Indexed OCR Text

Pages 381-400

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
ومهما عرفَ العبدُ مضرَّةَ الرياءِ ، وما يفوتَهُ مِنْ صلاح قلبِهِ ، وما يُحرمُ
عنهُ في الحالِ مِنَ التوفيقِ ، وفي الآخرةِ مِنَ المنزلةِ عندَ اللهِ ، وما يتعرَّضُ لهُ
مِنَ العقابِ العظيمِ ، والمقتِ الشديدِ ، والخزي الظاهرِ ؛ حيثُ يُنادى على
رؤوسِ الخلائقِ : يا فاجرُ ، يا غادرُ ، يا مرائي ؛ أما استحييتَ إذِ اشتريتَ
بطاعةِ اللهِ عَرَضَ الدنيا ، وراقبتَ قلوبَ العبادِ ، واستهزأتَ بطاعةِ اللهِ ،
وتحيبتَ إلى العبادِ بالتبغُّضِ إلى اللهِ ، وتزيَّتَ لهُمْ بِالشَّينِ عندَ اللهِ ، وتقرَّبتَ
إليهِمْ بالبعدِ مِنَ اللهِ ، وتحمَّدتَ إليهِمْ بالتذُّمِ عندَ اللهِ ، وطلبتَ رضاهُمْ
بالتعرُّضِ لسخَطِ اللهِ ؟! أما كانَ أحدٌ أهونَ عليكَ مِنَ اللهِ ؟!
فمهما تفكّرَ العبدُ في هذا الخزي ، وقابلَ ما يحصلُ لهُ مِنَ العبادِ
والتزينِ لهُمْ في الدنيا بما يفوتُهُ في الآخرةِ ، وبما يحبطُ عليهِ مِنْ ثوابِ
الأعمالِ ، معَ أنَّ العملَ الواحدَ ربَّما كانَ يترجَّحُ بهِ ميزانُ حسناتِهِ لَوْ خلصَ ،
فإذا فسدَ بالرياءِ .. حُوِّلَ إلى كِفَّةِ السيئاتِ فترجَّحَتْ بهِ ، ويهوي إلى النارِ ،
فلوْ لمْ يكنْ في الرياءِ إلا إحباطُ عبادةٍ واحدةٍ .. لكانَ ذلك كافياً في معرفةٍ
ضررِهِ ، وإنْ كانَ معَ ذلكَ سائرُ حسناتِهِ راجحةٌ ، فقدْ كانَ ينالُ بهذهِ الحسنةِ
علوَّ الرتبةِ عندَ اللهِ تعالى في زمرةِ النبيِينَ والصديقينَ ، وقدْ حُطَّ عنهُمْ بسببٍ
الرياءِ ، ورُدَّ إلى صفِّ النعالِ مِنْ مراتبِ الأولياءِ، هذا معَ ما يتعرَّضُ لهُ في
الدنيا مِنْ تشتُّتِ الهمِّ بسببِ ملاحظةِ قلوبِ الخلقِ ، فإِنَّ رضا الناسِ غايةٌ
لا تُدركُ ، فكلُّ ما يرضى بهِ فريقٌ يسخطُ بهِ فريقٌ ، ورضا بعضِهِمْ في سخطٍ
بعضِهِمْ، ومَنْ طلبَ رضاهُمْ في سخطِ اللهِ .. سخطَ اللهُ عليهِ، وأسخطَهُمْ
٤٦٠
٣٨١

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
أيضاً عليهِ ، ثمَّ أيُّ غرضٍ لهُ في مدحِهِمْ وإيثارِ ذمِّ اللهِ لأجلِ حمدِهِمْ ،
ولا يزيدُهُ مدحُهُمْ رزقاً ولا أجلاً ، ولا ينفعُهُ يومَ فقرِهِ وفاقتِهِ وهوَ يومُ
القيامةِ ؟!
وأمَّا الطمعُ فيما في أيديهِمْ .. فبأنْ يعلمَ أنَّ اللهَ تعالى هوَ المسخِّرُ
للقلوبِ بالمنع والإعطاءِ ، وأنَّ الخلقَ مضطرونَ فيهِ ، ولا رازقَ إلا اللهُ،
ومَنْ طمعَ في الخلقِ .. لمْ يخلُ مِنَ الذلِّ والخيبةِ ، وإنْ وصلَ إلى المرادِ ..
لمْ يخلُ عنِ المَنَِّ والمهانةِ ، فكيفَ يتركُ ما عندَ اللهِ لرجاءٍ كاذبٍ ووهمٍ فاسدٍ
قدْ يصيبُ وقدْ يخطىءُ، وإذا أصابَ .. فلا تفي لذَّتَهُ بألم منَتِهِ ومذلَّتِهِ ؟!
وأمَّا ذمُّهُمْ .. فِلِمَ يحذرُ منهُ ولا يزيدُهُ ذمُهُمْ شيئاً ممَّا لمْ يكتبْهُ اللهُ عليهِ ،
ولا يعجِّلُ أجلَهُ ولا يؤخِّرُ رزقَهُ، ولا يجعلُهُ مِنْ أهلِ النارِ إنْ كانَ مِنْ أهلِ
الجنَّةِ، ولا يبغِّضُهُ إلى اللهِ إنْ كانَ محموداً عندَ اللهِ ، ولا يزيدُهُ مقتاً إنْ كانَ
ممقوتاً عندَ اللهِ ؟! فالعبادُ كلُّهُمْ عجزةٌ لا يملكونَ لأنفسِهِمْ ضرّاً ولا نفعاً ،
ولا يملكونَ موناً ولا حياةً ولا نشوراً .
ـد
٢٠
Q
فإذا قرَّرَ في قلبهِ آفةَ هذهِ الأسبابِ وضررَها .. فترَتْ رغبتُهُ ، وأقبلَ
على اللهِ قلبُهُ ، فإنَّ العاقلَ لا يرغبُ فيما يكثرُ ضررُهُ ويقلُّ نفعُهُ .
ويكفيهِ أنَّ الناسَ لوْ علموا ما في باطنِهِ مِنْ قصدِ الرياءِ وإظهارِ
الإخلاصِ .. لمقتوهُ، وسيكشفُ اللهُ عنْ سرِّهِ حتَّى يبغُّضَهُ إلى الناسِ ،
ويعرِّفَهُمْ أنَّهُ مراءٍ وممقوتٌ عندَ اللهِ تعالى، ولوْ أخلصَ للهِ .. لكشفَ اللهُ لَهُمْ
١٢٠
ـشر
٣٨٢

