Indexed OCR Text

Pages 301-320

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
والتجافي عنْ دارِ الغرورِ ، وذلكَ سببٌ للوصولِ إلى جوارِ اللهِ ، واللهُ تعالى
مسبِّبُ الأسبابِ ومرتُبُها ، فمَنْ سبقَ لهُ في الأزلِ السعادةُ .. يسَّرَ لهُ هذهِ
الأسبابَ حتَّى يقودَهُ بسلسلتِها إلى الجنةِ ، ويُعبَّرُ عنْ مثلِهِ بأنَّ كُلاّ ميسَّرٌ لما خُلِقَ
لهُ، ومَنْ لمْ يسبقْ لهُ مِنَ اللهِ الحسنى .. بعُدَ عنْ سماع كلامِ اللهِ تعالى وكلامِ
رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وكلامِ العلماءِ، فإذا لمْ يسمعْ .. لمْ يعلمْ ، وإذا لمْ
يعلمْ .. لمْ يخفْ، وإذا لمْ يخفْ .. لمْ يتركِ الركونَ إلى الدنيا، وإذا لمْ يترِكِ
الركونَ إلى الدنيا .. بقيَ في حزْبِ الشيطانِ ، وإنَّ جهنَّمَ لموعدُهُمْ أجمعينَ .
فإذا عرفتَ هذا .. تعجبتَ مِنْ قوم يُقادونَ إلى الجنَّةِ بالسلاسلِ ، فما
مِنْ أحدٍ إلا وهوَ مقودٌ إلى الجنَّةِ بسلاسلِ الأسبابِ ، وهوَ تسليطَ العلمِ
والخوفِ عليهِ ، وما مِنْ مخذولٍ إلا وهوَ مقودٌ إلى النارِ بالسلاسلِ ، وهوَ
تسليطُ الغفلةِ والأمنِ والغرورِ عليهِ ، فالمتقونَ يُساقونَ إلى الجنَّةِ قهراً ،
والمجرمونَ يُقادونَ إلى النارِ قهراً ، ولا قاهرَ إلا اللهُ الواحدُ القهَّارُ ،
ولا قادرَ إلا الملكُ الجبَّارُ، وإذا انكشفَ الغطاءُ عنْ أعينِ الغافلينَ فشاهدوا
الأمرَ كذلكَ .. سمعوا عندَ ذلكَ نداءَ المنادي: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ اَلْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَحِدِ
الْقَهَّارِ﴾، ولقدْ كانَ الملكُ للهِ الواحدِ القهَّارِ كلَّ يوم لا ذلكَ اليومَ على
الخصوصِ ، ولكنِ الغافلونَ لا يسمعونَ هذا النداءَ إلا ذلكَ اليومَ ، فهوَ نبأٌ
عمَّا يتجدَّدُ للغافلينَ مِنْ كشفِ الأحوالِ ، حيثُ لا ينفعُهُمُ الكشفُ ، فنعوذُ
باللهِ الحليمِ الكريمِ مِنَ الجهلِ والعمى، فإنَّهُ أَصلُ أسبابِ الهلاكِ .
٣٠١

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
بيان تمييز ما يحبه الله تعالى عما يكرهه
اعلمْ : أنَّ فعلَ الشكرِ وتركَ الكفرانِ لا يتمُّ إلا بمعرفةِ ما يحبُّهُ اللهُ تعالى
عمَّا يكرهُهُ ؛ إذْ معنى الشكرِ استعمالُ نعمِ اللهِ تعالى في محابِّهِ ، ومعنى
الكفرِ نقيضُ ذلكَ ؛ إمَّا بتركِ الاستعمالِ ، أوْ باستعمالِها في مكارهِهِ ،
ولتمييزِ ما يحبُّهُ اللهُ تعالى عمَّا يكرهُهُ مدرکانِ :
أحدُهُما : السمعُ ، ومستندُهُ الآياتُ والأخبارُ .
والثاني : بصيرةُ القلبِ ، وهوَ النظرُ بعينِ الاعتبارِ .
وهذا الأخيرُ عسيرٌ، وهوَ لأجلِ ذلكَ عزيزٌ ، فلذلكَ أرسلَ اللهُ تعالى
الرسلَ ، وسهَّلَ بهِمُ الطريقَ على الخلقِ ، ومعرفةُ ذلكَ تنبني على معرفةٍ
جميعِ أحكامِ الشرع في أفعالِ العبادِ ، فمَنْ لا يطلعُ على أحكامِ الشرعِ في
جميع أفعالِهِ .. لمْ يمكنْهُ القيامُ بحقِّ الشكرِ أصلاً .
وأمَّا الثاني - وهوَ النظرُ بعينِ الاعتبارِ - فهوَ إدراكُ حكمة الله تعالى في كلِّ
موجودٍ خلقَهُ ؛ إذْ ما خلقَ شيئاً في العالم إلا وفيهِ حكمةٌ ، وتحتَ الحكمةِ
مقصودٌ، وذلكَ المقصودُ هوَ المحبوبُ ، وتلكَ الحكمةُ منقسمةٌ إلى جليّةٍ
وخفيَّةٍ .
جزة
أمَّا الجليَّةُ .. فكالعلم بأنَّ مِنَ الحكمةِ في خلقِ الشمسِ أنْ يحصلَ بها
الفرقُ بينَ الليلِ والنهارِ ، فيكونَ النهارُ معاشاً، والليلُ لباساً ، فتتيسَّرَ
قادمة.
٣٠٢
جن
ب

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
حر
الحركةُ عندَ الإبصار ، والسكونُ عندَ الاستتارِ ، فهذا مِنْ جملةِ حِكَمٍ
الشمسِ لا كلِّ الحِكَمٍ فيها ، بلْ فيها حكمٌ أخرى كثيرةٌ دقيقةٌ .
وكذلكَ معرفةُ الحكمةِ في الغيمِ ونزولِ الأمطارِ ، وذلكَ لانشقاقٍ
الأرضِ بأنواع النباتِ مطعماً للخلْقِ ومرعىّ للأنعام ، وقدِ انطوى القرآنُ على
جملةٍ مِنَ الحكمِ الجليّةِ التي تحتملَها أفهامُ الخلقِ دونَ الدقيقِ الذي يقصرونَ
و
عنْ فهمِهِ، إذْ قالَ تعالى: ﴿أَنَّا صَبَيْنَا الْعَلَّةَ صَبَّال ◌َ: ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٥ُ فَأَبْتَّا فِيهَا
حَبَّاً ﴾ وَعِنَبًا ... ﴾ الآياتِ.
وأمَّا الحكمةُ في سائرِ الكواكبِ السيّارةِ منها والثوابتِ .. فخفيَّةٌ ، لا يطلعُ
عليها أكثرُ الخلقِ ، والقذْرُ الذي يحتملُهُ فهْمُ الخلقِ أنَّها زينةٌ للسماءِ ؛ لتستلذَّ
العينُ بالنظرِ إليها، وأشارَ إليهِ قولُهُ تعالى: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِنَةٍ الْكَوَكِبِ﴾،
فجميعُ أجزاءِ العالمِ ؛ سماؤُهُ وكواكبُهُ ، ورياحُهُ وبحارُهُ ، وجبالُهُ ومعادنُهُ ،
ونباتُهُ وحيواناتُهُ وأعضاءُ حيواناتِهِ .. لا تخلو ذرَّةٌ مِنْ ذَرَّاتِهِ عنْ حِكَمٍ كثيرةٍ ،
مِنْ حكمةٍ واحدةٍ إلى عشرةٍ إلى ألفٍ إلى عشرةِ آلافٍ .
وكذلكَ أعضاءُ الحيوانِ تنقسمُ إلى ما يُعرفُ حكمتُها ؛ كالعلم بأنَّ العينَ
للإبصارِ لا البطشِ ، واليدّ للبطشِ لا للمشي، والرجْلَ للمشي لا للشمِّ ،
فأمَّا الأعضاءُ الباطنةُ مِنَ الأمعاءِ والمرارةِ والكليةِ والكبدِ ، وآحادِ العروقِ
والأعصابِ والعضلاتِ ، وما فيها مِنَ التجاويفِ والالتفافِ والاشتباكِ
والانحرافِ والدقَّةِ والغلظِ ، وسائرٍ الصفاتِ .. فلا يعرفُ الحكمةَ فيها
كافَّةُ الناسِ ، والذينَ يعرفونَها لا يعرفونَ منها إلا قدراً يسيراً بالإضافةِ إلى
٣٠٣
دن
بحر

