Indexed OCR Text

Pages 481-500

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
بيان دواء الرجاء والسبيل الذي يحصل منه حال الرجاء ويغلب
اعلمْ: أنَّ هذا الدواءَ يحتاجُ إليهِ أحدُ رجلينٍ : إمَّا رجلٌ غلبَ عليهِ
اليأسُ فتركَ العبادةَ ، وإمَّا رجلٌ غلبَ عليهِ الخوفُ فأسرفَ في المواظبةِ على
العبادةِ حتَّى أضرَّ بنفسِهِ وأهلِهِ ، وهذانِ رجلانِ مائلانِ عنِ الاعتدالِ إلى
طرفي الإفراطِ والتفريطِ ، فيحتاجانِ إلى علاجٍ يردُّهُما إلى الاعتدالِ .
فأمَّا العاصي المغرورُ المتمنِّي على اللهِ معَ الإعراضِ عنِ العبادةِ واقتحام
المعاصي .. فأدويةُ الرجاءِ تنقلبُ سموماً في حقُّهِ مهلكةً ، وتنزلُ منزلةً
العسلِ الذي هوَ شفاءٌ لمَنْ غلبَ عليهِ البردُ ، وهوَ سمٌّ مهلكٌ لمَنْ غلبَ عليهِ
الحرارةُ ، بلِ المغرورُ لا يُستعملُ في حقِّهِ إلا أدويةُ الخوفِ ، والأسبابُ
المھیِّجُ لهُ .
فلهذا يجبُ أنْ يكونَ واعظُ الخلْقِ متلطّفاً ، ناظراً إلى مواقع العملِ ،
معالجاً لكلِّ علَّةٍ بما يضادُّها ، لا بما يزيدُ فيها ، فإنَّ المطلوبَ هوَ العدلُ
والقصْدُ في الصفاتِ والأخلاقِ كلِّها ، وخيرُ الأمور أوساطُها ، فإذا جاوزَ
الوسطَ إلى أحدِ الطرفينِ .. عُولِجَ بما يردُّهُ إلى الوسطِ ، لا بما يزيدُ في ميلِهِ
عنِ الوسطِ .
وهذا الزمانُ زمانٌ لا ينبغي أنْ يُستعملَ فيهِ معَ الخلق أسبابُ الرجاءِ ،
بلِ المبالغةُ في التخويفِ أيضاً تكادُ ألا تردّهُمْ إلى جادّةِ الحقِّ وسننٍ
٤٨١

کتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
الصوابِ ، فأمَّا ذكرُ أسبابِ الرجاءِ .. فيهلكُهُمْ ويرديهِمْ بالكلِّيَّةِ ، ولكنَّها لمَّا
كانَتْ أخفَّ على القلوبِ ، وألذَّ عندَ النفوسِ ، ولمْ يكنْ غرضُ الوَّاظِ إلا
استمالةَ القلوبِ ، واستنطاقَ الخلقِ بالثناءِ كيفما كانوا .. مالوا إلى الرجاءِ ،
حتَّى ازدادَ الفسادُ فساداً ، وازدادَ المنهمكونَ في طغيانِهِمْ تمادياً .
قالَ عليٍّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ : ( إنَّما العالمُ الذي لا يقنِّطُ الناسَ مِنْ رحمةِ اللهِ
تعالى ، ولا يؤمِّنُهُمْ مِنْ مكرِ اللهِ)(١) .
CG
ونحنُ نذكرُ أسبابَ الرجاءِ لتُستعملَ في حقِّ الآيسِ ، أوْ فيمَنْ غلبَ عليهِ
الخوفُ ؛ اقتداءً بكتابِ اللهِ تعالى وسنَّةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فإنَّهُما
مشتملانِ على الخوفِ والرجاءِ جميعاً ؛ لأنَّهُما جامعانِ لأسبابِ الشفاءِ في
حقِّ أصنافِ المرضى، ليستعملَهُ العلماءُ الذينَ هُمْ ورثةُ الأنبياءِ بحسَبٍ
الحاجةِ استعمالَ الطبيبِ الحاذقِ ، لا استعمالَ الأخرقِ الذي يظنُّ أنَّ كلَّ
شيءٍ مِنَ الأدويةِ صالحٌ لكلِّ مريضٍ كيفما كانَ !
ـكن
وحالُ الرجاءِ يغلبُ بشيئينٍ :
أحدُهُما : الاعتبارُ .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٢٢/١)، ورواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٧/١) بلفظ: (ألا
إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يقنط الناس من رحمة الله ، ولا يؤمنهم من عذاب الله ،
ولا يرخص لهم في معاصي الله ، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره ، ولا خير في عبادة
لا علم فيها ، ولا خير في علم لا فهم فيه ، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها ) .
٤٨٢