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
إخلاصَهُ ، وحبَّهُ إليهِمْ، وسخَّرهُمْ لهُ، وأطلقَ ألسنتَهُمْ بحمدِهِ والثناءِ
عليهِ ، معَ أنَّهُ لا كمالَ في مدحِهِمْ ، ولا نقصانَ في ذمِّهِمْ ، كما قالَ شاعرٌ
مِنْ بني تميمٍ : إنَّ مدحي زينٌ ، وإنَّ ذمِّي شينٌ ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ : (( كذبتَ، ذاكَ اللهُ الذي لا إلهَ إلاَّ هوَ))(١)، إذْ لا زينَ إلا في
مدحِهِ ، ولا شينَ إلا في ذمِّهِ ، فأيُّ خيرٍ لكَ في مدحِ الناسِ وأنتَ عندَ اللهِ
مذمومٌ ومِنْ أهلِ النارِ ؟! وأيُّ شرِّ لكَ في ذمِّ الناسِ وأنتَ عندَ اللهِ محمودٌ في
زمرةِ المقرَّبينَ ؟!
فمَنْ أحضرَ في قلبهِ الآخرةَ ونعيمَها المؤبَّدَ ، والمنازلَ الرفيعةَ
عندَ اللهِ .. استحقرَ ما يتعلَّقُ بالخلقِ أيامَ الحياةِ ، معَ ما فيهِ مِنْ الكدوراتِ
والمنغِّصاتِ، واجتمعَ هُّهُ، وانصرفَ إلى اللهِ قلبُهُ ، وتخلَّصَ مِنْ مذمَّةِ
الرياءِ ومقاساةٍ قلوبِ الخلقِ ، وانعطفَ مِنْ إخلاصِهِ أنوارٌ على قلبِهِ ینشرحُ
بها صدرُهُ ، وينفتحُ بها لهُ مِنْ لطائفِ المكاشفاتِ ما يزيدُ بهِ أنسُهُ باللهِ
واستيحاشُهُ مِنَ الخلقِ، واستحقارُهُ للدنيا ، واستعظامُهُ للآخرةِ ، وسقطَ
محلّ الخلقِ مِنْ قلبهِ ، وانحلَّتْ عنهُ داعيةُ الرياءِ ، وتذَلَّلَ لهُ منهجُ
الإخلاصِ .
فهذا وما قدَّمناهُ في الشطرِ الأولِ هيَ الأدويةُ العلميَّةُ القالعةُ مغارسَ
الرياءِ .
(١) والقائل هو الأقرع بن حابس، كما رواه أحمد في ((المسند)) (٣٩٣/٦) دون زيادة :
( كذبت)، وهي عند الروياني في ((مسنده)) ( ٣٠٧).
٣٨٣

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
وأمَّا الدواءُ العمليُّ .. فهوَ أنْ يعوِّدَ نفسَهُ إخفاءَ العباداتِ ، وإغلاقَ
الأبواب دونَها ، كما تُغْلقُ الأبوابُ دونَ الفواحشِ ، حتَّى يقنعَ قلبُهُ بعلمِ اللهِ
واطلاعِهِ على عبادتِهِ ، ولا تنازعَهُ النفسُ إلى طلبٍ علمٍ غيرِ اللهِ بِهِ .
وقدْ رُوِيَ أَنَّ بعضَ أصحابِ أبي حفص الحدادِ ذَّ الدنيا وأهلها ، فقالَ
لهُ أبو حفصٍ : ( أظهرتَ ما كانَ سبيلُكَ أنْ تخفيَهُ ، لا تجالسْنا بعدَ
هذا)، فلمْ يرخِّصْ في إظهارِ ههذا القدْرِ ؛ لأنَّ في ضمنٍ ذمِّ الدنيا دعوى
الزهدِ فيها ، فلا دواءَ للرياءِ مثلُ الإخفاءِ ، وذلكَ يشقُّ في بدايةِ المجاهدةِ ،
وإذا صبرَ عليهِ مدَّةً بالتكلُّفِ .. سقط عنهُ ثقلُهُ ، وهانَ عليهِ ذلكَ بتواصلٍ
ألطافِ اللهِ وما يمذُّ بهِ عبادَهُ مِنْ حسنِ التوفيقِ والتأييدِ ، ولكنَّ اللهَ لا يغيِّرُ
ما بقومٍ حتَّى يغيِّرُوا ما بأنفسِهِمْ، فمِنَ العبدِ المجاهدةُ ومِنَ اللهِ الهدايةُ ،
ومِنَ العبدِ قرعُ البابِ ومِنَ اللهِ فتحُ البابِ ، واللهُ لا يضيعُ أجرَ المحسنينَ ،
وإنْ تكُ حسنةً .. يضاعفْها، ويؤتٍ مِنْ لدنْهُ أجراً عظيماً .
المقامُ الثاني : في دفع العارضِ منهُ في أثناءِ العبادةِ :
وذلكَ لا بدَّ مِنْ تعلُّمِهِ أيضاً ، فإنَّ مَنْ جاهدَ نفسَهُ ، وقلعَ مغارسَ الرياءِ
مِنْ قلبِهِ بالقناعةِ ، وقطع الطمع ، وإسقاطِ نفسِهِ مِنْ أعينِ المخلوقينَ ،
واستحقارِ مدحِ المخلوقينَ وذمِّهِمْ .. فالشيطانُ لا يتركُهُ في أثناءِ العبادةِ ، بلْ
يعارضُهُ بخطراتِ الرياءِ ولا تنقطعُ عنهُ نزغاتُهُ ، وهوى النفسِ وميلُها
٣٨٤

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
لا ينمحي بالكليّةِ ، فلا بدَّ وأنْ يتشمَّرَ لدفع ما يعرضُ مِنْ خاطرِ الرياءِ .
وخواطرُ الرياءِ ثلاثةٌ ، قدْ تخطرُ دفعةً واحدةٌ كالخاطرِ الواحدِ ، وقدْ
تترادفُ على التدريجِ .
فالأولُ : العلمُ باطلاع الخلقِ ورجاءُ اطلاعِهِمْ، ثمّ يتلوهُ هيجانُ الرغبةِ
مِنَ النفسِ في حمدِهِمْ وحصولِ المنزلةِ عندَهمْ، ثمَّ يتلوهُ قبولُ النفسِ لهُ
والركونُ إليهِ ، وعقدُ الضميرِ على تحقيقِهِ ، فالأوَّلُ : معرفةٌ ، والثاني :
حالةٌ تُسمَّى الشهوةَ والرغبةَ ، والثالثُ : فعلٌ يُسمَّى العزمَ وتصميمَ العقدِ .
وإنَّما كمالُ القوةِ في دفع الخاطرِ الأوَّلِ وردِّه قبلَ أنْ يتلوَهُ الثاني ، فإذا
خطرَ لهُ معرفةُ اطلاع الخلقِ أوْ رجاءُ اطلاعِهِمْ .. دفعَ ذلكَ بأنْ قالَ : ما لكَ
وللخلقِ ، علموا أوْ لمْ يعلموا واللهُ عالمٌ بحالِكَ؟! فأيُّ فائدةٍ في علمٍ
غیرِهِ ؟!
فإِنْ هَاجَتِ الرغبةُ إلى لذَّةِ الحمدِ .. تذكَّرَ ما رسخَ في قلبِهِ مِنْ قبلُ مِنْ
آفةِ الرياءِ ، وتعرضِهِ للمقتِ عندَ اللهِ في القيامةِ ، وخيبتِهِ في أحوج أوقاتِهِ إلى
أعمالِهِ ، فكما أنَّ معرفةَ اطلاع الناسِ تثيرُ شهوةً ورغبةً في الرياءِ .. فمعرفةٌ
آفةِ الرياءِ تثيرُ كراهةً لهُ تقابلُ تلكَ الشهوةَ ؛ إذْ يتفكرُ في تعرُّضِهِ لمقتِ اللهِ
وعقابِهِ الأليمِ ، والشهوةُ تدعوهُ إلى القبولِ، والكراهةُ تدعوهُ إلى الإباءِ ،
والنفسُ تطاوعُ - لا محالةَ - أقواهُما وأغلبَهُما .
فإذاً ؛ لا بدَّ في ردِّ الرياءِ مِنْ ثلاثةِ أمورِ : المعرفةِ ، والكراهةِ، والإباءِ.
٣٨٥

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
وقدْ يشرعُ العبدُ في العبادةِ على عزمِ الإخلاصِ ، ثمَّ يرِدُ خاطرُ الرياءِ
فيقبلُهُ ، ولا تحضرُهُ المعرفةُ ولا الكراهةُ التي كانَ الضميرُ منطوياً عليها ،
وإنَّما سببُ ذلكَ امتلاءُ القلبِ بخوفِ الذمِّ وحبُّ الحمدِ ، واستيلاءُ الحرصِ
عليهِ ؛ بحيثُ لا يبقى في القلبِ متَّسعٌ لغيرِهِ ، فتعزبُ عنِ القلبِ المعرفةُ
السابقةُ بآفاتِ الرياءِ وشؤم عاقبتِهِ ؛ إذْ لمْ يبقَ موضعٌ في القلبِ خالٍ عنْ
شهوةِ الحمدِ أوْ خوفِ الذمِّ ، وهوَ كالذي يحدِّثُ نفسَهُ بالحلمِ وذمِّ
الغضبِ ، ويعزمُ على التحلُّمِ عندَ جريانِ سببِ الغضبِ ، ثمَّ يجري مِنَ
الأسبابِ ما يشتدُّ بهِ غضبُهُ، فينسى سابقَ عزمِهِ ، ويمتلىءُ قلبُهُ غيظاً يمنعُ مِنْ
تذكُّرِ آفةِ الغضبِ ، ويشتغلُ عنهُ ، فكذلكَ حلاوةُ الشهوةِ تملأ القلبَ وتدفعُ
نورَ المعرفةِ مثلَ مرارةِ الغضبِ ، وإليهِ أشارَ جابرٌ بقولِهِ : بايعْنا رسولَ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تحتَ الشجرةِ على ألا نفزَّ ، ولمْ نبايعْهُ على الموتِ ،
فأُنسيناها يومَ حنينٍ ، حتَّى نُوديَ: يا أصحابَ الشجرةِ؛ فرجعوا(١) ،
وذلكَ لأنَّ القلوبَ امتلأَتْ بالخوفِ فنسيَتِ العهدَ السابقَ ، حتى ذُكِّروا ،
وأكثرُ الشهواتِ التي تهجمُ فجأةً هكذا تكونُ ؛ إذْ تنسي معرفةَ مضرتِهِ
(١) كذا في ((الرعاية)) ( ص ١٨٦)، وهو مجموع حديثين رواهما مسلم ( ١٨٥٦،
١٧٧٥ )، فالأول من حديث جابر رضي الله عنه قال : ( كنا يوم الحديبية ألفاً وأربع
مئة ، فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سَمُرة ، وقال : بايعناه على ألا نفر ،
ولم نبايعه على الموت ) ، والثاني من حديث العباس رضي الله عنه ، وفيه ذکر إدبار
المسلمين يوم حنين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أمر العباس أن ينادي
أصحاب السمرة ، فلما ناداهم .. عادوا كحنين البقر إلى أولادها .
٣٨٦

ربع المهلكات
حن
کتاب ذم الجاه والرياء
الداخلةِ في عقدِ الإيمانِ ، ومهما نسيَ المعرفةَ .. لمْ تظهرِ الكراهةُ ، فإنَّ
الكراهةَ ثمرةُ المعرفةِ .
جة
وقدْ يتذكَّرُ الإنسانُ فيعلمُ أنَّ الخاطرَ الذي خطرَ لهُ هوَ خاطرُ الرياءِ الذي
يعرِّضُهُ لسخطِ اللهِ ، ولكنْ يستمرّ عليهِ لشدَّةِ شهوتِهِ ، فيغلبُ هواهُ عقلَهُ ،
ولا يقدرُ على تركِ لذَّةِ الحالِ ، فيسوِّفُ بالتوبةِ ، أَوْ يتشاغلُ عنِ التفكّرِ في
ذلكَ لشدَّةِ الشهوةِ ، فكمْ مِنْ عالمٍ يحضرُهُ كلامٌ لا يدعوهُ إلى النطقِ بهِ إلا
رياءُ الخلقِ ، وهوَ يعلمُ ذلكَ ، ولكنَّهُ يستمرُّ عليهِ ، فتكونُ الحجةُ عليهِ
أوكدَ ؛ إذْ قبلَ داعيَ الرياءِ معَ علمِهِ بغائلتِهِ وكونِهِ مذموماً عندَ اللهِ ،
ولا تنفعُهُ معرفتُهُ إذا خَلَتِ المعرفةُ عنِ الكراهةِ .
وقدْ تحضرُ المعرفةُ والكراهةُ ، ولكنْ معَ ذلكَ يقبلُ داعيَ الرياءِ ويعملُ
بهِ ؛ لكونِ الكراهةِ ضعيفة بالإضافةِ إلى قوةِ الشهوةِ ، وهذا أيضاً لا ينتفعُ
بكراهتِهِ ؛ إذِ الغرضُ مِنَ الكراهةِ أنْ تصرفَ عنِ الفعلِ .
فإذاً ؛ لا فائدةَ إلا في اجتماع الثلاثِ ، وهيَ : المعرفةُ ، والكراهةُ ،
والإباءُ ، فالإباءُ ثمرةُ الكراهةِ ، والكراهةُ ثمرةُ المعرفةِ ، وقوةُ المعرفةِ
بحسبٍ قوةِ الإِيمانِ ونورِ العلمِ ، وضعفُ المعرفةِ بحسبِ الغفلةِ ، وحبّ
الدنيا ونسيانِ الآخرةِ ، وقلةِ التفكرِ فيما عندَ اللهِ ، وقلةِ التأملِ في آفاتٍ
الحياةِ الدنيا وعظمٍ نعيم الآخرةِ ، وبعضُ ذلكَ ينتجُ بعضاً ويثمرُهُ ، وأصلُ
ذلكَ كلِّهِ حبُّ الدنيا وغلبةُ الشهواتِ ، فهوَ رأسُ كلِّ خطيئةٍ ، ومنبعُ كلِّ
ذنبٍ ؛ لأنَّ حلاوةَ حبِّ الجاهِ والمنزلةِ ونعيمِ الدنيا هيَ التي تغمرُ القلبَ
٣٨٧
٥

