِمْ مِنَ النعمِ لأَنَّهُمْ لمْ يأمنوا
مَكْرَ اللهِ تعالى ﴿فَلَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾، حتَّى رُوِيَ أنَّ النبيَّ
بون
حن
(١) إذ قال بعدها سبحانه: ﴿ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾.
(٢) إذ بعدها: ﴿ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ﴾.
٥٦٠
جن
ـحم
جن حن
حن