ربع المنجيات
حن
كتاب الرجاء والخوف
والآخرُ : استقراءُ الآياتِ والأخبار والآثارِ .
أمَّا الاعتبارُ(١): فهوَ أنْ يتأمَّلَ جميعَ ما ذكرناهُ في أصنافِ النعمِ مِنْ كتابٍ
الشكرِ، حتَّى إذا علمَ لطائفَ نعَمِ اللهِ تعالى لعبادِهِ في الدنيا ، وعجائبَ
حكمِهِ التي راعاها في فطرةِ الإنسانِ ، حتَّى أعدَّ لهُ في الدنيا كلَّ ما هوَ
ضروريٌّ لهُ في دوامِ الوجودِ ؛ كآلاتِ الغذاءِ ، وما هو محتاجٌ إليهِ كالأصابعِ
والأظفار ، وما هوَ زينةٌ لهُ ؛ كاستقواسِ الحاجبينِ ، واختلافِ ألوانٍ
العينينِ ، وحمرةِ الشفتينِ ، وغيرِ ذلكَ ممَّا كانَ لا ينثلمُ بفقدِهِ غرضٌ
مقصودٌ، وإنَّما كانَ يفوتُ بهِ مزيَّةُ جمالٍ ، فالعنايةُ الإلهيةُ إذاً لمْ تقصرْ عنْ
عبادِهِ في أمثالِ هذهِ الدقائقِ ، حتَّى لمْ يرضَ لعبادِهِ أنْ تفوتَهُمُ المزايدُ
والمزايا في الزينةِ والحاجةِ .. كيفَ يرضى بسياقِهِمْ إلى الهلاكِ المؤبَّدِ ؟!
جن
(١) الاعتبار هنا : استقراء أول الوجود، فإنك ترى الوجود من قمة العرش إلى منتهى
الفرش خيراً كله ، ولم يكن فيه من الشر إلا ما ينسب إلى جنس المكلفين ، والمكلفون
في جزء يسير من الأرض ، والأرض جزء يسير من الدنيا ، وما الدنيا في الآخرة إلا كما
يضع أحدكم إصبعه في اليم ، وهذا ظاهر في الاستقراء ؛ لأن عالم الآخرة أوسع من
عالم الدنيا ، بل ملك من الملائكة يعدل الخلق أجمع ، فموجبات الرحمة في الوجود
أكثر من موجبات الغضب ، ولذلك آثار كثيرة أثنى بها على نفسه فقال : الرحمن ،
الرحيم ، الفتاح ، الكريم ، الجواد ، الأكرم ، التواب ، الوهاب ، العفو ، الغفور ،
الشكور ، الصمد ، المجيب ، الودود ، البر ، الرزاق ، اللطيف ، الرؤوف ،
المحسن ، المنعم ، المنان ، الرفيق ، الهادي ، مع ما يضاف إلى هذا من الرضا
والمحبة والذكر والمشي والهرولة ، وما أشبه هذا ، فالنظر إلى آثار هذه الأفعال
وما ورد من الأخبار في فضائل الأعمال شفاء للإياس ، وترويح للخائف ، وترغيب
للمعتدل. ((إتحاف)) (١٧٣/٩ ).
٤٨٣
كن

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
بلْ إذا نظرَ الإنسانُ نظراً شافياً .. علمَ أنَّ أكثرَ الخلقِ قدْ هُيِّىءَ لهُ أسبابُ
السعادة في الدنيا ، حتَّى إِنَّهُ يكرهُ الانتقالَ مِنَ الدنيا بالموتِ وإِنْ أُخبرَ بأنَّهُ
لا يُعذّبُ بعدَ الموتِ مثلاً أوْ لا يُحشرُ أصلاً ، فليسَتْ كراهتُهُمْ للعدم إلا لأنَّ
أسبابَ النعمِ أغلبُ لا محالةَ ، وإنَّما الذي يتمنَّى الموتَ نادرٌ، ثمَّ لا يتمنَّاهُ
إلا في حالةٍ نادرةٍ ، وواقعةٍ هاجمةٍ غريبةٍ .
فإذا كانَ حالُ أكثرِ الخلقِ في الدنيا الغالبُ عليهِ الخيرُ والسلامةُ ،
فسنَّةُ اللهِ لا تجدُ لها تبديلاً .. فالغالبُ أنَّ أمرَ الآخرةِ هكذا يكونُ ؛ لأنَّ
مدبِّرَ الدنيا والآخرةِ واحدٌ، وهوَ غفورٌ رحيمٌ ، لطيفٌ بعبادِهِ ، متعطّفٌ
عليهِمْ .
فهذا إذا تُؤُمِّلَ حقَّ التأمُّلِ .. قويَ بهِ أسبابُ الرجاءِ .
ومِنَ الاعتبارِ أيضاً النظرُ في حكمةِ الشريعةِ وسننِها في مصالح الدنيا ،
ووجهِ الرحمةِ للعبادِ بها ، حتَّىُ كانَ بعضُ العارفينَ يرى آيَةَ المداينةِ في سورةِ
البقرةِ مِنْ أقوى أسبابِ الرجاءِ ، فقيلَ لهُ : وما فيها مِنَ الرجاءِ ؟ فقالَ :
الدنيا كلُّها قليلٌ ، ورزقُ الإنسانِ منها قليلٌ ، والدينُ قليلٌ مِنْ رزقِهِ ، فانظرْ
كيفَ أنزلَ اللهُ تعالى فيهِ أطولَ آيَةٍ ليهديَ عبدَهُ إلى طريقِ الاحتياطِ في حفظٍ
دَينِهِ ، فكيفَ لا يحفظُ دِينَهُ الذي لا عوضَ لهُ منهُ ؟!
ـحة
ـحة
٤٨٤
جز

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
الفنُّ الثاني : استقراءُ الآياتِ والأخبارِ : فما وردَ في الرجاءِ خارجٌ عنِ
الحصرِ .
حن.
أمَّا الآياتُ :
فقدْ قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَّ أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وفي قراءةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((ولا يبالي)) ﴿إِنَُّ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(١).
%
حن
وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِىِ
اُلْأَرْضِ﴾ .
وأخبرَ تعالىُ أنَّ النارَ أعدَّها لأعدائِهِ، وإنَّما خوَّفَ بها أولياءَهُ فقالَ :
ج
﴿لَّم ◌ِّنْ فَوْقِهِمْ ظَلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْنِهِمْ تُظَلُّ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اَللَّهُ بِهِ، عِبَادَهُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ وَأَتَّقُواْ النَّارَ اَلَّىَ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَذَرْتُّكُمْ فَرًّا تَلَظّى ﴿ لَا يَصْلَنَّهَا إِلَّا الْأَشْقَىِّ (﴾﴾ الَّذِى كَذَّبَ
وَتَوَلَّ﴾ .
وقال تعالى: ﴿ وَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُوْ مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾.
ويُقالُ : إنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يزلْ يسألُ في أمَّتِهِ حتَّى قيلَ
(١) رواه الترمذي (٣٢٣٧) عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أنها سمعته صلى الله عليه
وسلم يقرؤها كذا .
٤٨٥