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
وتسلبُهُ ، وتحولُ بينَهُ وبينَ التفكّرِ في العاقبةِ ، والاستضاءةِ بنورِ الكتابِ
والسنةِ وأنوارِ العلومِ .
فإنْ قلتَ : فمَنْ صادفَ مِنْ نفسِهِ كراهةَ الرياءِ ، وحملَتْهُ الكراهةُ على
الإباءِ ، ولكنَّهُ معَ ذلكَ غيرُ خالٍ عنْ ميلِ الطبع إليهِ وحبِّهِ لهُ ومنازعتِهِ إِيَّاهُ ،
إلا أنَّهُ كارةٌ لحبِّهِ ولميلِهِ وغيرُ محببٍ إليهِ .. فهلْ يكونُ في زمرةِ المرائينَ ؟
فاعلمْ: أنَّ اللهَ تعالى لمْ يكلِّفِ العبدَ إلا ما يطيقُ ، وليسَ في طاقةِ العبدِ
منعُ الشيطانِ عنْ نزغاتِهِ ، ولا قمعُ الطبع حتَّى لا يميلَ إلى الشهواتِ
ولا ينزعَ إليها، وإنَّما غايتُهُ أنْ يقابلَ شهوتَهُ بكراهةٍ استثارَها مِنْ معرفةٍ
العواقبِ وعلمِ الدينِ ، وأصولِ الإيمانِ باللهِ واليوم الآخرِ ، فإذا فعلَ ذلكَ ..
فهوَ الغايةُ في أداءِ ما كُلِّفَهُ .
ويدلُّ على ذلكَ مِنَ الأخبارِ ما رُوِيَ أنَّ أصحاب رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ شكَوا إليهِ وقالوا : تعرضُ لقلوبِنا أشياءُ لأَنْ نخرَّ مِنَ السماءِ فتخطفَنا
الطيرُ أوْ تهويَ بنا الريحُ في مكانٍ سحيقٍ .. أحبُّ إلينا مِن أنْ نتكلّمَ بها ،
فقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((أوَقدْ وجدتُموهُ ؟ )) قالوا : نعمْ، قال :
(( ذلكَ صريحُ الإيمانِ )) (١)، ولمْ يجدوا إلا الوسواسَ والكراهةَ لهُ.
(١) رواه مسلم (١٣٢)، وابن حبان في ((صحيحه)) (١٤٩)، وهو الحديث المنعوت
بحديث الوسوسة .
٣٨٨

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
ولا يمكنُ أنْ يُقالَ : أرادَ بـ( صريحُ الإيمانِ ) : الوسوسةَ ؛ فلمْ يبقَ إلا
حملُهُ على الكراهةِ المساوقةِ للوسوسةِ ، والرياءُ وإنْ كانَ عظيماً .. فهوَ دونَ
الوسوسةِ في حقِّ اللهِ تعالى ، فإذا اندفعَ ضررُ الأعظمِ بالكراهةِ .. فبأنْ يندفعَ
بها ضررُ الأصغرِ أولى .
وكذلك يُروى عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّهُ
قالَ: ((الحمدُ للهِ الذي ردَّكيدَ الشيطانِ إلى الوسوسةِ))(١).
وقالَ أبو حازمٍ : ( ما كانَ مِنْ نفسِكَ فكرهَتْهُ نفسُكَ لنفسِكَ .. فلا
يضرُّكُ ما هوَ مِنْ عِدوَّكَ، وما كانَ مِنْ نفسِكَ فرضيَتْهُ نفسُكَ لنفسِكَ ..
فعاتبْها عليهِ )(٢) .
فإذاً ؛ وسوسةُ الشيطانِ ومنازعةُ النفسِ لا تضرُّكَ مهما رددتَ مرادَهُما
بالإباءِ والكراهةِ ، والخواطرُ التي هيَ العلومُ والتذكراتُ والتخيلاتُ
للأسبابِ المهيجةِ للرياءِ هِيَ مِنَ الشيطانِ ، والرغبةُ والميلُ بعدَ تلكَ الخواطرِ
مِنَ النفسِ ، والكراهةُ مِنَ الإيمانِ ومِنْ آثارِ العقلِ .
(١) رواه أبو داوود (٥١١٢)، والنسائي في (( السنن الكبرى)) (١٠٤٣٤)، وكان جواباً
عن شكواهم تلك .
(٢) كذا في ((الرعاية)) (ص ١٨٨)، وقال: ( وقال زيد بن أسلم مثل ذلك ) ، وهو عن
زيد بن أسلم رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٨٣١)، وأبو نعيم في « الحلية »
( ٣ /٢٢١ ) .
٣٨٩

