Indexed OCR Text
Pages 141-160
ربع المنجيات كتاب التوبة الذي ليسَ لهُ فرسٌ ولا كلبٌ أفضلُ في صناعةِ الاصطيادِ وأعلى رتبةٌ مِنْ صاحبِ الكلبِ والفرسِ ؛ لأنَّهُ آمنٌ مِنْ أنْ يجمحَ بهِ فرسُهُ فتنكسرَ أعضاؤُهُ عندَ السقوطِ على الأرضِ ، وآمنٌ مِنْ أَنْ يعضَّهُ الكلبُ ويعتديَ عليهِ ) ، وهذا خطأٌ ، بلْ صاحبُ الفرسِ والكلبِ إذا كانَ قويّاً عالماً بطريقٍ تأديبهما أعلى رتبةً وأحرى بدرْكِ سعادةِ الصيدِ . الحالةُ الثانيةُ : أنْ يكونَ بطلانُ النزوع بسببِ قوَّةِ اليقينِ ، وصدقٍ المجاهدةِ السابقةِ ، إذْ بلغَ مبلغاً قمعَ هيجانَ الشهوةِ ، حتَّى تأدبَتْ بأدبِ الشرع ، فلا تهيجُ إلا بإشارةِ الدينِ ، وقدْ سكنَ بسببِ استيلاءِ الدينِ عليهِ ، فهذا أعلى رتبةً مِنَ المجاهدِ المقاسي لهيجانِ الشهوةِ وقمعِها . وقولُ القائلِ : ( لذلكَ فضلُ الجهادِ ) قصورٌ عنِ الإحاطةِ بمقصودٍ الجهادِ ؛ فإنَّ الجهادَ ليسَ مقصوداً لعينِهِ ، بلِ المقصودُ قطعُ ضراوةِ العدوِّ حتَّى لا يستجرَّكَ إلى شهواتِهِ ، وإنْ عجزَ عنِ استجرارِكَ .. فلا يصدُّكَ عنْ سلوك طريقِ الدينِ ، فإذا قهرتَهُ وحصَّلْتَ المقصودَ .. فقدْ ظفرتَ ، وما دمتَ في المجاهدةِ .. فأنتَ بعدُ في طلبِ الظفرِ . ومثالُهُ كمثالٍ مَنْ قهرَ العدوَّ واسترقَّهُ بالإضافةِ إلى مَنْ هوَ مشغولٌ بالجهادِ في صفِّ القتالِ ولا يدري کیفَ یسلمُ . ومثالُهُ أيضاً مثالُ مَنْ علَّمَ كلبَ الصيدِ وراضَ الفرسَ ، فهما نائمانِ عندَهُ بعدَ تركِ الكلبِ الضراوةَ والفرسِ الجماحَ بالإضافةِ إلى مَنْ هوَ مشغولٌ بمقاساةِ التأديبِ بعدُ . ١٤١ كتاب التوبة ربع المنجيات ولقدْ زلَّ في هذا فريقٌ، فظنُّوا أنَّ الجهادَ هوَ المقصودُ الأقصىُ ، ولمْ يعلموا أنَّ ذلكَ طلبٌ للخلاصِ مِنْ عوائقِ الطريقِ ، وظنَّ آخرونَ أنَّ قمعَ الشهواتِ وإماطتَها بالكليَّةِ مقصودٌ، حتَّى جرَّبَ بعضُهُمْ نفسَهُ فعجزَ عنهُ ، فقالَ : ( هذا محالٌ ) ، فكذَّبَ بالشرع ، وسلكَ سبيلَ الإباحةِ ، واسترسلّ في اتباع الشهواتِ ، وكلُّ ذلكَ جهلٌ وضلالٌ ، وقدْ قرَّرْنا ذلكَ في كتابٍ رياضةِ النفسِ مِن ربع المهلكاتِ . فإنْ قلتَ : فما قولُكَ في تائبينٍ : أحدُهُما نسيَ الذنبَ ولمْ يشتغلْ بالتفكُّرِ فيهِ ، والآخرُ جعلَهُ نصبَ عِينِهِ فلا يزالُ يتفكّر فيهِ ويحترقُ ندماً عليهِ ، أَيُّهُما أفضلُ ؟ فاعلمْ : أنَّ هذا أيضاً قدِ اختلفوا فيه : فقالَ بعضُهُمْ : ( حقيقةُ التوبةِ أنْ تنصبَ ذنبكَ بينَ عينيكَ ) . وقالَ آخرونَ : ( حقيقةُ التوبةِ أنْ تنسى ذنبَكَ ) . وكلُّ واحدٍ مِنَ المذهبينِ عندَنا حقٌّ ، ولكنْ بالإضافةِ إلى حالينِ . وكلامُ المتصوِّفةِ أبداً يكونُ قاصراً ، فإنَّ عادةَ كلِّ واحدٍ منهُمْ أنْ يخبرَ عنْ حالٍ نفسِهِ فقطْ، ولا يهمّهُ حالُ غيرِهِ ، فتختلفُ الأجوبةُ لاختلافِ الأحوالِ ، وهذا نقصانٌ بالإضافةِ إلى درجةِ العلمِ ، فإنَّ معرفةَ الأشياءِ على ما هيَ عليهِ أفضلُ وأعلى، ولكنَّهُ كمالٌ بالإضافةِ إلى الهمَّةِ والإرادةِ ١٤٢ E ربع المنجيات كتاب التوبة والجدِّ ، حيثُ يكونُ صاحبُهُ مقصورَ النظرِ على حالِ نفسِهِ ، لا يهمُّهُ أمرٌ غيرِهِ ؛ إذْ طريقُهُ إلى اللهِ نفسُهُ، ومنازلُهُ أحوالُهُ ، وقدْ يكونُ طريقُ العبدِ إلى اللهِ العلمَ والتعليمَ ، فالطرقُ إلى اللهِ تعالىٌ كثيرةٌ وإنْ كانَتْ مختلفةً في القربِ والبعدِ ، واللهُ أعلمُ بمَنْ هوَ أهدى سبيلاً، معَ الاشتراكِ في أصلٍ الهدايةِ . فأقولُ : تصوّرُ الذنبِ وذكرُهُ والتفجُّعُ عليهِ كمالٌ في حقِّ المبتدىءِ المريدِ ؛ لأنَّهُ إذا نسيَهُ .. لمْ يكثرِ احتراقُهُ، فلا تقوى إرادتُهُ وانبعاثُهُ لسلوكِ الطريقِ ، ولأنَّ ذلكَ يستخرجُ منهُ الحزنَ والخوفَ الوازعَ عنِ الرجوعِ إلى مثلِهِ ، فهوَ بالإضافةِ إلى الغافلِ كمالٌ، ولكنَّهُ بالإضافةِ إلى سالكِ الطريقِ نقصانٌ ؛ فإنَّهُ شغلٌ مانعٌ عنْ سلوكِ الطريقِ ، بلْ سالكُ الطريقِ ينبغي ألا يعرِّجَ على غيرِ السلوكِ ، فإنْ ظهرَتْ لهُ مبادي الوصولِ ، وانكشفَتْ لهُ أنوارُ المعرفةِ ولوامعُ الغيبِ .. استغرقَهُ ذلكَ، ولمْ يبقَ فيهِ متسعٌ للالتفاتِ إلى ما سبقَ مِنْ أحوالِهِ ، وهوَ الكمالُ . بلْ لوْ عاقَ المسافرَ عنِ الطريقِ إلى بلدٍ مِنَ البلادِ نهرٌ حاجزٌ .. طالَ تعبُ المسافرِ في عبورِهِ مدةً ، مِنْ حيثُ إنَّهُ كانَ قدْ خَرَّب جسرَهُ مِنْ قبلُ ، فلوْ جلسَ على شاطىءِ النهرِ بعدَ عبورِهِ يبكي متأسّفاً على تخريبهِ الجسرَ .. كانَ هذا مانعاً آخرَ اشتغلَ بهِ بعدَ الفراغِ عنْ ذلكَ المانعِ . نعمْ ، إنْ لمْ يكنِ الوقتُ وقتَ الرحيلِ ، بأنْ كانَ ليلاً فتعذَّرَ السلوكُ ، ١٤٣ كتاب التوبة ربع المنجيات أوْ كانَ على طريقِهِ أنهارٌ وهوَ يخافُ على نفسِهِ أنْ يمرّ بها (١) . . فليطلْ بالليلِ بكاؤُهُ وحزنُهُ على تخريبِ الجسرِ ؛ ليتأكَّدَ بطولِ الحزنِ عزمُهُ على ألا يعودَ إلى مثلِهِ ، فإنْ حصلَ لهُ مِنَ النُّهِ ما وثقَ بنفسِهِ أنَّهُ لا يعودُ إلى مثلِهِ .. فسلوكُ الطريقِ أولىُ بهِ مِنَ الاشتغالِ بذكرِ تخريبِ الجسرِ والبكاءِ عليهِ ، وهذا لا يعرفُهُ إلا مَنْ عرفَ الطريقَ والمقصدَ ، والعائقَ وطريقَ السلوكِ ، وقدْ أشرنا إلى تلويحاتٍ منهُ في كتابِ العلمِ وفي ربع المهلكاتِ . بلْ نقولُ : شرطُ دوام التوبةِ أنْ يكونَ كثيرَ الفكرِ في النعيمِ في الآخرةِ لتزيدَ رغبتُهُ، ولكنْ إنْ كانَ شاباً .. فلا ينبغي أنْ يطيلَ فكرَهُ في كلِّ ما لهُ نظيرٌ في الدنيا ؛ كالحورِ والقصور ، فإنَّ ذلكَ الفكرَ ربَّما يحرِّكُ رغبتَهُ ، فيطلبُ العاجلةَ ولا يرضى بالآجلةِ ، بلْ ينبغي أنْ يتفكّرَ في لذَّةِ النظرِ إلى وجهِ اللهِ تعالى فقطْ ، فذلكَ لا نظيرَ لهُ في الدنيا ، فكذلكَ تذكُّرُ الذنبِ قدْ يكونُ محرِّكاً للشهوةِ ، فالمبتدىءُ أيضاً قدْ يستضرُ بهِ ، فيكونُ النسيانُ أفضلَ لهُ عندَ ذلكَ . ولا يصدَّنَّكَ عنِ التصديقِ بهذا التحقيقِ ما يُحكى لكَ مِنْ بكاءِ داوودَ عليهِ السلامُ ونياحتِهِ (٢) ، فإنَّ قياسَكَ نفسَكَ على الأنبياءِ قياسٌ في غايةٍ الاعوجاج ؛ لأنَّهُمْ قدْ ينزلونَ في أقوالِهِمْ وأفعالِهِمْ إلى الدرجاتِ اللائقةِ (١) في (أ): (أن يخرجها)، وفي (ب): (أن يجريها)، وفي بقية النسخ: ( أن يخربها) بدل (أن يمر بها)، والمثبت من (ق)، ولعله الصواب ، والله أعلم . (٢) تقدم في ذلك أخبار، والاعتراض وجوابه أورده كذلك صاحب ((القوت)) (١٨٢/١)، وجواب المصنف هنا قريب منه . ١٤٤ ربع المنجيات كتاب التوبة بأممِهِمْ، فإنَّهُمْ ما بُعثوا إلا لإرشادِهِمْ، فعليهِمُ التلتُُّ بما تنتفعُ أممُهُمْ بمشاهدتِهِ ، وإنْ كانَ ذلكَ نازلاً عنْ ذروةِ مقامِهِمْ، فقدْ كانَ في الشيوخِ مَنْ لا يشيرُ على مريدِهِ بنوع رياضةٍ إلا ويخوضُ معَهُ فيها ، وقدْ كانَ مستغنياً عنها ؛ لفراغِهِ عنِ المجاهدةِ وتأديبِ النفسِ ، ولكنْ تسهيلاً للأمرِ على المريدِ . ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أما إنِّي لا أنسى، ولكنِّي أُنْسَّى الأشرِّعَ )»(١) ، وفي لفظٍ: ((إنَّما أسهو لأسنَّ)). حن بجن ولا تعجبْ مِنْ ههذا ؛ فإنَّ الأممَ في كنفِ شفقةِ الأنبياءِ كالصبيانِ في كنفِ شفقةِ الآباءِ ، وكالمواشي في كنفِ الرعاةِ ، أما ترى الأبَ إذا أرادَ أنْ يستنطقَ ولدَهُ الصغيرَ كيفَ ينزلُ إلى درجةِ نطقِ الصبيِّ، كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ للحسنِ رضيَ اللهُ عنهُ: ((كِخْ كِتْ» لمَّا أخذَ تمرةٌ مِنْ تمْرِ الصدقةِ ووضعَها في فيهٍ (٢)، وما كانّتْ فصاحتُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تقصُرُ عنْ أنْ (١) رواه مالك في ((الموطأ)) (١٠٠/١) بلاغاً، قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٧٥/٢٤): (أما هذا الحديث بهذا اللفظ .. فلا أعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجه من الوجوه مسنداً ولا مقطوعاً من غير هذا الوجه والله أعلم ، وهو أحد الأحاديث الأربعة في (( الموطأ)) التي لا توجد في غيره مسندة ولا مرسلة والله أعلم ، ومعناه صحيح في الأصول) ، وقال أبو الطاهر الأنماطي : ( وقد طال بحثي عنه وسؤالي عنه الأئمة والحفاظ فلم أظفر به ولا سمعت عن أحد أنه ظفر به ، وادّعى بعض طلبة الحديث أنه وقع له مسنداً). ((إتحاف)) ( ٨/ ٥٩٢) . (٢) رواه البخاري ( ١٤٩١)، ومسلم ( ١٠٦٩) وقد تقدم ، وكِخْ : كلمة ردع للطفل مثل : يَعْ ، قيل: هي لفظة فارسية، وبكونها فارسية جاء التصريح في (( البخاري)) = G ١٤٥ كتاب التوبة ربع المنجيات يقولَ: ارم هذهِ التمرةَ؛ فإنَّها حرامٌ، ولكنَّهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذْ علمَ أنَّهُ لا يفهمُ منطقَهُ تركَ فصاحتَهُ ونزلَ إلىْ لُكْنِهِ ، بلِ الذي يعلِّمُ شاةً أوْ طائراً يصوِّتُ بهِ رغاءً أوْ صفيراً تشبُّهاً بالبهيمةِ والطائرِ ، وتلطُّفاً في تعليمِهِ ، فإِيَّاكَ أنْ تغفُلَ عنْ أمثالِ هذهِ الدقائقِ ، فإنَّها مزلَّةُ أقدامِ العارفينَ فضلاً عنِ الغافلينَ ، نسالُ اللهَ حسنَ التوفيقِ بلطفِهِ وكرمِهِ . (٣٠٧٢)، وأصلها في الفارسية : كِخْكِخْ مركبة، وتستعمل عندهم كاستعمال (يَعْ ) عند العرب . ١٤٦ ---------- - - - . ربع المنجيات كتاب التوبة بيان أقسام العباد في دوام التوبة اعلمْ : أنَّ التائبينَ في التوبةِ على أربع طبقاتٍ : الطبقةُ الأولىُ : أَنْ يتوبَ العاصي ويستقيمَ على التوبةِ إلى آخرِ عمرِهِ ، فيتداركُ ما فرطَ مِنْ أمرِهِ ، ولا يحدِّثُ نفسَهُ بالعودِ إلى ذنوبِهِ ، إلا الزلاتِ التي لا ينفكُّ البشرُ عنها في العاداتِ مهما لمْ يكنْ في رتبةِ النبؤَّةِ . فهذهِ هيَ الاستقامةُ في التوبةِ ، وصاحبُها هوَ السابقُ بالخيراتِ ، المستبدِلُ بالسيئاتِ حسناتٍ . 3 واسمُ هذهِ التوبةِ التوبةُ النصوحُ ، واسمُ هذهِ النفسِ الساكنةِ النفسُ المطمئنةُ ، التي ترجعُ إلى ربِّها راضيةٌ مرضيةً، وهؤلاءٍ هُمُ الذينَ إليهِمُ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( سبقَ المفردونَ، المستهترونَ بذكرِ اللهِ تعالى، وضعَ الذكرُ عنهُمْ أوزارَهُمْ، فوردُوا القيامةَ خفافاً)) (١)، فإنَّ فيهِ إشارةً إلى أنَّهُمْ كانوا تحتَ أوزارٍ وضعَها الذكرُ عنهُمْ . وأهلُ هذهِ الطبقةِ على رتبٍ مِنْ حيثُ النزوعُ إلى الشهواتِ ؛ فمِنْ تائبٍ سكنَتْ شهواتُهُ تحتَ قَهْرِ المعرفةِ ففترَ نزاعُها ، ولمْ يشغلُهُ عنِ السلوكِ (١) رواه مسلم (٢٦٧٦) مقتصراً على أوله، وفيه: ((سبق المفردون))، قالوا: وما المفردون يا رسول الله، قال: ((الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)»، وعند الترمذي (٣٥٢٠) وفيه: ((المستهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم ، فيأتون يوم القيامة خفافاً )). ١٤٧ کتاب التوبة ربع المنجيات صراعُها ، وإلى مَنْ لا ينفكُ عنْ منازعةِ النفسِ، ولكنَّهُ مليءٌ بمجاهدتِها وردِّها . ثمَّ تتفاوتُ درجاتُ النزاع أيضاً بالكثرةِ والقلَّةِ وباختلافِ المدَّةِ وباختلافٍ الأنواع ، وكذلكَ يختلفونَ مِنْ حيثُ طولُ العمرِ ؛ فمِنْ مختطفٍ يموتُ قريباً مِنْ توبتِهِ ، يُغبطَ على ذلكَ لسلامتِهِ وموتِهِ قبلَ الفترةِ ، ومِنْ ممهلٍ طالَ جهادُهُ وصبرُهُ ، وتمادَتِ استقامتُهُ وكثرَتْ حسناتُهُ ، وحالُ هذا أعلى وأفضلُ؛ إذْ كلُّ سيئةٍ فإنَّما تمحوها حسنةٌ ، حتَّى قالَ بعضُ العلماءِ : ( إنَّما يكفِّرُ الذنبَ الذي ارتكبَهُ العاصي عشرَ مرَّاتٍ أنْ يتمكَّنَ منهُ عشرَ مراتٍ معَ صدْقِ الشهوةِ ، ثمَّ يصبرَ عنهُ ويكسرَ شهوتَهُ خوفاً مِنَ اللهِ تعالى ) ، واشتراطُ هذا بعيدٌ، وإنْ كانَ لا يُنكرُ عظمُ أثرِهِ لوْ فرضَ ، ولكنْ لا ينبغي للمريدِ الضعيفِ أنْ يسلكَ هذا الطريقَ فيهِيِّجَ الشهوةَ ، ويحضرَ الأسبابَ حتَّى يتمكَّنَ ، ثمَّ يطمعَ في الانكفافِ ؛ فإنَّهُ لا يؤمنُ خروجُ عِنانِ الشهوةِ عنِ اختيارِهِ ، فيقدمَ على المعصيةِ وينقضَ توبتَهُ ، بلْ طريقُهُ الفرارُ مِنِ ابتداءِ أسبابِهِ الميشِّرةِ لهُ، حتَّى يسدَّ طرقَها على نفسِهِ ، ويسعىُ معَ ذلكَ في كسرٍ شهوتِهِ بما يقدرُ عليهِ ، فبهِ تسلمُ توبتُهُ في الابتداءِ . الطبقةُ الثانيةُ : تائبٌ سلَك طريقَ الاستقامةِ في أمَّهاتِ الطاعاتِ وتركِ كبائرِ الفواحشِ كلِّها ، إلا أنَّهُ ليسَ ينفكُ عنْ ذنوبٍ تعتريهِ ، لا عنْ عمدٍ ١٤٨ ربع المنجيات كتاب التوبة وتجريدِ قصدٍ ، ولكنْ يُبتلى بها في مجاري أحوالِهِ مِنْ غيرِ أنْ يقدمَ عزماً على الإقدام عليها ، ولكنَّهُ كلَّما أقدمَ عليها .. لامَ نفسَهُ وندمَ وتأسَّفَ، وجدَّدَ عزمَهُ على أنْ يتشمَّرَ للاحترازِ مِنْ أسبابِها التي تعرِّضُهُ لها . وهذهِ النفسُ جديرةٌ بأنْ تكونَ هيَ النفسَ اللَّّامةَ ؛ إذ تلومُ صاحبَها على ما يستهدفُ لهُ مِنَ الأحوالِ الذميمةِ ، لا عنْ تصميمٍ عزمٍ وتخميرِ رأيٍ وقصدٍ ، وهذهِ أيضاً رتبةٌ عاليةٌ وإنْ كانَتْ نازلةً عنِ الطبقةِ الأولى ، وهيَ أغلبُ أحوالِ التائبينَ ؛ لأنَّ الشرّ معجونٌ بطينةِ الآدميِّ قلَّما ينفكُ عنهُ ، وإنَّما غايةُ سعيهِ أنْ يغلبَ خيرُهُ شرَّهُ حتَّى يثقلَ ميزانُهُ ، فترجحَ كفَّةُ الخيراتِ ، فأمَّا أنْ تخلوَ بالكليّةِ كفَّةُ السيئاتِ . . فذلكَ في غايةِ البعدِ . وهؤلاءِ لهُمْ حسنُ الوعدِ مِنَ اللهِ تعالى؛ إذْ قالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبَرَ أَلْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّ اللَّمَ إِنَّ رَبَّكَ وَسِعُ اَلْمَغْفِرَةِ﴾. فكلُّ إلمامٍ يقعُ بصغيرةٍ لا عنْ توطينِ نفسِهِ عليهِ فهوَ جديرٌ بأنْ يكونَ مِنَ اللممِ المعفوِّ عنهُ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿وَاُلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوَا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ﴾، فأثنى عليهمْ معَ ظلمِهِمْ لأَنفسِهِمْ ؛ لتنذُّمِهِمْ ولومِهِمْ أَنفسَهُمْ عليهِ . وإلى مثلِ هذهِ الرتبةِ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيما رواهُ عليٌّ رضيَ اللهُ عنهُ: (( خيارُكُمْ كلُّ مفتَّنِ تَوَّابٍ))(١) . (١) رواه البزار في ((مسنده)) (٧٠٠)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) ( ١٢٧١)، = ١٤٩ كتاب التوبة ربع المنجيات وفي خبرٍ آخرَ : (( المؤمنُ كالسنبلةِ، تفيء أحياناً وتميلُ أحياناً)»(١). وفي الخبرِ : ((لا بدَّ للمؤمنِ مِنْ ذنبٍ يأتيهِ الفينةَ بعدَ الفينةِ)»(٢) أي : الحينَ بعدَ الحينِ . فكلُّ ذلكَ أدلَّةٌ قاطعةٌ على أنَّ هذا القدْرَ لا ينقضُ التوبةَ ، ولا يلحقُ صاحبَها بدرجةِ المصرِّينَ . ومَنْ يُؤْيسُ مثلَ هذا عنْ درجةِ التائبينَ كالطبيبِ الذي يُؤْيسُ الصحيحَ عنْ دوام الصحةِ بما يتناولُهُ مِنَ الفواكِهِ والأطعمةِ الحارَّةِ مرَّةً بعدَ أخرىُ مِنْ غيرِ مداومةٍ واستمرارٍ ، وكالفقيهِ الذي يُؤْيسُ المتفقُّهَ عنْ نيلِ درجةِ الفقهاءِ بفتورِهِ عنِ التكرارِ والتعليقِ في أوقاتٍ نادرةٍ غيرِ متطاولةٍ ولا كثيرةٍ(٣) ، وذلكَ يدلُّ على نقصانِ الطبيبِ والفقيهِ ، بلِ الفقيهُ في الدينِ هوَ الذي لا يُؤْيسُ الخلقَ والبيهقي في ((الشعب)) (٦٧١٩)، ورواه موقوفاً على علي رضي الله عنه ابنُ أبي الدنيا في (( التوبة)) ( ١٧٧ ). (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٨٧/٣) من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعاً بلفظ : «مثل المؤمن مثل السنبلة ، تستقيم مرة وتخرُّ مرة ، ومثل الكافر مثل الأرزة ، لا تزال مستقيمة حتى تخرَّ ولا تشعر))، ورواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢٨٩/٥)، وأبو يعلى في (( مسنده)) ( ٣٠٨٠) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً: ((مثل المؤمن مثل السنبلة تميل أحياناً وتقوم أحياناً )). (٢) رواه الطبراني في «الكبير)) (٣٠٤/١١)، والقضاعي في ((مسند الشهاب) (٨٠٩)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٧٢٢). (٣) والمراد بالتكرار : إعادة ما يحصله في درسه مرة بعد أخرى حتى يرسخ في الذهن ، والتعليق: أن يعلق ما يسمع من فوائد الشيوخ في أوراق. ((إتحاف)) (٥٩٦/٨). ١٥٠ ٤ ربع المنجيات كتاب التوبة عنْ درجاتِ السعاداتِ بما يتفقُ لهُمْ مِنَ الفتراتِ ومقارفةِ السيئاتِ المختطفاتِ . قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كلُّ بني آدمَ خطَّاءٌ ، وخيرُ الخَطَّائينَ التوَّابونَ المستغفرونَ ))(١) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ أيضاً: (( المؤمنُ واهِ راقعٌ ، فخيرُهُمْ مَنْ ماتَ على رقعِهِ ))(٢) أيْ: واهٍ بالذنوبِ ، راقعٌ بالتوبةِ والندمِ. جر وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ تَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَهُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، فما وصفَهُمْ بعدم السيئةِ أصلاً . الطبقةُ الثالثةُ: أنْ يتوبَ ويستمرَّ على الاستقامةِ مدَّةً، ثمَّ تغلبُهُ شهوتُهُ في بعضٍ الذنوبِ ، فيقدمُ عليها عنْ قصدٍ وصدقٍ شهوةٍ ؛ لعجزهِ عنْ قهرِ الشهوةِ ، إلا أنَّهُ معَ ذلكَ مواظبٌ على الطاعاتِ ، وتاركٌ جملةً مِنَ الذنوبِ معَ القدرةِ والشهوةِ ، وإنَّما قهرَتُهُ هذهِ الشهوةُ الواحدةُ أوِ الشهوتانِ وهوَ يولُّ لوْ أقدرَهُ اللهُ تعالى على قمعِها وكفاهُ شرَّها ، هذا أمنيتُهُ في حالِ قضاءٍ (١) كذا في ((القوت)) (١٨٨/١)، ورواه الترمذي (٢٤٩٩)، وابن ماجه ( ٤٢٥١)، وعند ابن أبي الدنيا في ((التوبة)) ( ١٧٨) بلفظ المصنف ولكن من كلام عون العقيلي . (٢) كذا في ((القوت)) (١٨٨/١)، ورواه الطبراني في ((الصغير)) (٦٦/١)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٦٧٢١). ١٥١ ربع المنجيات كتاب التوبة النفسِ ، فكما لا يصلحُ لمنصبِ الرئاسةِ والقضاءِ والتقدُّم بالعلمِ إلا نفسٌ صارَتْ فقيهةً بطولِ التفقيهِ .. فلا يصلحُ لملكِ الآخرةِ ونعيمِها ولا للقربِ مِنْ ربِّ العالمينَ إلا قلبٌ سليمٌ صارَ طاهراً بطولِ التزكيةِ والتطهيرِ . هكذا سبقَ في الأزلِ بتدبيرِ ربِّ الأربابِ . ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ﴾ فَأَنْهَمَهَا تُجُورَهَا وَتَقْوَنِهَا : ﴿، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّتِهَا: ﴿ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنْهَا﴾، فمهما وقعَ العبدُ في ذنبٍ ، فصارَ الذنبُ نقداً والتوبةُ نسيئةً .. كانَ هذا مِنْ علاماتِ الخذلانِ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ العبدَ ليعملُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ سبعينَ سنةً، حتَّى يقولَ الناسُ : إنَّهُ مِنْ أهلِها ، ولا يبقىُ بينَهُ وبينَ الجنةِ إلا شبرٌ ، فيسبقُ عليهِ الكتابُ فيعملُ بعملِ أهلِ النارِ فيدخلُها ))(١) . . ٥٠٠٠٠٠٥ فإذاً ؛ الخوفُ مِنَ الخاتمةِ قبلَ التوبةِ ، وكلُّ نَفَسٍ فهوَ خاتمةُ ما قبلَهُ ؛ إذْ يمكنُ أنْ يكونَ الموتُ متصلاً بهِ ، فليراقبِ الأنفاسَ ، وإلا .. وقعَ المحذورُ ، ودامَتِ الحسراتُ حينَ لا ينفعُ التحسُّرُ . الطبقةُ الرابعةُ : أَنْ يتوبَّ ويجريَ مدَّةً على الاستقامةِ ، ثمَّ يعودَ إِلى مقارفةِ الذنبِ أوِ الذنوبِ مِنْ غيرِ أنْ يحدِّثَ نفسَهُ بالتوبةِ ، ومِنْ غيرِ أنْ (١) رواه البخاري (٣٢٠٨)، ومسلم (٢٦٤٣)، وليس فيه لفظ: ( سبعين سنة ) ، وهو عند ابن راهويه في ((مسنده)) (١٤٧)، وأحمد في ((مسنده)) (٧٥/٣) . ١٥٣ كتاب التوبة ربع المنجيات يتأسَّفَ على فعلِهِ ، بلْ ينهمكُ انهماكَ الغافلِ في اتباع شهوتِهِ . .43.46 فهذا مِنْ جملةِ المصرِّينَ ، وهذهِ النفسُ هيَ النفسُ الأمَّارةُ بالسوءِ الفرَّارةُ مِنَ الخيرِ ، ويُخافُ على هذا سوءُ الخاتمةِ ، وأمرُهُ في مشيئةِ اللهِ تعالى، فإنْ ختمَ لهُ بالسوءِ .. شقيَ شقاوةً لا آخرَ لها، وإنْ ختمَ لهُ بالحسنىُ حتَّى ماتَ على التوحيدِ .. فيُنتظرُ لهُ الخلاصُ مِنَ النارِ ولوْ بعدَ حينٍ ، ولا يستحيلُ أنْ يشملَهُ عمومُ العفوِ بسببٍ خفيٍّ لا يُطلعُ عليهِ ؛ كما لا يستحيلُ أنْ يدخلَ الإنسانُ خراباً ليجدَ كنزاً فيتفقَ أنْ يجدَهُ ، ولا أنْ يجلسَ في البيتِ ليجعلَهُ اللهُ عالماً بالعلومِ مِنْ غيرِ تعلُّمٍ كما كانَ للأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهمْ ، فطلبُ المغفرةِ بالطاعاتِ كطلبِ العلمِ بالجهدِ والتكرارِ ، وطلبٍ المالِ بالتجارةِ وركوبِ البحارِ ، وطلبُها بمجرَّدِ الرجاءِ معَ خرابِ الأعمالِ كطلبِ الكنوزِ في المواضع الخربةِ ، وطلبِ العلومِ مِنْ تعليمِ الملائكةِ ، وليتَ مَنِ اجتهدَ وتعبَ .. تعلَّمَ ، وليتَ مَنِ اتجرَ وركبَ البحارَ .. استغنى ، وليتَ مَنْ صامَ وصلَّى .. غفرَ لهُ، فالناسُ كلُّهُمْ محرومونَ إلا العالمونَ ، والعالمونَ كلُّهُمْ محرومونَ إلا العاملونَ ، والعاملونَ كلُّهُمْ محرومونَ إلا المخلصونَ ، والمخلصونَ على خطرٍ عظيمٍ (١). وكما أنَّ مَنْ خرَّبَ بيتَهُ وضيَّعَ مالَهُ وتركَ نفسَهُ وعيالَهُ جياعاً يزعمُ أنَّهُ (١) سبق هذا القول أثراً، وبيان جواز الإبدال في الاستثناء الموجب على لغة أو تأويل ، وانظر (( الدر المصون)) (٥٢٨/٢). ١٥٤ كتاب التوبة ربع المنجيات ينتظرُ فضْلَ اللهِ بأنْ يرزقَهُ كنزاً يجدُهُ تحتَ الأرضِ في بيتِهِ الخربِ يُعدُّ عندَ ذوي البصائرِ مِنَ الحمقى والمغرورينَ وإنْ كانَ ما ينتظرُهُ غيرَ مستحيلٍ في قدرةِ اللهِ تعالىُ وفضلِهِ .. فكذلكَ مَنْ ينتظرُ المغفرةَ مِنْ فضلِ اللهِ تعالى وهوَ مقصِّرٌ عَنِ الطاعةِ مصرٍّ على الذنوبِ غيرُ سالكِ سبيلَ المغفرةِ ، معدودٌ عندَ أربابِ القلوبِ مِنَ المعتوهينَ . والعجبُ مِنْ عقلِ هذا المعتوهِ ، وترويجِهِ حماقتَهُ في صيغةٍ حسنةٍ ؛ إذْ يقولُ: ( إنَّ اللهَ كريمٌ وجنتُهُ ليسَتْ تضيقُ عنْ مثلي(١) ، ومعصيتي ليسَتْ تضرُّهُ) ، ثمَّ تراهُ يركبُ البحارَ ، ويقتحمُ الأخطارَ في طلبِ الدينارِ ، وإذا قيلَ لهُ : ( إنَّ اللهَ كريمٌ ، ودنانيرُ خزائنِهِ ليسَتْ تقصرُ عنْ فقرِكَ ، وكسلُكَ بترْكِ التجارةِ ليسَ يضرُّهُ، فاجلسْ في بيتِكَ ، فعساهُ يرزقُكَ مِنْ حيثُ لا تحتسبُ )، فيستحمقُ قائلَ هذا الكلام ويستهزىءُ بهِ ، ويقولُ: ( ما هذا الهوسُ ؟! السماءُ لا تمطرُ ذهباً ولا فضةً، وإنَّما يُنالُ ذلكَ بالكسبِ ، هكذا قدَّرَهُ ربُّ الأربابِ وأجرىْ بهِ سنََّهُ ولا تبديلَ لسنَّةِ اللهِ ) . ولا يعلمُ المغرورُ أنَّ ربَّ الآخرةِ وربّ الدنيا واحدٌ، وأنَّ سنتَهُ لا تبديلَ لها فيهما جميعاً، وأنَّهُ قدْ أخبرَ إذْ قالَ: ﴿ وَأَنَ لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فكيفَ يعتقدُ أنَّهُ كريمٌ في الآخرةِ وليسَ بكريمٍ في الدنيا ؟! وكيفَ يقولُ : ليسَ مقتضى الكرم الفتورَ عنْ كسبِ المالِ ، ومقتضاهُ الفتورُ عنِ العملِ (١) في (أ): ( ورحمته واسعة ) بدل ( وجنته ) . ١٥٥ كتاب التوبة ربع المنجيات للملكِ المقيمِ والنعيمِ الدائمِ ، وأنَّ ذلكَ بحكْمِ الكرمِ يعطيهِ مِنْ غيرِ جهدٍ في الآخرةِ ، وهذا يمنعُهُ معَ شدَّةِ الاجتهادِ في