Indexed OCR Text

Pages 441-460

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
كمشاهدتِهِ إِيَّاهُمْ وقدْ أقبلوا على اللهِ وأعرضوا عنِ الدنيا ؛ فإنَّهُ ينظرُ إليهِمْ
فينافسُهُمْ ، ويشقُّ عليهِ أنْ يسبقوهُ بطاعةِ اللهِ تعالى ، فتتحرَّكُ داعيتُهُ الدِّينِ
لا للرياءِ .
أوْ ربَّما يفارقُهُ النومُ لاستنكارِهِ الموضعَ ، أوْ بسببٍ آخرَ ، فيغتنمُ زوالَ
النومِ ، وفي منزِلِهِ ربَّما يغلبُهُ النومُ ، وربَّما ينضافُ إليهِ أنَّهُ في منزِلِهِ على
الدوام ، والنفسُ لا تسمحُ بالتهجُّدِ دائماً ، وتسمحُ بالتهُدِ وقتاً قليلاً ،
فيكونُ ذلكَ سبب هذا النشاطِ معَ اندفاعِ سائرِ العوائقِ .
وقدْ يعسرُ عليهِ الصومُ في منزلِهِ ومعَهُ أطايبُ الأطعمةِ ، ويشقُّ عليهِ
الصبرُ عنها، فإذا أعوزَتْهُ تلكَ الأطعمةُ .. لمْ يشقَّ عليهِ، فتنبعثُ داعيةُ
الدينِ للصومِ ، فإنَّ الشهواتِ الحاضرةَ عوائقُ ودوافعُ تغلبُ باعثَ الدينِ ،
فإذا سلمَ منها .. قويَ الباعثُ .
فهذا وأمثالُهُ مِنَ الأسبابِ يُصوَّرُ وقوعُهُ ، ويكونُ السببُ فيهِ مشاهدةً
الناسِ وكونَهُ معَهُمْ ، والشيطانُ معَ ذلكَ ربَّما يصدُّ عنِ العملِ ويقولُ :
لا تعملْ ؛ فإنَّكَ تكونُ مرائياً ؛ إذْ كنتَ لا تعملُ في بيتِكَ ، ولا تزدْ على
صلاتِكَ المعتادةِ .
وقدْ تكونُ رغبتُهُ في الزيادةِ لأجلِ رؤيتِهِمْ ، وخوفاً مِنْ ذمِّهِمْ ونسبتِهِمْ إِيَّاهُ
إلى الكسلِ ، لا سيَّما إذا كانوا يظنُّونَ بهِ أنَّهُ يقومُ الليلَ، فإنَّ نفسَهُ لا تسمحُ
بأَنْ يسقطَ مِنْ أعينِهِمْ، فيريدُ أنْ يحفظَ منزلتَهُ، وعندَ ذلكَ قدْ يقولُ
٤٤١

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
الشيطانُ : صلِّ ؛ فإنَّكَ مخلصٌ ، ولستَ تصلِّي لأجلِهِمْ ، بلْ للهِ، وإنَّما كنتَ
لا تصلي كلَّ ليلةٍ لكثرةِ العوائقِ، وإنَّما داعيتُكَ لزوالِ العوائقِ لا لاطلاعِهِمْ.
وهذا أمرٌ مشتبهٌ إلا على ذوي البصائرِ؛ فإذا عرفَ أنَّ المحركَ هوَ
الرياءُ .. فلا ينبغي أنْ يزيدَ علىُ ما كانَ يعتادُهُ ولا ركعةً واحدةً ؛ لأنَّهُ
يعصي اللهَ تعالى بطلبٍ محمدةِ الناسِ بطاعةِ اللهِ ، وإنْ كانَ انبعاثُهُ لدفع
العوائقِ وتحرُّكِ الغبطةِ والمنافسةِ بسببِ عبادِتِهِمْ .. فليوافقْ .
وعلامةُ ذلكَ : أنْ يعرضَ على نفسِهِ أنَّهُ لوْ رأى هؤلاءِ يصلونَ مِنْ حيثُ
لا يرونَهُ ، بلْ مِنْ وراءِ حجابٍ وهوَ في ذلكَ الموضع بعينِهِ .. هلْ كانَتْ
تسخو نفسُهُ بالصلاةِ وهمْ لا يرونَهُ؟ فإنْ سختْ نفسُهُ بهِ .. فليصلّ ؛ فإنَّ
باعثَهُ الحقُّ ، وإنْ كانَ ذلكَ يثقلُ على نفسِهِ لوْ غابَ عنْ أعينِهِمْ .. فليتركْ ؛
فإنَّ باعثَهُ الرياءُ .
وكذلكَ قدْ يحضرُ الإنسانُ يومَ الجمعةِ في الجامع مِنْ نشاطِ الصلاةِ ما لا
يحضرُهُ كلَّ يومٍ ، ويمكنُ أنْ يكونَ ذلكَ لحبٌّ حمدِهِمْ ، ويمكنُ أنْ يكونَ
تحرُّكُ نشاطِهِ بسببٍ نشاطِهِمْ وزوالُ غفلتِهِ بسببِ إقبالِهِمْ على اللهِ تعالىُ ،
وقدْ يتحرَّكُ بذلكَ باعثُ الدينِ ويقارنُهُ نزوعٌ في النفسِ إلى حبِّ الحمدِ ،
فمهما علمَ أنَّ الغالبَ على قلبِهِ إرادةُ الدينِ .. فلا ينبغي أنْ يتركَ العملَ بما
يجدُهُ مِنْ حبِّ الحمدِ ، بلْ ينبغي أنْ يردّ ذلكَ على نفسِهِ بالكراهةِ ، ويشتغلَ
بالعبادةِ .
٤٤٢
-----