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
لهُ: أما ترضى وقدْ أنزلَتْ عليكَ هذهِ الآيةُ: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى
ظُلْمِهِمْ﴾؟!(١).
وفي تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قالَ: ((لا
يرضىُ محمدٌ وأحدٌ مِنْ أمَّتِهِ في النارِ))(٢) .
وكانَ أبو جعفرٍ محمدُ بنُ عليٍّ يقولُ : أنتُمْ - أهلَ العراقِ - تقولونَ :
أرجى آيةٍ في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ قولُهُ: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا
نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ... ﴾ الآيةَ، ونحنُ - أهلَ البيتِ - نقولُ: أرجى آيةٍ في
كتابِ اللهِ تعالى قولُهُ تعالى: ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾(٣).
قاعــ
وأمَّا الأخبارُ :
فقدْ روى أبو موسى عنهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((أمَّتي أمةٌ
مرحومةٌ ، لا عذابَ عليها في الآخرةِ ، عُجِّلَ عقابُها في الدنيا ؛ الزلازلُ
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٣/١)، وقد روى ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٢١٤٥) عن
سعيد بن المسيب قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمٌ وَإِنَّ
رَبِّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لولا عقوبة الله
وتجاوزه .. ما هنا أحد العيش، ولولا وعيده وعقابه .. لاتَّكل كل أحد )).
٢٠
(٢) رواه الخطيب في ((تلخيص المتشابه)) (١٧٣/١)، والديلمي في ((مسند الفردوس))
( ٧١٧٩ ) .
جن
(٣) كذا في ((القوت)) (٢١٣/١)، ورواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص
٥٠٧)، وأبو نعيم في «الحلية)) ( ١٧٩/٣).
٤٨٦

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
والفتنُ ، فإذا كانَ يومُ القيامةِ .. دُفِعَ إلى كلِّ رجلٍ مِنْ أمَّتي رجلٌ مِنْ أهلِ
الكتابِ ، فقيلَ : هذا فداؤُكَ مِنَ النارِ »(١) .
وفي لفظٍ آخرَ : (( يأتي كلُّ رجلٍ مِنْ هُذهِ الأمَّةِ بيهوديٍّ أَوْ نصرانيٍّ إلى
جهنَّمَ فيقولُ : هذا فدائي مِنَ النارِ ، فيُلقى فيها))(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الحمَّى مِنْ فِيحِ جهنَّمَ، وهيَ حظُّ المؤمنِ
مِنَ النّارِ ))(٣).
حن
ورُوِيَ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اَللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ ﴾
أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى نبيِّهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أنِّي أجعلُ حسابَ أمَّتِكَ إليكَ،
قالَ: (( لا ياربِّ، أنتَ خيرٌ لهُمْ مِنِّي))، فقالَ: إذاً؛ لا نخزيكَ فيهِمْ(٤).
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٣/١)، والحديث رواه أبو داوود (٤٢٧٨) دون قوله: (فإذا
كان يوم القيامة ... )، وهذه رواها ابن ماجه (٤٢٩٢) من حديث أنس رضي الله عنه.
(٢) رواه أحمد في (( المسند)) (٤/ ٤٠٧) بلفظه هنا، وبنحوه عند مسلم ( ٢٧٦٧) .
(٣) رواه أحمد في (( المسند)) (٢٥٢/٥) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ :
(«الحمى من كير جهنم ، فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار » .
(٤) كذا في ((القوت)) (٢١٣/١)، وقد رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن بالله)) (٦٢)
عن الحسين بن عبد الرحمن عن شيخ من قريش وذكره ، وروى أحمد في (( المسند ))
(٣٩٣/٥) عن حذيفة رضي الله عنه قال : غاب عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
يوماً ، فلم يخرج حتى ظننا أنه لن يخرج ، فلما خرج .. سجد سجدة ، فظننا أن نفسه
قد قبضت فيها ، فلما رفع رأسه قال : (( إن ربي تبارك وتعالى استشارني في أمتي ماذا
أفعل بهم ، فقلت : ما شئت أي رب ، هم خلقك وعبادك ، فاستشارني الثانية ، فقلت
له كذلك، فقال: لا أحزنك في أمتك يا محمد ... )) الحديث .
٤٨٧

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
تعـ
ورُوِي عنْ أنسٍ : أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ سألَ ربَّهُ في ذنوبٍ
أمَّتِهِ فقالَ: ((يا ربِّ، اجعلْ حسابَهُمْ إليَّ لئلا يطلعَ على مساوئِهِمْ
غيري ))، فأوحى اللهُ تعالى إليهِ: همْ أمَّتُكَ، وهمْ عبادي ، وأنا أرحمُ بِهِمْ
منكَ ، لا أجعلُ حسابَهُمْ إلى غيري ؛ لئلا تنظرَ في مساوئِهِمْ أنتَ
ولا غيرُكَ (١).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((حياتي خيرٌ لكُمْ، وموتي خيرٌ لكم، أمَّا
حياتي .. فأسُنُ لكُمُ السننَ، وأشرِّعُ لكُمُ الشرائعَ، وأمَّا موتي .. فإنَّ
أعمالَكُمْ تُعرضُ عليَّ؛ فما رأيتُ منها حسناً .. حمدتُ اللهَ عليهِ ، وما رأيتُ
منها سيئاً .. استغفرتُ اللهَ تعالى لكمْ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يوماً : (( يا كريمَ العفوِ )) ، فقالَ جبريلُ عليهِ
السلامُ : أتدري ما تفسيرُ يا كريمَ العفوِ ؟ هوَ أنْ عفا عنِ السيئاتِ برحمتِهِ ،
ثمَّ بدَّلَها حسناتٍ بكرمِهِ (٣).
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٣/١) حيث قال: (وروينا في خبر سلمة بن وردان، عن
أنس بن مالك : أن رسول الله ... ) وذكره .
(٢) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (١٧٤/٢)، والبزار في ((مسنده)) (١٩٢٥)، والديلمي
في (( مسند الفردوس)) (٦٨٦) بنحوه .
(٣) كذا في ((القوت)) (٢١٣/١)، وفيه: ( أنَّهُ) بدل ( أنْ ) المخففة ، وقد رواه
أبو الشيخ في ((العظمة)) ( ١٨٠) عن عتبة بن الوليد قال : ( سمع جبريل إبراهيم
الخليل ... ) ولم يذكره عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا رواه البيهقي في
((الشعب)) ( ٦٦٤٣) عن بعض الرهاويين .
٤٨٨

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
وسمعَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلاً يقولُ : اللهمَّ، إنِّي أسألُكَ تمامَ
النعمةِ فقالَ: (( هلْ تدري ما تمامُ النعمةِ؟)) قالَ: لا، قالَ: ((دخولُ
الجنَّةِ ))(١) .
فقالَ العلماءُ : قدْ أتمَّ نعمتَهُ علينا برضاهُ الإسلامَ لنا ؛ إذْ قال تعالى :
﴿ وَأَنْتَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ .
وفي الخبرِ: ((إذا أذنبَ العبدُ فاستغفرَ اللهَ .. يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ
الملائكتِهِ : انظروا إلى عبدي ، أذنبَ ذنباً، فعلمَ أنَّ لهُ ربّاً يغفرُ الذنوبَ
ويأخذُ بالذنبِ ، أشهدُكُمْ أنِّي قدْ غفرتُ لهُ))(٢) .
وفي الخبرِ: ((لوْ أذنبَ العبدُ حتَّى تبلغَ ذنوبُهُ عَنانَ السماءِ .. غفرتُها لهُ
ما استغفرني ورجاني))(٣).
وفي الخبرِ: (( لوْ لقيني عبدي بِقُرابِ الأرضِ ذنوباً .. لقيتُهُ بِقُرابٍ
الأرضِ مغفرةً ))(٤) .
وفي الحديثِ: ((إنَّ الملكَ ليرفعُ القلمَ عنِ العبدِ إذا أذنبَ ستَّ
ساعاتٍ ، فإنْ تابَ واستغفرَ .. لمْ يكتبْهُ عليهِ ، وإلا .. كتبَها سيئةً))، وفي
(١) رواه الترمذي (٣٥٢٧)، وأحمد في ((المسند)) (٢٣١/٥).
(٢) رواه البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم (٢٧٥٨) بنحوه .
(٣) رواه الترمذي (٣٥٤٠) من حديث أنس رضي الله عنه، ومطلعه: (( يا بن آدم ؛ إنك
ما دعوتني ... )) الحديث .
(٤) رواه مسلم (٢٦٨٧) ومطلعه: ( من جاء بالحسنة .. فله عشر أمثالها ... )) الحديث.
٤٨٩

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
حن
لفظٍ آخرَ : (( فإذا كتبَها عليهِ وعملَ حسنةً .. قالَ صاحبُ اليمينِ لصاحبٍ
الشمالِ وهوَ أميرٌ عليهِ : ألقِ هذهِ السيئةَ حتَّى ألقيَ مِنْ حسناتِهِ واحدةً مِنْ
تضعيفِ العشرِ وأرفعَ لَهُ تسعَ حسناتٍ ، فَتُلقى عنهُ هذه السيئةُ))(١).
وروى أنسٌ في حديثٍ: أنَّهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ قالَ: ((إذا أذنبَ العبدُ
ذنباً .. كُتِبَ عليهِ))، فقالَ أعرابيّ: فإنْ تابَ عنهُ؟ قالَ: ((مُحِيَ عنهُ))،
قالَ : فإنْ عادَ؟ قالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((يكتبُ عليهِ))، فقالَ
الأعرابيُّ: فإنْ تابَ ؟ قالَ: ((مُحِيَ مِنْ صحيفتِهِ ))، قالَ : إلى متى ؟
قالَ : (( إلى أنْ يستغفرَ ويتوبَ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، إنَّ اللهَ لا يملُّ مِنَ المغفرةِ
حتَّى يملَّ العبدُ مِنَ الاستغفارِ ، فإذا همَّ العبدُ بحسنةٍ .. كتبَها صاحبُ اليمينِ
حسنةً قبلَ أنْ يعملَها ، فإنْ عملَها .. كُتَبَتْ عشرَ حسناتٍ ، ثمَّ يضاعفُها اللهُ
(١) كذا فى ((القوت)) (٢١٤/١) بروايتيه وسياقه، وقد رواه هناد فى ((الزهد)) (٩٢٠)
عن أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً: (( الملك الذي على اليمين أمير على الملك الذي
على الشمال ، فإذا عمل حسنة .. قال لصاحب الشمال: اكتبها ، وإذا عمل سيئة ..
قال له : دعها، لا تكتبها سبع ساعات ؛ لعله يستغفر)) ورواه الطبراني في ((الكبير))
(١٩١/٨) بنحوه وفيه: ((وإذا عمل سيئة .. قال له صاحب اليمين: امكث ست
ساعات، فإن استغفر .. لم يكتب عليه، وإلا .. أثبت عليه سيئة)).
ورواه مطولاً الطبري في ((تفسيره)) (١٤٧/١٣/٨) عن عثمان بن عفان رضي الله عنه
وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : كم مع العبد من ملك ؟ فقال صلى الله عليه
وسلم: (( ملك على يمينك على حسناتك، وهو أمين على الذي على الشمال ، فإذا
عملت حسنة .. كتبت عشراً، وإذا عملت سيئة .. قال الذي على الشمال للذي على
اليمين : أكتبُ ؟ قال: لا ؛ لعله يستغفر الله ويتوب ... )) الحديث.
٤٩٠