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
جج حن
ما في علمِ اللهِ تعالى، ﴿وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
فإذاً ؛ كلُّ مَنِ استعملَ شيئاً في جهةٍ غيرِ الجهةِ التي خُلِقَ لها ، ولا على
الوجهِ الذي أُريدَ بهِ .. فقدْ كفرَ فيهِ نعمةَ اللهِ تعالى، فمَنْ ضربَ غيرَهُ بيدِهِ ..
فقدْ كفرَ نعمةَ اليدِ ؛ إذْ خُلقَتْ لهُ اليدُ ليدفعَ بها عَنْ نفسِهِ ما يهلكُهُ ويأخذَ
ما ينفعُهُ ، لا ليهلكَ بها غيرَهُ، ومَنْ نظرً إلى وجهِ غيرِ المَحْرم .. فقدْ كفرَ نعمةَ
العينِ ونعمةَ الشمسِ ؛ إذِ الإبصارُ يتمُّ بهما، وإنَّما خُلقَتا ليبصرَ بهما ما ينفعُهُ
في دينِهِ ودنياهُ، ويتقيَ بهِما ما يضرُّهُ فيهِما، فقدِ استعملَهُما في غيرِ ما أُرِيدَتا
بهِ ، وهذا لأنَّ المرادَ مِنْ خلقِ الخلْقِ وخلْقِ الدنيا وأسبابها أنْ يستعينَ الخلْقُ
بهِما على الوصولِ إلى اللهِ تعالى، ولا وصولَ إليهِ إلا بمحبَّتِهِ والأنسِ بهِ في
الدنيا ، والتجافي عنْ غرورِ الدنيا ، ولا أنسَ إلا بدوامِ الذكرِ ، ولا محبَّةً إلا
بالمعرفةِ الحاصلةِ بدوام الفكرِ ، ولا يمكنُ الدوامُ على الذكرِ والفكرِ إلا بدوامٍ
البدنِ ، ولا يبقى البدنُ إلا بالغذاءِ ، ولا يتمُّ الغذاءُ إلا بالأرضِ والماءِ
والهواءِ ، ولا يتمُّ ذلكَ إلا بخلْقِ السماءِ والأرضِ ، وخلْقِ سائرِ الأعضاءِ ظاهراً
وباطناً ، فكلُّ ذلكَ لأجلِ البدنِ ، والبدنُ مطيّةُ النفسِ ، والراجعُ إلى اللهِ تعالى
هيَ النفْسُ المطمئنَّةُ بطولِ العبادةِ والمعرفةِ، فلذلكَ قالَ تعالى: ﴿وَمَا خَلَفْتُ
الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥° مَ أُرِدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ﴾.
فكلُّ مَنِ استعملَ شيئاً في غيرِ طاعةِ اللهِ .. فقدْ كفرَ نعمةَ اللهِ في
جميع الأسبابِ التي لا بدَّ منها لإقدامِهِ على تلكَ المعصيةِ ، ولنذكر مثالاً
واحداً للحِكَمِ الخفيَّةِ التي ليسَتْ في غايةِ الخفاءِ حتَّى تعتبرَ بها ،
٣٠٤

ربع المنجيات
جنهــ
كتاب الصبر والشكر
وتعلمَ طريقةَ الشكرِ والكفرانِ على النعمِ ، فنقولُ :
مِنْ نعمِ اللهِ تعالى خلْقُ الدراهمِ والدنانيرِ ، وبهِما قوامُ الدنيا ، وهما
حجرانِ لا منفعةَ في أعيانِهِما ، ولكنْ يُضطرُّ الخلقُ إليهما مِنْ حيثُ إنَّ كلَّ
إنسانٍ محتاجٌ إلى أعيانٍ كثيرةٍ في مطعمِهِ وملبسِهِ وسائرِ حاجاتهِ ، وقدْ يعجزُ
عمَّا يحتاجُ إليهِ، ويملكُ ما يستغني عنهُ ؛ كمَنْ يملكُ الزعفرانَ مثلاً وهوّ
محتاجٌ إلى جَمَلٍ يركبُهُ، ومَنْ يملكُ الجمَلَ ربَّما يستغني عنهُ ويحتاجُ إلى
الزعفرانِ ، فلا بدَّ بينَهُما مِنْ معاوضةٍ ، ولا بدَّ في مقدارِ العوضِ مِنْ تقديرٍ ؛
إِذْ لا يبذُلُ صاحبُ الجَمَلِ جَمَلَهُ بكلٌّ مقدارٍ مِنَ الزعفرانِ ، ولا مناسبةَ بينَ
الزعفرانِ والجملِ حتَّى يُقالَ: يُعطى منهُ مثلَهُ في الوزنِ أوِ الصورةِ ، وكذا
مَنْ يشتري داراً بثيابٍ ، أوْ عبداً بخفٍّ ، أوْ دقيقاً بحمارِ ، فهذهِ الأشياءُ
لا تناسبَ فيها ، فلا يدري أنَّ الجملَ كمْ يساوي بالزعفرانِ ، فتتعذَّرُ
المعاملاتُ جداً ، فافتقرَتْ هذهِ الأعيانُ المتنافرةُ المتباعدةُ إلى متوسّطٍ بينَها
يحكمُ فيها بحكم عدلٍ ، فيعرفُ مِنْ كلِّ واحدٍ رتبتَهُ ومنزلتَهُ ، حتَّى إذا
تقرَّرَتِ المنازلُ، وترتبَتِ الرتبُ .. علمَ بعدَ ذلكَ المساويَ مِنْ غيرِ
المساوي ، فخلقَ اللهُ تعالى الدنانيرَ والدراهمَ حاكمينِ ومتوسطينٍ بينَ سائرِ
الأموالِ ، حتَّى تُقدَّرَ الأموالُ بهما ، فيُقالُ : هذا الجملُ يساوي مئةَ دينارٍ ،
وهذا القَدْرُ مِنَ الزعفرانِ يساوي مئةٌ ، فهما مِنْ حيثُ إنَّهُما متساويانٍ بشيءٍ
واحدٍ إذاً متساويانِ ، وإنَّما أمكنَ التعديلُ بالنقدينِ إِذْ لا غرضَ في أعيانِهِما ،
ولوْ كانَ في أعيانِهِما غرضٌ .. ربَّما اقتضىُ خصوصُ ذلكَ الغرضِ في حقٌّ
٣٠٥