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
وكذلكَ قدْ يبكي جماعةٌ، فينظرُ إليهِمْ، فيحضرُهُ البكاءُ خوفاً مِنَ اللهِ
تعالى لا مِنَ الرياءِ ، ولوْ سمعَ ذلكَ الكلامَ وحدَهُ .. لما كانَ يبكي ، ولكنَّ
بكاءَ الناسِ يؤثِّرُ في ترقيقِ القلبِ ، وقدْ لا يحضرُهُ البكاءُ ، فيتباكى تارةً رياءً
وتارةً معَ الصدقِ ؛ إذْ يخشى على نفسِهِ قساوةَ القلبِ، حينَ بيكونَ ولا تدمعُ
عينُهُ ، فيتباكى تكلفاً ، وذلكَ محمودٌ .
وعلامةُ الصدقِ فيهِ : أنْ يعرضَ على نفسِهِ أنَّهُ لوْ سمعَ بكاءَهُمْ مِنْ حيثُ
لا يرونَةُ .. هلْ كانَ يخافُ على نفسِهِ القساوةَ فيتباكىْ أُمْ لا؟ فإنْ لمْ يجدْ
ذلكَ عندَ تقديرِ الاختفاءِ عنْ أعينِهِمْ .. فإنَّما خوفُهُ مِنْ أنْ يُقالَ : إنَّهُ قاسي
القلبٍ ، فينبغي أنْ يتركَ التباكيَ ، قَالَ لقمانُ لابِهِ : ( لا تُري الناسَ أنَّكَ
تخشى اللهَ ليكرموكَ وقلبُكَ فاجرٌ)(١).
وكذلكَ الصيحةُ والتنفسُ والأنينُ عندَ القرآنِ أوِ الذكرِ أَوْ بعضٍ مجاري
الأحوالِ ؛ تارةً تكونُ مِنَ الصدقِ والحزنِ والخوفِ والندم والتأسفِ ، وتارةً
تكونُ لمشاهدةِ حزنٍ غيرِهِ وقساوةٍ قلبهِ ، فيتكلَّفُ التنفُسَ والأنينَ ويتحازَنُ ،
وذلكَ محمودٌ ، وقدْ تقترنُ بهِ الرَّغبةُ فيهِ لدلالتِهِ على أنَّهُ كثيرُ الحزنِ ؛ لِيُعرفَ
بذلكَ ، فإنْ تجرَّدَتْ هذهِ الداعيةُ .. فهيَ الرياءُ ، وإنِ اقترنَتْ بداعيةِ الحزنِ ؛
فإنْ أباها ولمْ يقبلها وكرهَها .. سلمَ بكاؤُهُ وتباكيهِ ، وإنْ قبلَ ذلكَ ورکنَ إليهِ
بقلبهِ .. حبطَ أجرُهُ، وضاعُ سعيُهُ ، وتعرَّضَ لسخطِ اللهِ تعالى بهِ .
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٩٢).
٤٤٣

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
وقدْ يكونُ أصلُ الأنينِ عنِ الحزنِ ، ولكنْ يمدُّهُ ويزيدُ في رفع الصوتِ ،
فتلكَ الزيادةُ رياءٌ ، وهوَ محظورٌ ؛ لأنَّها في حكمِ الابتداءِ لمجردِ الرياءِ ،
فقدْ يهيجُ مِنَ الخوفِ ما لا يملكُ العبدُ معَهُ نفسَهُ ، ولكنْ يسبقُ خاطرُ الریاءِ
فيقبلُهُ ، فيدعو إلى زيادةِ تحزينِ الصوتِ ، أوْ رفعٍ لهُ ، أوْ حفظِ الدمعةِ على
الوجهِ حتَّى تُبُصرَ بعدَ أنِ استرسلَتْ لخشيةِ اللهِ تعالى ، ولكنْ يحفظُ أثرَها
على الوجهِ لأجلِ الرياءِ .
وكذلكَ قدْ يسمعُ الذكرَ فتضعفُ قواهُ مِنَ الخوفِ فيسقطُ ، ثمَّ يستحي أنْ
يُقالَ : إِنَّهُ سقطَ مِنْ غيرِ زوالِ عقلٍ وحالةٍ شديدةٍ ، فيزعقُ ويتواجدُ تكلُّفاً ؛
ليُرىُ أنَّهُ سقطَ لكونِهِ مغشياً عليهِ ، وقدْ كانَ ابتداءُ السقطةِ عنْ صدقٍ ، وقدْ
يزولُ عقلُهُ فيسقطُ، ولكنْ يفيقُ سريعاً، فتجزعُ نفسُهُ أَنْ يُقالَ: حالتُهُ غيرُ
ثابتةٍ ، وإنَّما هيَ كبرقٍ خاطفٍ ، فيستديمُ الزعقةَ والرقصَ ؛ ليُريَ دوامَ
حالِهِ ، وكذلكَ قدْ يفيقُ بعدَ الضعفِ ، ولكنْ يزولُ ضعفُهُ سريعاً ، فيجزعُ أنْ
يُقالَ : لمْ تكنْ غشيتُهُ صحيحةً ، ولوْ كانَ .. لدامَ ضعفُهُ ، فيستديمُ إظهارَ
الضعفِ والأنينِ ، فيتكىءُ على غيرِهِ ؛ ليُرى أنَّهُ يضعفُ عنِ القيامِ ، ويتمايلُ
في المشي ، ويقرِّبُ الخُطا ؛ ليظهِرَ أنَّهُ ضعيفٌ عنْ سرعةِ المشى .
فهذهِ كلُّها مكايدُ الشيطانِ ونزغاتُ النفسِ ، فإذا خطرَتْ .. فعلاجُها :
أنْ يتذكَّرَ أنَّ الناسَ لوْ عرفوا نفاقَهُ في الباطنِ ، واطلعوا على ضميرِهِ ..
لمقتوهُ، وأنَّ اللهَ مطلعٌ على ضميرِهِ وهوّ لهُ أشدُّ مقتاً ، كما رُويّ عنْ ذي
٤٤٤