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
عزَّ وجلَّ إلى سبع مئةِ ضعفٍ، وإذا همَّ بخطيئةٍ .. لمْ تُكتبْ عليهِ ؛ فإنْ
عملَها .. كُتْبَتْ خطيئةً واحدةً، ووراءَها حسْنُ عفوِ اللهِ عزَّ وجلَّ)) (١).
وجاءَ رجلٌ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنِّي
لا أصومُ إلا الشهرَ لا أزيدُ عليهِ ، ولا أصلِّي إلا الخمسَ لا أزيدُ عليها ،
وليسَ اللهِ في مالي صدقةٌ ولا حجٌّ ولا تطوُّعٌ ، أينَ أنا إذا مثُّ ؟ فتبسمَ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ: ((نعمْ، معي إذا حفظتَ قلبَكَ مِنٍ
اثنتينِ : الغلِّ والحسدِ ، ولسانَكَ مِنِ اثنتينِ : الغيبةِ والكذبِ ، وعينيكَ مِنٍ
اثنتينِ : النظرِ إلى ما حرَّمَ اللهُ، وأنْ تزدريَ بهما مسلماً .. دخلتَ معيَ
الجنَّةَ على راحتيَّ هاتينٍ)»(٢).
وفي الحديثِ الطويلِ لأنسٍ : أَنَّ الأعرابيَّ قالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ مَنْ يلي
حسابَ الخلقِ ؟ فقالَ: ((اللهُ تباركَ وتعالى))، قالَ : هو بنفسِهِ ؟ قالَ :
((نعمْ))، فتبسَّمَ الأعرابيُّ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ممَّ ضحكتَ
يا أعرابيُّ؟)) فقالَ: إنَّ الكريمَ إذا قدر .. عفا، وإذا حاسبَ .. سامحَ،
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٤/١)، ونعته بحديث أنس الطويل، وستأتي قطعة منه بعد
الخبر الآتي. وقد روى البيهقي في ((الشعب)) (٦٦٨٨) عن أنس رضي الله عنه قال :
جاء رجل فقال: يا رسول الله؛ إني أذنبت، قال: ((استغفر ربك))، قال : فأستغفر
ثم أعود، قال: ((فإذا عدت .. فاستغفر ربك)) ثلاث مرات أو أربعاً - شك عمر -
فقال: ((استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور))، والحديث عن غيره متوازع
معناه في الصحيح .
(٢) قوت القلوب (٢١٥/١).
٤٩١

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((صدقَ الأعرابيُّ، ألا ولا كريمَ أكرم
مِنَ اللهِ تعالى، هوَ أكرمُ الأكرمينَ))، ثمَّ قالَ: ((فَقُهَ الأعرابيُّ))(١) ، وفيهِ
أيضاً : ((إِنَّ اللهَ تعالىُ شرَّفَ الكعبةَ وعظَّمَها، ولوْ أنَّ عبداً هدمَها حجراً
حجراً ثمّ أحرقَها .. ما بلغَ جِرْمَ مَنِ استخفَّ بوليٍّ مِنْ أولياءِ اللهِ تعالى)) ،
قالَ الأعرابيُّ: ومَنْ أولياءُ اللهِ تعالى؟ قالَ: (( المؤمنونَ كلُّهُمْ أولياءُ اللهِ
تعالى، أما سمعتَ قولَ اللهِ عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ
التُّكُلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾؟))(٢).
وفي بعضٍ الأخبارِ: ((المؤمنُ أفضلُ مِنَ الكعبةِ))(٣)، و((المؤمنُ طيِّبٌ
طاهرٌ)) (٤)، و((المؤمنُ أكرمُ على اللهِ تعالىُ مِنَ الملائكةِ))(٥).
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٤/١)، وهو قطعة من حديث أنس المنقول قبل الخبر السابق ،
قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (١٧٩/٩).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢١٤/١).
(٣) روى ابن ماجه (٣٩٣٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : رأيت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: (( ما أطيبك وأطيب ريحك ، ما أعظمك
وأعظم حرمتك ، والذي نفس محمد بيده ؛ لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك
ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً » .
(٤) هذا الخبر والذي قبله والذي بعده في خبر مفرد عند صاحب ((القوت)) (٢١٥/١)،
وعند البخاري (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).
(٥) رواه ابن ماجه (٣٩٤٧) ولفظه: (( المؤمن أكرم على الله عز وجل من بعض
ملائكته))، وروى وكيع في ((الزهد)) (٨٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٥٠) عن
أبي هريرة رضي الله عنه موقوفاً عليه: ( المؤمن أكرم على الله من الملائكة الذين
عنده ) .
٤٩٢

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
وفي الخبرِ : ( خلقَ اللهُ تعالى جهنَّمَ مِنْ فضْلِ رحمتِهِ سوطاً يسوقُ اللهُ بهِ
عبادَهُ إلى الجنَّةِ)(١) .
وفي خبرٍ آخرَ : ( يقولُ اللهُ عزَّ وجلّ : إنَّما خلقتُ الخلقَ ليربحوا
عليَّ، ولمْ أخلقْهُمْ لأربحَ عليهِمْ)(٢).
وفي حديث أبي سعيد الخدريِّ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
(( ما خلقَ اللهُ تعالى شيئاً إلا جعلَ لهُ ما يغلبُهُ، وجعلَ رحمتهُ تغلبُ
غضبَهُ))(٣) .
وفي الخبرِ المشهورِ: (( إنَّ الله تعالى كتبَ على نفسِهِ قبلَ أنْ يخلقَ
الخلقَ : إِنَّ رحمتي تغلبُ غضبي))(٤) .
وروى البيهقي في ((الشعب)) (١٥١) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال
=
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما من شيء أكرم على الله من ابن آدم))، قال :
قيل : يا رسول الله ؛ ولا الملائكة؟ قال: ((الملائكة مجبورون بمنزلة الشمس
والقمر )) .
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٩/١)، وعند البخاري (٣٠١٠) عن أبي هريرة رضي الله عنه
مرفوعاً: ((عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل)).
(٢) كذا في ((القوت)) (٢١٩/١)، وأورده القشيري في ((رسالته)) (ص ٢٥١) من قول
داوود عليه السلام .
(٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٢٤٩/٤)، والديلمي في (( مسند الفردوس))
(٦٢٠٧)، ورواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٦٣/١١) عن زيد بن أسلم
مرسلاً .
(٤) رواه البخاري ( ٧٥٥٣)، ومسلم ( ٢٧٥١) .
٤٩٣

