Indexed OCR Text
Pages 21-40
ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا وقالَ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((احذرُوا الدُّنيا ؛ فإنَّها أسحرُ مِنْ هاروتَ وماروتَ ))(١) . وعنِ الحسنِ قالَ : خرِجَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ذاتَ يومٍ على أصحابِهِ فقالَ: (( هلْ منكُمْ مَنْ يريدُ أنْ يذهبَ اللهُ عنهُ العمى ويجعلَهُ بصيراً ؟ ألاَ إنَّهُ مَنْ رغِبَ في الدُّنيا وطالَ أملُهُ فيها .. أعمى اللهُ قلبَهُ علىْ قَدْرِ ذلكَ، ومَنْ زهدَ في الدُّنيا وقصُرَ أملُهُ فيها .. أعطاهُ اللهُ علماً بغيرِ تعلُّمٍ ، وهدىّ بغيرِ هدايةٍ ، ألا إنَّهُ سيكونُ بعدَكُمْ قومٌ لا يستقيمُ لهُمُ الملكُ إلاَّ بالقتلِ والتَّجُّرِ، ولا الغنى إلاَّ بالفخرِ والبُخْلِ ، ولا المحبَّةُ إلاَّ باتباع الهوى ، ألاَ فَمَنْ أدركَ ذلكَ الزَّمانَ منكُمْ فصبَرَ للفقرِ وهوَ يقدِرُ على الغنى، وصبرَ للبغضاءِ وهوَ يقدِرُ على المحبَّةِ ، وصبَرَ على الذُّلِّ وهوَ يقدِرُ على العزِّ ، لا يريدُ بذلكَ إلا وجهَ اللهِ تعالى .. أعطاهُ اللهُ عزَّ وجلَ ثوابَ خمسينَ صديقاً))(٢). 2 ورُويَ أنَّ عيسىُ عليهِ السلامُ اشتدَّ بهِ المطرُ والرعدُ والبرقُ يوماً ، فجعلَ يطلبُ شيئاً يلجأ إليهِ فرُفعَتْ لهُ خيمةٌ مِنْ بعيدٍ فأتاها ؛ فإذا فيها امرأةٌ ، فحادَ عنها ؛ فإذا هوَ بكهفٍ في جبلٍ ، فأتاهُ ؛ فإذا فيهِ أسدٌ ، فوضعَ يدَهُ علیهِ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٣٢)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠٠٢٢) عن أبي الدرداء الرهاوي . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)" (١٠٥)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣١٢/٦)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٠٠٩٨). ٢١ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات :5 وقالَ : إلهي ؛ جعلتَ لكلِّ شيءٍ مأوىٍ ، ولم تجعلْ لي مأوىّ ، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ : مأواكَ في مستقرٍّ مِنْ رحمتي ، لأزوِّجَّكَ يومَ القيامةِ مئةَ حوراءَ خلقْتُها بيدي ، ولأطعمنَّ في عُرْسِكَ أربعةَ آلافِ عامٍ ، يومٌ منها كعمرِ الدُّنيا ، ولامرنَّ منادياً ينادي : أينَ الزهادُ في الدُّنيا ؟ زورُوا عرسَ الزاهدِ عيسى ابنِ مريمَ (١). وقالَ عيسى ابنُ مريمَ عليهِ السلامُ : ( ويلٌ لصاحبِ الدُّنيا ، كيفَ يموتُ ويتركُها وما فيها ، ويأمنُها وتغرُّهُ، ويثقُ بها وتخذُلُهُ، ويلٌ للمغترِّينَ ، كيفَ أرتُهُمْ ما يكرهونَ ، وفارقَهُمْ ما يحبُّونَ ، وجاءَهُمْ ما يُوعِدُونَ ، وويلٌ لمَنِ الدُّنيا همُّهُ ، والخطايا عملُهُ، كيفَ يُفتضَحُ غداً بذنبهِ)(٢) . وقيلَ : ( أوحى اللهُ عزَّ وجلَّ إلى موسى عليهِ السلامُ : يا موسى ؛ ما لكَ ولدارِ الظالمينَ ؟! إنَّها ليسَتْ لكَ بدارِ ، أخرِجْ منها همَّكَ ، وفارقْها بعقِلِكَ ، فبئسَتِ الدارُ هيَ ، إلا لعاملٍ يعملُ فيها فنعمَتِ الدارُ هيَ ، يا موسى؛ إنِّي مرصدٌ للظالمِ حتَّى آخذَ منهُ للمظلومِ)(٣). ورُويَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعثَ أبا عبيدةَ بنَ الجراحِ ، فجاءَهُ بمالٍ مِنَ البحرينِ ، فسمعَتِ الأنصارُ بقدوم أبي عبيدةً ، فوافَوا صلاةً (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (١١١)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٧ /٤٢١) عن محمد بن سباع النميري . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٩٢) عن عبيد الله بن مسلم. (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ١٨٣) عن عبادة أبي مروان . ٢٢ ربع المهلكات کتاب دم الدنيا ـكن الفجرِ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فلمَّا صلَّى رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. انصرفَ، فتعرَّضُوا لهُ، فتبسَّمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حينَ رآهُمْ، ثمَّ قالَ: ((أظنُّكُمْ سمعتُمْ أنَّ أبا عبيدةَ قدِمَ بشيءٍ ؟)) قالُوا : أجلْ يا رسولَ اللهِ ، قالَ: ((فأبشرُوا وأمِّلُوا ما يسُؤُّكُمْ، فواللهِ ؛ ما الفقْرَ أخشى عليكُمْ ، ولكنِّي أخشى عليكُمْ أن تُبسطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُطَتْ على مَنْ كانَ قبلَكُمْ، فتنافسُوها كما تنافسُوها ، فتُهلكَكُمْ كما أهلكَتْهُمْ))(١) . وقالَ أبو سعيد الخدريُّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ أكثرَ ما أخافُ عليكمْ ما يخرجُ اللهُ لكمْ مِنْ بركاتِ الأرضِ)»، فقيلَ: ما بركاتُ الأرضِ؟ قالَ: ((زهرةُ الدُّنيا))(٢). وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا تشغلُوا قلوبَكُمْ بذكرٍ الدُّنيا)) (٣) ، فنهىُ عنْ ذكرِها فضلاً عَنْ إصابةِ عينِها . وقالَ عمارُ بنُ سعيدٍ : مرَّ عيسى عليهِ السلامُ بقريةٍ ؛ فإذا أهلُها موتى في الأفنيةِ والطرقِ ، فقالَ لهمْ : يا معشرَ الحواريِّينَ ؛ إنَّ هؤلاءِ ماتُوا عنْ (١) رواه البخاري (٣١٥٨)، ومسلم (٢٩٦١). (٢) رواه البخاري (٢٨٤٢)، ومسلم ( ١٠٥٢). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا) (٢٦٤)، والبيهقي في ((الشعب)) (١٠١٠٠) عن محمد بن النضر الحارثي مرسلاً، قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٨/ ٨٧ ): ( لأن الله يغار على قلب عبده أن يشتغل بغيره ) . ٢٣ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات سخطةٍ ، ولوْ ماتُوا عنْ غيرِ ذلكَ .. لتدافنُوا، فقالُوا: يا روحَ اللهِ ؛ وددنا أنَّا علمنا خبرَهُم، فسألَ ربَّهُ، فأوحى اللهُ تعالىُ إليهِ : إذا كانَ الليلُ .. فنادِهِمْ يجيبوكَ ، فلمَّا كانَ الليلُ .. أشرفَ علىُ نشْزِ ، ثمَّ نادى: يا أهلَ القريةِ ؛ فأجابَهُ مجيبٌ : ليَّيكَ يا روحَ اللهِ ؛ فقالَ : ما حالُكُمْ؟ وما قصَّتْكُمْ ؟ قالوا : بتنا في عافيةٍ ، وأصبحنا في الهاويةِ ، قالَ : وكيفَ ذاكَ ؟ قالَ : بحبّنا الدُّنيا ، وطاعتِنا أهلَ المعاصي ، قالَ : وكيفَ كانَ حُكُمْ للدُّنيا ؟ قالَ : حبُّ الصبيِّ لأمِّهِ ؛ إذا أقبلَتْ .. فرحنا، وإذا أدبرَتْ .. حزنًا وبكينا عليها ، قالَ : فما بالُ أصحابِكَ لمْ يجيبوني ؟ قالَ : لأنَّهُمْ ملجمونَ بُلُجُمٍ مِنْ نارٍ بأيدي ملائكةٍ غلاظ شدادٍ ، قالَ : فكيفَ أجبتَنَي أنتَ مِنْ بينِهِمْ ؟ قالَ : لأنِّي كنتُ فيهِمْ ولمْ أكنْ منهُمْ ، فلمَّا نزلَ بِهِمُ العذابُ .. أصابَني معَهُمْ، فأنا معلّقٌ على شفيرٍ جهنَّمَ ، لا أدري أنجو مِنْها أمْ أُكبكبُ فيها ، فقالَ المسيحُ للحواريِّينَ : لأكلُ خبزِ الشعيرِ بالملحِ الجريشِ ، وليسُ المسوحِ ، والنومُ على المزابلِ .. كثيرٌ معَ عافيةِ الدُّنيا والآخرةِ (١). وقالَ أنسٌ : كانَتْ ناقةُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ العضباءُ لا تُسبَقُ، فجاءَ أعرابيٌّ على قَعُودٍ فسبقَها، فشقَّ ذلكَ على المسلمينَ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّه حقٌّ على اللهِ ألاَّ يرفعَ شيئاً مِنَ الدُّنيا إلاَّ وضعَهُ))(٢) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٢٨٢)، وفي ((الزهد)) (٢٩٨). (٢) رواه البخاري (٢٨٧٢)، قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٨٨/٨): (ووجد = ٢٤ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( مَنْ ذا الذي يبني على موج البحرِ داراً ؟! تلكُمُ الدنيا، فلا تتَّخذُوها قراراً )(١) . وقيلَ لعيسى عليهِ السلامُ : علِّمْنا عملاً واحداً يحبُّنا اللهُ عليهِ، قالَ : أبغضُوا الدُّنيا .. يحبّكُمُ اللهُ تعالى(٢). وقالَ أبو الدرداءِ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لوْ تعلمونَ ما أعلمُ .. لضحكتُمْ قليلاً ولبكيتُمْ كثيراً، ولهانَتْ عليكُمُ الدُّنيا ، ولآئرتُمُ الآخرةَ ))، ثمَّ قالَ أبو الدرداءِ مِنْ قَبَلِ نفسِهِ: ( لوْ تعلمون ما أعلمُ .. لخرجتُمْ إلى الصُّعُداتِ تجأرونَ وتبكونَ على أنفسِكُمْ، ولتركتُمْ أموالَكُمْ لا حارسَ لها ، ولا راجعَ إليها إلا ما لا بدَّ لكُمْ مِنْهُ، ولكنْ يغيبُ عنْ قلوبِكُمْ ذكرُ الآخرةِ ، وحضرَها الأملُ ، فصارَتِ الدُّنيا أملكَ بأعمالِكُمْ ، وصرتُمْ كالذينَ لا يعلمونَ ، فبعضُكُمْ شرٌّ مِنَ البهائمِ التي لا تدعُ هواها مخافةً ممَّا في عاقبتِهِ . ما لكُمْ لا تحابُونَ ولا تناصحونَ وأنتم إخوانٌ على دينِ اللهِ ؟! ما فرَّقَ بِينَ أهوائِكُمْ إلاَّ خبثُ سرائرِكُمْ ، ولوِ اجتمعتُمْ على البرِّ .. لتحابيتُمْ. بخط الكمال الدميري قال : أفادني بعض طلبة العلم أنه سمع بعض الحفاظ يقول : = الأعرابي الذي جاء على قعود فسبق ناقة النبي صلى الله عليه وسلم هو جبريل عليه السلام ) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) ( ٣٧٠) عن سعيد بن عبد العزيز، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق)) ( ٤٧ / ٤٣٠) عن مجاهد . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٤١٥) عن سلم بن بشير . ٢٥ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات ما لكُمْ تناصحونَ في أمرِ الدُّنيا ولا تناصحونَ في أمرِ الآخرةِ ؟! ولا يملكُ أحدُكُمُ النصيحةَ لمَنْ يحبُّهُ ويعينُهُ على أمرٍ آخرتِهِ ، ما هذا إلاَّ مِنْ قلَّةِ الإيمانِ في قلوبِكُمْ، لوْ كنتُمْ توقنونَ بخيرِ الآخرةِ وشرِّها كما توقنونَ بالدُّنيا .. لآثرتُمْ طلبَ الآخرةِ ؛ لأنَّها أملكُ بأمورِكُمْ . فإنْ قلتُمْ : حبُّ العاجلةِ غالبٌ .. فإنَّا نراكُمْ تدَعونَ العاجلةَ مِنَ الدُّنيا للآجلِ مِنْها ، تكُدُّونَ أنفسَكُمْ بالمشقَّةِ والاحترافِ في طلبٍ أمرٍ لعلَّكُمْ لا تدركونَهُ، فبئسَ القومُ أنتُمْ، ما حقَّقْتُمْ إيمانَكُمْ بما يُعرَفُ بهِ الإيمانُ البالغُ فِيكُمْ ، فإِنْ كنتُمْ في شكِّ ممَّا جاءَ بهِ محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. فأتونا فلنبيِّنْ لكُمْ، ولنريكُمْ مِنَ النورِ ما تطمئنُ إليهِ قلوبُكُمْ، واللهِ ؛ ما أنْتُمْ بالمنقوصةِ عقولُكُمْ فنعذرَكُمْ، إنَّكُم لتبيُِّونَ صوابَ الرأي في دنياكُمْ ، وتأخذونَ بالحزمِ في أمرِكُمْ . ما لكُمْ تفرحونَ باليسيرِ مِنَ الدُّنيا تصيبونَهُ ، وتحزنونَ على اليسيرِ مِنْها يفوتَكُمْ؟! حتَّى يتبيَّنَ ذلكَ في وجوهِكُمْ ، ويظهرَ على ألسنتِكُمْ ، وتسمُّونَها المصائبَ، وتقيمونَ فيها المآتمَ ، وعامَّتُكُمْ قدْ تركوا كثيراً من دينِهِمْ ، ثمَّ لا يتبيَّنُ ذلكَ في وجوهِكُمْ، ولا يتغيّرُ حالٌ بَكُمْ، إنِّي لأرى اللهَ قدْ تبرَّأَ منگُمْ . ـدة حن يلقىُ بعضُكُمْ بعضاً بالسرورِ ، وكلُّكُمْ يكرَهُ أنْ يستقبلَ صاحبَهُ بما يكرَهُ مخافةً أن يستقبلَهُ صاحبُهُ بمثلِهِ ، فأصبحتُمْ على الغلِّ ، ونبتَتْ مراعيكُمْ على ٢٦ ـحن ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا الدِّمنِ ، وتصافيتُمْ على رفضِ الأجلِ ، ولوددتُ أنَّ اللهَ تعالى أراحَني منكُمْ ، وألحقَني بمَنْ أحبُّ رؤيتَهُ ، ولو كانَ حياً لمْ يصابرْكُمْ ، فإن كانَ فيكُمْ خيرٌ .. فقدْ أسمعتُكُمْ، وإنْ تطلبوا ما عندَ اللهِ .. تجدُوهُ يسيراً ، وباللهِ أستعينُ على نفسي وعليكُمْ)(١). وقالَ عيسى عليهِ السلامُ: ( يا معشرَ الحواريِّينَ؛ ارضَوا بدنيءِ الدُّنيا معَ سلامةِ الدِّينِ ؛ كما رضيَ أهلُ الدُّنيا بدنيءِ الدِّينِ معَ سلامةِ الدُّنيا )(٢). وفي معناهُ قيلَ (٣): [من البسيط] أَرَىْ رِجَالاً بِأَذْنَى الدِّينِ قَدْ قَنِعُوا وَمَا أَرَاهُمْ رَضُوا فِي الْعَيْشِ بِالدُّونِ فَاسْتَغْنِ بِلَدِّينِ عَنْ ذُنْاِ الْمُلُوكِ كَما أَسْ تَغْنَى الْمُلُوكُ بِدُنْيَاهُمْ عَنِ الدِّينِ وقالَ عيسى عليهِ السلامُ : ( يا طالبَ الدُّنيا لِتَبِّرَّ، تركُكَ الدُّنيا أبوُ) (٤). (١) رواه بتمامه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٤٢٧)، وروى المرفوع منه البخاري (٤٦٢١)، ومسلم (٢٣٥٩) من حديث أنس رضي الله عنه ، والصعدات : البراري والقفار. ((إتحاف)) (٨٩/٨). ـجر (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٤٤٩) عن زكريا بن عدي. (٣) البيتان متنازع في نسبتهما، وهما مما نسب لعبد الله بن المبارك في (( ديوانه)) ( ص ٦٩)، ولأبي العتاهية في ((عيون الأخبار)) (٣٧٣/٢) وليسا في (( ديوانه))، ولمحمود الوراق في ((ديوانه)) (ص ٢٨١)، ولإبراهيم بن أدهم في (( مختصر تاريخ دمشق )) (٣٢/٤) . (٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)). ((إتحاف)) (٨/ ٩٠)، والمعنى: يا من يطلب الدنيا ليكون بارّاً ببذلها ، فهو لا يطلبها لذاتها ؛ إن تركك لها أبُّ من برِّك بها. ٢٧ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات حز وقالَ نبينا صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لتأتيَنَّكُمْ بعدي دنيا تأكلُ إيمانَكُمْ؛ كما تأكلُ النَّارُ الحطبَ))(١) . وأوحى اللهُ تعالى إلى موسى عليهِ السلامُ : ( يا موسى ؛ لا تركنَنَّ إلى حبِّ الدُّنيا ؛ فإنَّكَ لنْ تأتيَني بكبيرةٍ هيَ أشدُ عليكَ مِنْها )(٢). ومرّ موسى عليه السلامُ برجلٍ وهو يبكي ، ورجع وهوَ یبکي ، فقال موسى: يا ربِّ؛ عبدُكَ يبكي مِنْ مخافتِكَ، فقالَ: يا بنَ عمرانَ؛ لو نزلَ دماغُهُ معَ دموع عينَهِ، ورفعَ يديهِ حتَّى تسقطا .. لمْ أغفرْ لهُ وهوَ يحبُّ الدُّنيا(٣). الآثارُ : قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( مَنْ جمعَ ستَّ خصالٍ .. لمْ يدعْ للجنةِ مطلباً ، ولا عنِ النارِ مهرباً : مَنْ عرفَ اللهَ فأطاعَهُ، وعرفَ الشيطانَ فعصاهُ، وعرفَ الحقَّ فاتبعَهُ، وعرفَ الباطلَ فاتقاهُ، وعرفَ الدُّنيا فرفضَها، وعرفَ الآخرةَ فطلبَها )(٤) . حر (١) قال الحافظ العراقي: (لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٨/ ٩٠)، وروى نعيم بن حماد في ((الفتن)) (١٢١) : عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه : ( أبشروا بدنيا عريضة تأكل إيمانكم ) . (٢) رواه أبو نعيم في « الحلية)) (٥/٦) بنحوه . (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)). ((إتحاف)) (٩٠/٨). (٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)). ((إتحاف)) (٩٠/٨). ٢٨ حن ة. ربع المهلكات كتاب ذم الدنيا وقالَ الحسنُ : (رحمَ اللهُ أقواماً كانَتِ الدُّنيا عندَهُم وديعةً ، فأدَّوها إلى مَنِ ائتمنَهُمْ عليها، ثمَّ راحوا خِفافاً )(١). وقالَ أيضاً رحمهُ اللهُ: ( مَنْ نافسَكَ في دينِكَ .. فنافسْهُ، ومَنْ نافسَكَ في دنياكَ .. فألِقِها في نحرِهِ)(٢) . وقالَ لقمانُ عليهِ السلامُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ إنَّ الدُّنيا بحرٌ عميقٌ ، قدْ غرِقَ فيهِ ناسٌ كثيرٌ، فلتكُنْ سفينتُكَ فيها تقوى اللهِ عزَّ وجلَّ ، وحشوُها الإيمانُ باللهِ عزَّ وجلَّ، وشراعُها التوُّلُ على اللهِ عزَّ وجلَّ ؛ لعلَّكَ تنجو ، وما أراكَ ناجياً)(٣). وقالَ الفضيلُ : ( طالَتْ فكرتي في هذهِ الآيةِ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةٌ لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا : ﴿ وَإِنَّا لَجَِعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُزًا﴾ ) . وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( إنَّكَ لنْ تصبحَ في شيءٍ مِنَ الدُّنيا إِلاَّ وقدْ كانَ لهُ أهلٌ قبلَكَ، ويكونُ لهُ أهلٌ بعدَكَ ، وليسَ لكَ مِنَ الدُّنيا إلاَّ عشاءُ ليلةٍ وغداءُ يومٍ ، فلا تهلك في أكلةٍ ، وصمْ عنِ الدُّنيا، وأفطرْ على الآخرةِ ، وإنَّ رأسَ مالِ الدُّنيا الهوى ، وربحَها النارُ )(٤). (١) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٨/ ٩٠). (٢) نقله صاحب ((القوت)). ((إتحاف)) (٩١/٨)، وروى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٣٥١) عنه: (إذا رأيت الرجل ينافس في الدنيا .. فنافسه في الآخرة ). (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ٥٣٧). (٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)). ((إتحاف)) (٩١/٨). ٢٩ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات وقيلَ لبعضٍ الرهبانِ : كيفَ ترى الذَّهرَ ؟ قالَ : يخلقُ الأبدانَ، ويجدِّدُ الآمالَ، ويقرِّبُ المنيَّةَ، ويبعدُ الأُمِنِيَّةَ، قيلَ: فما حالُ أهلِهِ ؟ قالَ : مَنْ ظفرَ بهِ .. تعبَ، ومَنْ فاتَهُ .. نضبَ(١). وفي ذلكَ قيلَ(٢): [من الطويل] فَسَوْفَ لَعَمْرِي عَنْ قَلِيلِ يَلُومُها وَمَنْ يَحْمَدِ الدُّنْيا لِعَيْشِ يَسُؤُّهُ وَإِنْ أَقْبَلَتْ كَانَتْ كَثِيراً هُمُومُها إِذَا أَدْبَرَتْ كَانَتْ عَلَى الْمَرْءِ حَسْرَةٌ وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( كانَتِ الدُّنيا ولمْ أكنْ فيها ، وتذهبُ الدُّنيا ولا أكونُ فيها ، فلا أسكنُ إليها ؛ فإنَّ عيشَها نكدٌ ، وصفوَها كدرٌ ، وأهلَها مِنْها على وجَلٍ ؛ إمَّا بنعمةٍ زائلةٍ، أوْ بليّةِ نازلةٍ، أو منيَّةٍ قاضيةٍ)(٣). وقالَ بعضُهُمْ : ( مِنْ عيبِ الدُّنيا أنَّها لا تُعطي أحداً ما يستحقُّ ، لكنَّها إمَّا أنْ تزيدَهُ، وإِمَّا أنْ تنقصَهُ)(٤) . وقالَ سفيانُ : ( أما ترى النِّعمَ كأنَّها مغضوبٌ عليها ، قدْ وُضعِتْ في غيرِ أهلِها ؟! )(٥). (١) رواه الخرائطي في ((اعتلال القلوب)) (٩٠) دون السؤال عن حال أهله ، ونضب : غار وذهب ، وفي بعض النسخ : ( نصب ) ولا يبعد . (٢) البيتان لسيدنا علي في (( ديوانه)) الموسوم بـ(أنوار العقول لوصي الرسول)) (ص ٢٢٦). (٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٤/٢) عن الحسن ضمن رسالة بعثها لعمر بن عبد العزيز . (٤) أورده الآبي في ((نثر الدر)) (٧/ ٦٧ ) البزرجمهر . (٥) رواه الخطيب في « تاريخ بغداد)) ( ٣٧٥/١٠) ، وسفيان هو ابن عيينة . ٣٠ ربع المهلكات كتاب ذم الدنيا وقالَ أبو سليمان الدارانيُّ : ( مَنْ طلبَ الدُّنيا على المحبَّة لها .. لم يُعْطَ مِنْها شيئاً إلاَّ أرادَ أكثرَ ، ومَنْ طلبَ الآخرةَ على المحبَّةِ لها .. لمْ يُعْطَ مِنها شيئاً إلاَّ أرادَ أكثرَ، وليسَ لهُذا غايةٌ ولا لهذا غايةٌ)(١). وقالَ رجلٌ لأبي حازم : أشكو إليكَ حبَّ الدُّنيا وليسَتْ لي بدارٍ ، فقالَ : انظرْ ما آتاكَ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنْها ؛ فلا تأخذْهُ إلا مِنْ حِلُّهِ ، ولا تضعْهُ إلا في حقِّهِ ، ولا يضرُّكَ حبُّ الدُّنيا(٢) . وإنَّما قالَ هذا لأنَّهُ لوْ آخذَ نفسَهُ بذلكَ .. لأتعبَهُ، حتَّى يتبرَّمَ بالدُّنيا ، ويطلبَ الخروجَ مِنْها . جن وقالَ يحيىُ بنُ معاذٍ : ( الدُّنيا حانوتُ الشيطانِ ، فلا تسرِقْ مِنْ حانوتِهِ شيئاً فيجيءَ في طلبِهِ فيأخذَكَ)(٣). وقالَ الفضيلُ : ( لوْ كانَتِ الدُّنيا مِنْ ذهبٍ يفنى والآخرةُ مِنْ خزفٍ يبقى .. لكانَ ينبغي لنا أنْ نختارَ خزفاً يبقى على ذهبٍ يفنى، فكيفَ وقد اخترنا خزفاً يفنى على ذهبٍ يبقى ؟!)(٤). وقالَ أبو حازمٍ : ( إِيَّاكُمْ والدُّنيا؛ فإنَّهُ بلغني أنَّهُ يُوقفُ العبدُ يومَ القيامةِ (١) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (٩١/٨). (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٧٠٢١). (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)). ((إتحاف)) (٩٢/٨). (٤) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (٩٢/٨). ٣١ ـة: کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات إذا كانَ معظُّماً للدُّنيا، فيُقالُ: هذا عظَّمَ ما حقَّرَهُ اللهُ)(١). . وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( ما أصبحَ أحدٌ مِنَ النَّاسِ إلا وهوَ ضيفٌّ، ومالُهُ عاريةٌ، والضيفُ مرتحلٌ، والعاريةٌ مردودةٌ)(٢). وفي ذلكَ قيلَ(٣): [من الطويل] وَمَا أَلْمَالُ وَالأَهْلُونَ إِلاَّ وَدِيعَةٌ وَلا بُدَّ يَوْماً أَنْ تُرَدَّ الْوَدَائِعُ وزارَ رابعةً أصحابُها ، فذكرُوا الدُّنيا، فأقبلُوا على ذمِّها ، فقالَتِ : اسكتُوا عنْ ذكرِها ، فلولا موقعُها مِنْ قلوبِكُمْ .. ما أكثرتُمْ مِنْ ذكرِها، ألا مَنْ أحبَّ شيئاً .. أكثرَ مِنْ ذكرِهِ(٤) . وقيلَ لإبراهيمَ بنِ أدهمَ : كيفَ أنتَ ؟ فقالَ(٥): [من الطويل] نُرَقِّعُ دُنْيانا بِتَمْزِيقِ دِينِا فَلا دِينُنا يَبْقَى وَلا ما نُرَقِّعُ وَجادَ بِدُنْياهُ لِما يَتَوَفَّعُ فَطُوبَى لِعَبْدٍ آثَرَ اللهَ رَبَّهُ (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا))، وأبو نعيم في ((الحلية)). ((إتحاف)) (٨/ ٩٢ ) . (٢) رواه الطبراني في «الكبير)) (١٠١/٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٤/١). (٣) البيت للبيد في ((ديوانه)) ( ص ١٧٠ ). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٤٦٤). (٥) البيت الأول ينسب إلى عدي بن زيد وهو في (( ديوانه)) (ص ٢٠٠)، وإلى عبد الله بن المبارك في (( ديوانه)) ( ص ٨٤)، وانظر ((بهجة المجالس)) (٢٨٩/٣). ٣٢ ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا وَقِيلَ(١): [من الطويل] وَنالَ مِنَ الدُّنْيا سُرُوراً وَأَنْعُما أَرَىُ طالِبَ الذُّنْيَا وَإِنْ طَالَ عُمْرُهُ فَلَمَّا أَسْتَوَىُ ما قَدْ بَنَاهُ تَهَدَّما كَبانٍ بَنَیُ بُنْيانَهُ فَأَقَامَهُ وقيلَ(٢): [من الوافر] أَلَيْسَ مَصِيرُ ذاكَ إِلَى أَنْتِقِالٍ هَبِ الدُّنْيا تُساقُ إِلَيْكَ عَفْواً أَظَلَّكَ ثُمَّ آذَنَ بِالزَّوالِ وَمَا دُنْياكَ إِلَّ مِثْلُ فَيْءٍ 3 وقالَ لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ بعْ دُنياكَ بآخرتِكَ تربحْهُما جميعاً ، ولا تبعْ آخرتَكَ بدنياكَ فتخسرَهُما جميعاً)(٣). وقالَ مطرِّف بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشُّخِّيرِ : ( لا تنظر إلى خفضٍ عيشِ الملوكِ ولينِ رياشِهِمْ ، ولكنِ انظرْ إلى سرعةِ ظعنِهِمْ وسوءِ منقلبِهِمْ) (٤) . وقالَ ابنُ عباسِ : ( إنَّ اللهَ تعالى جعلَ الدُّنيا ثلاثةَ أجزاءٍ ؛ جزءٌ للمؤمنِ، وجزءٌ للمنافقِ، وجزءٌ للكافرِ ؛ فالمؤمنُ يتزوَّدُ ، والمنافقُ يتزيَّنُ ، والكافرُ يتمتَّعُ)(٥) . (١) شرح نهج البلاغة (١٩ / ٢٩١). (٢) البيتان لأبي العتاهية. انظر ((ديوانه)) (ص ٢٩٧)، و((شرح نهج البلاغة)) (٢٩١/١٩). (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)). («إتحاف)) (٩٢/٨)، ورواه أبو نعيم في («الحلية )" (٢ /١٤٣) من قول الحسن . (٤) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٣٩٤). (٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)). ((إتحاف)) (٩٣/٨). ٣٣ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات 1 وقالَ بعضُهُمُ : ( الدُّنيا جيفةٌ، فمَنْ أرادَ مِنْها شيئاً .. فليصبرْ على معاشرةِ الكلابِ ) (١) . وفي ذلكَ قيلَ (٢): [من السريع] تَنَخَّ عَنْ خِطْبَتِها تَسْلَمِ يا خاطِبَ الدُّنْيًا إِلَى نَفْسِها إِنَّ الَّتِي تَخْطُبُ غَدَّارَةٌ قَرِيبَةُ الْعُرْسِ مِنَ الْمَأْنَمِ وقالَ أبو الدرداءِ : ( مِنْ هوانِ الدُّنيا على اللهِ أنَّهُ لا يُعصى إلاَّ فيها، ولا يُنالُ ما عندَهُ إلاَّ بتركِها)(٣). وفي ذلكَ قيلَ (٤) : [من الطويل] إِذا أَمْتَحَنَ الذُّنْيَا لَبِيبٌ تَكَشَّفَتْ لَهُ عَنْ عَدُوِّ فِي ثِابِ صَدِيقٍ وقيلَ أيضاً(٥) : [من البسيط] إِنَّ الْحَوادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أَسْحارا يا راقِدَ اللَّيلِ مَسْرُوراً بِأَوَّلِهِ كَرُ الْجَدِيدَيْنِ إِقْبالاً وَإِذْبارا أَفْنَى أَلْقُرُونَ أَلَّتِي كَانَتْ مُنَغَمَةُ قَدْ كانَ فِي أُلذَّهْرِ نَفَّعاً وَضَرّارا كَمْ قَدْ أَبَادَتْ صُروفُ الذَّهْرِ مِنْ مَلِكٍ يُمْسِي وَيُصْبِحُ فِي دُنْيَاهُ سَفَّارا يا مَنْ يُعانِقُ دُنْيا لا بَقاءَ لَها ں D (١) كذا في ((الحلية)) (٢٣٨/٨) عن علي كرم الله وجهه . (٢) البيتان لأبي العتاهية في (( ديوانه)) ( ص ٦٤٤). (٣) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٣٠٩) عن بعض الحكماء . (٤) البيت لأبي نواس في (( ديوانه)) ( ص ٧١٤ ) . (٥) الأبيات لمحمد بن حازم الباهلي في ((ديوانه)) (ص ٥٦). ٣٤ محن حن ربع المهلكات کتاب ذم الدنيا حَتَّى تُعانِقَ فِي أَلْفِرْدَوسِ أَبْكارا هَلَأَّ تَرَكْتَ مِنَ الدُّنْيا مُعانَقَةٌ فَيَنْبَغِي لكَ أَلَّ تَأْمَنَ النَّار! إِنْ كُنْتَ تَبَغِي جِنانَ الْخُلْدِ تَسْكُنُها وقالَ أبو أمامةَ الباهليُّ رضيَ اللهُ عنهُ: لمَّا بُعِثَ محمدٌ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. أتَتْ إبليسَ جنودُهُ، فقالُوا: قدْ بُعِثَ نبيٌّ وأُخرجَتْ أمَّةٌ ، قالَ : يحبُّونَ الدُّنيا؟ قالُوا : نعمْ ، قالَ : لئنْ كانُوا يحبُّونَها .. ما أبالي ألَّ يعبدُوا الأوثانَ ، وأنا أغدو عليهِمْ وأَروحُ بثلاثٍ : أخذُ المالِ مِنْ غيرِ حقٌّه، وإنفاقُهُ في غيرِ حقِّهِ ، وإمساكُهُ عنْ حقِّهِ ، والشرُكلُّهُ لهذا تبعٌ (١) . وقالَ رجلٌ لعليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : يا أميرَ المؤمنينَ ؛ صفْ لنا الدُّنيا ، قالَ: وما أصفُ لكَ مِنْ دارٍ مَنْ صِحَّ فيها .. ما أمِنَ ، ومنْ سقمَ فيها .. ندِمَ، ومَنِ افتقرَ فيها .. حِزِنَ، ومَنِ استغنى فيها .. افتُِنَ، في حلالِها الحسابُ ، وفي حرامِها العقابُ، ومتشابهِها العتابُ(٢). وقيلَ لهُ ذلكَ مرةً أخرى ، فقالَ : أطوِّلُ أمْ أقصِّرُ ؟ فقيلَ قصِّرْ ، فقالَ : حلالُها حسابٌ، وحرامُها عذابٌ (٣). وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : ( اتقُوا السَّخَارةَ؛ فإنَّها تسحرُ قلوبَ العلماءِ) (٤) ؛ يعني : الدُّنيا . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٠). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٨)، وفيه: ( من صح فيها .. أمن). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ١٧ ). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٣٩). ٣٥ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ : ( إذا كانَتِ الآخرةُ في القلبِ .. جاءَتِ الدُّنيا تزحمُها ، وإذا كانَتِ الدُّنيا في القلبِ .. لمْ تزحمْها الآخرةُ ؛ لأنَّ الآخرةَ كريمةٌ، والدُّنيا لئيمةٌ)(١) ، وهذا تشديدٌ عظيمٌ، ونرجو أنْ يكونَ ما ذكرَهُ سيارُ بنُ الحَكَمِ أصحَّ؛ إذْ قالَ : ( الدُّنيا والآخرةُ يجتمعانِ في القلبِ ، فأيُّهما غلبَ .. كانَ الآخرُ تبعاً لهُ)(٢). وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : ( بقدْرِ ما تحزنُ للدُّنيا يخرجُ همُّ الآخرةِ مِنْ قلبكَ ، وبقدْرِ ما تحزنُ للآخرةِ يخرجُ همُّ الدُّنيا مِنْ قلبكَ )(٣)، وهذا اقتباسٌ ممَّا قالَهُ عليّ كرَّمَ اللهُ وجهَهُ: ( الدُّنيا والآخرةُ ضرَّتانِ ، فبقدْرِ ما تُرْضِي إحداهما تسخطُ الأخرى )(٤) . ٠٠٧ وقالَ الحسنُ : ( واللهِ ؛ لقدْ أدركتُ أقواماً كانَتِ الدُّنيا أهونَ عليهِمْ مِنَ الترابِ الذي يمشونَ عليهِ ، ما يبالونَ أشرَّقَتِ الدُّنيا أمْ غَرَّبَتْ ، ذهبَتْ إلى ذا أَمْ ذهبَتْ إلى ذا)(٥) . وقالَ رجلٌ للحسنِ : ما تقولُ في رجلٍ آتاهُ اللهُ مالاً ؛ فهوَ يتصدَّقُ منهُ ، ويصلُ منهُ ، ويحسنُ فيهِ ، أَلَهُ أنْ يتعيَّشَ فيهِ ؟ يعني : التَّقُّمَ ، فقالَ : لا ، (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٢١). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (١٢٠). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٢٢). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١١٩) عن وهب بن منبه. (٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٦/ ٢٧٢). ٣٦ ربع المهلكات كتاب ذم الدنيا لوْ كانَتْ لهُ الدُّنيا كُلُّها .. ما كانَ لهُ منْها إلاَّ الكفافُ، ويقدِّمُ ذلكَ ليومٍ (١) فقرِهِ(١). وقالَ الفضيلُ : ( لوْ أنَّ الدُّنيا بحذافيرِها عُرضَتْ عليَّ حلالاً، لا أُحاسبُ بها في الآخرةِ .. لكنتُ أنقذَّرُها، كما يتقذَّرُ أحدُكُمُ الجيفةَ إذا مرَّ بها أنْ تصيبَ ثوبَهُ )(٢) . وقيلَ : قِدِمَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ الشامَ ، فاستقبلَهُ أبو عبيدةَ بنُ الجراحِ على ناقةٍ مخطومةٍ بحبلٍ ، فسلَّم عليهِ وسألَهُ ، ثمَّ أتى منزِلَهُ ، فلمْ يرَ فيهِ إلاّ سيفَهُ وترسَهُ ورحلَهُ ، فقالَ لهُ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : لوٍ اتخذتَ متاعاً ، فقالَ : يا أميرَ المؤمنينَ؛ إنَّ هذا يبلِّغُنا المقيلَ(٣). وقالَ سفيانُ: ( خذْ مِنَ الدُّنيا لبدنِكَ، ومِنَ الآخرةِ لقلبكَ )(٤). ٠٥٠٠٦ وقالَ الحسنُ : (واللهِ ؛ لقدْ عبدَتْ بنو إِسرائيلَ الأصنامَ بعدَ عبادَتِهِمُ الرحمنَ بحبِّهِمُ الدُّنيا )(٥) . وقالَ وهبٌ : ( قرأتُ في بعضِ الكتبِ : الدُّنيا غنيمةُ الأكياسِ ، وغفلةُ الجھَّالِ ، لَمْ يعرفُوها حتَّى خرجُوا مِنْها، فسألُوا الرَّجعةَ فلمْ يُرجعوا )(٦). (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٨/٦). (٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٩/٨). (٣) رواه ابن المبارك في (( الزهد)) ( ٥٨٦). (٤) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٠/٧). (٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٩٨/٦). (٦) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٦٥). ٣٧ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات وقالَ لقمانُ لابْنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ إِنَّكَ استدبرتَ الدُّنيا مِنْ يومَ نزلتَها واستقبلتَ الآخرةَ ؛ فأنْتَ إلى دارِ تقربُ مِنها أقربُ مِنْ دارِ تباعدُ عنْها)(١) . وقالَ سعدُ بنُ مسعودٍ : ( إذا رأيتَ العبدَ تزدادُ دنياهُ وتنقصُ آخرتُهُ وهوَ بهِ راضٍ .. فذلكَ المغبونُ الذي يلعبُ بوجهِهِ وهوَ لا يشعرُ)(٢). وقالَ عمرُو بنُ العاصِ على المنبرِ : ( واللهِ ؛ ما رأيتُ قوماً قطُّ أرغبَ فيما كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يزهدُ فيهِ مِنْكُمْ، واللهِ ؛ ما مرَّ برسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثلاثٌ إلَّ والذي عليهِ أكثرُ مِنَ الذي لهُ)(٣). وقالَ الحسنُ بعدَ أنْ تلا قولَهُ تعالى: ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغْرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾: مَنْ قالَ ذا؟ مَنْ خلقَها ومَنْ هوَ أعلمُ بها ، إِيَّاكُمْ وما شغلَ مِنَ الدُّنيا ؛ فإنَّ الدُّنيا كثيرةُ الأشغالِ ، لا يفتحُ رجلٌ على نفسِهِ بابَ شغلٍ إلَّ أو شكَ ذلكَ البابُ أنْ يفتحَ عليهِ عشرةَ أبوابٍ (٤) . وقالَ أيضاً : ( مسكينٌ ابنُ آدَمَ ؛ رضيَ بدارِ حلالُها حسابٌ ، وحرامُها عذابٌ، إنْ أخذَهُ مِنْ حلَّهِ .. حُوسبَ بنعمتِهِ، وإنْ أخذَهُ مِنْ حرام .. عُذِّبَ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٧٣). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٩٦). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١٠٦ ). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (١١٠). ٣٨ ربع المهلكات عيد کتاب ذم الدنيا بهِ ، ابنُ آدَمَ يستقلُّ مالَهُ ولا يستقلُّ عملَهُ ، يفرحُ بمصيبتِهِ في دينِهِ ، ويجزعُ مِنْ مصيبتِهِ في دنياهُ)(١) . وكتبَ الحسنُ إلى عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِما : سلامٌ عليكَ ، أمَّا بعدُ: فكأنَّكَ بآخرِ مَنْ كُتِبَ عليهِ الموتُ قَدْ ماتَ ، فأجابَهُ عمرُ : سلامٌ عليكَ ، كأنَّكَ بالدُّنيا لمْ تكنْ، وبالآخرةِ لمْ تَزَلْ (٢). وقالَ الفضيلُ بنُ عياضٍ : ( الدُّخولُ في الدُّنيا هيِّنٌ ، لكنَّ التخلُّصَ مِنْها شديدٌ )(٣). وقالَ بعضُهُمْ : ( عجباً لمَنْ يعرفُ أنَّ الموتَ حقٌّ كيفَ يفرحُ ؟! وعجباً لَمَنْ يعلمُ أنَّ النارَ حقٌّ كيفَ يضحكُ ؟! وعجباً لمَنْ يرى تقلُّبَ الدُّنيا بأهلِها كيفَ يطمئنُ إليها؟! وعجباً لمَنْ يعلمُ أنَّ القدَرَ حقٌّ كيفَ ينصبُ ؟! )(٤). وقدمَ على معاويةَ رضيَ اللهُ عنهُ رجلٌ مِنْ نجرانَ عمرُهُ مئتا سنةٍ ، فسألَهُ عنِ الدُّنيا كيفَ وجدَها ؟ فقالَ : سُنِيَّاتُ بلاءٍ ، وسُنَّاتُ رخاءٍ ، يومٌ فيومٌ ، وليلةٌ فليلةٌ، يُولدُ مولودٌ ، ويهلكُ هالكٌ، فلولا المولودُ .. بادَ الخلقُ ، ولولا الهالكُ .. ضاقتِ الدُّنيا بمَنْ فيها، فقالَ له : سلْ ما شئتَ ، قالَ : (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٢١١). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٢٢٦). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) ( ٣٩٣). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) (٢٢٧) ضمن خبر عن مسعر بن كدام . ٣٩ کتاب ذم الدنيا ربع المهلكات عمرٌ مضى فتردُّهُ، أَوْ أجلٌ حضرَ فتدفعُهُ؟ قالَ : لا أملكُ ذلكَ ، قالَ : لا حاجةَ لي إليكَ(١). وقالَ داوودُ الطائيُّ رحمهُ اللهُ: ( يا بنَ آدَمَ ؛ فرحتَ ببلوغ أملِكَ، وإنَّما بلغتَهُ بانقضاءِ أجلِكَ، ثمَّ سوَّفتَ بعملِكَ؛ كأنَّ منفعتهُ لغيرِكَ )(٢). وقالَ بشرُ بنُ الحارثِ : ( مَنْ سألَ اللهَ الدُّنيا .. فإنَّما يسألُهُ طولَ الوقوفِ بينَ يديهِ )(٣). وقالَ أبو حازمٍ : ( ما في الدُّنيا شيءٌ يسرُّكَ، إلا وقدْ أُلْصِقَ بهِ شيءٌ يسوءُكَ)(٤). وقالَ الحسنُ : ( لا تخرجُ نفسُ ابنِ آدمَ مِنَ الدُّنيا إلا بحسراتٍ ثلاثٍ : أنَّهُ لمْ يشبعْ ممَّا جمعَ ، ولمْ يدرِكْ ما أمَّلَ ، ولمْ يحسنِ الزادَ لما قدمَ عليهِ )(٥) . وقيلَ لبعضٍ العبّادِ : قدْ نلتَ الغنى، قالَ: إنَّما نالَ الغنى مَنْ عتَقَ مِنْ رقُ الدُّنيا(٦). (١) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الدنيا)) (٢٣٩). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٢٤٣) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٢٦١). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٢٦٣). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٢٧٥) . بور (٦) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الدنيا)) ( ٢٧٦). ٤٠