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
النونِ أنَّهُ قامَ وزعقَ ، فقامَ معَهُ شيخٌ آخرُ رأى فيهِ أثرَ التكلُّفِ فقالَ :
يا شيخُ ؛ ﴿الَّذِى يَرَكَ حِيْنَ تَقُومُ﴾، فجلسَ الشيخُ(١) .
وكُّ ذلكَ مِنْ أعمالِ المنافقينَ ، وقدْ جاءَ في الخبرِ : ( تعوَّذوا باللهِ مِنْ
خشوع النفاقِ)(٢)، وإنَّما خشوعُ النفاقِ أنْ تخشعَ الجوارحُ والقلبُ غيرُ
خاشع(٣) .
ومِنْ ذلكَ الاستغفارُ والاستعاذةُ باللهِ عزَّ وجلَّ مِنْ عذابِهِ وغضبهِ ، فإنَّ
ذلكَ قدْ يكونُ لخاطرِ خوفٍ وتذكرِ ذنبٍ وتندمِ عليهِ ، وقدْ يكونُ للمراءاةِ .
فهذهِ خواطرُ تردُ على القلبِ متضادّةً مترادفةٌ متقاربةً ، وهيَ معَ تقارِبِها
متشابهةٌ، فراقبْ قلبَكَ في كلِّ ما يخطرُ لكَ ، وانظرْ ما هوَ ؟ ومِنْ أينَ هوَ ؟
فإنْ كانَ للهِ . . فأمضِهِ، واحذرْ معَ ذلكَ أنْ يكونَ قَدْ خفيَ عليكَ شيءٌ مِنَ
الرياءِ الذي هوَ كدبيبِ النملِ ، وكنْ على وجلٍ مِنْ عبادِتِكَ أهيَ مقبولةٌ أُمْ
لا ؛ لخوفِكَ على الإخلاصِ فيها ، واحذرْ أنْ يتجددَ لكَ خاطرُ الركونِ إلى
حمدِهِمْ بعدَ الشروعِ بالإخلاصِ ، فإنَّ ذلكَ ممَّا يكثرُ جداً ، فإذا خطرَ
لكَ .. فتفكّرْ في اطلاع اللهِ تعالىُ عليكَ ومقتِهِ لكَ، وتذكَّرْ ما قالَهُ أحدُ النفرِ
(١) الرسالة القشيرية (ص ٥٥٢).
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٣) موقوفاً على أبي هريرة وأبي الدرداء رضي الله
عنهما، ورواه البيهقي في (( الشعب)) ( ٦٥٦٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله
عنه مرفوعاً ، وفيه زيادة : قالوا : يا رسول الله ؛ وما خشوع النفاق ؟ قال : (( خشوع
البدن ونفاق القلب)) .
(٣) الرعاية ( ص ٣٠٢).
٤٤٥

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
الثلاثةِ الذينَ حاُوا أيوبَ عليهِ السلامُ ؛ إذْ قالَ : ( يا أيوبُ ؛ أما علمتَ أنَّ
العبدَ تضلُّ عنهُ علانيتُهُ التي كانَ يخادعُ بها عنْ نفسِهِ ، ويُجزىُ
بسريريِهِ؟!)(١)، وقولَ بعضِهِمْ: ( أعوذُ بكَ أنْ يرى الناسُ أنِّي أخشاكَ
وأنتَ لي ماقتٌ)(٢) ، وكانَ مِنْ دعاءِ عليٍّ بنِ الحسينِ رضيَ اللهُ عنهُما:
( اللهمَّ؛ إنِّي أعوذُ بكَ أنْ تحسُنَ في لامعةِ العيونِ علانيتي ، وتقبُحَ لكَ فيما
أخلو سريرتي ، محافظاً على رياءِ الناسِ مِنْ نفسي ، ومضيعاً لما أنتَ مطلعٌ
عليهِ مِنِّي ، أَبدي للناسِ أحسنَ أمري ، وأفضي إليكَ بأسوأٍ عملي ؛ تقرباً
إلى الناسِ بحسناتي ، وفراراً منهُم إليكَ بسيئاتي، فيحلُّ بي مقتُكَ ، ويجبُ
عليَّ غضبُكَ، أعذْني مِنْ ذلكَ يا ربّ العالمينَ)(٣).
4.M
وقدْ قالَ أحدُ الثلاثةِ نفرٍ لأيوبَ عليهِ السلامُ : ( يا أيوبُ ؛ ألمْ تعلمْ أنَّ
الذينَ حفظوا علانيتَهُمْ وأضاعوا سرائرَهُمْ عندَ طلبِ الحاجاتِ إلى الرحمنِ
تسودُ وجوهُهُمْ؟ ) (٤) .
فهذهِ جملُ آفاتِ الرياءِ ، فليراقبِ العبدُ قلبَهُ ليقفَ عليها ، ففي الخبرِ :
((إنَّ الرياءَ سبعونَ باباً »(٥)، وقد عرفتَ أنَّ بعضَهُ أغمضُ مِنْ بعضٍ، حتَّى
(١) الرعاية (ص ٣٠٣)، وذكر روايته عن وهب بن منبه .
(٢) الرعاية ( ص ٣٠٣) .
(٣) الرعاية ( ص ٣٠٣).
(٤) الرعاية (ص ٣٠٣) .
(٥) نص الحافظ العراقي على تصحيف كلمة ( الربا) إلى ( الرياء ) في الحديث ، انظر
((الإتحاف)) (٣٢٧/٨)، ويحتمل عكس هذا في الحديث الذي رواه ابن عدي في -
٤٤٦

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
إِنَّ بعضَهُ مثلُ دبيبِ النملِ، وبعضَهُ أخفىُ مِنْ دبيبِ النملِ ، وكيفَ يُدركُ
ما هوَ أخفى مِنْ دبيبِ النملِ إلا بشدّةِ التفقُّدِ والمراقبةِ ؟! وليتَهُ أُدركَ بعدَ بذلٍ
المجهودِ ، فكيفَ يُطمعُ في إدراكِهِ مِنْ غيرِ تفقَّدٍ للقلبِ ، وامتحانٍ للنفسِ ،
وتفتيشٍ عنْ خدَعِها ؟! ، نسألُ اللهَ تعالى العافيةَ بمنِّهِ وکرمِهِ وإحسانِهِ .
= ((الكامل)) (٣٩١/٦) مرفوعاً: ((الربا اثنان وسبعون باباً، أيسر باب فيها أخفى من
دبيب الذر على الصفا))؛ للحديث المتقدم: (( للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل))
الذي رواه الضياء في ((المختارة)) (٦٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) (١١٢/٧)،
ولحديث ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٢٤٤٤): ((الربا بضع وسبعون باباً ،
والشرك مثل ذلك)) ، والله أعلم .
٤٤٧