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
إلا أنَّ للشيطانِ ههنا مكيدةً ؛ وذلكَ أنَّهُ إذا عجزَ عنْ حمِلِهِ على قبولِ
الرياءِ .. خيَّلَ إليهِ أنَّ صلاحَ قلبِهِ في الاشتغالِ بمجادلةِ الشيطانِ ، ومطاولتِهِ
في الردِّ والجدالِ، حتَّى يسلبَهُ ثوابَ الإخلاصِ وحضورَ القلبِ ؛ لأنَّ
الاشتغالَ بمجادلةِ الشيطانِ ومدافعتِهِ انصرافٌ عنْ سرِّ المناجاةِ معَ اللهِ
تعالى ، فيوجبُ ذلكَ نقصاناً في منزلتِهِ عندَ اللهِ تعالى .
والمتخلصونَ عنِ الرياءِ في دفعٍ خواطرِ الرياءِ على أربعٍ مراتبَ :
الرقبةُ الأولى: أنْ يردّ على الشيطانِ مكيدتَهُ فيكذبَهُ ، ولا يقتصرُ علیهِ ،
بلْ يشتغلُ بمجادلتِهِ ، ويطيلُ الجدالَ معَهُ ؛ لظنِّهِ أنَّ ذلكَ أسلمُ لقلبِهِ ، وهوَ
على التحقيقِ نقصانٌ ؛ لأنَّهُ اشتغلَ عنْ مناجاةِ اللهِ تعالى وعنِ الخيرِ الذي هوَ
بصددِهِ ، وانصرفَ إلى قتالِ قطّاع الطريقِ ، والتعريجُ على قتالِ قطّاعِ الطريقِ
نقصانٌ في السلوكِ .
الرتبةُ الثانيةُ : أَنْ يعرفَ أنَّ الجدالَ والقتالَ نقصانٌ في السلوكِ ، فيقتصرُ
على تكذيبهِ ودفعِهِ ، ولا يشتغلُ بمجادلتِهِ .
الرتبةُ الثالثةُ: ألاَّ يشتغلَ بتكذيبهِ أيضاً ؛ لأنَّ ذلكَ وقفةٌ وإنْ قَلَّتْ ، بلْ
يكونُ قدْ قرَّرَ في عقدٍ ضميرِهِ كراهةَ الرياءِ وكذبَ الشيطانِ ، فيستمُّ على
ما كانَ عليهِ مستصحباً للكراهةِ غيرَ مشتغلٍ بالتكذيبِ ولا بالمخاصمةِ .
الرتبةُ الرابعةُ : أنْ يكونَ قدْ علمَ أنَّ الشيطانَ سيحسدُهُ عندَ جريانِ أسبابٍ
٣٩٠

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
الرياءِ، فيكونَ قدْ عزمَ على أنَّهُ مهما نزِغَ الشيطانُ .. زادَ فيما هوَ فيهِ مِنَ
الإخلاصِ والاشتغالِ باللهِ تعالى ، وإخفاءِ الصدقةِ والعبادةِ ؛ غيظاً
للشيطانِ ، وذلكَ هوَ الذي يغيظُ الشيطانَ ويقمعُهُ ، ويوجبُ يأْسَهُ وقنوطَهُ
حتَّى لا يرجعَ .
يُروى عنِ الفضيلِ بنِ غَزْوانَ أنَّهُ قيلَ لهُ : إنَّ فلاناً ذكرَكَ ، فقالَ : واللهِ ؛
لأَغيظنَّ مَنْ أمرَهُ ، قيلَ : ومَنْ أمرَهُ؟ قالَ : الشيطانُ، ثمّ قالَ : اللهمَّ ؛
اغفرْ لهُ؛ أي: لأغيظَنَّهُ بأنْ أطيعَ اللهَ فِيهِ(١) .
3
ومهما عرفَ الشيطانُ مِنْ عبدٍ هذهِ العادةَ .. كفَّ عنهُ ؛ خيفةً مِنْ أنْ يزيدَ
في حسناتِهِ .
وقالَ إبراهيمُ التيميُّ : ( إنَّ الشيطانَ ليدعو العبدَ إلى البابِ مِنَ الإثمِ ،
فلا يطيعُهُ ويحدثُ عندَ ذلكَ خيراً، فإذا رآهُ كذلكَ .. تركَهُ)(٢).
وقالَ أيضاً : ( إذا رآكَ الشيطانُ متردداً .. طمعَ فيكَ، وإذا رآكَ
مداوماً .. ملَّكَ وقلاكَ)(٣).
وضربَ الحارثُ المحاسبيُّ رحمَهُ اللهُ لهذهِ الأربعةِ مثالاً أحسنَ فيهِ
فقالَ : مثالُهُمْ كأربعةِ قصدوا مجلساً مِنَ العلمِ والحديثِ ؛ لينالوا بهِ فائدةً
(١) كذا في ((الرعاية)) (ص ١٩٥)، وبنحوه رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٧٠).
(٢) الرعاية (ص ١٩٥)، وزاد: ( ثم يدعوه إلى الباب من الإثم ، فلا يطيعه ، ويحدثُ
عند ذلك خيراً ، فإذا رآه كذلك .. تركه ) .
(٣) الرعاية (ص ١٩٥).
٣٩١

کتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
وفضلاً ، وهدايةً ورشداً ، فحسدَهُمْ على ذلك ضالٌّ مبتدعٌ ، وخافَ أنْ
يعرفوا الحقَّ، فتقدَّمَ إلى واحدٍ منهُمْ ليمنعَهُ ويصرفَهُ عنهُ ، ودعاهُ إلى مجلسٍ
ضلالٍ فأبى ، فلمَّا عرفَ إباءَهُ .. شغلَهُ بالمجادلةِ، فاشتغلَ معَهُ ليردَّ ضلالَهُ
وهوَ يظنُّ أنَّ ذلكَ مصلحةٌ ، وهوَ غرضُ الضالِّ ليفوتَ عليهِ بقدْرِ تأخرِهِ .
فلمَّا مرَّ الثاني عليهِ .. نهاهُ واستوقفَهُ فوقفَ ، فدفعَ في نحرِ الضالٌّ ولمْ
يشتغلْ بالقتالِ واستعجلَ ، ففرحَ منهُ الضالُّ بقدْرِ توقُّفِهِ للدَّفع فیهِ .
ومرّ بهِ الثالثُ ، فلمْ يلتفتْ إليهِ ، ولمْ يشتغلْ بدفعِهِ ولا بقتالِهِ ، بلٍ
استمرَّ على ما كانَ، فخابَ منهُ رجاؤُهُ بالكليّةِ .
فمرَّ الرابعُ فلمْ يتوقَّفْ لهُ ، وأرادَ أنْ يغيظَهُ فزادَ في عجلتِهِ وتركَ التأنِّيَّ
في المشي .
فيوشكُ إنْ عادوا ومرُوا عليهِ مرةً أخرى أنْ يعاودَ الجميعَ إلا هذا
الأخيرَ، فإنَّهُ لا يعاودُهُ ؛ خيفةٌ مِنْ أنْ يزدادَ فائدةً باستعجالِهِ(١) .
فإِنْ قلتَ : الشيطانُ إذا كانَ لا تُؤْمنُ نزغاتُهُ .. فهلْ يجبُ الترصدُ لهُ قبلَ
حضورِهِ للحذرِ منهُ ؛ انتظاراً لورودِهِ ، أمْ يجبُّ التوكلُ على اللهِ ليكونَ هوَ
الدافعَ لهُ ، أوْ يجبُ الاشتغالُ بالعبادةِ والغفلةُ عنهُ ؟(٢).
(١) الرعاية ( ص ١٩٥).
(٢) الرعاية ( ص ١٩٦).
٣٩٢

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
قلنا : اختلفَ الناسُ فيهِ على ثلاثةِ أوجهٍ :
فذهبَتْ فرقةٌ مِنْ أهلِ البصرةِ إلى أنَّ الأقوياءَ قدِ استغنَوا عنِ الحذرِ مِنَ
الشيطانِ ؛ لأنَّهُمُ انقطعوا إلى اللهِ تعالى، واشتغلوا بحبِّهِ، فاعتزلَهُمُ
الشيطانُ وأيسَ منهُمْ وخنسَ عنهُمْ ؛ كما أيسَ مِنْ ضعفاءِ العبادِ في الدعوةِ
إلى الخمرِ والزنا ، فصارَتْ ملاذُ الدنيا عندَهُمْ - وإنْ كانَتْ مباحةً - کالخمرِ
والخنزيرِ، وإِذْ خلَوا مِنْ حبِّها بالكليّةِ .. لمْ يبقَ للشيطانِ إليهِمْ سبيلٌ ، فلا
حاجةَ بِهِمْ إلى الحذرِ .
وذهبَتْ فرقةٌ مِنْ أهلِ الشام إلى أنَّ الترصدَ للحذرِ منهُ إنَّما يحتاجُ إليهِ مَنْ
قلَّ يقينُهُ، ونقصَ توُّلُهُ، فمَنْ أيقنَ بأنْ لا شريكَ للهِ في تدبيرِهِ .. فلا يحذرُ
غيرَهُ، ويعلمُ أنَّ الشيطانَ ذليلٌ مخلوقٌ ليسَ إليهِ أمرٌ ، ولا يكونُ إلا
ما أرادَهُ اللهُ تعالى ، فهو الضارُّ والنافعُ ، والعارفُ يستحيي مِنَ اللهِ تعالى أنْ
يحذرَ غيرَهُ ، فاليقينُ بالوحدانيَّةِ يغنيهِ عنِ الحذرِ .
وقالَتْ فرقةٌ مِنْ أهلِ العلمِ : لا بدَّ مِنَ الحذرِ مِنَ الشيطانِ .
وما ذكرَهُ البصريونَ مِنْ أنَّ الأقوياءَ قدِ استغنَوا عنِ الحذرِ ، وخلَتْ قلوبُهُمْ
عنْ حبّ الدنيا بالكلِّيّةِ وهيَ وسيلةُ الشيطانِ .. يكادُ يكونُ غروراً؛ إذِ الأنبياءُ
عليهِمُ السلامُ لمْ يتخلّصوا مِنْ وساوس الشيطانِ ونزغاتِهِ ، فكيفَ يتخلَّصُ
غيرُهُمْ؟!
وليسَ كلُّ وسواسِ الشيطانِ مِنَ الشهواتِ وحبِّ الدنيا ، بلْ في
٣٩٣

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
صفاتِ اللهِ تعالى وأسمائِهِ ، وفي تحسينِ البدع والضلالِ وغيرِ ذلكَ ،
ولا ينجو أحدٌ مِنَ الخطرِ فيهِ، ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىّ أُمْنِيَّتِهِ، فَيَنْسَخُ اَللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ
يُحْكِمُ اللَّهُ ءَايَتِهِ، وَاللَّهُ عَلِيِمُ حَكِيمٌ﴾.
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّهُ لِيُغانُ على قلبي))(١)، معَ أنَّ
شيطانَهُ قدْ أسلمَ ولا يأمرُهُ إلا بخيرٍ ، فمَنْ ظنَّ أنَّ اشتغالَهُ بحبِّ اللهِ أكثرُ مِنِ
اشتغالِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وسائرِ الأنبياءِ عليهِمُ السلامُ .. فهوَ
مغرورٌ، ولمْ يؤمِّنْهُمْ ذلكَ مِنْ كيدِ الشيطانِ ؛ ولذلكَ لمْ يسلمْ منهُ آدم وحواءُ
في الجنَّةِ التي هيَ دارُ الأمنِ والسرورِ بعدَ أنْ قالَ اللهُ تعالىُ لهُما: ﴿إِنَّ هَذَا
عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَتَُّها مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىَ ﴾ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَّجُوعَ فِيَهَا وَلَا تَعْرَى
وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُاْ فِيَهَا وَلَا تَضْحَى﴾ معَ أنَّهُ لِمْ يُنَهَ إلا عنْ شجرةٍ واحدةٍ ، وأُطلقَ لهُ
وراءَ ذلكَ ما أرادَ ، فإذا لمْ يأمنْ نبيٍّ مِنَ الأنبياءِ وهوّ في الجنةِ دارِ الأمنِ
والسعادةِ مِنْ كيدِ الشيطانِ .. فكيفَ يجوزُ لغيرِهِ أنْ يأمنَ في دارِ الدنيا وهيَ
منبعُ الفتنِ والمحنِ ومعدِنُ الملاذُّ والشهواتِ المنهيِّ عنها ؟!
وقالَ موسى عليهِ السلامُ فيما أخبرَ عنهُ اللهُ تعالى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ
الشَّيْطَنِ﴾ .
ولذلكَ حذَّرَ اللهُ منهُ جميعَ الخلقِ فقالَ تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ
(١) رواه مسلم ( ٢٧٠٢ ) .
٣٩٤

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ الْجَّةِ﴾، وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّهُ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ
حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾، والقرآنُ مِنْ أولِهِ إلى آخرِهِ تحذيرٌ مِنَ الشيطانِ؛ فكيفَ
يُدَّعى الأمنُ منهُ ؟!
وأخذُ الحذرِ مِنْ حيثُ أمرَ اللهُ تعالى بهِ لا ينافي الاشتغالَ بحبِّ اللهِ ؛ فإنَّ
مِنَ الحبِّ لهُ امتثالَ أمرِهِ ، وقدْ أمرَ بالحذرِ مِنَ العدوِّ ، كما أمرَ بالحذرِ مِنَ
الكفارِ ، فقالَ تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾، وقال تعالى :
﴿ وَأَعِدُواْلَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم ◌ِن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ فإذا لزمَكَ بأمرِ اللهِ الحذرُ
مِنَ العدوِّ الكافرِ وأنتَ تراهُ .. فبأنْ يلزمَكَ الحذرُ مِنْ عدوٍّ يراكَ ولا تراهُ
أولى ؛ ولذلكَ قالَ ابنُ محيريزِ: ( صيدٌ تراهُ ولا يراكَ يوشكُ أنْ تظفرَ بهِ ،
وصيدٌ يراكَ ولا تراهُ يوشكُ أنْ يظفرَ بكَ)(١) ، فأشارَ إلى الشيطانِ ، فكيفَ
وليسَ في الغفلةِ عنْ عداوةِ الكافرِ إلا قتلُ هوَ شهادةٌ ، وفي إهمالِ الحذرِ مِنَ
الشيطانِ التعرضُ للنارِ والعقابُ الأليمُ ؟!
فليسَ مِنَ الاشتغالِ باللهِ الإعراضُ عمَّا حذَّرَ اللهُ، وبهِ يبطلُ مذهبُ الفرقةِ
الثانيةِ في ظنِّهِمْ أنَّ ذلكَ قادحٌ في التوكلِ ؛ فإنَّ أخذَ الترسِ والسلاحِ ،
وجمعَ الجنودِ ، وحفرَ الخندقِ .. لمْ يقدحْ في توكُّلِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ ، فكيفَ يقدحُ في التوُّلِ الخوفُ ممَّا خوَّفَ اللهُ بِهِ ، والحذرُ ممَّا
أمرَ اللهُ بالحذرِ مِنْهُ ؟!
(١) الرعاية (ص ٢٠٠) بنحوه .
٣٩٥

کتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
وقدْ ذكرنا في كتابِ التوكُّلِ ما يبيِّنُ غلطَ مَنْ ظنَّ أنَّ معنى التوتُّلِ النزوعُ
عنِ الأسبابِ بالكليّةِ .
وقولُهُ تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ اٌلْخَيْلِ﴾
لا يناقضُ امتثالَ التوُّلِ مهما اعتقدَ القلبُ أنَّ الضارَّ والنافعَ والمحبيَ
والمميتَ هوَ اللهُ تعالى ، فكذلكَ يحذرُ الشيطانَ ويعتقدُ أنَّ المضلَّ والهاديَ
هَوَ اللهُ؛ ويرى الأسبابَ وسائطَ مسخرةً كما ذكرناهُ في كتابِ التوكُّلِ ، وهذا
ما اختارَهُ الحارثُ المحاسبيُّ رحمَهُ اللهُ(١)، وهوَ الصحيحُ الذي يشهدُ لهُ نورُ
العلم ، وما قبلَهُ يشبهُ أنْ يكونَ مِنْ كلامِ العبّادِ الذينَ لمْ يغزُرْ علمُهُمْ ،
ويظنُّونَ أنَّ ما يهجمُ عليهِمْ مِنَ الأحوالِ في بعضِ الأوقاتِ مِنَ الاستغراقِ باللهِ
يستمرُّ على الدوامِ ، وهوَ بعيدٌ .
1
٧٠
ثمَّ اختلفَتْ هذهِ الفرقةُ على ثلاثةِ أوجهٍ في كيفيةِ الحذرِ :
فقالَ قومٌ: إذا حذَّرَنا اللهُ تعالى العدوّ .. فلا ينبغي أنْ يكونَ شيءٌ أغلبَ
على قلوبِنا مِنْ ذكرِهِ والحذرِ منهُ والترصدِ لهُ ؛ فإنَّا إنْ غفلنا عنهُ لحظةً ..
فيوشكُ أنْ يهلكنا .
وقالَ قومٌ : إنَّ ذلكَ يؤدي إلى خلوِّ القلبِ عنْ ذكرِ اللهِ تعالى ، واشتغالٍ
الهمِّ كلُّهِ بالشيطانِ، وذلكَ مرادُ الشيطانِ منَّا، بلْ نشتغلُ بالعبادةِ ويذكرِ اللهِ
تعالى ، ولا ننسى الشيطانَ وعداوتَهُ، والحاجةَ إلى الحذرِ منهُ ؛ فنجمعُ بينَ
(١) كما في ((الرعاية)) (ص ١٩٦ -٢٠٢).
٣٩٦

ربع المهلكات
کتاب ذم الجاه والرياء
الأمرين فإنَّا إنْ نسيناهُ .. ربّما عرضَ مِنْ حيثُ لا نحتسبُ، وإنْ تجردنا
لذكرِهِ .. كنَّا قدْ أهملنا ذكرَ اللهِ ، فالجمعُ أولى .
وقالَ العلماءُ المحققونَ : غلطَ الفريقانِ، أمَّا الأولُ .. فقدْ تجرَّدَ لذكرِ
الشيطانِ ونسيَ ذكرَ اللهِ ، فلا يخفى غلطُهُ، وإنَّما أُمرنا بالحذرِ مِنَ
الشيطانِ ؛ كي لا يصدَّنا عنِ الذكرِ ، فكيفَ نجعلُ ذكرَهُ أغلبَ الأشياءِ على
قلوبِنا وهوَ منتهى غرضِ العدوِّ ؟! ثمَّ يؤدي ذلكَ إلى خلوِّ القلبِ عنْ نورِ
ذكرِ اللهِ تعالىُ ، فإذا قصدَ الشيطانُ مثلَ هذا القلبِ وليسَ فيهِ نورُ ذكرِ اللهِ
تعالى وقوةُ الاشتغالِ بهِ .. فيوشكُ أنْ يظفرَ بهِ ، ولا يقوى على دفعِهِ ، فلمْ
نُؤمرْ بانتظارِ الشيطانِ ولا بإدمانِ ذکرِهِ .
وأمَّا الفرقةُ الثانيةُ : فقدْ شاركَتِ الأولى؛ إذْ جمعَتْ في القلبِ بينَ
ذكرِ اللهِ والشيطانِ ، وبقدْرِ ما يشتغلُ القلبُ بذكرِ الشيطانِ ينقصُ مِنْ ذكرِ اللهِ
عزَّ وجلَّ، وقدْ أمرَ اللهُ الخلقَ بذكرِهِ ونسيانِ ما عداهُ ؛ إبليسَ وغيرَهُ .
فالحقُّ : أنْ يلِمَ العبدُ قلبَهُ الحذرَ مِنَ الشيطانِ ، ويقرِّرَ على نفسِهِ
عداوتَهُ، فإذا اعتقدَ ذلكَ وصدقَ بهِ ، وسكنَ الحذرُ فيهِ .. فليشتغلْ
بذكرِ اللهِ، ويكبَّ عليهِ بكلِّ الهمةِ ، ولا يخطِرْ ببالِهِ أمرَ الشيطانِ ؛ فإنَّهُ إذا
اشتغلَ بذلكَ بعدَ معرفةِ عداوتِهِ ثمَّ خطرَ الشيطانُ لهُ .. تنبهَ لهُ، وعندَ التنُّهِ
يشتغلُ بدفعِهِ ، والاشتغالُ بذكرِ اللهِ لا يمنعُ مِنَ التيقُّظِ عندَ نزغةِ الشيطانِ ،
بلِ الرجلُ ينامُ وهوَ خائفٌ مِنْ أَنْ يفوتَهُ مهمٌّ عندَ طلوع الصبحِ ، فيلزِمُ نفسَهُ
٣٩٧

