Indexed OCR Text

Pages 621-640

ـنت
ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
بالماءِ ؛ فإنَّ الغضبَ مِنَ النارِ))، وفي روايةٍ: ((إنَّ الغضبَ مِنَ الشيطانِ ،
وإنَّ الشيطانَ خُلقَ مِنَ النارِ، وإنَّما تُطفأُ النارُ بالماءِ ، فإذا غضبَ أحدُكُمْ ..
فليتوضأ))(١).
وقالَ ابنُ عباس : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إذا غضبتَ ..
فاسكُتْ))(٢).
وقالَ أبو هريرةَ : ( كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا غضبَ وهوَ
قائمٌ .. جلسَ، وإذا غضبَ وهوَ جالسٌ .. اضطجعَ، فيذهبُ غضبُهُ)(٣).
وقالَ أبو سعيد الخدريُّ: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ألا إنَّ
الغضبَ جمرةٌ في قلبِ ابنِ آدمَ ، ألا ترونَ إلى حُمرةٍ عينيهِ وانتفاخ أو داجِه ؟!
فمَنْ وجدَ مِنْ ذلكَ شيئاً .. فليُلصِقْ خدَّهُ بالأرضِ))(٤)، وكأنَّ هذا إشارةٌ إلى
السجودِ ، وتمكينٍ أعزِّ الأعضاءِ مِنْ أذلِّ المواضع ، وهوَ الترابُ ؛ لتستشعرَ بهِ
النفسُ الذلَّ ، وتزايلَ بهِ العزَّةَ والزهوَ الذي هوَ سببُ الغضبِ .
(١) رواه أبو داوود (٤٧٨٤)، وأحمد في ((المسند)» (٢٢٦/٤).
(٢) رواه أحمد في ((مسنده)) (٢٨٣/١)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٣٢٠)،
والطبراني في ((الكبير)) (٣٣/١١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً .
(٣) قال الحافظ العراقي: (رواه ابن أبي الدنيا وفيه من لم يسم). ((إتحاف)) (٢٣/٨)،
وتقدم نحو هذا المعنى، ولابن حبان في ((صحيحه)) ( ٥٦٨٨) عن أبي ذر رضي الله
عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا غضب أحدكم وهو قائم ..
فليجلس ، فإذا ذهب عنه الغضب وإلا .. فليضطجع)) .
(٤) هو جزء من حديث رواه الترمذي (٢١٩١).
2
٦٢١
شرع
15)

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
ورُويَ أنَّ عمرَ غضبٌ يوماً ، فدعا بماءٍ فاستنشقَ وقالَ : (إنَّ الغضبَ
مِنَ الشيطانِ، وهذا يذهبُ الغضبَ)(١).
وقالَ عروةُ بنُ محمدٍ : لمَّا استُعمِلتُ على اليمنِ .. قالَ لي أبي :
أَوَلِيتَ؟ قلتُ : نعمْ ، قالَ : فإذا غضبتَ .. فانظرْ إلى السماءِ فوقَكَ ،
وإِلى الأرضِ تحتَكَ ، ثمَّ أعظمْ خالقَهُما(٢).
%G
ورُويَ أنَّ أبا ذرٍّ قالَ لرجلٍ : يا بنَ الحمراءِ ، في خصومةٍ بينهُما ، فبلغَ
ذلكَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ: (( يا أبا ذرٍّ؛ بلغَني أنَّكَ اليومَ
عيَّرْتَ رجلاً بأمِّهِ! )) فقالَ: نعمْ، فانطلقَ أبو ذرٍّ ليرضيَ صاحبَةُ، فسبقَهُ
الرجلُ فسلَّم عليهِ، فَذُكِرَ ذلكَ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: (( يا
أبا ذرِّ ؛ ارفعْ رأسَكَ فانظرْ، ثمَّ اعلمْ أنَّكَ لستَ بأفضلَ مِن أحمرَ فيها
ولا أسودَ إلاَّ أنْ تفضلَهُ بعملٍ))، ثمَّ قالَ: ((إذا غضبتَ ؛ فإنْ كنتَ قائماً ..
فاقعدْ، وإنْ كنتَ قاعداً .. فاتَّكىءْ، وإنْ كنتَ متكئاً .. فاضطجعْ))(٣).
وقالَ المعتمرُ بنُ سليمانَ : كانَ رجلٌ ممَّنْ كانَ قبلَكُمْ يغضبُ فيشتدُّ
جزة
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٢٣/٨).
(٢) رواه ابن حبان في ((روضة العقلاء)) ( ص ٢١٢)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق ))
( ٥٤ / ٢٢١ ) .
(٣) قال الحافظ العراقي: ( أخرجه ابن أبي الدنيا في (( ذم الغضب)) بإسناد صحيح) .
((إتحاف)) (٢٤/٨)، وأصل الخبر عند البخاري (٣٠)، ومسلم (١٦٦١)، وعند
أحمد في ((المسند)) (١٥٨/٥) من حديثه مرفوعاً: (( انظر، فإنك ليس بخير من
أحمر ولا أسود إلا أن تفضله بالتقوى)).
٦٢٢
شن ون
حن