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
حر
بيان ما ستبني للمريد أن يلزم نفسه قبل العمل وبعده وفيه
اعلمْ : أنَّ أولى ما يلزِمُ المريدُ قلبَهُ في سائرِ أوقاتِهِ القناعةُ بعلمِ اللهِ في
جميع طاعاتِهِ ، ولا يقنعُ بعلمِ اللهِ إلا مَنْ لا يخافُ إلا اللّهَ، ولا يرجو
إلا اللهَ ، فأمَّا مَنْ خافَ غيرَهُ وارتجاهُ .. اشتهى اطلاعَهُ على محاسنِ
أحوالِهِ .
فإنْ كانَ في هذهِ الرتبةِ .. فليلزمْ قلبَهُ كراهةَ ذلكَ مِنْ جهةِ العقلِ
والإيمانِ ؛ لما فيهِ مِنْ خطرِ التعرضِ للمقتِ ، وليراقبْ نفسَهُ عندَ الطاعاتِ
العظيمةِ الشاقَّةِ التي لا يقدرُ عليها غيرُهُ ، فإنَّ النفسَ عندَ ذلكَ تكادُ تغلي
حرصاً على الإفشاءِ ، وتقولُ : مثلُ هذا العملِ العظيمِ ، أوِ الخوفِ
العظيمِ ، أوِ البكاءِ العظيمِ ، لوْ عرفَهُ الخلقُ منكَ .. لسجدوا لكَ ، فما في
الخلقِ مَنْ يقدرُ على مثلِهِ ، فكيفَ ترضى بإخفائِهِ فيجهلَ الناسُ محلَّكَ ،
وينكرونَ قدرَكَ ، ويُحرمونَ الاقتداءَ بكَ ؟
ففي مثلِ هذا الأمرِ ينبغي أنْ يثبتَ قدمَهُ ويتذكَّرَ في مقابلةِ عظمٍ عمِلِهِ
عظمَ ملكِ الآخرةِ ونعيمِ الجنةِ ، ودوامَها أبدَ الآبادِ ، وعظمَ غضبِ اللهِ ومقتِهِ
على مَنْ طلبَ بطاعتِهِ ثواباً مِنْ عبادِهِ ، ويعلمَ أنَّ إظهارَهُ لغيرِهِ تحبُّبٌ إليهِ
وسقوطٌ عندَ اللهِ، وإحباطٌ للعملِ العظيمِ ، فيقولُ: وكيفَ أبيعُ مثلَ هذا
العملِ بحمدِ الخلقِ وهمْ عاجزونَ لا يقدرونَ لي على رزقٍ ولا أجلٍ ؟!
فيلزِمُ ذلكَ قلبَهُ .
٤٤٨

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
ولا ينبغي أنْ ييئسَ عنهُ فيقولَ: إنَّما يقدرُ على الإخلاصِ الأقوياءُ ، فأمَّا
المخلِّطونَ .. فليسَ ذلكَ مِنْ شأنِهِمْ ، فيتركَ المجاهدَةَ في الإخلاصِ ؛ لأنَّ
المخلِّطَ إلى ذلك أحوجُ مِنَ المتقي ؛ لأنَّ المتقيَ إنْ فسدَتْ نوافلُهُ .. بقيَتْ
فرائضُهُ كاملةٌ تامَّةٌ ، والمخلِّطُ لا تخلو فرائضُهُ عنِ النقصانِ والحاجةِ إلى
الجبرانِ بالنوافلِ ، فإنْ لمْ تسلمْ .. صارَ مأخوذاً بالفرائضِ وهلكَ بهِ ،
فالمخلِّطُ إلى الإخلاصِ أحوجُ .
وقدْ روى تميمٌ الداريُّ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ :
(( يُحاسبُ العبدُ يومَ القيامةِ، فإنْ نقصَ فرضُهُ . . قيلَ: انظروا هلْ لهُ مِنْ
تطوُّع، فإنْ كانَ لهُ تطوُّعٌ .. أُكملَ بهِ فرضُهُ، وإنْ لمْ يكنُ لهُ تطوٌُّ .. أُخذَ
بطرفيهِ فَأُلقيَ في النارِ))(١).
فيأتي المخلُّطُ يومَ القيامةِ وفرضُهُ ناقصٌ ، وعليهِ ذنوبٌ كثيرةٌ ، فاجتهادُهُ
في جبرِ الفرائضِ وتكفيرِ السيئاتِ ، ولا يمكنُ ذلكَ إلا بخلوصِ النوافلِ ،
وأمَّا المتقي .. فجهدُهُ في زيادةِ الدرجاتِ، فإنْ حبطَ تطوُّعُهُ .. بقيَ مِنْ
حسناتِهِ ما يترجَّحُ على السيئاتِ ؛ فيدخلُ الجنةَ .
فإذاً ؛ ينبغي أنْ يلزِمَ قلبَهُ خوفَ اطلاعٍ غيرِ اللهِ عليهِ لتصحَّ نوافلُهُ ، ثمّ
يلِمَ قلبَهُ ذلكَ بعدَ الفراغ ؛ حتَّى لا يتحدثَ بهِ ولا يظهرَهُ ، فإذا فعلَ جميعَ
ذلكَ .. فينبغي أنْ يكونَ وجِلاً مِنْ عملِهِ، خائفاً أنَّهُ ربَّما دخلَهُ مِنَ الرياءِ
(١) رواه أبو داوود (٨٦٦)، وابن ماجه ( ١٤٢٦).
٤٤٩