غالبِ الأمرِ في الدنيا ، وينسى قولَهُ تعالى: ﴿ وَفِ التَّمَاءِ رِزْقُّكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾؟! فنعوذُ باللهِ مِنَ العمىُ والضلالِ ، فما هذا إلا انتكاسٌ على أمِّ الراسِ ، وانغماسٌ في ظلماتِ الجهلِ ، وصاحبُهُ جديرٌ بأنْ يكونَ داخلاً تحتَ قولِهِ تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذِ الْمُجْرِمُونَ فَاكِسُواْرُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَلِحًا﴾ أي: أبصرنا أنَّكَ صدقْتَ إذْ قلتَ: ﴿وَأَن ◌َّتِسَ لِلَإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فارجعْنا نسعى، وعندَ ذلكَ لا يمكّنُ مِنَ الانقلابِ، ويحثُّ عليهِ العذابُ ، فنعوذُ باللهِ مِنْ دواعي الجهلِ والشكِّ والارتيابِ السائقِ بالضرورةِ إلى سوءِ المنقلبِ والمآبِ . ١٥٦ ربع المنجيات كتاب التوبة بيان ما ينبغي أن يساور إليه الغائب بن جرى عليه ذنب إنّ عن قصدٍ وشهوةٍ غالبة، أو عن المام بحكم الاتّفاق اعلمْ : أنَّ الواجبَ عليهِ التوبةُ والندمُ والاشتغالُ بالتكفيرِ بحسنةٍ تضادُّهُ كما ذكرنا طريقَهُ ، فإنْ لمْ تساعدْهُ النفسُ على العزم على التركِ لغلبةِ الشهوةِ .. فقدْ عجزَ عنْ أحدِ الواجبينِ ، فلا ينبغي أنْ يتركَ الواجبَ الثاني ، وهوَ أنْ يدرأَ بالحسنةِ السيئةَ لتمحوَها ، فيكونَ ممَّنْ خلطَ عملاً صالحاً وآخرَ سيئاً . والحسناتُ المكفِّرةُ للسيئاتِ : إمَّا بالقلبِ ، وإمَّا باللسانِ ، وإمَّا بالجوارحِ ، ولتكنِ الحسنةُ في محلِّ السيئةِ ، وفيما يتعلَّقُ بأسبابِها . فأما بالقلبِ : فليكفِّرُهُ بالتضرُّع إلى اللهِ تعالى في سؤالِ المغفرةِ والعفوِ ، ويتذَلَّلْ تذلُّلَ العبدِ الآبقِ ، ويكونُ ذلُهُ بحيثُ يظهرُ لسائرِ العبادِ ، وذلكَ بنقصانِ كبْرِهِ فيما بينَهُمْ، فما للعبدِ الآبقِ المذنبِ وجهٌ للتكتُّرِ على سائرِ العبادِ (١)، وكذلكَ يضمرُ بقلبهِ الخيراتِ للمسلمينَ والعزمَ على الطاعاتِ . G وأمَّا باللسانِ : فبالاعترافِ بالظلم والاستغفارِ ، فيقولُ : ( ربِّ ؛ ظلمتُ نفسي وعملتُ سوءاً ، فاغفرْ لي ذنوبي ) ، وكذلكَ يكثرُ مِنْ ضروبٍ الاستغفارِ ، كما أوردناهُ في كتابِ الدعواتِ والأذكار . (١) والكبر والمعصية لا يجتمعان في قلب مؤمن. ((إتحاف)) (٨/ ٦٠٢). ١٥٧ 3 كتاب التوبة ربع المنجيات ـسيبيسي وأمَّا بالجوارح : فبالطاعاتِ ، والصدقاتِ ، وأنواع العباداتِ ، وفي الآثار ما يدلُّ على أنَّ الذنبَ إذا أُتْبِعَ بثمانيةِ أعمالٍ كانَ العفوُ عنهُ مرجوّاً ، أربعةٌ مِنْ أعمالِ القلوبِ وهيَ التوبةُ أوِ العزمُ على التوبةِ ، وحبُّ الإقلاعِ عنِ الذنبِ، وخوفُ العقابِ عليهِ، ورجاءُ المغفرةِ لهُ، وأربعةٌ مِنْ أعمالٍ الجوارحِ، وهيَ أنْ يصلّيَ عَقيبَ الذنبِ ركعتينٍ (١)، ثمَّ يستغفرَ اللهَ تعالى بعدَهُما سبعينَ مرَّةً (٢)، ويقولَ: سبحانَ اللهِ العظيمِ وبحمدِهِ مئةً مرَّةٍ، ثُمَّ يتصدَّقَ بصدقةٍ ، ثمَّ يصومَ يوماً(٣) . وفي بعضٍ الآثارِ: ((يسبغُ الوضوءَ، ويدخلُ المسجدَ ويصلّ ركعتينٍ)) (٤). وفي بعضِ الأخبارِ: (( يصلِّي أربعَ ركعاتٍ)) (٥) . (١) وذلك بعد أن يتوضأ، وإن اغتسل .. كان أكمل، وإن أمكنه أن يغسل الثياب التي عصى الله فيها .. كان أكمل ؛ فإن طهارة الظاهر عنوان طهارة الباطن ، وإذا كانت الصلاة في موضع خال عن اشتغال وعن توهم الرياء والسمعة في بال .. كان أكمل . («إتحاف)) (٦٠٢/٨ ). (٢) مع البكاء إن أمكن ، وإلا .. فبالتباكي وقلب حزين على ما سبق له من المعصية ، ويجعلها نصب عينيه. ((إتحاف)) (٨/ ٦٠٢). (٣) قوت القلوب (١٩٠/١). (٤) فقد روى الترمذي (٤٠٦)، والنسائي في (( السنن الكبرى)) (١٠١٧٥، ١٠١٧٧) مرفوعاً وموقوفاً ، وابن ماجه ( ١٣٩٥ ) من حديث الصديق الأكبر رضي الله عنه نحوه ، ولم يذكر المسجد، وعند البيهقي في ((الشعب)) (٦٦٨٠ ) من حديث الحسن مرسلاً: (( ما أذنب عبد ذنباً، ثم توضأ، فأحسن الوضوء ، ثم خرج إلى براز من الأرض ، فصلى ركعتين، واستغفر الله من ذلك الذنب .. إلا غفر له)). (٥) إذ روى عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤٤٧/٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦٦٨٣) = -26 ١٥٨ قتـ ربع المنجيات كتاب التوبة -x وفي الخبرِ : ((إذا عملتَ سيئةً .. فأتبعْها حسنةً تكفِّرْها، السرُّ بالسرِّ والعلانيةُ بالعلانيةِ))(١) . ولذلكَ قيلَ : ( صدقةُ السرِّ تكفِّرُ ذنوبَ الليلِ، وصدقةُ الجهرِ تكفِّرُ ذنوبَ النهارِ)(٢) . وفي الخبرِ الصحيح : أنَّ رجلاً قالَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : إنِّي عالجتُ امرأةً ، فأصبتُ منها كلَّ شيءٍ إلا المسيسَ ، فاقضٍ عليّ بحكْمِ اللهِ تعالى، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أوَما صلَّيتَ معنا صلاةَ الغداةِ ؟ )) قالَ: بلى، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الحسناتِ يذهبنَ السيئاتِ))(٣). ٧٠٠٨ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه = وسلم يهوى امرأة ، فكان ذات يوم جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة ، فأذن له ، فخرج في يوم مطير ، فإذا هو بامرأة على غدير تغتسل ، فلما رآها .. جلس منها مجلس الرجل من امرأته ، وحرك ذكره فإذا هو مثل الهدبة ، فقام نادماً ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربع ركعات))، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَأَقِ الصَّلَوةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَغَا مِنَ الَّيْلِّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيْنَاتِ﴾. (١) هو من وصيته صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه، رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٤٦٦)، والطبراني في «الكبير)) (١٥٩/٢٠). (٢) هو عند صاحب ((القوت)) (١٩٠/١) بلفظ: ( صدقة الليل تكفر ذنوب النهار، وصدقة السر تكفر ذنوب الليل ) . (٣) رواه البخاري (٥٢٦)، ومسلم (٢٧٦٣) واللفظ أقرب له ، والمسيس في الحديث كناية عن الجماع . ١٥٩ حن حج جن جم: حن جم حن كتاب التوبة ربع المنجيات حن وهذا يدلُّ على أنَّ ما دونَ الزنا مِنْ معالجةِ النساءِ صغيرةٌ ؛ إذْ جعلَ الصلاةَ كفارةً لهُ بمقتضىُ قولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الصلواتُ الخمسُ كفارةٌ لما بينهُنَّ إلا الكبائرَ)) . فعلى الأحوالِ كلِّها ينبغي أنْ يحاسبَ نفسَهُ كلَّ يومٍ ، ويجمعَ سيئاتِهِ ، ويجتهدَ في دفعِها بالحسناتِ . فإنْ قلتَ : فكيفَ يكونُ الاستغفارُ نافعاً مِنْ غيرِ حلِّ عقدةِ الإصرارِ وفي الخبرِ : (( المستغفرُ مِنَ الذنبِ وهوَ مصرٌّ عليهِ كالمستهزىءِ بآياتِ اللهِ))(١) ، وكانَ بعضُهُمْ يقولُ : ( أستغفرُ اللهَ مِنْ قولي: أستغفرُ اللهَ)(٢) ، وقيلَ: ( الاستغفارُ باللسانِ توبةُ الكذابينَ )(٣)، وقالَتْ رابعةُ العدويَّةُ: ( استغفارُنا يحتاجُ إلى استغفارٍ ) (٤). فاعلمْ : أنَّهُ قَدْ وردَ في فضلِ الاستغفارِ أخبارٌ خارجةٌ عنِ الحصرِ ، ذكرناها في كتابِ الأذكارِ والدعواتِ، حتَّى قرنَ اللهُ الاستغفارَ ببقاءِ الرسولِ حن (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((التوبة)) (٨٥) من حديث ابن عباس مرفوعاً . (٢) كذا في ((القوت)) (١٨٩/١)، وذكر الكلاباذي في «التعرُّف)) (ص٩٣) أنه من قول رابعة . (٣) ذكره الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص١٤٩) لرابعة ، ونحوه ذكره القشيري في ((رسالته)) (ص١٨٤) لذي النون المصري . (٤) كذا في ((القوت)) (١٨٩/١)، وعند الخركوشي في ((تهذيب الأسرار)) (ص١٤٩): ( توبتنا تحتاج إلى توبة ) . : ١٦٠ حن كن