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
الحذرَ ، وينامُ على أنْ يتنبَّةَ في ذلكَ الوقتِ ، فينتبهُ في الليلِ مراتٍ قبلَ
أوانِهِ ؛ لما استكنَّ في قلبِهِ مِنَ الحذرِ ، معَ أنَّهُ بالنومِ غافلٌ عنهُ ، فاشتغالُهُ
بذكرِ اللهِ تعالى كيفَ يمنعُ تنُّهَهُ ؟! ومثلُ هذا القلبِ هوَ الذي يقوى على دفع
العدوِّ إذا كانَ اشتغالُهُ بمجرَّدِ ذكرِ اللهِ تعالى قدْ أماتَ منهُ الهوى ، وأحيا فيهِ
نورَ العقلِ والعلمِ ، وأماطَ عنهُ ظلمةَ الشهواتِ .
فأهلُ البصيرةِ أشعروا قلوبَهُمْ عداوةَ الشيطانِ وترصُّدَهُ ، وألزموها
الحذرَ، ثمَّ لمْ يشتغلوا بذكرِهِ ، بلْ بذكرِ اللهِ ، ودفعوا بالذكرِ شرَّ العدوِّ
واستضاؤوا بنورِ الذكرِ حتَّى أبصروا خواطرَ العدوِّ ، فمثالُ القلبِ مثالُ بئرٍ
أُريدَ تطهيرُها مِنَ الماءِ القذرِ ؛ ليتفجَّرَ منها الماءُ الصافي ، فالمشتغلُ بذکرٍ
الشيطانِ قدْ تركَ فيها الماءَ القذرَ ، والذي جمعَ بينَ ذكرِ الشيطانِ وذكرِ اللهِ قدْ
نزحَ الماءَ القذرَ مِنْ جانبٍ ، ولكنَّهُ تركَهُ جارياً إليها مِنْ جانبٍ آخرَ ، فيطولُ
تعبُهُ ، ولا تجفتُّ البئرُ منَ الماءِ القذرِ ، والبصيرُ هوَ الذي جعلَ لمجرى الماءِ
القذرِ سدّاً، وملأَهُ بالماءِ الصافي، فإذا جاءَ الماءُ القذرُ .. دفعَهُ بالسكرِ
والسَّدِّ مِنْ غيرِ كلفةٍ ومؤنةٍ وزيادة تعبٍ .
٣٩٨

ربع المهلكات
كتاب ذم الجاه والرياء
بيان الرخصة في قصد إظهار الطّاعات
اعلمْ : أنَّ في الإسرارِ للأعمالِ فائدةَ الإخلاصِ والنجاةِ مِنَ الرياءِ ، وفي
الإظهارِ فائدةَ الاقتداءِ وترغيبِ الناسِ في الخيرِ ، ولكنْ فيهِ آفةُ الرياءِ ، قالَ
الحسنُ : ( قدْ علمَ المسلمونَ أنَّ السرَّ أحرزُ العملينِ)(١).
ولكنْ في الإظهارِ أيضاً فائدةٌ ، ولذلكَ أثنى اللهُ تعالى على السرِّ
والعلانيةِ، فقالَ: ﴿إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَتِ فَنِعِمَا هِىِّ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا
اٌلْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ .
والإظهارُ قسمانِ :
أحدُهُما : في نفسِ العملِ ، والآخرُ : بالتحدُّثِ بما عملَ .
القسمُ الأوّلُ : إظهارُ نفسِ العملِ :
كالصدقةِ في الملأِ لترغيبِ الناسِ في ذلكَ ؛ كما رُويَ عنِ الأنصاريِّ
الذي جاءَ بالصُّرَّةِ ، فتتابعَ الناسُ بالعطيةِ لمَّا رَأَوَهُ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ سنَّ سنَّةً حسنةً فعُمِلَ بها .. كانَ لهُ أجرُها وأجرُ مَنِ
اتَّبَعَهُ))(٢).
(١) الرعاية (ص ٢٦٤)، وينحوه رواه أحمد في ((الزهد)) (ص ٢١٢).
(٢) رواه مسلم ( ١٠١٧ ) .
٣٩٩

كتاب ذم الجاه والرياء
ربع المهلكات
وتجري سائرُ الأعمالِ هذا المجرىُ مِنَ الصلاةِ والصيام والحجِّ والغزوِ
وغيرها ، ولكنَّ الاقتداءَ على الطباع في الصدقةِ أغلبُ .
نعمٍ ، الغازي إذا همَّ بالخروج ، فاستعدَّ وشدَّ الرَّحلَ قبلَ القومِ تحريضاً
لهُمْ على الحركةِ .. فذلكَ أفضلُ لهُ ؛ لأنَّ الغزوَ في أصلِهِ مِنْ أعمالِ العلانيةِ
لا يمكنُ إسرارُهُ ، فالمبادرةُ إليهِ ليسَ مِنَ الإعلانِ ، بلْ هوَ تحريضٌ مجردٌ ،
وكذلكَ الرجلُ قدْ يرفعُ صوتَهُ في صلاةِ الليلِ ؛ لينبَّهَ جيرانَهُ وأهلَهُ فيُقتدى
بهِ .
فكلُّ عملٍ لا يمكنُ إسرارُهُ ؛ كالحجِّ والجهادِ والجمعةِ .. فالأفضلُ
المبادرةُ إليهِ وإظهارُ الرغبةِ فيهِ للتحريضِ ، بشرطِ ألا يكونَ فيهِ شوائبُ
الرياءِ .
وأمَّا ما يمكنُ إسرارُهُ ؛ كالصدقةِ والصلاةِ ؛ فإنْ كانَ إظهارُ الصدقةِ
يؤذي المتصدَّقَ عليهِ ويرغُّبُ الناسَ في الصدقةِ .. فالسرّ أفضلُ ؛ لأنَّ الإيذاءَ
حرامٌ، فإنْ لمْ يكنْ فيهِ إيذاءٌ .. فقدِ اختلفَ الناسُ في الأفضلِ ، فقالَ قومٌ :
السرّ أفضلُ مِنَ العلانيةِ وإنْ كانَ في العلانيةِ قدوةٌ ، وقالَ قومٌ: السؤُّ أفضلُ
مِنْ علانيةٍ لا قدوةَ فيها ، أمَّا العلانيةُ للقدوةِ .. فأفضلُ مِنَ السرِّ، ويدلُّ
علىُ ذلكَ أنَّ اللهَ تعالى أمرَ أنبياءَهُ بإظهارِ العملِ للاقتداءِ ، وخصَّهُمْ بمنصبٍ
النبوّةِ ، ولا يجوزُ أنْ يُظنَّ بِهِمْ أنَّهُمْ حُرموا أفضلَ العملينِ ، ويدلُّ عليهِ قولُهُ
عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( لهُ أجرُها وأجرُ مَنْ عملَ بها )).
٤٠٠