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
صاحبِ الغرضِ ترجيحاً ولمْ يقتضِ ذلكَ في حقِّ مَنْ لا غرضَ لهُ ، فلا ينتظمُ
الأمرُ، فإذاً ؛ خلقَهُما اللهُ تعالى لتتداولَهُما الأيدي ، ويكونا حاكمينٍ بِينَ
الأموالِ بالعدْلِ .
ولحكمةٍ أخرى ؛ وهيَ التوسُّلُ بهِما إلى سائرِ الأشياءِ ؛ لأنَّهُما عزيزانِ
في أنفسِهِما ، ولا غرضَ في أعيانِهِما ، ونسبتُهُما إلى سائرِ الأموالِ نسبةٌ
واحدةٌ ، فمَنْ ملكَهُما فكأنَّهُ ملكَ كلَّ شيءٍ ، لا كمَنْ ملكَ ثوباً ، فإنَّهُ لمْ
يملكْ إلا الثوبَ، فلوِ احتاجَ إلى طعامٍ .. ربَّما لمْ يرغبْ صاحبُ الطعامِ في
الثوبٍ ؛ لأنَّ غرضَهُ في دائّةٍ مثلاً ، فاحتيجَ إلى شيءٍ هوَ في صورتِهِ كأنَّهُ ليسَ
بشيءٍ، وهوَ في معناهُ كأنَّهُ كلُّ الأشياءِ ، والشيءُ إنَّما تستوي نسبتُهُ إلى
المختلفاتِ إذا لمْ تكنْ لهُ صورةٌ خاصَّةٌ يفيدُها بخصوصِها ؛ كالمرآةِ لا لونَ
لها وتحكي كلَّ لونٍ ، فكذلكَ النقدُ لا غرضَ فيهِ وهوَ وسيلةٌ إلى كلِّ
غرضٍ ، وكالحرفِ لا معنى لهُ في نفسِهِ وتظهرُ بهِ المعاني في غيرِهِ ، فَهَذِهِ
هيَ الحكمةُ الثانيةُ .
ـحة
وفيهِما أيضاً حِكَمٌ يطولُ ذكرُها ، فكلُّ مَنْ عملَ فيهِما عملاً لا يليقُ
بالحِكَمِ بلْ يخالفُ الغرضَ المقصودَ بالحِكَمِ .. فقدْ كفرَ نعمةَ اللهِ تعالى
فيهما ، فإذاً ؛ مَنْ كنزَهُما .. فقدْ ظلمَهُما وأبطلَ الحكمةَ فيهِما ، وكانَ كمَنْ
حبسَ حاكمَ المسلمينَ في سجْنٍ يمتنعُ عليهِ الحكْمُ بسببهٍ ؛ لأنَّهُ إذا كُنِزَ ..
فقدْ ضُيِّعَ ، ولا يحصلُ الغرضُ المقصودُ بهِ ، وما خُلقَتِ الدراهمُ والدنانيرُ
لزيدٍ خاصَّةً ولا لعمروٍ خاصَّةً ؛ إذْ لا غرضَ للآحادِ في أعيانِهِما ، فإنَّهُما
٣٠٦
حن
ن.
جن

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
حجرانِ ، وإنَّما خُلقا لتتداولَهُما الأيدي فيكونا حاكمينٍ بينَ الناسِ ، وعلامةً
معرِّفةً للمقاديرِ مقوِّمةً للمراتبِ ، فأخبرَ اللهُ الذينَ يعجزونَ عنْ قراءةِ الأسطرِ
الإلهية المكتوبةِ على صفحاتِ الموجوداتِ بخطُّ إلهيٍّ لا حرفَ فيهِ
ولا صوتَ ، الذي لا يُدركُ بعينِ البصرِ بلْ بعينِ البصيرةِ .. أخبرَ هؤلاءِ
العاجزينَ بكلام سمعوهُ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حتَّى وصلَ إليهِمْ
بواسطةِ الحرفِ والصوتِ المعنى الذي عجزوا عنْ إدراكِهِ فقالَ: ﴿وَاَلَّذِينَ
يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِ﴾.
وكلُّ مَنِ اتخذَ مِنَ الدراهمِ والدنانيرِ آنيةً مِنْ ذهبٍ أوْ فضَّةٍ .. فقدْ كفرَ
النعمةَ، وكانَ أسوأ حالاً ممَّنْ كنزَ ؛ لأنَّ مثالَ هذا مثالُ مَنِ استسخرَ حاكمَ
البلدِ في الحياكةِ والكفْسِ والأعمالِ التي يقومُ بها أخسَّاءُ الناسِ ، والحبسُ
أهونُ منهُ ، وذلكَ أنَّ الخزفَ والحديدَ والرصاصَ والنحاسَ تنوبُ منابَ
الذهبِ والفضَّةِ في حفظِ المائعاتِ عنْ أنْ تتبدَّدَ ، وإنَّما الأواني لحفظِ
المائعاتِ ، ولا يكفي الخزفُ والحديدُ في المقصودِ الذي أُريدَ بهِ النقودُ ،
فمَنْ لمْ ينكشفْ لهُ هذا .. انكشفَ لهُ بالترجمةِ الإلهيةِ وقيلَ لهُ: ((مَنْ
شربَ في آنيةٍ مِنْ ذهبٍ أوْ فضةٍ .. فكأنَّما يجرجرُ في بطنِهِ نارَ جهنَّمَ))(١).
وكلُّ مَنْ عاملَ معاملةَ الربا على الدراهمِ والدنانيرِ .. فقدْ كفرَ النعمةَ
وظلمَ ؛ لأنَّهُما خُلقا لغيرِهِما لا لأنفسِهِما ؛ إذْ لا غرضَ في عينِهِما ، فإذا
.27
(١) كما روى ذلك البخاري (٥٦٣٤)، ومسلم (٢٠٦٥) .
٣٠٧
-ثان
حن جرة

