Indexed OCR Text
Pages 361-380
ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء فهذا وما يجري مجراهُ علاماتُ الرياءِ ، فلا يسبقُ إلى اللسانِ إلا لرسوخِ عرقِ الرياءِ في الباطنِ، وأمَّا المخلصُ .. فإنَّهُ لا يبالي كيفَ نظرَ الخلقُ إليهِ ، فإنْ لمْ يكنْ لهُ رغبةٌ في الصومِ وقدْ علمَ اللهُ تعالى ذلكَ مِنْهُ . . فلا يريدُ أنْ يعتقدَ غيرُهُ ما يخالفُ علمَ اللهِ، فيكونَ ملِّساً، وإنْ كانَ لهُ رغبةٌ في الصومِ اللهِ .. قنعَ بعلمِ اللهِ تعالى، ولمْ يشرِكْ فيهِ غيرَهُ . وقدْ يخطرُ لهُ أنَّ في إظهارِهِ اقتداءَ غيرِهِ بهِ ، وتحريكَ رغبةِ الناسِ فيهِ ، وفيه مكيدةٌ وغرورٌ، وسيأتي شرحُ ذلكَ وشروطُهُ . فهذهِ درجاتُ الرياءِ ، ومراتبُ أصنافِ المرائينَ ، وجميعُهُمْ تحتَ مقتِ اللهِ تعالى وغضبِهِ ، وهوَ مِنْ أشدِّ المهلكاتِ ، وإنَّ مِنْ شدَّتِهِ أنَّ فيهِ شوائبَ هيَ أخفىُ مِن دبيبِ النملةِ ؛ كما وردَ بهِ الخبرُ ، تزلُّ فيهِ فحولُ العلماءِ ، فضلاً عنِ العبَّادِ الجهلاءِ بآفاتِ النفوسِ وغوائلِ القلوبِ ، واللهُ أعلمُ . ٣٦١ کتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان الزياء الخفي الذي هو أخفى من وبدبالثمل اعلمْ : أنَّ الرياءَ جليٍّ وخفيٌّ . فالجليُّ : هوَ الذي يبعثُ على العملِ ويحمِلُ عليهِ أولاً دونَ قصدٍ الثوابِ ، وهوَ أجلاهُ . وأخفى مِنهُ قليلاً: هوَ ما لا يحمِلُ على العملِ بمجردِهِ ، إلا أنَّهُ يخفِّفُ العملَ الذي أُريدَ بهِ وجهُ اللهِ ؛ كالذي يعتادُ التهجدَ كلَّ ليلةٍ ويثقلُ عليهِ ، فإذا دخل عليهِ الضيفانُ .. نشطَ لهُ، وخفَّ عليهِ، وعلمَ أنَّهُ لولا رجاءُ الثوابِ .. لكانَ لا يصلِّ لمجرَّدِ رياءِ الضيفانِ . وأخفىُ مِنْ ذلكَ : ما لا يؤثِّرُ في العملِ ، ولا بالتسهيلِ والتخفيفِ أيضاً ، ولكنَّهُ معَ ذلكَ مستبطنٌ في القلبِ ، ومهما لمْ يؤثِّرَ في الدعاءِ إلى العملِ .. لِمْ يمكنْ أنْ يُعرفَ إلا بالعلاماتِ ، وأجلى علاماتِهِ : أنْ يُسرَّ باطلاعِ الناسِ على طاعتِهِ ، فربَّ عبدٍ يخلصُ في عملِهِ ولا يعتقدُ الرياءَ ، بلْ يكرهُهُ ويردُهُ ، ويتمِّمُ العملَ كذلكَ، ولكنْ إذا اطّلعَ عليهِ الناسُ .. سرَّهُ ذلكَ وارتاحَ لهُ، ورؤَّحَ ذلكَ عنْ قلبهِ شدةَ العبادةِ ، وهذا السرورُ يدلُّ على رياءٍ خفيٍّ، مِنْهُ يترشَّحُ السرورُ ، ولولا التفاتُ القلبِ إلى الناسِ .. لما ظهرَ سرورُهُ عندَ اطلاع ٣٦٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء الناس ، فلقَدْ كانَ الرياءُ مستكناً في القلبِ استكنانَ النارِ في الحجرِ ، فأظهرَ منهُ اطلاعُ الخلقِ أثرَ الفرحِ والسرورِ ، ثُمَّ إذا استشعرَ لذَّةَ السرورِ بالاطلاعِ ، ولمْ يقابلْ ذلكَ بكراهيةٍ . . صارَ ذلكَ قوتاً وغذاءً للعِرقِ الخفيِّ مِنَ الرياءِ، حتَّى يتحرَّكَ على نفسِهِ حركةً خفيَّةً ، فيتقاضى تقاضياً خفيّاً أنْ يتكلَّفَ سبباً يُطَّلعُ علیهِ بالتعريضٍ وإلقاءِ الكلام عرضاً ، وإنْ كانَ لا يدعو إلى التصريح ، وقدْ يخفى فلا يدعو إلى الإظهارِ بالنطقِ تعريضاً وتصريحاً ولكنْ بالشمائلِ ؛ كإظهارِ النحولِ ، والاصفرارِ ، وخفضِ الصوتِ ، ويبسِ الشفتينِ ، وجفافِ الريقِ ، وآثارِ الدموع ، وغلبةِ النعاسِ الدالِّ على طولِ التهجّدِ . وأخفى من ذلكَ : أنْ يختفيَ بحيثُ لا يريدُ الاطلاعَ ، ولا يُسرُّ بظهورِ طاعتِهِ ، ولكنَّهُ معَ ذلكَ إذا رأى الناسَ .. أحبّ أنْ يبدؤوهُ بالسلامِ ، وأنْ يقابلوهُ بالبشاشةِ والتوقيرِ ، وأنْ يثنوا عليهِ ، وأنْ ينشطوا في قضاءِ حوائجِهِ ، وأنْ يسامحوهُ في البيع والشراءِ ، وأنْ يوسِّعوا لهُ في المكانِ ، فإنْ قصَّرَ في ذلكَ مقصِّرٌ .. ثَقُلَ على قلبِهِ، ووجدَ لذلكَ استبعاداً في نفسِهِ ؛ كأنَّ نفسَهُ تتقاضى الاحترامَ على الطاعةِ التي أخفاها معَ أنَّهُ لمْ يُطَّلَعْ عليهِ ، ولوْ لمْ يكنْ قدْ سبقَتْ منهُ تلكَ الطاعةُ .. لما كانَ يستبعدُ تقصيرَ الناسِ في حقِّهِ ، ومهما لمْ يكنْ وجودُ العبادةِ كعدمِها في كلِّ ما يتعلَّقُ بالخلقِ .. لمْ يكنْ قدْ قنعَ بعلمِ اللهِ تعالى ، ولمْ يكنْ خالياً عنْ شوبٍ خفيٍّ مِنَ الرياءِ أخفى مِنْ دبيبٍ النملِ ، وكلُّ ذلكَ يوشكُ أنْ يحبطَ الأجرَ ، ولا يسلمُ مِنْهُ إلا الصديقونَ . ٣٦٣ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وقدْ رُويَ عنْ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ : ( إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يقولُ للقرَّاءِ يومَ القيامةِ : ألمْ يكنْ يُرخَّصُ عليكمُ السِّعرُ؟! ألمْ تكونوا تُبُتدؤونَ بالسلام ؟! ألمْ تكنْ تَقُضىُ لكمُ الحوائجُ ؟!) . وفي الحديث: (( لا أجرَ لكمْ ، قدِ استوفيتُمْ أجورَكُمْ )). وقالَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ : رُويَ عنْ وهبٍ بنِ منبِّهِ أنَّهُ قالَ : (إنَّ رجلاً مِنَ السُّيَّاحِ قالَ لأصحابِهِ : إنَّا قدْ فارقْنا الأموالَ والأولادَ مخافةَ الطغيانِ ، فنخافُ أنْ تكونَ قدْ دخلَ علينا في أمرنا هذا مِنَ الطغيانِ أكثرُ ممَّا دخلَ على أهلِ الأموالِ في أموالِهِمْ، إنَّ أحدَنا إذا لُقِيَ .. أحبّ أنْ يُعظّمَ لمكانٍ دينِهِ ، وإنْ سألَ حاجةٌ .. أحبّ أنْ تَقُضى لهُ لمكانٍ دينِهِ ، وإنِ اشترى شيئاً .. أحبَّ أنْ يُرخَّصَ عليهِ لمکانٍ دینِهِ . فبلغَ ذلكَ مِلِكَهُمْ ، فركبَ في موكبٍ مِنَ الناسِ ؛ فإذا السهلُ والجبلُ قِدٍ امتلأَ بالناسِ ، فقالَ السائحُ : ما هذا؟ قيلَ: هذا الملكُ قدْ أظلَّكَ، فقالَ للغلام : ائتني بطعام ، فأتاهُ ببقلٍ وزيتٍ وقلوبِ الشجرِ ، فجعلَ يحشو شدقيهِ ويأكلُ أكلاً عنيفاً ، فقالَ الملكُ : أينَ صاحبُكُمْ ؟ قالوا : هذا ، قالَ : كيفَ أنتَ ؟ قالَ : كالناسِ - وفي حديثٍ آخرَ : بخيرٍ - فقالَ الملكُ : ما عندَ هذا مِنْ خيرٍ ، فانصرفَ عنهُ ، فقالَ السائحُ : الحمدُ للهِ الذي صرفَكَ عنِّي وأنتَ لي ذاٌ)(١). (١) تقدم بنحوه مختصراً، وقد رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٦٤). ٣٦٤ ربع المهلكات حز كتاب ذم الجاه والرياء ئرة. فلمْ يزلِ المخلصونَ خائفينَ مِنَ الرياءِ الخفيِّ ، يجتهدونَ لذلكَ في مخادعةِ الناسِ عنْ أعمالِهِمُ الصالحةِ ، يحرصونَ على إخفائِها أعظمَ ممَّا يحرصُ الناسُ على إخفاءِ فواحشِهِمْ، كلُّ ذلكَ رجاءَ أنْ تخلُصَ أعمالُهُمُ الصالحةُ ، فيجازيَهُمُ اللهُ تعالى في القيامةِ بإخلاصِهِمْ على ملأٍ مِنَ الخلقِ ؛ إِذْ علموا أنَّ اللهَ لا يقبلُ يومَ القيامةِ إلا الخالصَ ، وعلموا شدَّةَ حاجتِهِمْ وفاقتِهِمْ في القيامةِ ، وأنَّهُ يومٌ لا ينفعُ فيهِ مالٌ ولا بنونَ ، ولا يجزي والدِ عنْ ولدِهِ ، ويشتغلُ الصدِّيقونَ بأنفسِهِمْ، فيقولُ كلُّ واحدٍ : نفسي نفسي ، فضلاً عنْ غيرِهِمْ ، فكانوا كزوارٍ بيتِ اللهِ تعالى إذا توجهوا إلى مكةَ ؛ فإنَّهُمْ يستصحبونَ معَ أنفسِهِمُ الذهبَ المغربيَّ الخالصَ ؛ لعلمِهِمْ بأنَّ أربابَ البوادي لا يروجُ عندَهُمْ الزيفُ والبهرجُ ، والحاجةُ تشتدُّ في الباديةِ ، ولا وطنَ يُفزعُ إليهِ ، ولا حميمَ يُتمسَّكُ بهِ ؛ فلا يُنجي إلا الخالصُ مِنَ النَّقدِ ، فهكذا يشاهدُ أربابُ القلوبِ يومَ القيامةِ ، والزادُ الذي يتزودونَهُ لهُ مِنَ التقوى . فإذاً ؛ شوائبُ الرياءِ الخفيِّ كثيرةٌ لا تنحصرُ، ومهما أدركَ مِنْ نفسِهِ تفرقةً بينَ أنْ يطلعَ على عبادتِهِ إنسانٌ أوْ بهيمةٌ .. ففيهِ شعبةٌ مِنَ الرياءِ ؛ فإنَّهُ لما قطعَ طمعَهُ عنِ البهائمِ .. لمْ يبالِ حضرَتِ البهائمُ أوِ الصبيانُ الرضعُ أمْ غابوا ، اطلعوا على حركتِهِ أمْ لمْ يطلعوا ، فلوْ كانَ مخلصاً قانعاً بعلمِ اللهِ .. ٣٦٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات لاستحقرَ عقلاءَ العبادِ كما استحقرَ صبيانَهُمْ ومجانينَهُمْ، وعلمَ أنَّ العقلاءَ لا يقدرونَ لهُ على رزقٍ ، ولا أجلٍ ، ولا زيادةِ ثوابٍ ونقصانِ عقابٍ ، كما لا يقدرُ عليهِ البهائمُ والصبيانُ والمجانينُ ، فإذا لمْ يجدْ ذلكَ .. ففيهِ شَوبٌ خفيٍّ ، ولكنْ ليسَ كلُّ شوبٍ محبطاً للأجرِ مفسداً للعملِ ، بلْ فيهِ تفصيلٌ . فإِنْ قلتَ : فما نرى أحداً ينفكُ عنِ السرورِ إذا عُرفَتْ طاعاتُهُ ، فالسرورُ مذمومٌ كلُّهُ ؟ أوْ بعضُهُ محمودٌ وبعضُهُ مذمومٌ ؟ فنقولُ أولاً : كلُّ سرورٍ فليسَ بمذمومٍ ، بلِ السرورُ منقسمٌ إلى محمودٍ ، وإلى مذموم ، فأمَّ المحمودُ .. فأربعةُ أقسام : الأولُ : أنْ يكونَ قصدُهُ إخفاءَ الطاعةِ والإخلاصَ للهِ ، ولكنْ لمَّا اطلعَ عليهِ الخلقُ .. علمَ أنَّ اللهَ أطلعَهُمْ، وأظهرَ الجميلَ مِنْ أحوالِهِ ، فيستدلُّ بذلكَ على حُسنِ صنع اللهِ بهِ ، ونظرِهِ إليهِ ، وإلطافِهِ بهِ ؛ فإنَّهُ يسترُ الطاعةَ والمعصيةَ ، ثمَّ اللهُ يسترُ عليهِ المعصيةَ ويظهِرُ الطاعةَ ؛ فلا لطفَ أعظمُ مِنْ سترِ القبيحِ عليهِ وإظهارِ الجميلِ ، فيكونُ فرحُهُ بجميلٍ نظرِ اللهِ لهُ ، لا بحمد الناسِ وقيامِ المنزلةِ في قلوبِهِمْ، وقدْ قالَ تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ. فِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، فكأنَّهُ ظهرَ لهُ أنَّهُ عندَ اللهِ مقبولٌ ففرحَ بهِ . الثاني : أنْ يستدلَّ بإظهارِ اللهِ الجميلَ وسترِهِ القبيحَ عليهِ في الدنيا أنَّهُ كذلكَ يفعلُ في الآخرةِ ؛ إذْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ٣٦٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء ((ما سترَ اللهُ على عبدٍ ذنباً في الدنيا إلا سترَهُ عليهِ في الآخرةِ))(١). فيكونُ الأولُ فرحاً بالقبولِ في الحالِ مِنْ غيرِ ملاحظةِ المستقبلِ ، وهذا التفاتٌ إلى المستقبلِ . الثالثُ : أنْ يظنَّ رغبةَ المطلعينَ على الاقتداءِ بهِ في الطاعةِ ، فيتضاعفُ بذلكَ أجرُهُ ، فيكونُ لهُ أجرُ العلانيةِ بما أظهرَ آخراً ، وأجرُ السرِّ بما قصدَهُ أوَّلاً، ومَنِ اقتُدِيَ بهِ في طاعةٍ .. فلهُ مثلُ أجرِ أعمالِ المقتدينَ بهِ مِنْ غيرِ أنْ ينقصَ مِنْ أجورِهِمْ شيءٌ ، وتوقُّعُ ذلكَ جديرٌ بأنْ يكونَ سببَ السرورِ ، فإنَّ ظهورَ مخايلِ الربحِ لذيذٌ ، وموجبٌ للسرورِ لا محالةً . الرابعُ : أَنْ يحمدَهُ المطلعونَ على طاعتِهِ ، فيفرحُ بطاعتِهِمْ لله تعالى في مدحِهِمْ ، وبحبِّهِمْ للمطيع ، وبميلٍ قلوبِهِمْ إلى الطاعةِ ؛ إذْ مِنْ أهلِ الإيمانِ مَنْ يرى أهلَ الطاعةِ فيمقتُهُ ويحسدُهُ ، أوْ يذقُّهُ ويهزأُ بهِ ، أوْ ينسبُهُ إلى الرياءِ ولا يحمدُهُ عليهِ ، فهذا فرحٌ بحسنِ إيمانِ عبادِ اللهِ ، وعلامةُ الإخلاصِ في هذا النوع : أنْ يكونَ فرحُهُ بحمدِهِمْ غيرَهُ مثلَ فرحِهِ بحمدِهِمْ إِيَّاهُ . وأمَّا المذمومُ .. فهوَ الخامسُ: وهوَ أنْ يكونَ فرحُهُ لقيامِ منزلتِهِ في قلوبِ الناسِ ؛ حتَّى يمدحوهُ ويعظّموهُ ، ويقوموا بقضاءِ حوائجِهِ ، ويقابلوهُ بالإكرامِ في مصادرِهِ ومواردِهِ ، فهذا مكروهٌ ، والله تعالى أعلمُ . (١) رواه مسلم (٢٥٩٠). ٣٦٧ کتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان ما يحيط العمل من الرياء الحقي والجليّ ومالا يحيطه فتقولُ فيهِ : إذا عقدَ العبدُ العبادةَ على الإخلاصِ ، ثمَّ وردَ عليهِ واردُ الرياءِ .. فلا يخلو : إمَّا أنْ يردّ عليهِ بعدَ فراغِهِ مِنَ العملِ ، أوْ قبلَ الفراغِ . فإنْ وردَ بعدَ الفراغ سرورٌ مجرَّدٌ بالظهورِ مِنْ غيرِ إظهارٍ .. فهذا لا يحبطُ العملَ ؛ إذِ العملُ قدْ تمَّ على نعتِ الإخلاصِ ، سالماً مِنَ الرياءِ ، فما يطرأُ عليهِ بعدَهُ .. فنرجو ألا ينعطفَ عليهِ أثرُهُ، لا سيما إذا لمْ يتكلَّفْ هوَ إظهارَهُ والتحدُّثَ بهِ ، ولمْ يتمنَّ ذكرَهُ وإظهارَهُ، ولكنِ اتفقَ ظهورُهُ بإظهارِ اللهِ ، ولمْ يكنْ منهُ إلا ما دخلَ مِنَ السرورِ والارتياحِ على قلِهِ . نعمْ ، لوْ تمَّ العملُ على الإخلاصِ مِنْ غيرِ عقدٍ رياءٍ ، ولكنْ ظهرَتْ لهُ بعدَهُ رغبةٌ في الإظهارِ ، فتحدَّثَ بهِ وأظهرَهُ، فهذا مَخُوفٌ، وفي الآثارِ والأخبار ما يدلُّ على أنَّهُ محبطٌ ؛ فقدْ رُويَ عنِ ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سمعَ رجلاً يقولُ : قرأتُ البارحةَ ( سورةَ البقرَةِ) ، قالَ : ذلكَ حظُّكَ منها (١). ورُويَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ لرجلٍ قالَ لهُ : صمتُ الدهرَ يا رسولَ اللهِ، فقالَ لهُ: (( ما صمتَ ولا أفطرتَ))، فقالَ بعضُهُمْ: (١) الرعاية (ص ٢١٠). ٣٦٨ ربع المهلكات محور كتاب ذم الجاه والرياء إنَّما قالَ ذلَك لأنَّهُ أظهرَهُ(١)، وقيلَ: هوَ إشارةٌ إلى كراهةِ صوم الدهرِ(٢). وكيفَما كانَ .. فيحتملُ أنْ يكونَ ذلكَ مِنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ومِنِ ابنِ مسعودٍ استدلالاً على أنَّ قلبَهُ عندَ العبادةِ لمْ يخلُ عنْ عقدِ الرياءِ وقصدِهِ لهُ ، لمَّا أنْ ظهرَ مِنهُ التحدُّثُ بهِ ؛ إذْ يبعدُ أنْ يكونَ ما يطرأُ على العملِ مبطلاً لثوابِ العملِ ، بلِ الأقيسُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مثابٌ على عملِهِ الذي مضى ، ومعاقبٌ على مراءاتِهِ بطاعةِ اللهِ تعالىُ بعدَ الفراغ منهُ ، بخلافٍ ما لو تغيَّرَ عقدُهُ إلى الرياءِ قبلَ الفراغ مِنَ الصلاةِ ؛ فإنَّ ذلكَ قدْ يبطلُ الصلاةَ ، ويحبطُ العملَ . وأمَّا إذا وردَ واردُ الرياءِ قبلَ الفراغ مِنَ الصلاةِ مثلاً وكانَ قدْ عقدَ على الإخلاصِ، ولكنْ وردَ في أثنائِها واردُ الرياءِ .. فلا يخلو: إمّا أنْ يكونَ مجردَ سرورٍ لا يؤثِّرُ في العملِ ، وإمَّا أنْ يكونَ رياءً باعثاً على العملِ . فإنْ كانَ باعثاً على العملِ وختمَ العبادةَ بهِ .. حبطَ أجرُهُ ، ومثالُهُ : أنْ يكونَ في تطوُّع، فتجدَّدَتْ لهُ نظَّارَةٌ (٣) أوْ حضرَ ملكٌ مِنَ الملوكِ وهوَ يشتهي (١) القائل هو ابن حيويه أحد الرواة، ولفظه: ( لأنه تحدَّث به) . (٢) كذا في ((الرعاية)) (ص ٢١٠)، ورواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ١٥٣)، وعند مسلم ( ١١٦٢) أن عمر رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يصوم الدهر، فقال: ((لا صام ولا أفطر)). (٣) النظارة : القوم ينظرون إليه . ٣٦٩ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات ٠٠٧ أَنْ ينظرَ إليهِ ، أوْ يذكرَ شيئاً نسيَهُ مِنْ مالِهِ وهوَ يريدُ أنْ يطلبَهُ ، ولولا الناسُ .. لقطعَ الصلاةَ ، فاستتمَّها خوفاً مِنْ مذمَّةِ الناسِ ، فقدْ حبطَ أجرُهُ، وعليهِ الإعادةُ إنْ كانَ في فريضةٍ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((العملُ كالوعاءِ، إذا طابَ آخرُهُ .. طابَ أَوَّلُهُ))(١) أي : النظرُ إلى خاتمتِهِ . ورُوِيَ أنَّ مَنْ راءى بعملِهِ ساعةً .. حبطَ عملُهُ الذي كانَ قبلَهُ(٢) ، وهوَ منزَّلٌ على الصلاةِ في هذهِ الصورةِ ، لا على الصدقةِ ولا على القراءةِ ؛ فإنَّ كلَّ جزءٍ منها منفردٌ ، فما يطرأُ يفسدُ الباقيَ دونَ الماضي ، والصومُ والحجُّ مِنْ قبيلِ الصلاةِ . وأمَّا إذا كانَ واردُ الرياءِ بحيثُ لا يمنعُهُ مِنْ قصدِ الاستتمامِ لأجلٍ الثوابِ ؛ كما لوْ حضرَ جماعةٌ في أثناءِ صلاتِهِ ، ففرحَ بحضورِهِمْ واعتقدَ الرياءَ ، وقصدَ تحسينَ الصلاةِ لأجلِ نظرِهِمْ، وكانَ لولا حضورُهُمْ .. لكانَ يتمُّها أيضاً، فهذا رياءٌ قدْ أثَّرَ في العملِ ، وانتهضَ باعثاً على الحركاتِ ، فإنْ غلبَ حتَّى انمحقَ معهُ الإحساسُ بقصدِ العبادةِ والثوابِ ، وصارَ قصدُ العبادةِ مغموراً .. فهذا أيضاً ينبغي أنْ يفسدَ العبادةَ مهما مضى ركنٌ مِنْ أركانِها على هذا الوجهِ ؛ لأنَّا نكتفي بالنيةِ السابقةِ عندَ الإحرام بشرطِ ألا يطرأَ ما يغلبُها ويغمرُها، ويحتملُ أنْ يُقالَ: لا يفسدُ العبادةَ نظراً إلى حالَةٍ (١) رواه ابن ماجه ( ٤١٩٩). (٢) إذ روى أبو نعيم في «الحلية)) (١٥٠/٥) عن ابن أبي زكريا يحدث: (( من راءى بعمله .. حيط ما كان قبله )) . ـدة ٣٧٠ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء العقدِ ، وإلى بقاءِ أصلِ قصدِ الثوابِ وإِنْ ضعفَ بهجوم قصدٍ هوَ أغلبُ منهُ . ولقدْ ذهبَ الحارثُ المحاسبيُّ رحمَهُ اللهُ تعالى إلى الإحباطِ في أمرٍ هوَ أهونُ منْ هذا ، وقالَ : إذا لمْ يُردْ إلا مجردَ السرورِ باطلاعِ الناسِ ؛ يعني : سروراً هوَ كحبِّ المنزلةِ والجاهِ ، قالَ : قدِ اختلفَ الناسُ في هذا ، فصارَتْ فرقةٌ إلى أنَّهُ يحبطُ ؛ لأنَّهُ قدْ نقضَ العزمَ الأوَّلَ ، وركنَ إلى حمدٍ المخلوقينَ ، ولمْ يختمْ عملَهُ بالإخلاصِ، وإنَّما يتمُّ العملُ بخاتمتِهِ (١). ثمّ قالَ : ولا أقطعُ عليهِ بالحبطِ وإنْ لمْ يتزيَّدْ في العملِ ، ولا آمنُ عليهِ ، وقدْ كنتُ أقفُ فيهِ لاختلافِ الناسِ ، والأغلبُ على قلبي أنَّهُ يحبطُ إذا ختمَ عملَهُ بالرياءِ (٢) . ثمَّ قالَ : فإنْ قيلَ : قدْ قالَ الحسنُ رحمَهُ اللهُ تعالى : إِنَّهُمَا سَوْرتانِ ، فإذا كانَتِ الأولىُ اللهِ .. لمْ تضرُّهُ الثانيةُ(٣)، وقدْ رُويَ أنَّ رجلاً قالَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: يا رسولَ اللهِ؛ أُسِرُّ العملَ لا أحبُّ أنْ يُطلعَ عليهِ ، فيُطلعُ عليهِ، فيسرُّني، قالَ: (( لكَ أجرانِ ؛ أجرُ السرِّ وأجرُ العلانيةِ))(٤)، ثمَّ تكلمَ على الأثرِ والخبرِ فقالَ: أمَّا الحسنُ .. فأرادَ بقولِهِ : لا تضرُّهُ ؛ أيْ : لا يدعُ العملَ ، ولا تضرُّهُ الخطرةُ وهوَ يريدُ اللهَ عزَّ (١) الرعاية ( ص ٢٣٣). (٢) الرعاية ( ص ٢٣٤). (٣) الرعاية (ص ٢٣٣)، ورواه البيهقي في ((الشعب)) (٦٤٧٤). (٤) رواه الترمذي (٢٣٨٤)، وابن ماجه ( ٤٢٢٦) . ٣٧١ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات وجلَّ، ولمْ يقلْ: إذا اعتقدَ الرياءَ بعدَ عقدِ الإخلاصِ .. لمْ يضرُّهُ(١)، وأمَّا الحديثُ .. فتكلَّمَ عليهِ بكلامٍ طويلٍ يرجعُ حاصلُهُ إلى ثلاثةِ أوجهٍ : أحدُها : أنَّهُ يحتملُ أنَّهُ أرادَ ظهورَ عملِهِ بعدَ الفراغ ، وليسَ في الحديثِ أَنَّهُ قبلَ الفراغ . والثاني : أنَّهُ أرادَ أنْ يُسرَّ بهِ لاقتداءِ الناسِ بهِ ، أَوْ لسرورٍ آخرَ محمودٍ ممَّا ذكرناهُ مِنْ قبلُ ، لا سروراً بسببٍ حبِّ المحمدةِ والمنزلةِ ، بدليلِ أنَّهُ جعلَ لهُ بهِ أجرينِ ، ولا ذاهبَ مِنَ الأمةِ إلى أنَّ للسرورِ بالمحمدةِ أجراً ، وغايتُهُ أنْ يُعفىُ عنهُ ، فكيفَ يكونُ للمخلصِ أجرٌ وللمرائي أجرانِ ؟! والثالثُ : أنَّهُ قالَ : أكثرُ مَنْ يروي الحديثَ يرويهِ غيرَ متصلٍ إلىُّ أبي هريرةَ ، بلْ أكثرُهُمْ يوقفُهُ على أبي صالح ، ومنهُمْ مَنْ يرفعُهُ ؛ فالحكمُ بالعموماتِ الواردةِ في الرياءِ أولى(٢). هذا ما ذكرَهُ ولمْ يقطعْ بهِ ، بلْ أظهرَ ميلاً إلى الإحباطِ . والأقيسُ عندَنا : أنَّ هذا القدْرَ إذا لمْ يظهر أثرُهُ في العملِ ، بلْ بقيَ العملُ صادراً عنْ باعثِ الدينِ ، وإنَّما انضافَ إليهِ السرورُ بالاطلاع .. فلا يفسدُ العملَ ؛ لأنَّهُ لمْ ينعدمْ بهِ أَصلُ نِيَّتِهِ ، وبقيَتْ تلكَ النيةُ باعثةً على العملِ ، وحاملةً على الإتمامِ . (١) الرعاية (ص ٢٣٤). (٢) الرعاية ( ص ٢٣٥) وما بعدها . ٣٧٢ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء وأمَّا الأخبارُ التي وردَتْ في الرياءِ .. فهيَ محمولةٌ على ما إذا لمْ يردْ بهِ إلا الخلقَ . وأمَّا ما وردَ في الشركةِ .. فهوَ محمولٌ على ما إذا كانَ قصدُ الرياءِ مساوياً لقصدِ الثوابِ ، أوْ أغلبَ منهُ ، أمَّا