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
مون
غضبُهُ، فكتبَ ثلاثَ صحائفَ ، فأعطى كلَّ صحيفةٍ رجلاً ، وقالَ للأوَّلِ :
إذا غضبتُ .. فأعطني هذهِ ، وقالَ للثاني : إذا سكنَ بعضُ غضبي ..
فأعطني هذهِ ، وقالَ للثالثِ : إذا ذهبَ غضبي .. فأعطني هذهِ ، فاشتدَّ
غضبُهُ يوماً ، فأَعطيَ الصحيفةَ الأولى، فإِذا فيها : ( ما أنتَ وهذا
الغضبُ ؟! إنَّكَ لستَ بِإِلٍ، إنَّما أنتَ بشرٌ يوشكُ أنْ يأكلَ بعضُكَ بعضاً ) ،
فسكنَ بعضُ غضبهِ ، فَأُعطيَ الثانيةَ ، فإذا فيها : ( ارحمْ مَنْ في الأرضِ ..
يرحمْكَ مَنْ فِي السماءِ ) ، فَأُعطيَ الثالثةَ، فإذا فيها : ( خذِ الناسَ
بحقِّ اللهِ ؛ فإنَّهُ لا يصلحُهُمْ إلاَّ ذلكَ) أَيْ: لا تعطلِ الحدودَ(١).
C
ـن
سســـ
وغضبَ المهديُّ على رجلِ ، فقالَ شبيبٌ : لا تغضبنَّ للهِ بأشدَّ مِنَ غضبهِ
لنفسِهِ ، فقالَ: خلُّوا سبيلَهُ(٢).
لميد
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٢٤/٨).
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٢٤/٨).
فيائه
*G
٦٢٣
آن
ر

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
دن
فضيلة كظم الغيظ
قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ اَلْغَيْطَ﴾، وذكرَ ذلكَ في معرِضٍ
المدحِ .
مائة
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ كفَّ غضبَهُ .. كفَّ اللهُ عنهُ
عذابَهُ، ومَنِ اعتذرَ إلى اللهِ .. قبلَ اللهُ عذرَهُ، ومَنْ خَزَنَ لسانَهُ .. سترَ اللهُ
عورتهُ ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أشدُّكُمْ مَنْ غَلَبَ نفسَهُ عندَ الغضبِ ،
وأحلمُكُمْ مَنْ عفا بعدَ القدرةِ))(٢) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ كظمَ غيظاً ولوْ شاءَ أنْ يمضيَهُ
أمضاهُ .. ملأَ اللهُ قلبَهُ يومَ القيامةِ رضاً))(٣).
وفي روايةٍ: ((ملأَ اللهُ قلبَهُ أمناً وإيماناً))(٤).
٩
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٢٤/٨)، وأبو يعلى في
((مسنده)) ( ١٥٨٣ ) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٢٥/٨)، وكذا رواه
العسكري في ((تصحيفات المحدثين)) (٣٤٩/١)، والديلمي في (( مسند الفردوس)»
(٨٥٠ ) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٢٥/٨).
(٤) رواه أبو داوود ( ٤٧٧٧ ).
c
٤
٤
نه
٦٢٤
كن

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
وقالَ ابنُ عمرَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما جرعَ عبدٌ
جرعةً أعظمَ أجراً مِنْ جُرعةِ غيظ كظَمَها ابتغاءَ وجهِ اللهِ)) (١) .
وقالَ ابنُ عباس رضيَ اللهُ عنهُما: قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ
لجهنَّمَ باباً لا يدخلُهُ إِلاَّ مَنْ شفى غيظَهُ بمعصيةِ اللهِ تعالى))(٢).
وقَالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما مِنْ جُرعةٍ أحبُّ إلى اللهِ تعالى مِنْ
جرعةِ غيظٍ يكظمُها عبدٌ، وما كظمَها عبدٌ إلاَّ ملَ اللهُ قلبَهُ إيماناً)) (٣).
حن
حان
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ كظمَ غيظاً وهوَ يقدرُ على أنْ يُنْفِذَهُ ..
دعاهُ اللهُ على رؤوسِ الخلائقِ ويخيِّرُهُ مِنْ أَيِّ الْحورِ شاءَ))(٤).
الآثارُ :
قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنِ اتقى اللهَ .. لمْ يشفِ غيظَهُ، ومَنْ
خافَ اللهَ .. لمْ يفعلْ ما يريدُ، ولولا يومُ القيامةِ .. لكانَ غيرُ
ما ترونَ )(٥) .
(١) رواه ابن ماجه (٤١٨٩).
(٢) رواه البزار في ((مسنده)) (٥١٨٠)، وابن عدي في ((الكامل)) (٥١/٦)، والبيهقي
في (( الشعب)) ( ٧٩٧٨).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)) من حديث ابن عباس. ((إتحاف)) (٢٥/٨).
(٤) رواه أبو داوود ( ٤٧٧٧)، والترمذي ( ٢٤٩٣)، وابن ماجه ( ٤١٨٦).
(٥) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ٤٠٥ ) من طريق ابن أبي الدنيا.
٦٢٥
من
ب