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
اتَّجرَ في عينِهِما .. فقدْ اتخذَهُما مقصوداً على خلافِ وضْع الحكمةِ ؛ إذْ
طلبُ النقدِ لغيرِ ما وُضِعَ لهُ ظلمٌ، ومَنْ معَهُ ثوبٌ ولا نقدَ معَهُ فقدْ لا يقدرُ
على أنْ يشتريَ بهِ طعاماً ودابَّةً ؛ إذْ ربما لا يُباعُ الطعامُ والدائَّةُ بالثوبِ ، فهوَ
معذورٌ في بيعِهِ بنقدٍ ليحصِّلَ النقدَ فيتوصَّلَ بهِ إلى مقصودِهِ ، فإنَّهُما وسيلتانِ
إلى الغيرِ ، لا غرضَ في أعيانِهِما ، ووقْعُهُما مِنَ الأموالِ كوقْع الحرفِ مِنَ
الكلام ؛ كما قالَ النحويونَ : (إنَّ الحرفَ هوَ الذي جاءَ لمعنىّ في غيرِهِ ) ،
وكموقع المرآةِ مِنَ الألوانِ ، فأمَّا مَنْ مَعَهُ نقدٌ فلوْ جازَ لهُ أنْ يبيعَ بالنقدِ ،
فيتخذَ التعاملَ على النقدِ غايةَ عملِهِ .. فيبقى النقدُ متقيِّداً عندَهُ، وينزلُ منزلةً
المكنوزِ ، وتقييدُ الحاكمِ والبريدِ الموصلِ إلى الغيرِ ظلمٌ؛ كما أنَّ حبسَهُ
ظلمٌ ، فلا معنى لبيع النقدِ بالنقدِ إلا باتخاذِ النقدِ مقصوداً للادخارِ ، وهوَ
ظلمٌ .
فإنْ قلتَ : فِلِمَ جازَ بيعُ أحدِ النقدينِ بالآخرِ ؟ ولِمَ جازَ بيعُ الدرهمِ
بمثلِهِ ؟
حفظه
فاعلمْ : أَنَّ أحدَ النقدينِ يخالفُ الآخرَ في مقصودِ التوسُّلِ ؛ إذْ قدْ يتيسَّرُ
التوصُّلُ بأحدِهِما مِنْ حيثُ كثرتُهُ كالدراهمِ ، فتتفرَّقُ في الحاجاتِ قليلاً
قليلاً ، ففي المنع منهُ ما يشوِّشُ المقصودَ الخاصَّ بهِ ، وهوَ تيشُّرُ التوصُّلِ بهِ
إلى غيرِهِ .
%G
٣٠٨

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
وأمَّا بيعُ الدرهمِ بدرهم يماثلُهُ .. فجائزٌ مِنْ حيثُ إنَّ ذلكَ لا يرغبُ فيهِ
عاقلٌ مهما تساويا ، ولا يشتغلُ بهِ تاجرٌ ؛ فإنَّهُ عبثٌ يجري مَجرى وضعٍ
الدرهمِ على الأرضِ وأخذِهِ بعينِهِ ، ونحنُ لا نخافُ على العقلاءِ أنْ يصرفوا
أوقاتهُمْ إلى وضع الدرهمِ على الأرضِ وأخذهِ بعينِهِ ، فلا نمنعُ ممَّا
لا تتشوَّفُ النفوسُ إليهِ، إلا أنْ يكونَ أحدُهُما أجودَ مِنَ الآخرِ ، وذلكَ أيضاً
لا يُتصوَّرُ جريانُهُ؛ إذْ صاحبُ الجيِّدِ لا يرضى بمثلِهِ مِنَ الرديءِ ، فلا ينتظمُ
العقدُ ، وإنْ طلبَ زيادةً في الرديءِ .. فذلكَ ممَّا قَدْ يقصدُهُ، فلا جرمَ نمنعُهُ
منهُ، ونحكمُ بأنَّ جِيِّدَها ورديثَها سواءٌ ؛ لأنَّ الجودةَ والرداءةَ ينبغي أنْ يُنظرَ
إليهِما فيما يُقصدُ في عينِهِ ، وما لا غرضَ في عينِهِ فلا ينبغي أنْ يُنظرَ إلى
مصارفاتٍ دقيقةٍ في صفاتِهِ ، وإنَّما الذي ظلمَ هوَ الذي ضربَ النقودَ مختلفةً
في الجودةِ والرداءةِ حتَّى صارَتْ مقصودةً في أعيانِها ، وحقُّها ألا تُقُصدَ .
وأمَّا إذا باعَ درهماً بدرهمٍ مثلِهِ نسيئةً .. فإنَّما لمْ يجزْ ذلكَ لأنَّهُ لا يقدِمُ
على هذا إلا مسامحٌ قاصدٌ للإحسانِ ، ففي القرْضِ - وهوَ مكرمةٌ - مندوحةٌ
عنهُ ؛ لتبقى صورةُ المسامحةِ، فيكونَ لهُ حمدٌ وأجرٌ ، والمعاوضةُ لا حمدَ
فيها ولا أجرَ ، فهوَ أيضاً ظلمٌ ؛ لأنَّهُ إضاعةُ خصوصِ المسامحةِ وإخراجُها
في معرضِ المعاوضةِ .
وكذلكَ الأطعمةُ خُلقَتْ ليُغذّى بها ، أوْ يُتداوى بها ، فلا ينبغي أنّ
تُصرفَ عنْ جهتِها ، فإنَّ فتحَ بابِ المعاملةِ فيها يوجبُ تقييدَها في الأيدي ،
ويؤخِّرُ عنها الأكلَ الذي أُريدَتْ لهُ، فما خُلِقَ الطعامُ إلا ليُؤْكلَ ، والحاجةُ
٣٠٩

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
إلى الأطعمةِ شديدةٌ ، فينبغي أنْ تُخرِجَ عنْ يدِ المستغني عنها إلى المحتاجِ ،
ولا يتعاملُ على الأطعمةِ إلا مستغنٍ عنها ؛ إذْ مَنْ معَهُ طعامٌ فِلِمَ لا يأكلُهُ إِنْ
كانَ محتاجاً ، ولِمَ يجعلهُ بضاعةً تجارةٍ ؟ وإنْ جعلَهُ بضاعةَ تجارةٍ .. فليبعْهُ
ممَّنْ يطلبُهُ بعوضٍ غيرِ الطعام ليكونَ محتاجاً إليهِ ، فأمَّا مَنْ يطلبُهُ بعينِ ذلكَ
الطعام .. فهوَ أيضاً مستغنِ عنهُ، ولهذا وردَ في الشرع لعْنُ المحتكرِ ،
ووردَ فيهِ مِنَ التشديداتِ ما ذكرناهُ في كتابِ آدابِ الكسبِ .
نعمْ، بائعُ البُرِّ بالتمرِ معذورٌ؛ إذْ أحدُهُما لا يسدُّ مسدَّ الآخرِ في
الغرضِ ، وبائعُ صاعٍ مِنَ البُرِّ بصاعٍ منهُ غيرُ معذورٍ ، ولكنَّهُ عابثٌ ، فلا
يحتاجُ إلى منع ؛ لأنَّ النفوسَ لا تسمحُ بهِ إلا عندَ التفاوتِ في الجودةِ ،
ومقابلةُ الجِيِّدِ بمثلِهِ مِنَ الرديءٍ لا يرضى بها صاحبُ الجَيِّدِ، وأمَّا جيّدٌ
برديئينٍ .. فقدْ يُقصدُ ، ولكنْ لمَّا كانتِ الأطعمةُ مِنَ الضرورياتِ ، والجِيِّدُ
يساوي الرديءَ في أصلِ الفائدةِ ، ويخالفُهُ في وجوهِ التنقُّمِ .. أسقطَ الشرعُ
غرضَ التنقُّمِ فيما هوَ القوامُ .
فهذهِ حكمةُ الشرع في تحريمِ الربا ، وقدِ انكشفَ لنا هذا بعدَ الإعراضِ
عنْ فنِّ الفقهِ(١) ، فليُلحقْ هذا بفنِّ الفقهياتِ؛ فإنَّهُ أقوىُ مِنْ جميع
ما أوردناهُ في الخلافياتِ .
وبهذا يتضحُ رجحانُ مذهبِ الشافعيِّ رضيَ اللهُ عنهُ في التخصيصِ
02
(١) وذلك عند خروجه من دار السلام ببغداد. ((إتحاف)) (٦٨/٩).
٣١٠
ـكن