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
وعنْ معاذِ بنِ جبلٍ وأنسٍ بنِ مالكِ أنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((مَنْ
قالَ: لا إلهَ إلا اللهُ .. دخلَ الجنَّةَ)) (١)، و(( مَنْ كانَ آخرُ كلامِهِ لا إلهَ
إلا اللهُ .. لمْ تمشُّهُ النارُ))(٢)، و((مَنْ لقيَ اللهَ لا يشركُ بهِ شيئاً .. حُرِّمَتْ
عليهِ النارُ))(٣)، و((لا يدخلُها مَنْ في قلبهِ مثقالُ ذرَّةٍ مِنْ إِيمانٍ)) (٤) .
وفي خبرٍ آخرَ : ((لوْ علمَ الكافرُ سعةَ رحمةِ اللهِ . . ما أيسَ مِنْ جِنَّتِهِ
أحدٌ))(٥) .
قَم.
ولمَّا تلا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ
شَىْءُ عَظِيمٌ﴾ .. قالَ: ((أتدرونَ أيَّ يومٍ هذا؟ هذا يومَ يُقالُ لآدمَ عليهِ
السلامُ : قمْ فابعثْ بعثَ النارِ مِنْ ذرِّيَّتِكَ، فيقولُ : كمْ ؟ فيُقالُ: مِنْ كلِّ
(١) كذا في ((القوت)) (٢١٩/١) مع الأخبار الثلاثة الآتية بألفاظها وسياقها، وقد رواه
النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (١١٤١) من حديث معاذ: (( اعلم أن من شهد أن
لا إله إلا الله .. دخل الجنة))، وعنده من حديث أنس عن معاذ مرفوعاً كذلك: (( من
مات يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله موقناً من قلبه .. دخل الجنة )).
(٢) رواه أبو داوود (٣١١٦) وفيه: ( دخل الجنة ) بدل ( لم تمسه النار ) .
(٣) رواه البخاري (١٢٩) عن أنس رضي الله عنه قال: ذكر لي أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال لمعاذ بن جبل: (( من لقي الله لا يشرك به شيئاً .. دخل الجنة))، وهو عند
مسلم ( ٩٣) من حديث جابر رضي الله عنه .
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٤١٦/١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
مرفوعاً ولفظه: ((ولا يدخل النار رجل في قلبه مثقال ذرة من إيمان))، وجاء عند
البخاري (٧٤٤٠)، ومسلم (١٨٣) إخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان أو
خير من النار .
(٥) رواه البخاري (٦٤٦٩)، ومسلم (٢٧٥٥) .
٤٩٤

ربع المنجيات
حن
كتاب الرجاء والخوف
ألفٍ تسعُ مئةٍ وتسعةٌ وتسعونَ إلى النارِ وواحدٌ إلى الجنَّةِ )) ، قالَ : فأُبلسَ
القومُ، وجعلوا يبكونَ، وتعطّلوا يومَهُمْ عنِ الأشغالِ والعملِ، فخرجَ
عليهِمْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ: (( ما لكمْ لا تعملونَ؟))
فقالوا: ومَنْ يشتغلُ بعملِ بعدَ ما حدثتَنا بهذا؟ فقالَ: (( كم أنتُمْ في
الأممِ ؟ أينَ تاويلُ وتاريسُ ومنسكُ ويأجوجُ ومأجوجُ ؟ أممٌ لا يحصيها
إلا اللهُ عزَّ وجلَّ، إنَّما أنتُمْ في سائرِ الأممِ كالشعرةِ البيضاءِ في جلدِ الثورِ
الأسودِ ، وكالرقمةِ في ذراع الدابيَّةِ)) (١) .
فانظرْ كيفَ كانَ يسوقُ الخلقَ بسياطِ الخوفِ ، ويقودُهُمْ بأزمَّةِ الرجاءِ
إلى اللهِ تعالى؛ إذْ ساقَهُمْ بسياطِ الخوفِ أوَّلاً ، فلمَّا خرجَ ذلكَ بِهِمْ عنْ حدٍّ
الاعتدالِ إلى إفراطِ اليأسِ .. داواهُمْ بدواءِ الرجاءِ، وردَّهُمْ إلى الاعتدالِ
والقصْدِ ، والآخِرُ لمْ يكنْ مناقضاً للأوَّلِ ، ولكنْ ذكرَ في الأوَّلِ ما رآهُ سبباً
للشفاءِ واقتصرَ عليهِ ، فلمَّا احتاجوا إلى المعالجةِ بالرجاءِ .. ذكرَ تمامَ
الأمرِ .
فعلى الواعظِ أنْ يقتديَ بسيِّدِ الوغَّاظِ ، فيتلطّفُ في استعمالِ أخبارٍ
الخوفِ والرجاءِ بحسَبِ الحاجةِ ، بعدَ ملاحظةِ العللِ الباطنةِ ، وإنْ لمْ يراع
(١) رواه الترمذي (٣١٦٨) بألفاظ مقاربة، وأصله عند البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم
(٢٢٢)، وليس عندهم ذكر تاويل وتاريس ومنسك، ووقع ذكرهم عند الطبري في
((تهذيب الآثار)) مسند ابن عباس (٧١٤)، والرقمة هنا : الهنة الناتئة في ذراع الدابة
من داخل ، وهما رقمتان في ذراعيها .
ق
٤٩٥