إذا كانَ ضعيفاً بالإضافةِ إليهِ .. فلا يحبطُ بالكليةِ ثوابَ الصدقةِ وسائرِ الأعمالِ ، ولا ينبغي أنْ يفسدَ الصلاةَ . ولا يبعدُ أيضاً أنْ يُقالَ : إنَّ الذي أُوجِبَ عليهِ صلاةٌ خالصةٌ لوجهِ اللهِ تعالى ، والخالصُ ما لا يشوبُهُ شيءٌ، فلا يكونُ مؤدياً للواجبِ معَ هذا الشوبِ ، والعلمُ عندَ اللهِ فيهِ ، وقدْ ذكرنا في كتابِ الإخلاصِ كلاماً أو فى ممَّا أوردناهُ الآنَ ، فليُرجعْ إليهِ . فهذا حكمُ الرياءِ الطارىءٍ بعدَ عقدِ العبادةِ ، إمَّا قبلَ الفراغ ، أَوْ بعدَ الفراغِ . القسمُ الثالثُ : الذي يقارنُ حالَ العقدِ ؛ بأنْ يبتدىءَ الصلاةَ على قصدٍ الرياءِ ، فإنْ تمَّ عليهِ حتَّى سلَّمَ .. فلا خلافَ في أنَّهُ يقضي، ولا يعتدُّ بصلاتِهِ ، وإنْ ندمَ عليهِ في أثناءِ ذلكَ واستغفرَ ورجعَ قبلَ التمامِ .. ففيما يلزمُ ثلاثةُ أوجهٍ : قالَتْ فرقةٌ : لمْ تنعقدْ صلاتُهُ معَ قصدِ الرياءِ ، فليستأنفْ . وقالَتْ فرقةٌ : تلزمُهُ إعادةُ الأفعالِ ؛ كالركوع والسجودِ ، وتفسدُ ٣٧٣ حن كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات أفعالُهُ دونَ تحريمةِ الصلاةِ ؛ لأنَّ التحريمَ عقدٌ، والرياءُ خاطرٌ في قلبِهِ لا يُخرِجُ التحريمَ عنْ كونِهِ عقداً . وقالَتْ فرقةٌ : لا يلزمُهُ إعادةُ شيءٍ ، بلْ يستغفرُ اللهَ بقلبِهِ ، ويتمُّ العبادةَ على الإخلاصِ ، والنظرُ إلى خاتمةِ العبادةِ ؛ كما لو ابتدأَ بالإخلاصِ وختمَ بالرياءِ .. لكانَ يفسُدُ عملُهُ، وشبَّهوا ذلكَ بثوبِ أبيضَ لُطُّخَ بنجاسةٍ عارضةٍ ، فإذا أُزيلَ العارضُ .. عادَ إلى الأصلِ، فقالوا: إنَّ الصلاةَ والركوعَ والسجودَ لا تكونُ إلا للهِ ، ولوْ سجدَ لغيرِ اللهِ .. لكانَ كافراً ، ولكنِ اقترنَ بهِ عارضُ الرياءِ ، ثمَّ زالَ بالندم والتوبةِ ، وصارَ إلى حالةٍ لا يبالي بحمدِ الناسِ وذمِّهِمْ ، فتصُّ صلاتُهُ . ومذهبُ الفريقينِ الآخرينِ خارجٌ عنْ قياسِ الفقهِ جدّاً ، خصوصاً مَنْ قالَ : يلزمُهُ إعادةُ الركوع والسجودِ دونَ الافتتاح ؛ لأنَّ الركوعَ والسجودَ إنْ لمْ يصحَّ .. صارَتْ أفعالاً زائدةً في الصلاةِ فتفسدُ الصلاةُ ، وكذلكَ قولُ مَنْ يقولُ: لوْ خُتمَ بالإخلاصِ .. صحَّ؛ نظراً إلى الآخرِ ، فهوَ أيضاً ضعيفٌ ؛ لأنَّ الرياءَ يقدحُ في النيةِ ، وأولى الأوقاتِ بمراعاةِ أحكام النيةِ حالةُ الافتتاحِ ، فالذي يستقيمُ على قياسِ الفقهِ هوَ أنْ يُقالَ : إنْ كانَ باعثُهُ مجردَ الرياءِ في ابتداءِ العقدِ دونَ طلبِ الثوابِ وامتثالِ الأمرِ .. لمْ ينعقدِ افتتاحُهُ ، ولمْ يصحَّ ما بعدَهُ، وذلكَ فيمَنْ إذا خلا بنفسِهِ .. لمْ يصلِّ، ولمّا رأى الناسَ .. تحرَّمَ بالصلاةِ، وكانَ بحيثُ لوْ كانَ ثويُهُ نجساً أيضاً .. كان يصلّي لأجلِ الناس ، فهذهِ صلاةٌ لا نيةَ فيها ؛ إذ النيةُ عبارةٌ عنْ ـدن. ٣٧٤ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء إجابةِ باعثِ الدينِ ، وهلهنا لا باعثَ ولا إجابةً . فأمَّا إذا كانَ بحيثُ لولا الناسُ أيضاً .. لكانَ يصلِّي إلا أنَّهُ ظهرَتْ لهُ الرغبةُ في المحمدةِ أيضاً ، فاجتمعَ الباعثانِ ، فهذا إمَّا أنْ يكونَ في صدقةٍ وقراءةٍ وما ليسَ فيهِ تحليلٌ وتحريمٌ ، أوْ في عقدٍ صلاةٍ وحجٌّ ، فإنْ كانَ في صدقةٍ .. فقدْ عصى بإجابةِ باعثِ الرياءِ ، وأطاعَ بإجابةِ باعثِ الثوابِ ، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَؤُ :﴾ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، فلهُ ثوابٌ بقدْرِ قصدِهِ الصحيحِ ، وعقابٌ بقدْرِ قصدِهِ الفاسدِ ، ولا يحبطُ أحدُهما الآخرَ . وإنْ كانَ في صلاةٍ تقبلُ الفسادَ بتطُّقِ خللٍ إلى النيةِ .. فلا يخلو : إمَّا أنْ تكونَ نفلاً أوْ فرضاً ؛ فإنْ كانَتْ نفلاً .. فحكمُها أيضاً حكمُ الصدقةِ ، فقدْ عصىُ مِنْ وجهٍ وأطاعَ مِنْ وجهٍ ؛ إذِ اجتمعَ في