ربع المنجيات
يومــ
كتاب الصبر والشكر
بالأطعمةِ دونَ المكيلاتِ ، إذْ لَوْ دخلَ الجصُّ فيهِ . . لكانتِ الثيابُ والدوابُ
أولى بالدخولِ ، ولولا الملحُ .. لكانَ مذهبُ مالكِ رحمةُ اللهِ عليهِ أقومَ
المذاهبِ فيهِ ؛ إذْ خصَّصَهُ بالأقواتِ ، ولكنْ كلُّ معنىَ يرعاهُ الشرعُ فلا بدَّ أنْ
يُضبطَ بحدٍّ، وتحديدُ هذا كانَ ممكناً بالقوتِ ، وكانَ ممكناً بالمطعومِ ، فرأى
الشرعُ التحديدَ بجنسِ المطعوم أحرى لكلِّ ما هوَ ضرورةُ البقاءِ ، وتحديداتُ
الشرع قدْ تحيطُ بأطرافٍ لا يقوىُ فيها أصلُ المعنى الباعثِ على الحكمٍ ، ولكنَّ
التحديدَ يقعُ كذلكَ بالضرورةِ ، ولَوْ لمْ يُحدَّ .. لتحيَّرَ الخلقُ في تتبُّع جوهرٍ
المعنىُ معَ اختلافِهِ بالأحوالِ والأشخاصِ ، فعينُ المعنى بكمالٍ قوَّتِهِ يختلفُ
باختلافِ الأحوالِ والأشخاصِ ، فيكونُ الحدُّ ضرورياً، فلذلكَ قالَ اللهُ
تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، ولأنَّ أصولَ هذهِ المعاني
لا تختلفُ فيها الشرائعُ ، وإنَّما تختلفُ في وجوهِ التحديدِ ؛ كما يحدُّ شرعُ
عيسى ابنٍ مريمَ عليهِ السلامُ تحريمَ الخمرِ بالسكْرِ ، وقدْ حدَّهُ شرعُنا بكونِهِ مِنْ
جنسِ المسكرِ ؛ لأنَّ قليلَهُ يدعو إلى كثيرِهٍ ، والداخلُ في الحدودِ داخلٌ في
التحريمِ بحكمِ الحسمِ (١) ، كما دخل أصلُ المعنى بالحكمةِ الأصليّةِ .
من
دن
كن
فههذا مثالٌ واحدٌ لحكمةٍ خفيّةٍ مِنْ حِكَمِ النقدينِ ، فينبغي أنْ يعتبرَ شكرَ
النعمةِ وكفرانَها بهذا المثالِ ، فكلُّ ما خُلِقَ لحكمةٍ .. فلا ينبغي أنْ يُصرفَ
عنها، ولا يعرفُ هذا إلا مَنْ قدْ عرفَ الحكمةَ، ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
أُوِيَ خَيْراً كَثِيرًا﴾، ولكنْ لا تُصادَفُ جواهرُ الحِكَم في قلوبٍ هيَ مزابلٌ
(١) وفي بعض النسخ: ( بحكمة الحسم ) بدل ( بحكم الحسم ) .
٣١١
ـدن

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
الشهواتِ وملاعبُ الشياطين ، بلْ لا يتذكَّرُ إلا أولو الألبابِ ، ولذلكَ قالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لولا أنَّ الشياطينَ يحومونَ على قلوبٍ بني آدمَ ..
لنظروا إلى ملكوتِ السماءِ))(١).
G
وإذا عرفتَ هذا المثالَ .. فقْ عليهِ حركتَكَ وسكونَكَ ، ونطقَكَ
وسكوتَكَ ، وكلَّ فعلِ صادرٍ منكَ ؛ فإنَّهُ إمَّا شكرٌ وإمَّا كفرٌ ؛ إذْ لا يُتصوَّرُ أنْ
ينفكَّ عنهُما ، وبعضُ ذلكَ نصفُهُ في لسانِ الفقهِ الذي تناطقَ بهِ عوامُ الناسِ
بالكراهةِ وبعضُهُ بالحظْرِ ، وكلُّ ذلكَ عندَ أربابِ القلوبِ موصوفٌ بالحظْرِ ،
فأقولُ مثلاً :
لو استنجيتَ باليمينِ .. فقدْ كفرتَ نعمةَ اليدينِ؛ إذْ خلقَ اللهُ لكَ
اليدينِ ، وجعلَ إحداهما أقوىْ مِنَ الأخرىُ ، فاستحقَّ الأقوىُ بمزيدٍ
رجحانِهِ في الغالبِ التشريفَ والتفضيلَ ؛ إذْ تفضيلُ الناقصِ عدولٌ عنٍ
العدْلِ ، واللهُ لا يأمرُ إلا بالعدلِ، ثمَّ أحوجَكَ مَنْ أعطاكَ اليدينِ إلى أعمالٍ
بعضُها شريفةٌ كأخذِ المصحفِ ، وبعضُها خسيسةٌ كإزالةِ النجاسةِ ، فإذا
أخذتَ المصحفَ باليسارِ وأزلتَ النجاسةَ باليمينِ .. فقدْ خصصتَ الشريفَ
بما هوَ خسيسٌ ، فغضضتَ مِنْ حقُّ وظلمتَهُ وعدلتَ عنِ العدْلِ .
وكذلكَ إذا بصقتَ مثلاً في جهةِ القبلةِ أوِ استقبلتَها في قضاءِ الحاجةِ ..
فقدْ كفرتَ نعمةَ اللهِ تعالى في خلْقِ الجهاتِ وخلْقِ سعةِ العالم ؛ لأنَّهُ خلقَ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٥٣/٢).
٣١٢

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
الجهاتِ لتكونَ متسعَكَ في حركتِكَ ، وقسمَ الجهاتِ إلى ما لمْ يشرِّفْها ،
وإلى ما شرَّفَها بأنْ وضعَ فيها بيتاً أضافَهُ إلى نفسِهِ استمالةٌ لقلبكَ إليهِ ؛ ليتقيَّدَ
بهِ قلبُكَ، فيتقيَّدَ بسببهِ بدنُكَ في تلكَ الجهةِ على هيئةِ الثباتِ والوقارِ إذا
عبدتَ ربَّكَ ، وكذلكَ انقسمَتْ أفعالُكَ إلى ما هيَ شريفةٌ كالطاعاتِ ، وإلى
ما هيَ خسيسةٌ كقضاءِ الحاجةِ ورمي البصاقِ ، فإذا رميتَ بصاقَكَ إلى جهةٍ
القبلةِ .. فقدْ ظلمتَها وكفرتَ نعمةَ اللهِ تعالى عليكَ بوضع القبلةِ التي بوضعِها
كمالُ عبادتِكَ .
وكذلكَ إذا لبستَ خفَّكَ فابتدأتَ باليسرى .. فقدْ ظلمتَ؛ لأنَّ الخفَّ
وقايةٌ للرجْلِ ، فللرجْلِ فيهِ حظّ ، والبدايةُ في الحظوظِ ينبغي أنْ تكونَ
بالأشرفِ ، فهوَ العدْلُ والوفاءُ بالحكمةِ ، ونقيضُهُ ظلمٌ وكفرانٌ لنعمةِ الرجْلِ
والخفِّ، وهذا عندَ العارفينَ كبيرةٌ وإنْ سمَّاهُ الفقيهُ مكروهاً ، حتى إنَّ
بعضَهُمْ كانَ قَدْ جمعَ أكراراً مِنَ الحنطةِ ، وكانَ يتصدَّقُ بها ، فسُئِلِ عنْ سببهِ
فقالَ : لبستُ المداسَ مرَّةً فابتدأتُ بالرجلِ اليسرى سهواً ، فأريدُ أنْ أُكفِّرَهُ
بالصدقةِ .
نعم ، الفقيهُ لا يقدرُ على تفخيمِ الأمرِ في هذهِ الأمورِ ؛ لأنَّهُ مسكينٌ ،
بُليَ بإصلاحِ العوامِّ الذينَ تقربُ درجتُهُمْ مِنْ درجةِ الأنعامِ وهُمْ منغمسونَ في
ظلماتٍ أطمَّ وأعظمَ مِنْ أنْ تظهرَ أمثالُ هذهِ الظلماتِ بالإضافةِ إليها ، فقبيحٌ
أنْ يُقالَ: الذي شربَ الخمرَ وأخذَ القدحَ بيسارِهِ فقدْ تعدَّى مِنْ وجهينِ :
أحدُهُما : الشربُ، والآخرُ : الأخذُ باليسارِ ، ومَنْ باعَ خمراً في وقتٍ
9 : 55:95. .. 27
جديد
٣١٣
حة

كتاب الصبر والشكر
ـحر
ربع المنجيات
النداءِ يومَ الجمعةِ فقبيحٌ أنْ يُقالَ : خالفَ مِنْ وجهينِ : أحدُهُما : بيعُ
الخمرِ ، والآخرُ : البيعُ في وقتِ النداءِ ، ومَنْ قضى حاجتهُ في محرابِ
المسجدِ مستدبرَ القبلةِ فقبيحٌ أنْ يُذكرّ تركُهُ الأدبَ في قضاءِ الحاجةِ مِنْ حيثُ
إِنَّهُ لمْ يجعلِ القبلةَ عنْ يمينِهِ !
فالمعاصي كلُّها ظلماتٌ ، وبعضُها فوقَ بعضٍ ، فينمحقُ بعضُها في
جنْبِ البعضِ ، فالسيِّدُ قدْ يعاقبُ عبدَهُ إذا استعملَ سكينَهُ بغيرِ إذنِهِ ، ولكنْ
لوْ قتلَ بتلكَ السكينِ أعزَّ أولادِهِ .. لمْ يبقَ لاستعمالِ السكينِ بغيرِ إذنِهِ حُكْمٌ
ونكايةٌ في نفسِهِ ، فكلُّ ما راعاهُ الأنبياءُ والأولياءُ مِنَ الآدابِ وتسامحنا فيهِ في
الفقهِ معَ العوامِّ .. فسببُهُ هذهِ الضرورةُ، وإلا .. فكلُّ هذهِ المكارهِ عدولٌ
عنِ العدْلِ، وكفرانٌ للنعمةِ ، ونقصانٌ عنِ الدرجةِ المبلغةِ للعبدِ إلى درجاتِ
القرْبِ .
نعمْ ، بعضُها يؤثِّرُ في العبدِ بنقصانِ القربِ وانحطاطِ المنزلةِ ، وبعضُها
يخرجُ بالكليّةِ عنْ حدودِ القرْبِ إلى عالمِ البعدِ الذي هوَ مستقرُّ الشياطينِ .
ـن
وكذلكَ مَنْ كِسَرَ غصناً مِنْ شجرةٍ مِنْ غيرِ حاجةٍ ناجزةٍ مهمةٍ ومِنْ غيرِ
غرضٍ صحيحٍ .. فقدْ كفرَ نعمةَ اللهِ تعالى في خلقِ الأشجارِ وخلْقِ اليدِ .
أمَّا اليدُ .. فإنَّها لمْ تُخلقْ للعبثِ ، بلْ للطاعةِ والأعمالِ المعينةِ على
الطاعةِ .
ـت
وأمَّا الشجرُ .. فإنَّما خلقَهُ اللهُ تعالى، وخلقَ لهُ العروقَ ، وساقَ إليهِ
٣١٤

ربع المنجيات
كتاب الصبر والشكر
الماءَ ، وخلقَ فيهِ قوَّةَ الاغتذاءِ والنماءِ .. ليبلغَ منتهى نشوئِهِ فينتفعَ بهِ
عبادُهُ ، فكسرُهُ قبلَ منتهى نشوئِهِ لا على وجهٍ ينتفعُ بهِ عبادُهُ مخالفةٌ لمقصودٍ
الحكمةِ ، وعدولٌ عنِ العدْلِ ، فإنْ كانَ لهُ غرضٌ صحيحٌ .. فلهُ ذلكَ ؛ إِذِ
الشجرُ والحيوانُ جُعِلاَ فداءً لأغراضِ الإنسانِ ؛ فإنَّهُما جميعاً فانيانِ
هالكانِ ، فإفناءُ الأخسرِّ في بقاءِ الأشرفِ مدَّةً ما أقربُ إلى العدْلِ مِنْ
تضييعِهِما جميعاً، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿وَسَخََّ لَكُمُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ .
نعمْ، إنْ كسرَ ذلكَ مِنْ ملكِ غيرِهِ .. فهوَ ظالمٌ أيضاً وإنْ كانَ محتاجاً ؛
لأنَّ كلَّ شجرةٍ بعينِها لا تفي بحاجاتِ عبادِ اللهِ كلّهِمْ ، بلْ تفي بحاجةٍ واحدةٍ ،
ولوْ خُصِّصَ واحدٌ بها مِنْ غيرِ رجحانٍ واختصاصٍ .. كانَ ظلماً، وصاحبُ
الاختصاصِ هوَ الذي حصَّلَ البذرَ ووضعَهُ في الأرضِ وساقَ إليهِ الماءَ وقامَ
بالتعهُّدِ ، فهوَ أولىُ بهِ مِنْ غيرِهِ ، فيرجحُ جانبُهُ بذلكَ ، فإنْ نبتَ ذلكَ في مواتٍ
الأرضِ لا بسعي آدميٍّ اختصَّ بمغرسِهِ أَوْ بغرسِهِ .. فلا بدَّ مِنْ طلبِ اختصاصٍ
آخرَ ، وهوَ السبقُ إلى أخذِهِ ، فللسابقِ خاصِّيَّةُ السبقِ ، فالعدْلُ أنْ يكونَ هوَ
أولىُ بهِ ، وعبَّر الفقهاءُ عنْ هذا الترجيحِ بالملكِ، وهوَ مجازٌ محضٌ ؛ إذْ
لا ملكَ إلا لملكِ الملوكِ الذي لهُ ما في السماواتِ والأرضِ ، وكيفَ يكونُ
العبدُ مالكاً وهوَ في نفسِهِ ليسَ يملكُ نفسَهُ بلْ هوَ ملكُ غيرِهِ ؟!
.05
نعم ، الخلقُ عبادُ اللهِ ، والأرضُ مائدةُ اللهِ ، وقدْ أذنَ لهُمْ في الأكلِ مِنْ
مائدتِهِ بقدْرِ حاجتِهِمْ ؛ كالملكِ ينصبُ مائدةً لعبيدِهِ ، فمَنْ أخذَ لقمةٌ بيمينِهِ
٣١٥
ہے

