Indexed OCR Text
Pages 661-680
ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ ليُعطِي على الرفْقِ ما لا يُعطي على الخُرُّقِ ، وإذا أحبَّ اللهُ عبداً .. أعطاهُ الرِّفقَ، وما مِنْ أَهلِ بيتٍ يُحرمونَ الرِّفقَ إلاَّ قدْ حُرمُوا)) (١). حن وقالتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرفقَ، ويُعطِي عليه ما لا يُعطِي على العُنفِ)) (٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا عائشةُ؛ ارفقي، فإنَّ اللهَ إذا أرادَ بأهلِ بيتٍ كرامةً .. دلَّهمْ على بابِ الرِّفقِ))(٣). ـة كو حن حن وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «مَنْ يُحرَمِ الرَّفقَ .. يُحرَمِ الخيرَ كلَّهُ ))(٤) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( أيُّما والٍ وليَ فَلانَ ورفقَ .. رفقَ اللهَ تعالى بهِ يومَ القيامةِ ))(٥) . (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٠٦/٢)، والخرق - بضمة وبضمتين -: ضد الرفق، وبفتحتين هو الدهش من الخوف والحياء، وفي (( الإتحاف)) (٤٦/٨): ( الخرق بالضم : اسم من خرق كتعب ؛ إذا عمل شيئاً فلم يرفق فيه ، فهو أخرق وهي خرقاء ) ، وفي ( ب ) : ( إلا حرموا محبة الله تعالى ) . (٢) رواه مسلم ( ٢٥٩٣) . (٣) رواه أحمد في ((مسنده)) (١٠٤/٦)، وهو بنحوه عند أبي داوود (٤٨٠٨) ولفظه : (( يا عائشة؛ ارفقي، فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه ، ولا نزع من شيء قط إلا شانه )) . (٤) رواه مسلم (٢٥٩٢)، وقوله : ( كله ) عند أبي داوود ( ٤٨٠٩). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)) من حديث عائشة رضي الله عنها. ((إتحاف)) = ٦٦١ حن ئن. جن جن ـحن .-------- ------- كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تدرونَ مَنْ يُحرَّمُ على النارِ يومَ القيامةِ ؟ كلُّ هَيِّنٍ لَيِّنِ سهلٍ قريبٍ))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((الرِّفقُ يُمنٌ والخُرْقُ شؤْمٌ)) (٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( التأنِّي مِنَ اللهِ، والعجلةُ مِنَ الشيطانِ)) (٣). ورُوِي أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أتاهُ رجلٌ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ إنَّ اللهَ قَدْ باركَ لجميع المسلمينَ فيكَ ، فاخصصْني منكَ بخيرِ ، فقالَ: ((الحمدُ للهِ)) مرتينِ أوْ ثلاثاً، ثمَّ أقبلَ عليهِ فقالَ: ((هلْ أنتَ مستوصٍ؟)) مرتينٍ أوْ ثلاثاً، قالَ: نعمْ، قالَ: ((إذا أردتَ أمراً .. فتدبَّرْ عاقبتَهُ، فإنْ كانَ رشداً .. فأمْضِهِ، وإنْ كانَ سوى ذلكَ .. فانْتُهِ عنْهُ)) (٤) . ـحر® (٤٧/٨)، وعند مسلم (١٨٢٨) من دعائه صلى الله عليه وسلم: (( اللهم من ولي = من أمر أمتي شيئاً فشقَّ عليهم .. فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم .. فارفق به )) . (١) رواه الترمذي (٢٤٨٨)، وأحمد في ((المسند)) (٤١٥/١)، والطبراني في (الكبير)) (٣٥٢/٢٠). حن جر حن حن حة (٢) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٠٩٩)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ٧٣٢٦). (٣) رواه أبو يعلى في ((مسنده)) (٤٢٥٦)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٠٥٨)، وتقدم بلفظ: (( الأناة من الله ... )). (٤) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤١) عن عبد الله بن مسور أبي جعفر مرسلاً، ورواه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان)) (٣٥٩/١) عن أبي جعفر عن عبد الله بن مسعود قال : ٦٦٢ حن .دز ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد وعنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها : أنَّها كانَتْ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في سفرٍ على بعيرٍ صعبٍ ، فجعلَتْ تصرفُهُ يميناً وشمالاً ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يا عائشةُ؛ عليكِ بالرِّفقِ؛ فإنَّهُ لا يدخلُ في شيءٍ إلاّ زانَهُ، ولا يُنْزَعُ من شيءٍ إلَّ شانَهُ))(١). الآثارُ : بلغَ عمرَ بنَ الخطابِ رضيَ اللهُ عنهُ أنَّ جماعةً منْ رعيَّتِهِ اشتكوا مِنْ عمَّالِهِ، فأمرَهُمْ أنْ يوافُوهُ، فلما أتَوْهُ .. قامَ فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ، ثُمَّ قالَ : ( أَيَّتُها الرَّعيَّةُ؛ إنَّ لنا عليكُمْ حقاً ، النصيحةُ بالغيبِ ، والمعاونةُ على الخيرِ ، أَيَّتُها الرُّعاةُ؛ إنَّ للرعيَّةِ عليكُمْ حقّاً، واعلموا أنَّه لا حلمَ أحبُّ إلى اللهِ ولا أعمُّ مِنْ حلمٍ إمام ورفقِهِ ، وليسَ جهلٌ أبغضَ إلى اللهِ ولا أغمَّ مِنْ جهلِ إمامٍ وخُرْقِهِ ، واعلمُوا أنَّهُ من يأخذْ بالعافيةِ فيمَنْ بينَ ظهريهِ .. يرزقِ العافيةَ ممَّنْ هوَ دونَهُ )(٢). % ٥ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هل أنت مستوص إن أوصيتك؟)) قلت : = نعم ، قال: ((إذا هممت بأمر .. فتدبر عاقبته؛ فإن كان رشداً .. فأمضه ، وإن كان غيّاً .. فانتهِ )). (١) رواه مسلم (٢٥٩٤). (٢) رواه هناد في ((الزهد)) (١٢٨١) بنحوه، وابن أبي الدنيا في (( ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٤٨/٨) . ٦٦٣ ئن حر ٤ كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات وقالَ وهبُ بنُ منِّهٍ : ( الرفقُ بُنَُّّ الحلمِ) (١) . وفي الخبرِ موقوفاً ومرفوعاً: (( العلمُ خليلُ المؤمنِ ، والحلمُ وزيرُهُ ، والعقلُ دليلُهُ، والعملُ قِيِّمُهُ، والرِّفقُ والدُهُ، واللِّينُ أخوهُ ، والصبرُ أميرُ جنودِهِ))(٢). وقالَ بعضُهمْ : ( ما أحسنَ الإيمانَ يزينُهُ العلمُ ، وما أحسنَ العلمَ يزينُهُ العملُ، وما أحسنَ العملَ يزينُهُ الرفقُ، وما أضيفَ شيءٌ إلى شيءٍ مثل حلمٍ إلى علمٍ)(٣). وقالَ عمرُو بنُ العاصِ لابنِهِ عبدِ اللهِ : ما الرِّفقُ؟ قالَ : أن تكونَ ذا أناةٍ وتلاينَ الولاةَ ، قالَ : فما الخُرْقُ ؟ قالَ : معاداةُ إمامِكَ، ومناوأَةٌ مَنْ يقدِرُ على ضررِكَ (٤). وقالَ سفيانُ لأصحابِهِ : أتدرونَ ما الرفقُ ؟ قالوا : قلْ يا أبا محمدٍ ؛ قالَ : أنْ تضعَ الأمورَ مواضعَها ، الشدَّةَ في موضعِها ، واللينَ في موضِعِهِ ، ـحر (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). («إتحاف)) (٤٨/٨)، وبُنَّيُّ : تصغير ابن ؛ أي: ثمرته ونتيجته، كذا في ((الإتحاف))، وعنده في (( تاج العروس)) ( ب ن ي ): ( الرفق بنيُّ الحلم ؛ أي : مثله ) أي : يحاكيه في البناء . (٢) رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٥٢، ١٥٣)، والديلمي في ((مسند الفردوس)) ( ٤١٩٥) . (٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) ( ١٣٣٦). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٤٩/٨). حن حن حن ٦٦٤ حن :جن حنحن ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد والسيفَ في موضعِهِ ، والسوطَ في موضعِهِ (١). وهذهِ إشارةٌ إلى أنَّهُ لا بدَّ مِنْ مزجِ الغلظةِ باللينِ ، والفظاظةِ بالرِّفقِ ؛ كما قيلَ (٢): [من الطويل] وَوَضْعُ النَّدَى فِي مَوْضِعِ الْشَيْفِ بِالْعُلَا مُضِرٌّ كَوَضْعِ السَّيْفِ فِي مَوْضِعِ النَّدَى فالمحمودُ وسطُ بينَ اللينِ والعنفِ ؛ كما في سائرِ الأخلاقِ ، ولكنْ لمَّا كانَتِ الطِّباعُ إلى الحدَّةِ والعنفِ أميلَ .. كانَتِ الحاجةُ إلى ترغيبِهِمْ في جانبٍ الرفقِ أكثرَ ، فلذلكَ كثُرَ ثناءُ الشرع على جانبِ الرفقِ دونَ العنفِ ، وإنْ كانَ العنفُ في محلِّهِ حسناً ، كما أنَّ الرفقَ في محلُّه حسنٌ ، فإذا كانَ الواجبُ هوَ العنفَ .. فقدْ وافقَ الحقُّ الهوى، وهوَ ألذُّ مِنَ الزُّبْدِ بالشهدِ، هكذا قالَهُ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمهُ الله (٣) . ٠٩٧ . رُوِيَ أنَّ عمرو بن العاصِ كتبَ إلى معاويةَ يعاتبُهُ في التأنِّي ، فكتبَ إليهِ معاويةٌ : ( أمَّا بعدُ: فإنَّ التفهُمَ في الخيرِ زيادةٌ ورشَدٌ ، وإنَّ الرشيدَ مَنْ رشدَ عنِ العجلةِ، وإنَّ الخائبَ مَنْ خابَ عنِ الأناةِ ، وإنَّ المتثبِتَ مصيبٌ، أوْ كادَ أنْ يكونَ مصيباً ، وإنَّ المعجِّلَ مخطىءٌ، أوْ كادَ أنْ يكونَ مخطئاً، وإنَّ مَنْ (١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب))، وسفيان هو ابن عيينة. ((إتحاف)) (٤٩/٨). (٢) البيت للمتنبي في («ديوانه بشرح العكبري)» (٢٨٨/١) . (٣) تقدم، ولفظه: ( إذا وافق الحق الهوى .. فهو الزبد بالنِّرسيان)، وقال الحافظ الزبيدي : ( كما أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب))). ((إتحاف)) (٤٩/٨). ٦٦٥ كن جن حن ے' كتاب الغضب والحقد مــ ربع المهلكات لا ينفعُهُ الرفقُ .. يضرُّهُ الخُرْقُ؛ ومَنْ لا تنفعُهُ التجاربُ .. لا يدركُ المعاليَ )(١) . وعنْ أبي عونٍ الأنصاريِّ قالَ : ( ما تكلَّمَ الناسُ بكلمةٍ صعبةٍ إلاَّ وإلى جانبها كلمةٌ ألينُ منها تجري مجراها )(٢) . وقالَ أبو حمزةَ الكوفيُّ : ( لا تتخذْ مِنَ الخدم إلاَّ ما لا بدَّ منهُ ، فإنَّ معَ كلِّ إنسانٍ شيطاناً ، واعلمْ أنَّهم لا يعطونَكَ بالشدّةِ شيئاً إلاَّ أعطوكَ باللِّين ما هوَ أفضلُ منهُ)(٣) . وقالَ الحسنُ : ( المؤمنُ وقَّافٌ متأنٌّ، وليسَ كحاطبٍ ليلٍ)(٤) . فهذا ثناءُ أهلِ العلمِ على الرفقِ ؛ وذلكَ لأنَّهُ محمودٌ ومفيدٌ في أكثرِ الأحوالِ وأغلبِ الأمورِ ، والحاجةُ إلى العنفِ قَدْ تقعُ ، ولكنْ على الندورِ ، وإنَّما الكاملُ مَنْ يميِّزُ مواقعَ الرفقِ مِنْ مواقع العنفِ ، فيعطي كلَّ أمرٍ حقَّهُ ، فإِنْ كانَ قاصرَ البصيرةِ ، أَوْ أشكلَ عليهِ حكمُ واقعةٍ مِنَ الوقائع .. فليكنْ ميلُهُ إلى الرفقِ ؛ فإنَّ النُّجْحَ معهُ في الأكثرِ . حر. ـحن محل (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٦٥/١١). (٢) رواه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (٧١٦)، والخرائطي في (( مكارم الأخلاق)) (١٥١)، وفي النسخ : ( ابن عون ) بدل (أبي عون) . (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٥٠/٨). (٤) إذ لا يخوض فيما لا يعنيه ، فإن الذي يجمع الحطب بالليل يوشك أن يلم ما يؤذيه من حية وغيرها يظنه حطباً، أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٥٠/٨)، ونحوه عند البيهقي في ((الزهد الكبير)) (٩٣٠). كن حن حن حن حن ٦٦٦ ان ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد القول في ذم الحسد، وفي حقيقته، وأسبابه، ومعالجته وغاية الواجب في إزالته بيان وم الحسد اعلمْ : أنَّ الحسدَ أيضاً مِنْ نتائج الحقدِ ، والحقدُ مِنْ نتائج الغضبِ ، فهوَ فرعُ فرع الغضبِ ، والغضبُ أصلُ أصلِهِ . حر ثُمَّ إِنَّ للحسدِ مِنَ الفروع الذميمةِ ما لا يكادُ يُحصى، وقدْ وردَ في ذمِّ الحسدِ خاصةً أخبارٌ كثيرةٌ . قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( الحسدُ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبّ)) (١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في النهي عنِ الحسدِ وأسبابِهِ وثمراتِهِ: (( لا تحاسدُوا، ولا تقاطعُوا، ولا تباغضُوا ، ولا تدابرُوا ، وكونُوا عبادَ اللهِ إخواناً)) (٢). وقالَ أنسٌ : كثَّا يوماً جلوساً عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ: (( يطلُعُ عليكُمُ الآنَ مِنْ هذا الفيجِّ رجلٌ مِنْ أهلِ الجنَّةِ )) ، قالَ : فطلعَ رجلٌ مِنَ الأنصارِ تنطفُ لحيتُهُ مِنْ وضوئِهِ ، قدْ علَّقَ نعليهِ في يدِهِ (١) رواه أبو داوود ( ٤٩٠٣)، وابن ماجه (٤٢١٠). (٢) رواه البخاري (٦٠٦٥)، ومسلم (٢٥٥٩) . ٦٦٧ كتاب الغضب والحقد ـحن ربع المهلكات الشمالِ فسلَّمَ ، فلمَّا كانَ الغدُ .. قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مثلَ ذلكَ ، فطلعَ ذلكَ الرجلُ، وقالَهُ في اليوم الثالثِ ، فطلعَ ذلكَ الرجلُ ، فلمَّا قامَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. تبعَهُ عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ فقالَ: إنِّي لا حيثُ أبي ، فأقسمْتُ ألاَّ أدْخلَ عليهِ ثلاثاً ، فإنْ رأيتَ أنْ تؤويَني إليكَ حتَّى تمضيَ الثلاثُ .. فعلتُ ، قالَ: نعمْ، فباتَ عندَهُ ثلاثَ ليالٍ ، فلمْ يرَهُ يقومُ مِنَ الليلِ شيئاً ، غيرَ أنَّهُ إذا تقلَّبَ على فراشِهِ .. ذكرَ اللهَ تعالى، ولمْ يقمْ حتَّى يقومَ لصلاةِ الفجرِ ، قالَ : غيرَ أنَّي لمْ أسمعْهُ يقولُ إلا خيراً ، فلمَّا مضتٍ الثلاثُ ، وكدتُ أنْ أحتقرَ عملَهُ .. قلتُ: يا عبدَ اللهِ ؛ لمْ يكنْ بيني وبينَ والدي غضبٌ ولا هجرةٌ ، ولكنِّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ كذا وكذا ، فأردتُ أنْ أعرفَ عملَكَ ، فلمْ أركَ تعملُ عملاً كثيراً ، فما الذي بلغَ بكَ ذاكَ ؟ قالَ : ما هو إلاَّ ما رأيتَ ، فلمَّا وَلَّيتُ .. دعاني ، فقالَ : ما هوَ إلاَّ ما رأيتَ ، غيرَ أنَّي لا أجدُ على أحدٍ منَ المسلمينَ في نفسِي غشّاً ولا حسداً على خيرٍ أعطاهُ اللهُ إِيَّاهُ ، فقالَ عبدُ اللهِ : فقلتُ لهُ : هيَ التي بلغَتْ بِكَ، وهيَ التي لا نطيقُ(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ثلاثٌ لا ينجو منهنَّ أحدٌ: الظَّنُ والطّيرةُ والحسدُ، وسأحدِّثُكُمْ بالمخرج مِنْ ذلكَ، إذا ظننتَ .. فلا تحقّقْ ، وإذا تطيَّرتَ .. فامضٍ، وإذا حسدتَ .. فلا تبغٍ))(٢). مكن مكن ون (١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٩٤)، وأحمد في ((المسند)) ( ١٦٦/٣). (٢) رواه ابن قتيبة في ((عيون الأخبار)) (٨/٢) عن إسماعيل بن أمية معضلاً، وفي = ٦٦٨ حن في ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد وفي روايةٍ : (( ثلاثٌ لا ينجُو منهنَّ أحدٌ، وقلَّ مَنْ ينجُو منهنَّ))(١)، فأثبتَ في هذهِ الروايةِ إمكانَ النجاةِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((دَّ إليكمْ داءُ الأممِ قبلَكُمْ: الحسدُ ، والبغضاءُ، والبغضةُ هيَ الحالقةُ، لا أقولُ: حالقةُ الشَّعرِ، ولكنْ حالقةٌ الدِّينِ ، والذي نفسُ محمَّدٍ بيدِهِ ؛ لا تدخلونَ الجنةَ حتَّى تؤمنُوا ، ولنْ تؤمنُوا حتَّى تحابُّوا ، ألاَ أنبِّئُكُمْ بما يثْبتُ ذلكَ لكم ؟ أفشُوا السَّلامَ بينَكُمْ))(٢) . كن بہے وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((كادَ الفقرُ أنْ يكونَ كفراً ، وكادَ الحسدُ أنْ يغلبَ القدَرَ))(٣). ((الإتحاف)) (٥١/٨): (رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ((ذم الحسد)) من حديث أبي هريرة، وفيه يعقوب بن محمد الزهري، وموسى بن يعقوب ، ضعفهما الجمهور ). (١) قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٥١/٨): (رواها ابن أبي الدنيا أيضاً من رواية عبد الرحمن بن معاوية ، وهو مرسل ضعيف ، وتقدم في آفات اللسان حديث حارثة بن النعمان: ((ثلاث لازمات لأمتي : سوء الظن والحسد والطيرة، فإذا ظننت .. فلا تحقق، وإذا حسدت .. فاستغفر الله تعالى، وإذا تطيرت .. فامض))، رواه أبو الشيخ في ((التوبيخ)) [٧٧]، والطبراني في «الكبير)) [٢٢٨/٣]، وروى رستة في كتاب ((الإيمان)) له من مرسل الحسن بلفظ: (( ثلاث لم تسلم منها هذه الأمة ، الحسد والظن والطيرة ، ألا أنبئكم بالمخرج منها؟ إذا ظننت .. فلا تحقق ، وإذا حسدت .. فلا تبغ ، وإذا تطيرت .. فامض))) . (٢) رواه الترمذي (٢٥١٠) . (٣) رواه أبو الشيخ في ((التوبيخ والتنبيه)) (٧٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٥٣/٣)، والبيهقي في ((الشعب)) (٦١٨٨) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً . ٦٦٩ في جن جن شن جن حن كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات دن وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّهُ سيصيبُ أمَّتي داءُ الأمم))، قالُوا : وما داءُ الأمم ؟ قالَ: (( الأشرُ ، والبطرُ ، والتَّكاثرُ ، والتَّنَافسُ في الدُّنيا ، والتَّاعدُ، والتَّحاسدُ، حتَّى يكونَ البغيُ، ثمَّ الهرْجُ)) (١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تظهرِ الشماتةَ لأخيكَ، فيعافيَهُ اللهُ ويبتليَكَ))(٢) . ورُوِيَ أنَّ موسى عليه السلامُ لمَّا تعجَّلَ إلى ربِّهِ تعالى .. رأى في ظلِّ العرشِ رجلاً ، فغبطَهُ بمكانِهِ ، وقالَ : إنَّ هذا لكريمٌ على ربِّهِ ، فسألَ ربَّهُ أنْ يخبرَهُ باسمِهِ ، فلمْ يخبرْهُ باسمِهِ ، وقالَ : أحدثُكَ مِنْ عملِهِ بثلاثٍ ، كانَ لا يحسدُ الناسَ على ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فضلِهِ ، وكانَ لا يعقُّ والديهِ ، ولا يمشي بالنميمةِ(٣). وقالَ زكريا عليهِ السلامُ : (يقولُ اللهُ تعالى : الحاسدُ عدوٌّ لنعمتي ، متسخِّطٌ لقضائي ، غيرُ راضٍ بقسمتي التي قسمتُ بينَ عبادي )(٤). (١) رواه الطبراني في «الأوسط)) (٩٠١٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٦٨/٤). (٢) رواه الترمذي (٢٥٠٦)، وفيه: ( فيرحمه الله ) بدل ( فيعافيه الله ) ، وهي عند أبي نعيم في ((الحلية)) ( ١٨٦/٥). ـستـ (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٢٦٧)، وأبو نعيم في (( الحلية)) ( ١٤٩/٤ ) . (٤) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٦٢١٣) عن الأصمعي قال: ( إن الله عز وجل يقول : الحاسد ... ) . ٦٧٠ ـحن ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( أخوفُ ما أخافُ على أمَّتي أن يكثرَ لهمُ المالُ، فيتحاسدونَ ويقتتلونَ ))(١). ڈے وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( استعينوا على قضاءِ الحوائج بالكتمانِ ، فإنَّ كلَّ ذي نعمةٍ محسودٌ))(٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ لنعم اللهِ أعداءً))، فقيلَ: ومَنْ أولئكَ؟ قالَ: « الذينَ يحسدونَ الناسَ على ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فضلِهِ))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((سنَّةٌ يدخلونَ النَّارَ قبلَ الحسابِ بستةٍ))، قيلَ : يا رسولَ اللهِ ؛ مَنْ هُمْ؟ قالَ : الأمراءُ بالجورِ ، والعربُ بالعصبيَّةِ ، والدَّهاقينُ بالكبرِ ، والتُّجّارُ بالخيانة ، وأهلُ الرُّستاقِ بالجهالةِ ، والعلماءُ بالحسدِ ))(٤) . (١) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١١١٥) من حديث أبي عامر الأشعري رضي الله عنه، وعند البخاري (١٤٦٥)، ومسلم (١٠٥٢) من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: (( إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها )) الحديث . (٢) رواه الخرائطي في ((اعتلال القلوب)) (٦٨١)، والطبراني في ((الكبير)) (٩٤/٢٠)، وابن عدي في ((الكامل)) (٣٦٠/٢)، والبيهقي في (( الشعب)) (٦٢٢٨) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه . (٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ٧٢٧٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً بلفظ : (( إن لأهل النعم حساداً فاحذروهم » . (٤) رواه الديلمي في (( مسند الفردوس)) (٣٤٩١) من حديث أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما، وابن الجوزي في (( العلل المتناهية)) (١٥٦٥) من حديث عثمان رضي الله عنه. ٦٧١ جن كن حن حن كتاب الغضب والحقد حومـ ربع المهلكات حن الآثارُ : قالَ بعضُ السلفِ : ( أوَّلُ خطيئةٍ كانَتْ هيَ الحسدُ، حسدَ إبليسُ آدَمَ عليهِ السلامُ على رتبتِهِ فأبىْ أنْ يسجدَ لهُ، فحملَهُ الحسدُ على المعصية)(١) . وحُكِيَ أنَّ عونَ بنَ عبدِ اللهِ دخلَ على المفضَّلِ بنِ المهلَّبِ وكانَ يومئذٍ على واسطٍ ، فقالَ : إنِّي أريدُ أنْ أعظَكَ بشيءٍ ، فقالَ : وما ذاكَ ؟ قالَ : إِيَّاكَ والكبرَ ؛ فإنَّهُ أولُ ذنبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ، ثمَّ قرأ: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُ واْلَّدَمَ ... ﴾ الآيةَ. وإِيَّاكَ والحرصَ ؛ فإنَّهُ أخرجَ آدَمَ مِنَ الجنةِ ، أمكنَهُ اللهُ مِنْ جِنَّةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ يأكلُ منها إلا شجرةً واحدةً نهاهُ اللهُ عنها ، فأكلَ منها ، فأخرجَهُ اللهُ تعالى منها، ثمَّ قرأَ: ﴿أَهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. ٨٠٠ وإِيَّاكَ والحسدَ، فإنَّهُ قتلَ ابنُ آدم أخاهُ حينَ حسَدَهُ، ثمَّ قرأ: ﴿وَأَقْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ ... ﴾ الآياتِ، وإذا ذُكِرَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. فاسكتْ، وإذا ذُكرَ القدرُ .. فاسكتْ ، وإذا ذُكرَتِ النجومُ .. فاسكتْ(٢). (١) رواه أبو الشيخ في ((التوبيخ والتنبيه)) (٦٩) عن جنادة بن أبي أمية بنحوه. (٢) قطعة من الخبر عند البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (٢٣٠/١١) ، وروى نحوه عن عبد الملك بن مروان ورجل من المهاجرين يعظه أبو الشيخ في ((التوبيخ والتنبيه )) (٦٨) . ـحر ق: ٦٧٢ فء ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد وقالَ بكرُ بنُ عبدِ اللهِ المزنيُّ : كانَ رجلٌ يغشىُ بعضَ الملوكِ فيقومُ بحذاءِ الملكِ ، فيقولُ : أحسنْ إلى المحسنِ بإحسانِهِ ؛ فإنَّ المسيءَ سيكفيكَهُ إساءتُهُ ، قالَ : فحسدَهُ رجلٌ على ذلكَ المقامِ والكلامِ ، فسعىُ بهِ إلى الملكِ ، فقالَ : إنَّ هذا الذي يقومُ بحذائِكَ ويقولُ ما يقولُ زعمَ أنَّ الملكَ أبخرُ ، فقالَ لهُ الملكُ : وكيفَ يصحُ ذلكَ عندي ؟ قالَ : تدعو بهِ إليكَ، فإنَّهُ إذا دنا منكَ وضعَ يدَهُ على أنفِهِ ؛ لئلا يشمَّ ریحَ البخَرِ . فقالَ لهُ : انصرفْ حتَّى أنظرَ ، فخرجَ مِنْ عندِ الملكِ ، فدعا الرجلَ إلى منزلهِ ، فأطعمَهُ طعاماً فيهِ ثومٌ، فخرجَ الرجلُ مِنْ عندِهِ ، وقامَ بحذاءٍ الملكِ ، فقالَ : أحسنْ إلى المحسنِ بإحسانِهِ ، فإنَّ المسيءَ ستكفيكَهُ إساءتُهُ ، فقالَ لهَ الملكُ : ادْنُ مِنِّي ، فدنا منهُ، فوضعَ يدَهُ على فيهِ مخافةَ أنْ يشَمَّ الملكُ منهُ ریحَ الثومِ ، فقالَ الملكُ في نفسِهِ : ما أرى فلاناً إلاَّ قدْ صدقَ . قالَ : وكانَ الملكُ لا يكتبُ بخطَّهِ إلا بجائزةٍ أوْ صلةٍ ، فكتبَ لهُ كتاباً بخطَّهِ إلى عاملٍ مِنْ عمالِهِ : إذا أتاكَ حاملُ كتابي .. فاذبحْهُ واسلخْهُ ، واحشُ جلدَهُ تبناً ، وابعثْ بهِ إليّ. ٦٧٣ كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات مكان سب فأخذَ الكتابَ وخرجَ ، فلقيَّهُ الرجلُ الذي سعىُ بهِ ، فقالَ : ما هذا الكتابُ ؟ فقالَ: خطَّ الملكُ لي بصلةٍ ، فقالَ : هبْهُ لي ، فقالَ : هوَ لكَ . فأخذَهُ ومضى إلى العاملِ ، فقالَ العاملُ : في كتابِكَ أنْ أذبحَكَ وأسلخَكَ ، قالَ : إنَّ الكتابَ ليسَ هوَ لي ، فاللهَ اللهَ في أمري حتَّى أراجعَ الملكَ . قالَ : ليسَ لكتابِ الملكِ مراجعةٌ ، فذبحَهُ وسلخَهُ ، وحشا جلدَهُ تبناً ، وبعثَ بهِ . ثمّ عادَ الرجلُ إلى الملكِ كعادتِهِ ، وقالَ مثلَ قولِهِ ، فتعجبَ الملكُ ، وقالَ : ما فعلَ الكتابُ ؟ فرع .٢ فقالَ : لقيَتي فلانٌ واستوهبَهُ منِّي فوهبتُهُ لهُ ، قالَ الملكُ: إنَّهُ ذكرَ لي أنَّكَ تزعمُ أَنِّي أبخرُ ، قالَ : ما فعلْتُ ، قالَ : فلمَ وضعْتَ يدكَ على أنفِكَ ؟ قالَ : كانَ أطعمَني طعاماً فيه ثومٌ، فكرهتُ أن تشمَّهُ ، قالَ : صدقتَ ، ارجعْ إلى مكانِكَ، فقدْ كفاكَ المسيءَ إساءتُهُ(١). وقالَ ابنُ سيرينَ رحمهُ اللهُ : ( ما حسدتُ أحداً على شيءٍ مِنَ الدنيا ؛ لأنَّهُ إنْ كانَ مِنَ أهلِ الجنةِ .. فكيفَ أحسدُهُ على الدنيا وهيَ حقيرةٌ في (١) رواه بنحوه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢٨/٢). ٢ ٢ جن جن حي ئن ن: ـق* ٦٧٤ كن ص من شر ربع المهلكات C كتاب الغضب والحقد الجنةِ ؟! وإنْ كانَ مِنْ أهل النارِ .. فكيفَ أحسدُهُ على أمرِ الدنيا ، وهوَ يصيرُ إلى النارِ؟!)(١). وقالَ رجلٌ للحسنِ : هلْ يَحسدُ المؤمنُ ؟ قالَ : ما أنساكَ بني يعقوبَ! نعمْ، ولكنْ غمَّةٌ في صدرِكَ، وإنَّهُ لا يضرُّكَ ما لمْ تعدِّ بهِ يداً ولا لساناً(٢) . وقالَ أبو الدرداءِ : ( ما أكثرَ عبدٌ ذكرَ الموتِ إلا قلَّ فرحُهُ ، وقلَّ حسدُهُ)(٣). % حن وقالَ معاويةُ : ( كلُّ الناسِ أقدرُ على رضاهُ إلا حاسدَ نعمةٍ ؛ فإنَّه لا يرضيهِ إلا زوالُها )(٤). ولذلك قيلَ(٥) : [من البسيط] كُلُّ الْعَداوَةِ قَدْ تُرْجَىْ إِماتَتُها إِلَّ عَداوَةَ مَنْ عاداكَ مِنْ حَسَدٍ وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( الحسدُ جرحٌ لا يبرأُ، وحسْبُ الحسودِ ما يلقى )(٦) . (١) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص١٣٤). (٢) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) (ص١٣٦). (٣) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٢٠/١). (٤) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص١١٣). (٥) البيت للإمام الشافعي في ((ديوانه)) (ص٥٤). (٦) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٦٢٢٤) عن ذي النون المصري . ٦٧٥ كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات وقالَ أعرابيّ : ( ما رأيتُ ظالماً أشبهَ بمظلوم مِنْ حاسدٍ ، إنَّهُ يرى النعمةَ عليكَ نقمةٌ عليهِ )(١) . وقالَ الحسنُ : ( يا بنَ آدَمَ ؛ لمَ تحسدُ أخاكَ ؟ فإنْ كانَ الذي أعطاهُ اللهُ الكرامتِهِ عليهِ .. فلِمَ تحسدُ مَنْ أكرمَهُ اللهُ؟! وإنْ كانَ غيرَ ذلكَ .. فلمَ تحسدُ مَنْ مصيرُهُ إلى النارِ ؟! )(٢). وقالَ بعضُهمْ: ( الحاسدُ لا ينالُ مِنَ المجالسِ إلا مذمَّةً وَذُلاً، ولا ينالُ مِنَ الملائكةِ إلا لعنةً وبغضاً ، ولا ينالُ مِنَ الخلقِ إلَّ جزءاً وغمّاً ، ولا ينالُ عندَ النزع إلا شدّةً وهولاً، ولا ينالُ عندَ الموقفِ إلا فضيحةً ونكالاً)(٣) (١) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٦٢١١) عن الخليل بن أحمد . (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الحسد)). ((إتحاف)) (٥٧/٨). (٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الحسد)). ((إتحاف)) (٥٧/٨). ٠٠٠ ٦٧٦ ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد بيان حقيقة الحسد وحكمه وأقسامه ومراتبه اعلمْ : أنَّهُ لا حسدَ إلا على نعمةٍ ، فإذا أنعمَ اللهُ على أخيكَ بنعمةٍ .. فلكَ فيها حالتانِ : إحداهما : أنْ تكرهَ تلكَ النعمةَ وتحبَّ زوالَها ، وهذهِ الحالةُ تُسمَّى حسداً ، فالحسدُ حدُّهُ : كراهةُ النعمةِ ، وحبُّ زوالِها عنِ المنعَمِ علیهِ . الحالةُ الثانيةُ: ألاَّ تحبَّ زوالَها ولا تكرَهَ وجودَها ودوامَها ، ولكنْ تشتهي لنفسِكَ مثلَها ، وهذهِ تُسمَّى غبطةً ، وقدْ تُخصُّ باسمِ المنافسةِ ، وقدْ تُسمَّى المنافسةُ حسداً ، والحسدُ منافسةً ، ويُوضعُ أحدُ اللفظينِ موضعَ الآخرِ ، ولا حجرَ في الأسامي بعدَ فهمِ المعاني . وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((المؤمنُ يغبطُ ، والمنافقُ يحسُدُ))(١) . فأمَّا الأوَّلُ .. فهوَ حرامٌ بكلِّ حالٍ إلا نعمةً أصابَها فاجرٌ أوْ كافرٌ ، وهوَ يستعينُ بها على تهييج الفتنةِ ، وإفسادِ ذاتِ البينِ ، وإيذاءِ الخلقِ ، فلا ـه (١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً مرفوعاً، وإنما هو من قول الفضيل بن عياض ، كذلك رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الحسد))). («إتحاف)) (٥٨/٨ )، ورواه أبو نعيم عنه في (( الحلية)) (٩٥/٨). ٦٧٧ كتاب الغضب والحقد ربع المهلكات يضرّكَ كراهتُكَ لها ، ومحبتُكَ لزوالِها ؛ فإنَّكَ لا تحبُّ زوالَها مِنْ حيثُ إنَّها نعمةٌ ، بلْ مِنْ حيثُ إنَّها آلةُ الفسادِ ، ولوْ أمنْتَ فسادَهُ .. لمْ يغمَّكَ تنتُّمُهُ . ويدلُّ على تحريم الحسدِ الأخبارُ التي نقلناها ، وأنَّ هذهِ الكراهةَ تسخُّطُ لقضاءِ اللهِ تعالى في تفضيلِ بعضٍ عبادِهِ على بعضٍ ، وذلكَ لا عذرَ فيهِ ولا رخصةً ، وأيُّ معصيةٍ تزيدُ على كراهتِكَ لراحةِ مسلمٍ مِنْ غيرِ أنْ يكونَ لكَ فیهِ مضرةٌ ! فت وإلى هذا أشارَ القرآنُ بقولِهِ: ﴿إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ نَّسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْبِهَا﴾، وهذا الفرحُ شماتةٌ، والحسدُ والشماتةُ يتلازمانٍ . وقال تعالى: ﴿وَذَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِّكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا﴾، فأخبرَ تعالى أنَّ حبَّهمْ زوالَ نعمةِ الإيمانِ حسدٌ . وقالَ عزَّ وجلَّ: ﴿وَدُوْلَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٍ﴾ . وذكرَ اللهُ تعالى حسدَ إخوة يوسفَ، وعبَّرَ عمَّا في قلوبِهِمْ بقولِهِ : ﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَتُّ إِلَى أَبِنَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَلٍ تُبِينٍ ﴿٤: أَقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ أَطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيَكُمْ﴾، فلمَّا كرهُوا حبَّ أبيهِمْ لهُ .. ساءَهُمْ ذلكَ، وأحبُّوا زوالَهُ عنهُ ، فغيبُوهُ عنهُ . ء وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِ صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَّا أُوتُوا﴾ أيْ: لا تضيقُ بهِ صدورُهُمْ ولا يغتمُّونَ ، فأثنى عليهمْ بعدم الحسدِ . ٦٧٨ سفقط .. ـين ربع المهلكات كتاب الغضب والحقد وقال تعالى في معرض الإنكار: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآ ءَاتَئُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ . وقالَ : ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ﴾ إلى قولِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَتُ بَغْيَأْ بَيْنَهُمْ﴾ قيلَ في التفسيرِ: حسداً(١) . بے وقالَ: ﴿وَمَا نَفَرَّقُواْ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًّا بَيْنَهُمْ﴾، فأنزلَ اللهُ العلمَ ليجمعَهُمْ ويؤلِّفَ بينهُمْ على طاعتِهِ، فأمرَهُمْ أنْ يتألَّفوا بالعلم ، فتحاسدُوا واختلفُوا ؛ إذ أرادَ كلُّ واحدٍ أنْ ينفردَ بالرئاسةِ وقبولِ القولِ ، فردَّ بعضُهُمْ على بعضٍ . قالَ ابنُ عباسٍ : كانَتِ اليهودُ قبلَ أنْ يُبعثَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا قاتلوا قوماً .. قالوا : نسألُكَ بالنبيِّ الذي وعدتَنَا أن ترسلَهُ، وبالكتاب الذي تنزلُهُ إلا ما نصرتَنَا ، فكانُوا يُنصَرونَ . فلمَّا جاء النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ ولِدِ إسماعيلَ .. عرفُوهُ، وكفرُوا بهِ بعدَ معرفتهِمْ إِيَّاهُ، فقالَ تعالَى: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَ هُم ◌َّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًّا﴾ أيْ: حسداً(٢). (١) أي: فسروا البغي بالحسد؛ فإنه تجاوز من الحق إلى الباطل. ((إتحاف)) (٦٠/٨). (٢) رواه الآجري في ((الشريعة)) (٩٧٨)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٦٣/٢)، = ن» ٦٧٩ حن تن كن ١ : كتاب الغضب والحقد قىقن ربع المهلكات ٢٠٠ وقالَتْ صفيَّةُ بنتُ حييٍّ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : جاءَ أبي وعمِّي مِنْ عندِكَ يوماً ، فقالَ أبي لعمي : ما تقولُ فيهِ ؟ قالَ : أقولُ : إنَّهُ النبيُّ الذي بشَّرَ بهِ موسى ، قالَ : فما ترى ؟ قالَ : أرىُ معاداتَهُ أيامَ الحياةِ(١) . فهذا حكمُ الحسدِ في التحريمِ . وأمّا المنافسةُ .. فليسَتْ بحرام، بلْ هيَ إمَّا واجبةٌ، وإمّا مندوبةٌ ، وإمَّا مباحةٌ، وقدْ يُستعملُ لفظُ المنافسةِ بدلَ الحسدِ ، والحسدِ بدلَ المنافسةِ . قالَ قثمُ بنُ العباسِ : لمَّا أرادَ هوَ والفضلُ أنْ يأتيا النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فيسألانِهِ أنْ يؤمِّرَهُما على الصدقةِ . قالا لعليٍّ حينَ قالَ لهُما : لا تذهبا إليهِ ؛ فإنَّهُ لا يؤمِّرُكما عليها، فقالا لهُ : ما هذا منكَ إلا نفاسةٌ، واللهِ ؛ لقدْ زوَّجَكَ ابنتَهُ فما نفِسْنا ذلكَ عليكَ ؛ أيْ : هذا منكَ شر ـدن والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٧٦/٢)، ومجمل روايات الاستنصار به صلى الله عليه وسلم وحسدهم له عليه الصلاة والسلام عند الطبري في ((تفسيره)) (٥٣٩/١/١- ٥٤٢ ) . ب (١) قال الحافظ العراقي: (رواه ابن إسحاق في ((السيرة))، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال : حدثت صفية ، فذكره نحوه ، وهو منقطع). ((إتحاف)) (٦٠/٨) . ٢ ٥٨ ٨٠٠ ٦٨٠ كن حن من جن جن جن جن