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
الخفيِّ ما لمْ يقفْ عليهِ، فيكونَ شاكّاً في قبولِهِ وردِّهِ ، مجوِّزاً أنْ يكونَ اللهُ
قدْ أحصىُ عليهِ مِنْ نِيَّهِ الخفيّةِ ما مقتَهُ بها ، وردَّ عملَهُ بسببها .
ويكونُ هذا الشكُّ والخوفُ في دوام عملِهِ وبعدَهُ ، لا في ابتداءِ العقدِ ،
بلْ ينبغي أنْ يكونَ متيقِّناً في الابتداءِ أنَّهُ مخلصٌ ، ما يريدُ بعملِهِ إلا اللهَ ؛
حتَّى يصحَّ عملُهُ ، فإذا شرعَ ومضَتْ لحظةٌ يمكنُ فيها الغفلةُ والنسيانُ .. كانَ
الخوفُ مِن الغفلةِ عنْ شائبةٍ خفيةٍ أحبطَتْ عملَهُ مِنْ ریاءٍ أوْ عُجبٍ أولى بهِ ،
ولكنْ يكونُ رجاؤُهُ أغلبَ مِنْ خوفِهِ ؛ لأنَّهُ استيقنَ أنَّهُ دخلَ بالإخلاصِ وشكَّ
في أنَّهُ هلْ أفسدَهُ برياءٍ ، فيكونُ رجاءُ القبولِ أغلبَ ، وبذلكَ تعظمُ للَّتَهُ في
المناجاةِ والطاعاتِ ، فالإخلاصُ يقينٌ والرياءُ شكّ، وخوفُهُ لأجلِ ذلكَ
الشكِّ جديرٌ بأنْ يكفِّرَ خاطرَ الرياءِ إِنْ كانَ قدْ سبقَ وهوَ غافلٌ عنهُ .
والذي يتقرَّبُ إلى اللهِ تعالى بالسعي في حوائجِ الناسِ وإفادةِ العلمِ ينبغي
أنْ يلِمَ نفسَهُ رجاءَ الثوابِ على دخولِ السرورِ على قلبٍ مَنْ قضى حاجتهُ
فقطْ، ورجاءَ الثوابِ على عملِ المتعلِّمِ بعلمِهِ فقطْ ، دونَ شكرٍ ومكافأةٍ
وحمدٍ وثناءٍ مِنَ المتعلِّمِ والمنعَمِ عليهِ ، فإنَّ ذلكَ يحبطُ الأجرَ ، فمهما توقَّعَ
مِنَ المتعلُّمِ مساعدةً في شغلٍ وخدمةٍ ، أَوْ مرافقةً في المشي في الطريقِ
ليستكثرَ باستتباعِهِ، أوْ تردداً منهُ في حاجةٍ .. فقدْ أخذَ أجرَهُ؛ فلا ثوابَ لهُ
غیرُهُ .
نعمْ، إنْ لمْ يتوقَّعْ هوَ ولمْ يقصِدْ إلا الثوابَ على عملِهِ بعلمِهِ ليكونَ لهُ
٤٥٠
فن.

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
مثلُ أجرِهِ ، ولكنْ خدمَهُ التلميذُ بنفسِهِ فقبلَ خدمتَهُ .. فنرجو ألا يُحبطَ ذلكَ
أجرَهُ إذا كانَ لا ينتظرُهُ ولا يريدُهُ منهُ ، ولا يستبعدُهُ منهُ لوْ قطعَهُ ، ومعَ هـذا
فقدْ كانَ العلماءُ يحذرونَ ذلكَ، حتَّى إِنَّ بعضَهُمْ وقعَ في بئرٍ ، فجاءَ قومٌ
وأدلَوا حبلاً ليرفعوهُ، فحلفَ عليهِمْ ألا يقفَ معَهُمْ مَنْ قرأَ عليهِ آيَةٌ مِنَ
القرآنِ ، أوْ سمعَ منهُ حديثاً ؛ خيفةً مِنْ أنْ يحبطَ أجرُهُ .
وقالَ شقيقٌ البلخيُّ : أهديتُ لسفيانَ الثوريِّ ثوباً ، فردَّهُ عليَّ ، فقلتُ
لهُ : يا أبا عبدِ اللهِ؛ لستُ أنا ممَّنْ يسمعُ الحديثَ حتَّى تردَّهُ عليَّ ، قالَ :
علمتُ ذاكَ ، ولكنْ أخوكَ يسمعُ منِّ الحديثَ ، فأخافُ أنْ يلينَ قلبي
لأخيكَ أكثرَ ممَّا يلينُ لغيرِهِ(١) .
وجاءَ رجلٌ إلى سفيانَ ببدرةٍ أو بدرتينٍ وكانَ أبوهُ صديقاً لسفيانَ ، وكانَ
سفيانُ يأتيهِ كثيراً ، فقالَ لهُ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ في نفسِكَ مِنْ أبي شيءٌ ؟
فقالَ : يرحمُ اللهُ أباكَ، كانَ وكانَ ، فأثنى عليهِ ، فقالَ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ قدْ
عرفتَ كيفَ صارَ إليَّ هذا المالُ ، فأحبُّ أنْ تأخذَ هذهِ تستعينُ بها على
عيالِكَ ، قالَ : فقبلَ سفيانُ ذلكَ ، قالَ : فلمَّا خرجَ .. قالَ لولدِهِ :
يا مباركُ(٢)؛ الحقْهُ فردُّهُ عليَّ، فرجعَ، فقالَ: أحبُّ أنْ تأخذَ ماَلَكَ ، فلمْ
يزلْ بهِ حتَّى ردَّهُ عليهِ ، وكأنَّهُ كانَتْ أخوَّتُهُ معَ أبيهِ في اللهِ تعالى، فكرهَ أنْ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣/٧).
(٢) مبارك هذا هو مبارك بن سعيد الثوري أخو سفيان ، وليس هو ولده كما أورده
المصنف ، بل هو راوي الخبر كما في ((الحلية)) (٣/٧).
٤٥١