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
ذلكَ .. كانَ ما يفسدُهُ بوعظِهِ أكثرَ ممَّا يصلحُهُ .
وفي الخبرِ : ((لوْ لمْ تذنبوا .. لخلقَ اللهُ خلقاً يذنبونَ ليغفرَ لهُمْ)) ،
وفي لفظٍ آخرَ : (( لذهبَ بِكُمْ وجاءَ بخلقٍ آخرَ يذنبونَ فيغفرُ لهُمْ، إنَّهُ هوّ
الغفورُ الرحيمُ))(١) .
وفي الخبرِ : ((لوْ لمْ تذنبوا .. لخشيتُ عليكُمْ ما هوَ شرٍّ مِنَ
الذنوبِ))، قيلَ: وما هوَ؟ قالَ: ((العُجبُ))(٢).
G
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((والذي نفسي بيدهِ ؛ للهُ أرحمُ بعبدِهِ
المؤمنِ مِنَ الوالدةِ الشفيقةِ بولدِها)»(٣).
وفي الخبرِ: (( ليغفرنَّ اللهُ تعالىُ يومَ القيامةِ مغفرةً ما خطرَتْ قطُّ على
قلبٍ أحدٍ، حتَّى إنَّ إبليسَ ليتطاولُ لها رجاءَ أنْ تصيبَهُ»(٤).
وفي الخبرِ : ((إنَّ اللهِ تعالى مئةَ رحمةٍ، اذَّخَرَ منها عندَهُ تسعاً وتسعينَ
رحمةً، وأظهرَ منها في الدنيا رحمةً واحدةً ، فبها يتراحمُ الخلقُ ، فتحُّ
الوالدةُ إلى ولدِها ، وتعطفُ البهيمةُ على ولدِها، فإذا كانَ يومُ القيامةِ ..
ضمَّ هذهِ الرحمةَ إلى التسع والتسعينَ ثمَّ بسطَها على جميع خلقِهِ ، وكلُّ
(١) رواه مسلم ( ٢٧٤٨، ٢٧٤٩).
(٢) رواه البزار في ((مسنده)) ( ٦٩٣٦).
(٣) رواه البخاري (٥٩٩٩)، ومسلم (٢٧٥٤).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن بالله)) (٩٣)، وقريب منه عند ابن المبارك في
((الزهد)) ( ١٢٧٠).
ت
٤٩٦

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
رحمةٍ منها طباقَ السماواتِ والأرضينَ ، قالَ : فلا يهلكُ على اللهِ يومئذٍ إلا
هالكٌ))(١) .
وفي الخبرِ : (( ما منكُمْ مِنْ أحد يُدخلُهُ عملُهُ الجنَّةَ ، ولا ينجيهِ مِنَ
النارِ))، قالوا: ولا أنتَ؟ قالَ: ((ولا أنا، إلا أنْ يتغمَّدنيَ اللهُ
برحمتِهِ)) (٢).
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((اعملوا وأبشروا، واعلموا أنَّ أحداً لنْ
ينجيّهُ عملُهُ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّي اختبأتُ شفاعتي لأهلِ الكبائرِ مِنْ
أمَّتي)) (٤)، ((أترونَها للمصفَّينَ المتقينَ؟ بلْ هيَ للمخلِّطينَ المتلوثينَ ))(٥) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( بُعثتُ بالحنيفيَّةِ السمحةِ السهلةِ))(٦).
(١) كذا في ((القوت)) (٢٢١/١)، ورواه بنحوه البخاري (٦٠٠٠، ٦٤٦٩)، ومسلم
( ٢٧٥٢ ) .
(٢) رواه البخاري ( ٥٦٧٣)، ومسلم (٢٨١٦).
(٣)
قوت القلوب (٢٢١/١ ) .
(٤) كذا في ((القوت)) (٢٢١/١)، جاء الخبر مستقلاً عما بعده ، وقد رواه البخاري
(٦٣٠٤)، ومسلم (١٩٨) بلفظ: ((لكل نبي دعوة يدعوها ، فأريد أن أختبىء
دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة)).
(٥) كذا في ((القوت)) (٢٢١/١)، ورواه ابن ماجه (٤٣١١) بنحوه، وفي (أ): (بل
هي للمخطئين المتلوثين ) .
(٦) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٦٦/٥)، دون قوله: (السهلة)، وهي في ((القوت))
(٢٢٢/١)، ووقعت برواية الشك عند الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢١٨/٧).
٤٩٧
جن

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أحبُّ أنْ يعلمَ أهلُ الكتابينِ أنَّ في ديننا
سماحةٌ))(١) .
ويدلُّ على معناهُ استجابةُ اللهِ تعالى للمؤمنينَ في قولِهِمْ: ﴿ وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَاً
إِصْرًا﴾، وقالَ تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ اَلَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمْ﴾.
وروى محمدُ بنُ الحنفيّةِ عنْ عليٍّ رضيَ اللهُ تعالى عنهما أنَّهُ قالَ : لمَّا نزلَ
قولُهُ تعالى: ﴿فَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ .. قالَ: (( يا جبريلُ؛ وما الصفحُ
الجميلُ؟ )) قالَ عليهِ السلامُ: إذا عفوتَ عمَّنْ ظلمكَ .. فلا تعاتبْهُ، فقالَ :
(( يا جبريلُ؛ فاللهُ تعالى أكرمُ مِنْ أنْ يعاتِبَ مَنْ عفا عنهُ))، فبكى جبريلُ وبكى
النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فبعثَ اللهُ تعالى إليهما ميكائيلَ عليهِ السلامُ
وقالَ : إِنَّ رَبَّكُما يقرئُكُما السلامَ ويقولُ: كيفَ أعاتبُ مَنْ عفوتُ عنهُ ؟ هذا
ما لا يشبهُ كرمي(٢).
والأخبارُ الواردةُ في أسبابِ الرجاءِ أكثرُ مِنْ أَنْ تحصى .
(١) كذا في ((القوت)) (٢٢٢/١)، ورواه أحمد في ((المسند)) (١١٦/٦) من حديث
عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: ((لتعلم يهود أن في ديننا فسحة ، إني أرسلت بحنيفية
سمحة ) .
(٢) كذا في ((القوت)) (٢٢٣/١)، وقال الحافظ العراقي: (رواه ابن مردويه في
((التفسير)) موقوفاً على علي مختصراً، قال : الرضا بغير عتاب ، ولم يذكر بقية
الحديث، وفي إسناده نظر). ((إتحاف)) (١٨٥/٩)، ورواه البيهقي في (( الشعب))
(٧٩٨٦) عن ابن عباس رضي الله عنهما .
٤٩٨

ربع المنجيات
كتاب الرجاء والخوف
وأمَّا الآثارُ :
فقدْ قالَ عليٌّ كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ: ( مَنْ أذنبَ ذنباً فسترَهُ اللهُ عليهِ في
الدنيا .. فاللهُ أكرمُ مِنْ أنْ يكشفَ سترَهُ في الآخرةِ ، ومَنْ أذنبَ ذنباً فعوقبَ
عليهِ في الدنيا .. فاللهُ تعالى أعدلُ مِنْ أنْ يثنيَ عقوبتَهُ على عبدِهِ في
الآخرةِ)(١) .
وقالَ الثوريُّ : ( ما أحبُّ أنْ يُجعلَ حسابي إلى أبويَّ ؛ لأنِّي أعلمُ أنَّ اللهَ
تعالى أرحمُ بي منهما )(٢) .
وقالَ بعضُ السلفِ : ( المؤمنُ إذا عصى اللهَ تعالى .. سترَهُ اللهُ عنْ
أبصارِ الملائكةِ كي لا تراهُ فتشهدَ عليهِ )(٣).
وكتبَ محمدُ بنُ مصعبٍ إلى أسودَ بنِ سالمٍ بخطُّهِ : ( إنَّ العبدَ إذا كانَ
مسرفاً على نفسِهِ ، فرفعَ يديهِ يدعو يقولُ: يا ربِّ .. حجبَتِ الملائكةُ صوتَةً
وكذلكَ الثانيةُ والثالثةُ، حتى إذا قالَ الرابعةَ: يا ربِّ .. قالَ اللهُ تعالى:
حتَّى متى تحجبونَ عنِّي صوتَ عبدي؟ قدْ علمَ عبدي أنَّهُ ليسَ لهُ ربٌ يغفرُ
الذنوبَ غيري ، أشهدُكُمْ أنِّي قدْ غفرتُ لهُ)(٤) .
(١) قوت القلوب (٢١٤/١)، ورواه الترمذي (٢٦٢٦)، وابن ماجه (٢٦٠٤) من
حديثه رضي الله عنه بنحوه مرفوعاً .
(٢) قوت القلوب (٢١٣/١).
(٣) قوت القلوب (٢١٣/١).
(٤) قوت القلوب (٢١٤/١) .
٤٩٩

كتاب الرجاء والخوف
ربع المنجيات
وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمةُ اللهِ عليهِ : خلا ليَ الطوافُ ليلةً ، وكانَتْ
ليلةً مطيرةً مظلمةً ، فوقفتُ في الملتزم عندَ البابِ ، فقلتُ : يا ربِّي ؛
اعصمني حتَّى لا أعصيَكَ أبداً ، فهتفَ بي هاتفٌ مِنَ البيتِ : يا إبراهيمُ ؛
أنتَ تسألني العصمةَ ، وكلُّ عبادي المؤمنينَ يطلبونَ ذلكَ ، فإذا عصمتُهُمْ ..
فعلى مَنْ أَتفضَّلُ؟ ولِمِنْ أغفرُ؟(١) .
وكانَ الحسنُ يقولُ : ( لوْ لمْ يذنبِ المؤمنُ .. لكانَ يطيرُ في
الملكوتِ ، ولكنَّ اللهَ تعالى قمعَهُ بالذنوبِ)(٢) .
وقالَ الجنيدُ رحمهُ اللهُ تعالى : (إنْ بدَتْ عينٌ مِنَ الكرم .. ألحقَتِ
المسيئينَ بالمحسنينَ )(٣).
ولقيَ مالكُ بنُ دينارِ أباناً ، فقالَ لهُ : إلى كمْ تحدِّثُ الناسَ بالرخصِ ؟
فقالَ : يا أبا يحيىُ ؛ إنِّي لأرجو أنْ ترى مِنْ عفوِ اللهِ يومَ القيامةِ ما تخرقُ لهُ
كساءَكَ هذا مِنَ الفرحِ(٤).
وفي حديثِ ربعيٍّ بنِ حراشٍ عنْ أخيهِ ، وكانَ مِنْ خيارِ التابعينَ ، وهوَ
ممَّنْ تكلَّمَ بعدَ الموتِ ، قالَ: لمَّا ماتَ أخي .. سُجِّيَ بثوبِهِ ، وألقيناهُ على
نعشِهِ ، فكشفَ الثوبَ عنْ وجهِهِ واستوىُ قاعداً وقالَ : إنِّي لقيتُ ربِّي عزَّ
ـجر
(١) قوت القلوب (٢٢٠/١).
(٢) قوت القلوب (٢٢٠/١).
(٣) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٦٣/١٠).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((حسن الظن بالله)) (٨٦).
٥٠٠