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
واحتوتْ عليها براجمُهُ ، فجاءَ عبدٌ آخرُ وأرادَ انتزاعَها مِنْ يدِهِ .. لمْ يُمكَّنْ
منهُ ، لا لأنَّ اللقمةَ صارَتْ ملكاً لهُ بالأخذِ باليدِ ؛ فإنَّ اليدَ وصاحبَ اليدِ
أيضاً مملوكٌ، ولكنْ إذا كانَتْ كلُّ لقمةٍ بعينِها لا تفي بحاجةِ كلِّ العبيدِ ..
فالعدْلُ في التخصيصِ عندَ حصولِ ضربٍ مِنَ الترجيحِ والاختصاصِ
والأخذِ .. اختصاصٌ ينفردُ بهِ العبدُ، فمنعُ مَنْ لا يدلي بذلكَ الاختصاصِ
عنْ مزاحمتِهِ .. عدْلٌ .
فهكذا ينبغي أنْ تفهمَ أمرَ اللهِ في عبادِهِ ، ولذلكَ نقولُ : مَنْ أَخذَ مِنْ
أموالِ الدنيا أكثرَ مِنْ حاجتِهِ وكنزَهُ وأمسكَهُ وفي عبادِ اللهِ مَنْ يحتاجُ إليهِ ..
فهوَ ظالمٌ، وهوَ منَ الذينَ يكنزونَ الذهبَ والفضَّةً ولا ينفقونَها في
سبيلِ اللهِ ، وإنَّما سبيلُ اللهِ طاعتُهُ، وزادُ الخلقِ في طاعتِهِ أموالُ الدنيا ؛ إذْ
بها تندفعُ ضروراتُهُمْ وترتفعُ حاجاتُمْ .
نعمْ ، لا يدخلُ هذا في حدِّ فتاوى الفقهِ ؛ لأنَّ مقاديرَ الحاجاتِ خفيَّةٌ ،
والنفوسُ في استشعارِ الفقرِ في الاستقبالِ مختلفةٌ ، وأواخرُ الأعمارِ غيرُ
معلومةٍ ، فتكليفُ العوامُّ ذلكَ يجري مَجرى تكليفِ الصبيانِ الوقارَ والتؤدةَ
والسكوتَ عنْ كلِّ كلامٍ غيرِ مهمٌّ ، وهُمْ بحكْمٍ نقصانِهِمْ لا يطيقونَهُ ، فتركنا
الاعتراضَ عليهِمْ في اللعبِ واللهوِ ، وإباحتنا إِيَّاهُمْ ذلكَ لا يدلُّ على أنَّ
اللهوَ واللعبَ حقٌّ ؛ فكذلكَ إباحتنا للعوامٌّ حفْظَ الأموالِ والاقتصارَ في
الإنفاقِ على قدْرِ الزكواتِ لضرورةٍ ما جُبلوا عليهِ مِنَ البخلِ .. لا يدلُّ على
أنَّهُ غايةُ الحقِّ .
كن جن جن حن حن
٣١٦

2G
ربع المنجيات
کتاب الصبر والشكر
وقدْ أشارَ القرآنُ إليهِ إذْ قالَ تعالى: ﴿إِن يَسْتَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ
تَّبْخَلُواْ﴾(١) ، بلِ الحقُّ الذي لا كدورةَ فيهِ والعدْلُ الذي لا ظلمَ فيهِ ألا يأخذَ
أحدٌ مِنْ عبادِ اللهِ مِنْ مالِ اللهِ إلا بقدْرِ زادِ الراكبِ ، وكلُّ عبادِ اللهِ ركَّابٌ
لمطايا الأبدانِ إلى حضرةِ الملكِ الديَّانِ ، فمتى أخذَ زيادةً عليهِ، ومنعَهُ عنْ
راكبٍ آخرَ محتاجٍ إليهِ .. فهوَ ظالمٌ تاركٌ للعدْلِ ، وخارجٌ عنْ مقصودِ
الحكمةِ ، وكافرٌ نعمةَ اللهِ تعالى عليهِ بالقرآنِ والرسولِ والعقلِ وسائرٍ
الأسبابِ التي بها عرفَ أنَّ ما سوى زادِ الراكبِ وبالٌ عليهِ في الدنيا
والآخرة .
حن
فمَنْ فهمَ حكمةَ اللهِ تعالى في جميع أنواع الموجوداتِ .. قدرَ على القيام
بوظيفةِ الشكرِ، واستقصاءُ ذلكَ يحتاجُ إلى مجلداتٍ ، ثمَّ لا يفي إلا
بالقليل ، وإنَّما أوردنا هذا القذْرَ ليُعلمَ علَّةُ الصدقِ في قولِهِ تعالى: ﴿وَقَلِلٌ
مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾، وفرح إبليسَ لعنَهُ اللهُ بقولِهِ: ﴿وَلَا تَجِّدُ أَكْثَرَهُمْ
ثَلِكِينَ﴾، فلا يعرفُ معنى هذهِ الآيةِ مَنْ لمْ يعرفْ هذا كلَّهُ وأموراً أخرَ
وراءَ هذا تنقضي الأعمارُ دونَ استقصاءِ مباديها ، فأمَّا تفسيرُ الآيةِ ومعنى
لفظِها .. فيعرفُهُ كلُّ مَنْ يعرفُ اللغةَ، وبهذا يتبيَّنُ لكَ الفرقُ بينَ المعنى
والتفسير .
(١) أي : متى يبالغ في سؤالكم حتى لا تبقوا منها شيئاً إلا وقد صرفتموه في سبيل الحق ..
تبخلوا، وذلك مقتضى الجبلية. ((إتحاف)) (٩ / ٧١).
G
G
٣١٧
:
حن

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
فإنْ قلتَ : فقدْ رجعَ حاصلُ هذا الكلامِ إلى أنَّ اللهِ تعالى حكمةً في كلِّ
شيءٍ ، وأنَّهُ جعلَ بعضَ أفعالِ العبادِ سبباً لتمام تلكَ الحكمةِ وبلوغِها غايةً
المرادِ منها ، وجعلَ بعضَ أفعالِهِمْ مانعاً مِنْ تمام الحكمةِ ، فكلُّ فعلٍ وافقَ
مقتضى الحكمةِ حتَّى انساقَتِ الحكمةُ إلى غايتِها .. فهوَ شكرٌ، وكلُّ
ما خالفَ ومنعَ الأسبابَ مِنْ أنْ تنساقَ إلى الغايةِ المرادةِ بها .. فهوَ كفرانٌ ،
وهذا كلُّهُ مفهومٌ، ولكنَّ الإشكالَ باقٍ ، وهوَ أنَّ فعلَ العبدِ المنقسمَ إلى
ما يتمِّمُ الحكمةَ وإلى ما يدفعُها .. هوَ أيضاً مِنْ فعلِ اللهِ تعالى، فأينَ العبدُ
في البينِ حتَّى يكونَ شاكراً مرَّةً وكافراً أخرى ؟
فاعلمْ : أنَّ تمامَ التحقيقِ في هذا يُستمدُّ مِنْ تيارِ بحرٍ عظيمٍ مِنْ علومِ
المكاشفاتِ ، وقدْ رمزنا فيما سبقَ إلى تلويحاتٍ بمباديها ، ونحنُ الآنَّ نعبِّرُ
بعبارةٍ وجيزةٍ عنْ آخرِها وغايتِها ، يفهمُها مَنْ عرفَ منطقَ الطيرِ ، ويجحدُها
مَنْ عجزَ عنِ الإيضاع في السيرِ (١) ، فضلاً عنْ أنْ يجولَ في جوِّ الملكوتِ
جولانَ الطيرِ ، فنقولُ :
مكان
إِنَّ للهِ سبحانَهُ في جلالِهِ وكبريائِهِ صفةً عنها يصدرُ الخلقُ والاختراعُ ،
وتلكَ الصفةُ أعلى وأجلُّ مِنْ أنْ تلمحَها عينُ واضع اللغةِ حتَّى يعبِّرَ عنها
بعبارةِ تدلُّ على كنْهِ جلالِها وخصوصٍ حقيقتِها ، فلمْ يكنْ لها في العالمِ
عبارةٌ لعلوٍّ شأنِها وانحطاطِ رتبةٍ واضعي اللغاتِ عنْ أنْ يمتدَّ طرفُهُمْ إلى
(١) أي : الإسراع في السير .
٣١٨