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
يأخذَ ذلكَ، قالَ ولدُهُ : فلمَّا خرجَ .. لمْ أملكْ نفسي أنْ جئتُ إليهِ فقلتُ :
ويلَكَ ؛ أيُّ شيءٍ قلبُكَ هذا؟ حجارةٌ ؟ عُدَّ أنَّهُ ليسَ لكَ عيالٌ، أما
ترحمُني ؟ أما ترحمُ إخوتَكَ ؟ أما ترحمُ عيالَنا ؟ فأكثرتُ عليهِ ، فقالَ : اللهَ
يا مباركُ، تأكلُها أنتَ هنيئاً مريئاً وأُسألُ عنها أنا؟!(١).
فإذاً ؛ يجبُ على العالمِ أنْ يلزِمَ قلبَهُ طلبَ الثوابِ مِنَ اللهِ تعالى في
اهتداءِ الناسِ بهِ فقطْ ، ويجبُ على المتعلِّمِ أنْ يلِمَ قلبَهُ طلبَ حمدِ اللهِ
وثوابِهِ ، ونيلَ المنزلةِ عندَهُ لا عندَ المعلِّمِ وعندَ الخلقِ ، وربَّما يظنُّ أنَّ لهُ أنْ
يرائيّ بطاعتِهِ لينالَ عندَ المعلِّمِ رتبةً فيتعلَّمَ منهُ، وهوَ خطأٌ ؛ لأنَّ إرادتهُ
غيرَ اللهِ بطاعتِهِ خسرانٌ في الحالِ ، والعلمُ ربَّما يفيدُ وربَّما لا يفيدُ ، فكيفَ
يخسرُ في الحالِ عملاً نقداً على توهُّمِ علمٍ ؟! وذلكَ غيرُ جائزٍ ، بلْ ينبغي أنْ
يتعلمَ اللهِ ؛ ويعبدَ اللهِ ، ويخدمَ المعلُّمَ للهِ ؛ لا ليكونَ لهُ في قلبِهِ منزلةٌ وإنْ
كانَ يريدُ أنْ يكونَ تعلُّمُهُ طاعةً؛ فإنَّ العبادَ أُمروا ألا يعبدوا إلا اللهَ ،
ولا يريدوا بطاعتِهِمْ غيرَهُ .
وكذلكَ مَنْ يخدمُ أبويهِ لا ينبغي أنْ يخدمَهُما لطلبِ المنزلةِ عندَهُما ، إلا
مِنْ حيثُ إنَّ رضا اللهِ في رضا الوالدينِ ، ولا يجوزُ لهُ أنْ يُرائيَ بطاعتِهِ لينالَ
بها منزلةٌ عندَ الوالدينِ ، فإنَّ ذلكَ معصيةٌ في الحالِ ، وسيكشفُ اللهُ عنْ
ريائِهِ ، وتسقطُ منزلتُهُ مِنْ قلبِ الوالدينِ أيضاً .
(١) الخبر - كما أشير - رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣/٧).
٤٥٢

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
وأما الزاهدُ المعتزلُ عنِ الناسِ .. فينبغي لهُ أنْ يلزِمَ قلبَهُ ذكرَ اللهِ والقناعةً
بعلمِهِ، ولا يخطِرَ بقلبِهِ معرفةَ الناسِ زهدَهُ واستعظامَهُمْ محلَّهُ ؛ فإنَّ ذلكَ
يغرسُ الرياءَ في صدرِهِ حتَّى تتيسَّرَ عليهِ العباداتُ في خلوتِهِ ؛ وإنَّما سكونُهُ
لمعرفةِ الناسِ باعتزالِهِ واستعظامِهِمْ لمحلِّهِ وهوَ لا يدري أنَّهُ المخفِّفُ للعملِ
عليهِ .
قالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ رحمَهُ اللهُ : تعلَّمتُ المعرفةَ مِنْ راهبِ يُقالُ لهُ :
سمعانُ ، دخلتُ عليهِ في صومعتِهِ ، فقلتُ : يا سمعانُ ؛ منذُ كَمْ أنتَ في
صومعتِكَ ؟ قالَ : منذُ سبعينَ سنةً ، قلتُ : فما طعامُكَ ؟ قالَ :
يا حنيفيُّ ؛ وما دعاكَ إلى هذا؟ قلتُ: أحببتُ أنْ أعلمَ ، قالَ : في كلِّ
ليلةٍ حمِّصَةٌ ، قلتُ : فما الذي يهيجُ مِنْ قلبِكَ حتَى تكفيكَ هذهِ الحمِّصَةُ ؟
قالَ : ترى الديرَ الذي بحذائِكَ ؟ قلتُ: نعمْ ، قالَ : إِنَّهِمْ يأتوني في كلِّ
سنةٍ يوماً واحداً فيزيَّنونَ صومعتي ، ويطوفونَ حولَها ويعظموني ، فكلّما
تثاقلَتْ نفسي عنِ العبادةِ .. ذكَّرتُها عِزَّ تلكَ الساعةِ، فأنَّا أحتملُ جهدَ سنةٍ
لعزِّ ساعةٍ ، فاحتملْ يا حنيفيُّ جهدَ ساعةٍ لعزِّ الأبدِ ، فوقرَ في قلبي
المعرفةُ ، فقالَ : حسبُكَ أوْ أزيدُكَ ؟ قلتُ : بلى ، قالَ : انزلْ عنِ
الصومعةِ ، فنزلتُ ، فأدلى لي ركوةً فيها عشرونَ حمِّصةٌ ، فقالَ لي : ادخلٍ
الديرَ فقدْ رأَوا ما أدليتُ إليكَ، فلمَّا دخلتُ الديرَ .. اجتمعَتْ عليَّ
النصارى ، فقالوا : يا حنيفيُّ ؛ ما الذي أدلىُ إليكَ الشيخُ ؟ قلتُ : مِنْ
قوتِهِ ، قالوا : وما تصنعُ بهِ ؟ نحنُ أحقُّ بهِ ، ثمَّ قالوا : ساومْ ، قلتُ :
٤٥٣

کتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
عشرونَ ديناراً ، فأعطَوني عشرينَ ديناراً ، فرجعتُ إلى الشيخ ، فقالَ :
يا حنيفيُّ؛ ما الذي صنعتَ؟ قلتُ : بعتُهُ منهُمْ، قَالَ : بكمْ ؟ قلتُ :
بعشرينَ ديناراً، قالَ : أخطأتَ ، لوْ ساومتَهُمْ بعشرينَ ألف دينارٍ ..
لأعطَوكَ ، هذا عزُّ مَنْ لا تعبدُهُ، فانظر كيفَ يكونُ عزُّ مَنْ تعبدُهُ ، يا حنيفيُّ
أقبلْ على ربِّكَ، ودع الذهابَ والجيئةً(١).
والمقصودُ : أنَّ استشعارَ النفسِ عزَّ العظمةِ في القلوبِ يكونُ باعثاً في
الخلوةِ وقدْ لا يشعرُ العبدُ بهِ ، فينبغي أنْ يلِزِمَ نفسَهُ الحذرَ مِنهُ ، وعلامةُ
سلامتِهِ : أنْ يكونَ الخلقُ عندَهُ والبهائمُ بمثابةٍ واحدةٍ ، فلوْ تغيَّروا عنٍ
اعتقادِهِمْ لهُ .. لمْ يجزعْ، ولمْ يضقْ بهِ ذرعاً إلا كراهةً ضعيفةً إنْ وجدَها في
قلبهِ فيردُّها في الحالِ بعقلِهِ وإيمانِهِ ، وأنَّهُ لوْ كانَ في عبادةٍ فاطلعَ الناسُ
كلَّهُمْ عليهِ .. لمْ يزدْهُ ذلكَ خشوعاً ، ولمْ يدخلْهُ سرورٌ بسببِ اطلاعِهِمْ
عليهِ ، فإنْ دخلَ سرورٌ يسيرٌ .. فهوَ دليلُ ضعفِهِ ، ولكنْ إذا قدرَ على ردِّهِ
بكراهةِ العقلِ والإيمانِ ، وبادرَ إلى ذلكَ ، ولمْ يقبلِ السرورَ بالركونِ إليهِ ..
فيُرجى لهُ ألا يخيبَ سعيُهُ إلا أنْ يزيدَ عندَ مشاهدتِهِمْ في الخشوعِ
والانقباضِ ؛ كي لا ينبسطوا إليهِ ، فذلكَ لا بأسَ بهِ ، ولكنْ فيهِ غرورٌ ؛ إذ
النفسُ قدْ تكونُ شهوتُها الخفيةُ إظهارَ الخشوع ، وتتعلَّلُ بطلبِ الانقباضِ ،
فليطالبْها في دعواها قصدَ الانقباضِ بموثقٍ مِنَ اللهِ غليظٍ ، وهوَ أنَّهُ لوْ علمَ أنَّ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٩/٨)، واسم الراهب عنده أبو سمعان .
٤٥٤

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
انقباضَهُمْ عنهُ إنَّما يحصلُ بأنْ يعدوَ سريعاً أوْ يأكلَ أوْ يضحكَ كثيراً ..
فتسمحُ نفسُهُ بذلكَ ؟ فإذا لمْ تسمح بهِ وسمحَتْ بالعبادةِ .. فيشبهُ أنْ يكونَ
مرادُها المنزلةَ عندَهُمْ .
ولا ينجو مِن ذلكَ إلا مَنْ تقرَّرَ في قلبهِ أنَّهُ ليسَ في الوجودِ أحدٌ
سوى اللهِ ، فيعملُ عملَ مَنْ لو كانَ على وجهِ الأرضِ وحدَهُ .. لكانَ يعملُهُ ،
فلا يلتفتُ قلبُهُ إلى الخلقِ إلا خطراتٍ ضعيفةً لا يشقُّ عليهِ إزالتُها ، فإذا كانَ
كذلكَ .. لمْ يتغيَّرْ بمشاهدةِ الخلقِ ، ومِنْ علامةِ الصدقِ فيهِ: أنَّهُ لوْ كانَ لهُ
صاحبانٍ ؛ أحدُهما غنيٌّ والآخرُ فقيرٌ .. فلا يجدُ عندَ إقبالِ الغنيِّ زيادةَ هِزَّةٍ
في نفسِهِ لإكرامِهِ إلا إذا كانَ في الغنيِّ زيادةُ علمٍ أوْ زيادةُ ورِعٍ ، فيكونُ مكرِماً
لهُ بذلكَ الوصفِ لا بالغنى، فمَنْ كانَ استرواحُهُ إلى مشاهدةِ الأغنياءِ
أكثرَ .. فهوَ مراءٍ أوْ طمَّائعٌ ، وإلا .. فالنظرُ إلى الفقراءِ يزيدُ في الرغبةِ إلى
الآخرةِ ، ويحبِّبُ إلى القلبِ المسكنةَ ، والنظرُ إلى الأغنياءِ بخلافِهِ ، فكيفَ
يستروحُ إلى الغنيِّ أكثرَ ممَّا يستروحُ إلى الفقيرِ ؟!
وقدْ حُكِيَ أنَّهُ لَمْ يُرَ الأغنياءُ في مجلسٍ أذلَّ منهُمْ في مجلسٍ سفيانَ
الثوريِّ، كانَ يجلسُهُمْ وراءَ الصفِّ ويقدِّمُ الفقراءَ، حتَّى كانوا يتمنَّونَ أَنَّهُمْ
فقراءُ في مجلسِهِ(١) .
نعمْ ، لكَ زيادةُ إكرام للغنيِّ إذا كانَ أقربَ إليكَ أوْ كانَ بينَكَ وبينَهُ حتَّ
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٦٥/٦).
٤٥٥

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
وصداقةٌ سابقةٌ ، ولكنْ يكونُ بحيثُ لوْ وُجدَتْ تلكَ العلاقةُ في فقيرٍ ..
لكنتَ لا تقدِّمُ الغنيَّ عليهِ في إكرامٍ وتوقيرِ ألبتةَ ؛ فإنَّ الفقيرَ أكرمُ على اللهِ مِنَ
الغنيِّ ، فإيثارُكَ لهُ لا يكونُ إلا طمعاً في غناهُ ورياءً لهُ .
ثمَّ إذا سوَّيتَ بينَهُما في المجالسةِ .. فيُخشى عليكَ أنْ تظهِرَ الحكمةَ
والخشوعَ للغنيِّ أكثرَ ممَّا تظهرُهُ للفقيرِ ، وإنَّما ذلكَ لرياءٍ خفيٍّ أَوْ طمع
خفيٍّ ؛ كما قالَ ابنُ السمَّاكِ لجاريةٍ لهُ : ما لي إذا أتيتُ بغدادَ فُتِحَتْ لِيَ
الحكمةُ ؟ قالَتْ: الطمعُ يشحذُ لسانَكَ(١) ، وقدْ صدقَتْ ؛ فإنَّ اللسانَ
ينطلقُ عندَ الغنيُّ بما لا ينطلقُ بهِ عندَ الفقيرِ ، وكذلكَ يحضرُ مِنَ الخشوع
عندَهُ ما لا يحضرُ عندَ الفقيرِ .
ومكائدُ النفسِ وخفاياها في هذا الفنِّ لا تنحصرُ، ولا ينجيكَ منها إلا أنْ
تخرِجَ ما سوى اللهِ مِنْ قلبِكَ ، وتتجرَّدَ بالشفقةِ على نفسِكَ بقيةَ عمرِكَ ،
ولا ترضى لها بالنارِ بسببٍ شهواتٍ منغصةٍ في أيامٍ متقاربةٍ منقضيةٍ ، وتكونَ
في الدنيا كملِكٍ مِنْ ملوكِ الدنيا قدْ أمكنَتْهُ الشهواتُ وساعدَتْهُ اللذاتُ ،
ولكنْ في بدنِهِ سقمٌ ، وهوَ يخافُ الهلاكَ على نفسِهِ في كلِّ ساعةٍ لوِ اتسعَ في
الشهواتِ ، وعلمَ أنَّهُ لوٍ احتمى وجاهدَ نفسَهُ .. عاشَ ودامَ ملكُهُ ، فلمَّا
عرفَ ذلكَ .. جالسَ الأطباءَ، وحارفَ الصيادلةَ(٢)، وعوَّدَ نفسَهُ شربَ
(١) الرعاية (ص ٣٠٦).
(٢) حارف : مال ونادم .
٤٥٦