قلبِهِ الباعثانِ ، ولا يمكنُ أنْ يُقالَ : صلاتُهُ فاسدةٌ والاقتداءُ بهِ باطلٌ ، حتَّى إِنَّ من يصلِّي التراويحَ ، وتبيَّنَ مِنْ قرائنِ حالِهِ أنَّ قصدَهُ الرياءُ بإظهارِ حسنِ القراءةِ ؛ ولولا اجتماعُ الناسِ خلفَهُ وخلا في البيتِ وحدَهُ لما صلَّى .. لا يصحُّ الاقتداءُ بهِ ؛ فإنَّ المصيرَ إلى هذا بعيدٌ جدّاً، بلْ يُظنُّ بالمسلمِ أنَّهُ يقصدُ الثوابَ أيضاً بتطوعِهِ ، فتصُّ باعتبارِ ذلكَ القصدِ صلاتُهُ ، ويصحُّ الاقتداءُ بهِ وإنِ اقترنَ بهِ قصدٌ آخرُ هوَ بهِ عاصٍ . فأمَّا إذا كانَ في فرضٍ واجتمعَ الباعثانِ وكانَ كلُّ واحدٍ لا يستقلُّ ، وإنَّما ٣٧٥ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات يحصلُ الانبعاثُ بمجموعِهما .. فهذا لا يسقطَ الواجبَ عنهُ؛ لأنَّ الإيجابَ لمْ ينتهضْ باعثاً في حقُّهِ بمجردِهِ واستقلالِهِ . وإنْ كانَ كلُّ باعثٍ مستقلاً، حتَّى لَوْ لمْ يكنْ باعثُ الرياءِ .. لأدَّى الفرضَ ، ولوْ لمْ يكنْ باعثُ الفرضِ .. لأنشأَ صلاةً تطوعاً لأجلِ الرياءِ ، فهذا في محلِّ النظرِ ، وهوَ محتملٌ جدّاً ، فيحتملُ أنْ يُقالَ : إِنَّ الواجبَ صلاةٌ خالصةٌ لوجهِ اللهِ ولمْ يؤدِّ الواجبَ الخالصَ ، ويحتملُ أنْ يُقالَ : الواجبُ امتثالُ الأمرِ بباعثٍ مستقلٌّ بنفسِهِ ، وقَدْ وُجدَ ، فاقترانُ غيرِهِ بهِ لا يمنعُ سقوطَ الفرضِ عنهُ، كما لوْ صلَّى في دارِ مغصوبةٍ ؛ فإنَّهُ وإنْ كانَ عاصياً بإيقاع الصلاةِ في الدارِ المغصوبةِ فإنَّهُ مطيعٌ بأصلِ الصلاةِ ، ومسقطٌ للفرضِ عنْ نفسِهِ ، وتعارضَ الاحتمالُ في تعارضِ البواعثِ في أصلٍ الصلاةِ . أَمَّا إذا كانَ الرياءُ في المبادرةِ مثلاً دونَ أصلِ الصلاةِ ؛ مثلُ مَنْ بادرَ إلى الصلاةِ في أوَّلِ الوقتِ لحضورِ جماعةٍ ولوْ خلا .. لأَخَّرَ إلى وسطِ الوقتِ ، ولولا الفرضُ .. لكانَ لا يبتدىءُ صلاةٌ لأجلِ الرياءِ ، فهذا ممَّا يقطعُ بصخَّةٍ صلاتِهِ وسقوطِ الفرضِ بهِ ؛ لأنَّ باعثَ أصلِ الصلاةِ مِنْ حيثُ إنَّها صلاةٌ لمْ يعارضْهُ غيرُهُ ، بلْ مِنْ حيثُ تعيينُ الوقتِ ، فهذا أبعدُ عنِ القدحِ في النيةِ . هذا في رياءٍ يكونُ باعثاً على العملِ وحاملاً عليهِ ، وأما مجردُ السرور باطلاعِ الناسِ عليهِ إذا لمْ يبلغْ أثرُهُ إلى حيثُ يؤثرُ في العملِ .. فبعيدٌ أنْ يفسدَ الصلاةَ . ٣٧٦ ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء فهذا ما نراهُ لائقاً بقانونِ الفقهِ ، والمسألةُ غامضةٌ مِنْ حيثُ إنَّ الفقهاءَ لمْ يتعرَّضوا لها في فنُّ الفقهِ ، والذينَ خاضوا فيها وتصرَّفوا لمْ يلاحظوا قوانينَ الفقهِ ومقتضى فتاوى الفقهاءِ في صحةِ الصلاةِ وفسادِها ، بلْ حملَهُمُ الحرصُ على تصفيةِ القلوبِ وطلبِ الإخلاصِ على إفسادِ العباداتِ بأدنى الخواطرِ ، وما ذكرناهُ هوَ الأقصدُ فيما نراهُ ، والعلمُ عنَد اللهِ عزَّ وجلَّ فيهِ ، وهوَ عالمُ الغيبِ والشهادةِ ، وهوَ الرحمنُ الرحيمُ . ٣٧٧ كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات بيان دواء الزياء وطريق معالجة القلب في قدْ عرفتَ ممَّا سبقَ أنَّ الرياءَ محبطٌ للأعمالِ ، وسببٌ للمقتِ عندَ اللهِ تعالى ، وأنَّهُ مِنْ كبائرِ المهلكاتِ . وما هذا وصفُهُ فجديرٌ بالتشميرِ عنْ ساقِ الجدِّ في إزالتِهِ ولوْ بالمجاهدةِ وتحمُّلِ المشاقٌّ ، فلا شفاءَ إلا في شربِ الأدويةِ المرَّةِ البشعةِ ، وهذهِ مجاهدةٌ يُضطرُّ إليها العبادُ كلُّهُمْ؛ إذِ الصبيُّ يُخلقُ ضعيفَ العقلِ والتمييزِ ، ممتدَّ العينِ إلى الخلقِ ، كثيرَ الطمعِ فيهِمْ، فيرى الناسَ يتصنَّعُ بعضُهُمْ لبعضٍ ، فيغلبُ عليهِ حبُّ التصنُّع بالضرورةِ ، ويترسَّغُ ذلكَ في نفسِهِ ، وإنَّما يشعرُ بكونِ ذلكَ مهلكاً بعدَ كمالِ عقلِهِ ، وقدِ انغرسَ الرياءُ في قلبِهِ وترسَّخَ فيهِ ، فلا يقدرُ على قمعِهِ إلا بمجاهدةٍ شديدةٍ ، ومكابدةٍ لقوَّةِ الشهواتِ ، فلا ينفكُ أحدٌ عنِ الحاجةِ إلى هذهِ المجاهدةِ ، ولكنَّها تشقُّ أوَّلاً وتخفتُّ آخراً ، وفي علاجِهِ مقامانِ : أحدُهُما : قطع عروقِهِ وأصولِهِ التي منها انشعابُهُ . والثاني : دفعُ ما يخطرُ منهُ في الحالِ . المقامُ الأولُ : في قطع عروقِهِ واستئصالِ أصولِهِ : وأصلُهُ حتّ المنزلةِ والجاهِ ، وإذا فُصِّلَ .. رجعَ إلى ثلاثةِ أصولٍ ، وهيَ ٣٧٨ ن ربع المهلكات كتاب ذم الجاه والرياء حبُّ لذةِ المحمدةِ ، والفرارُ مِنْ ألمِ المذمَّةِ ، والطمعُ فيما في أيدي الناسِ . ويشهدُ للرياءِ بهذهِ الأسبابِ وأنَّها الباعثةُ للمرائي ما روى أبو موسى : أنَّ أعرابياً سألَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ الرجلُ يقاتلُ حميةً؛ ومعناهُ : أنَّهُ يأُنفُ أنْ يُقهرَ أوْ يُذمَّ بأنَّهُ مقهورٌ مغلوبٌ ، والرجلُ يقاتلُ ليُرى مكانُهُ ؛ وهذا هوَ طلبُ لذَّةِ الجاهِ والقدْرِ في القلوبِ ، والرجلُ يقاتلُ الذِّكرِ ؛ وهذا هوَ الحمدُ باللسانِ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ قاتلَ لتكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العليا .. فهوَ في سبيلِ اللهِ))(١). وقالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إذا التقى الصفانِ .. نزلَتِ الملائكةُ ، فكتبوا الناسَ على مراتبِهِمْ، فلانٌ يقاتل للذِّكرِ، وفلانٌ يقاتلُ للملكِ )(٢)، والقتالُ للملكِ إشارةٌ إلى الطمع في الدنيا . وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( يقولونَ : فلانٌ شهيدٌ، ولعلَّهُ أنْ يكونَ قدْ ملأَ دُفتي راحلتِهِ ورِقاً! )(٣) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( مَنْ غزا لا يبغي إلا عِقالاً .. فلهُ ما نوى ))(٤) ، فهذا إشارةٌ إلى الطمع . (١) رواه البخاري (١٢٣)، ومسلم (١٩٠٤) بألفاظ مقاربة. (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٤٢)، وقد ذُكر عند ابن مسعود رضي الله عنه قوم قتلوا في سبيل الله عز وجل ، فذكره . (٣) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣٣٢/٦). (٤) رواه النسائي (٢٤/٦) . ٣٧٩ متزج كتاب ذم الجاه والرياء ربع المهلكات قشـ ١,٢G وقدْ لا يشتهي الحمدَ ولا يطمعُ فيهِ ، ولكنْ يحذرُ مِنْ ألمِ الذمِّ ؛ كالبخيلِ بينَ الأسخياءِ وهمْ يتصدَّقونَ بالمالِ الكثيرِ ، فإنَّهُ يتصدَّقُ بالقليلِ كي لا يُبخَّلَ ، وهوَ ليسَ يطمعُ في الحمدِ وقَدْ سبقَهُ غيرُهُ ، وكالجبانِ بينَ الشُّجعانِ ، لا يفرُّ مِنَ الزحفِ خوفاً مِنَ الذمِّ ، وهوَ لا يطمعُ في الحمدِ وقدْ هجمَ غيرُهُ على صفِّ القتالِ ، ولكنْ إذا أيسَ مِنَ الحمدِ .. كرهَ الذَّ ، وكالرجلٍ بينَ قومٍ يصلُّونَ جميعَ الليلِ ، فيصلِّي ركعاتٍ معدودةً كيْ لا يُذْمَّ بالكسلِ ، وهوَ لا يطمعُ في الحمدِ . وقدْ يقدرُ الإنسانُ على الصبرِ عنْ لذَّةِ الحمدِ ، ولا يقدرُ على الصبرِ على ألم الذمِّ ، ولذلكَ قدْ يتركُ السؤالَ عنْ علمٍ هوَ محتاجٌ إليهِ ؛ خيفةٌ مِنْ أنْ يُدْمَّ بالجهلِ ، ويفتي بغيرِ علمٍ ، ويدَّعي العلمَ بالحديثِ وهوَ بهِ جاهلٌ ، كلُّ ذلكَ حذراً مِنَ الذمِّ . فهذهِ الأمورُ الثلاثةُ هيَ التي تحرِّكُ المرائيَ إلى الرياءِ . حن وعلاجُهُ : ما ذكرناهُ في الشطرِ الأولِ مِنَ الكتابِ على الجملةِ ، ولكنَّا نذكرُ الآنَ ما يخصُّ الرياءَ، وليسَ بخفيٍّ أنَّ الإنسانَ إنَّما يقصدُ الشيءَ ويرغبُ فيهِ لظنِّهِ أنَّهُ خيرٌ لهُ ونافعٌ ولذيذٌ ، إمَّا في الحالِ وإِمَّا في المآلِ ، فإنْ علمَ أنَّهُ لذيذٌ في الحالِ ولكنَّهُ ضارٍّ في المَآلِ .. سَهُلَ عليهِ قطعُ الرَّغبةِ عنهُ ، كمَنْ يعلمُ أنَّ العسلَ لذيذٌ، ولكنْ إذا بانَ لهُ أنَّ فيهِ سمّاً .. أعرضَ عنهُ؛ فكذلكَ طريقُ قطع هذهِ الرغبةِ أنْ يعلمَ ما فيها مِنَ المضرَّةِ . ٣٨٠ جن