ربع المنجيات
عبـ
كتاب الصبر والشكر
مبادي إشراقِها ، فانخفضَتْ عنْ ذروتِها أبصارُهُمْ كما تنخفضُ أبصارُ
الخفافيشِ عنْ نورِ الشمسِ ، لا لغموضٍ في نورِ الشمسِ ، ولكنْ لضعفٍ في
أبصارِ الخفافيشِ ، فاضطرَّ الذينَ فُتَحَتْ أبصارُهُمْ لملاحظةِ جلالِها إلى أنْ
يستعيروا مِنْ حضيضٍ عالمٍ المتناطقينَ باللغاتِ عبارةٌ تفهمُ مِنْ مبادي
حقائقِها شيئاً ضعيفاً جداً ، فاستعاروا لها اسمَ القدرةِ ، فتجاسرنا بسببٍ
استعارتِهِمْ على النطقِ فقلنا : للهِ تعالىُ صفةٌ هيَ القدرةُ ، عنها يصدرُ الخلْقُ
والاختراعُ .
ثُمَّ الخلْقُ ينقسمُ في الوجودِ إلى أقسامِ وخصوصٍ صفاتٍ ، ومصدرُ
انقسامِ هذهِ الأقسام واختصاصُها بخصوصٍ صفاتِها صفةٌ أخرى استُغيرَ لها
بمثلِ الضرورةِ التي سبقَتْ عبارةُ المشيئةِ ، فهيَ توهمُ منها أمراً مجملاً عندَ
المتناطقينَ باللغاتِ التي هيَ حروفُ وأصواتُ المتفاهمينَ بها ، وقصورُ لفظٍ
المشيئةِ عنِ الدلالةِ على كنهِ تلكَ الصفةِ وحقيقتِها كقصورِ لفظِ القدرةِ .
ثمَّ انقسمَتِ الأفعالُ الصادرةُ مِنَ القدرةِ إلى ما ينساقُ إلى المنتهى الذي
هوَ غايةُ حكمتِها وإلى ما يقفُ دونَ الغايةِ ، وكانَ لكلِّ واحدٍ نسبةٌ إلى صفةٍ
المشيئةِ ؛ لرجوعِها إلى الاختصاصاتِ التي بها تتمُّ القسمةُ والاختلافُ ،
فاستُغيرَ لنسبةِ البالغ غايتَهُ عبارةُ المحبَّةِ ، واستُغيرَ لنسبةِ الواقفِ دونَ غايتِهِ
عبارةُ الكراهةِ ، وقيلَ : إنَّهُما جميعاً داخلانِ في وصفِ المشيئةِ ، ولكنْ
لكلِّ واحدٍ خاصِّيَّةٌ أخرى في النسبةِ ، يوهمُ لفظُ المحبَّةِ والكراهةِ منهُما أمراً
مجملاً عندَ طالبي الفهمِ مِنَ الألفاظِ واللغاتِ .
٣١٩
مـ

كتاب الصبر والشكر
ربع المنجيات
ثُمَّ انقسمَ عبادُهُ الذينَ هُمْ أيضاً مِنْ خلقِهِ واختراعِهِ إلى مَنْ سبقَتْ لهُ في
المشيئةِ الأزليَّةِ أنْ يستعملَهُ لاستيقافِ حكمتِّهِ دونَ غايتِها ، ويكونُ ذلكَ قهراً
في حقُّهِمْ بتسليطِ الدواعي والبواعثِ عليهِمْ، وإلىْ مَنْ سبقَتْ لَهُمْ في الأزلِ
أنْ يستعملَهُمْ لسياقةِ حكمتِهِ إلى غايتِها في بعضِ الأمورِ ، فكانَ لكلِّ واحدٍ
مِنَ الفريقينِ نسبةٌ إلى المشيئةِ خاصَّةٌ ، فاستُغيرَ لنسبةِ المستعملينَ في إتمامِ
الحكمةِ بهِمْ عبارةُ الرضا ، واستُغيرَ للذينَ استوقفَ بهمْ أسبابَ الحكمةِ دونَ
غايتِها عبارةُ الغضبِ ، فظهرَ على مَنْ غضبَ عليهِ في الأزلِ فعلٌ وقفَتِ
الحكمةُ بهِ دونَ غايتِها ، فاستُغيرَ لهُ الكفرانُ ، وأُردفَ ذلكَ بنقمةِ اللعنِ
والمذمَّةِ زيادةً في النكالِ ، وظهرَ على مَنِ ارتضاهُ في الأزلِ فعلٌ انساقَتْ
بسببهِ الحكمةُ إلى غايتِها ، فاستُعيرَ لهُ عبارةُ الشكرِ، وأُردفَ بخلعةِ الثناءِ
والإطراءِ زيادةً في الرضا والقبولِ والإقبالِ .
فكانَ الحاصلُ أنَّهُ تعالى أعطى الجمالَ ثمَّ أثنى، وأعطى النكالَ ثمَّ قَبَّحَ
وأردى ، وكانَ مثالُهُ أنْ ينظِّفَ الملكُ عبدَهُ الوسِخَ عنْ أوساخِهِ ، ثمَّ يلبسَهُ
مِنْ محاسنِ ثيابِهِ ، فإذا تمَّمَ زينتَهُ .. قالَ: يا جميلُ ؛ ما أجملَكَ وأجملَ
ثيابَكَ وأنظفَ وجهَكَ! فيكونُ بالحقيقةِ هوَ المجمِّلَ وهوَ المثنيَ على
الجمالِ ، فهو المُثنىُ عليهِ بكلِّ حالٍ ، وكأنَّهُ لمْ يثنِ مِنْ حيثُ المعنى إلا
على نفسِهِ ، وإنَّما العبدُ هدفُ الثناءِ مِنْ حيثُ الظاهرُ والصورةُ .
فهكذا كانتِ الأمورُ في أزلِ الآزالِ ، وهكذا تسلسلتِ الأسبابُ
والمسبَّبَاتُ بتقديرِ ربِّ الأربابِ ومسبِّبِ الأسبابِ ، ولمْ يكنْ ذلكَ عنِ اتفاقٍ
٣٢٠
حن
من
ـن