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
الأدويةِ المرّةِ ، فصبرَ على بشاعتِها ، وهجرَ جميعَ اللذاتِ ، وصبرَ على
مفارقتِها ، فبدنُهُ كلَّ يوم يزدادُ نحولاً لقلَّةِ أكلِهِ ، ولكنَّ سقمَهُ كلَّ يومٍ يزدادُ
نقصاناً؛ لشدَّةِ احتمائِهِ، فمهما نازعَتْهُ نفسُهُ إلى شهوةٍ .. تفكّرَ في توالي
الآلامِ والأوجاع عليهِ ، وأداءِ ذلكَ إلى الموتِ المفرِّقِ بينَهُ وبينَ مملكتِهِ ،
الموجبِ الشماتةِ أعدائِهِ بهِ ، ومهما اشتدّ عليهِ شربُ دواءٍ .. تفكَّرَ فيما
يستفيدُهُ منهُ مِنَ الشفاءِ الذي هوَ سببُ التمثُّعِ بملكِهِ ونعيمِهِ ، في عيشٍ
هنيءٍ ، وبدنٍ صحيحٍ ، وقلبٍ رخيٍّ، وأمرٍ نافذٍ ، فتخفُّ عليهِ مهاجرةٌ
اللذاتِ ، ومصابرةُ المكروهاتِ .
فكذلكَ المؤمنُ المريدُ لملكِ الآخرةِ احتمىُ عنْ كلِّ مهلكٍ لهُ في
آخرتِهِ ، وهيَ لذاتُ الدنيا وزهرتُها ، فاجتزاً منها بالقليلِ ، واختارَ النحولَ
والذبولَ والوحشةَ والحزنَ والخوفَ ، وتركَ المؤانسةِ بالخلقِ ؛ خوفاً مِنْ أنْ
يحلّ عليهِ غضبُ اللهِ فيهلكَ ، ورجاءَ أنْ ينجوَ مِنْ عذابِهِ ، فخفَّ ذلكَ كلُّهُ
عليهِ عندَ شدَّةٍ يقينِهِ وإيمانِهِ بعاقبةِ أمرِهِ ، وبما أُعدَّ لهُ مِنَ النعيمِ المقيمِ في
رضوانِ اللهِ أبدَ الآبادِ ، ثمَّ علمَ أنَّ اللهَ كريمٌ رحيمٌ ، لمْ يزلْ لعبادِهِ المريدينَ
المرضاتِهِ عوناً، وبِهِمْ رؤوفاً، وعليهِمْ عطوفاً ، ولوْ شاءَ .. لأغناهُمْ عنِ
التعبِ والنصبِ ، ولكنْ أرادَ أنْ يبلوَهُمْ، ويعرفَ صدقَ إرادِتِهِمْ؛ حكمةً
مِنْهُ وعدلاً .
ثمَّ إذا تحمَّلَ التعبَ في بدايتِهِ .. أقبلَ اللهُ عليهِ بالمعونةِ والتيسيرِ ، وحطّ
عنهُ الأعباءَ ، وسهَّلَ عليهِ الصبرَ ، وحبَّبَ إليهِ الطاعةَ، ورزقَهُ فيها مِنْ لذَّةِ
٤٥٧

کتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
المناجاةِ ما يلهيهِ عنْ سائرِ اللذاتِ ، ويقوِّيهِ على إماتةِ الشهواتِ ، ووليَ
سياستهُ وتقويتهُ ، وأمدَّهُ بمعونتِهِ ، فإنَّ الكريمَ لا يضيّعُ سعيَ الراجي ،
ولا يخيِّبُ أملَ المحبِّ، وهوَ الذي يقولُ: (( مَنْ تقرَّبَ إليَّ شبراً .. تقرَّبتُ
إليهِ ذراعاً)) (١)، ويقولُ تعالى: ((لقدْ طالَ شوقُ الأبرارِ إلى لقائي، وإِنِّي
إلىْ لقائِهِمْ أشدُّ شوقاً))(٢) .
فليظهرِ العبدُ في البدايةِ جدَّهُ وصدقَهُ وإخلاصَهُ ، فلا يعوزُهُ مِنَ اللهِ تعالى
على القربِ ما هوَ اللائقُ بجودِهِ وكرمِهِ ، ورأفتِهِ ورحمتِهِ .
تم كتاب وم الجاه والزياء
وهو الكتاب الثامن من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الدين
والحمد شدرب العالمين
والصّلاة والسلام على رسوله محمّدٍ وآكد الطّيّبين الطاهرين وصحبه أجمعين
يتلو كتاب ذم الكبر والعجب
(١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم ( ٢٦٧٥).
(٢) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (١٩٣/١٠) من كلام سهل بن عبد الله يحكيه حديثاً
قدسياً ، والمقدسي في (( الترغيب في الدعاء)) ( ص٥٣ ) من كلام أحمد بن مخلد
الخراساني مثله ، وقد ذكره الديلمي في (( مسند الفردوس)) ( ٨٠٦٧) من حديث
أبي الدرداء رضي الله عنه .
٤٥٨

ڪْكِتَابُ
دِمِ الكترِوَالُ
وهو الكتاب التاسع من ربع المهلكات
من كتب إحياء علوم الدين
.
٤٥٩