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
حر
وقالَ لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ لا تذهبْ ماءَ وجهِكَ بالمسألة ،
ولا تشفِ غيظَكَ بفضيحتِكَ، واعرفْ قدرَكَ .. تنفعْكَ معيشتُكَ)(١).
وقالَ أيوبُ: ( حلمُ ساعةٍ يدفعُ شرّاً كثيراً)(٢).
واجتمعَ سفيانُ الثوريُّ وأبو خزيمةَ اليربوعيُّ والفضيلُ بنُ عیاضٍ ،
فتذاكرُوا الزهدَ ، فأجمعُوا على أنَّ أفضلَ الأعمالِ الحلمُ عندَ الغضبِ ،
والصبرُ عندَ الطمعِ(٣).
وقالَ رجلٌ لعمرَ رضيَ اللهُ عنهُ : واللهِ ؛ ما تقضي بالعدلِ ، ولا تعطي
الجزلَ ، فغضبَ عمرُ حتَّى عُرِفَ ذلكَ في وجهِهِ ، فقالَ لهُ رجلٌ : يا أميرَ
المؤمنينَ ؛ ألمْ تسمعْ أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُهُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ
اَلْجَهِلِينَ﴾ فهذا مِنَ الجاهلينَ، فقالَ عمرُ: صدقتَ، فكأنَّما كانَتْ ناراً
فُطفئَتْ(٤)
وقالَ محمدُ بنُ كعبِ : ( ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيهِ استكملَ الإِيمانَ باللهِ ؛ إذا
رضيَ .. لمْ يُدخِلَهُ رضاهُ في الباطلِ، وإذا غضبَ .. لمْ يخرجْهُ غضبُهُ عنِ
الحقِّ، وإذا قدرَ .. لمْ يتناولْ ما ليسَ لهُ)(٥).
ـحر
حن ثن
دں
حن
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٢٦/٨).
(٢) رواه البيهقي في (( الشعب)) (٨٠٦٨)، وأيوب هو السختياني.
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٢٦/٨).
رواه البخاري ( ٤٦٤٢ ) .
(٥) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٢/٥) ضمن خبر طويل.
حن
حن كن حن
(٤)
٦٢٦

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
وجاءَ رجلٌ إلى سلمانَ ، فقالَ : يا أبا عبدِ اللهِ ؛ أوصني ، فقالَ :
لا تغضبْ، قالَ: لا أقدرُ، قالَ: فإنْ غضبتَ .. فأمسِكْ لسانَكَ
ويدَكَ(١).
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٢٦/٨).
٦٢٧

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
بيان فضيلة الحد
اعلمْ : أنَّ الحلمَ أفضلُ مِنْ كظم الغيظِ ؛ لأنَّ كظمَ الغيظِ عبارةٌ عنِ
التحلُّمِ ؛ أيْ : تكلُّفِ الحلمٍ ، ولا يحتاجُ إلى كظم الغيظِ إلاَّ مَنْ هاجَ
غيظُهُ ، ويحتاجُ فيهِ إلى مجاهدةٍ شديدةٍ ، ولكنْ إذا تعوَّدَ ذلكَ مدَّةٌ .. صارَ
ذلكَ اعتياداً ، فلا يهيجُ الغيظُ، وإنْ هاجَ .. فلا يكونُ في كظمِهِ تعبٌ ، وهوَ
الحلمُ الطبيعيُّ ، وهوَ دلالةُ كمالِ العقلِ واستيلائِهِ ، وانكسارِ قوةِ الغضبِ
وخضوعِها للعقلِ ، ولكنِ ابتداؤُهُ التحلُّمُ وكظمُ الغيظِ تكلُّفاً .
ـستـ
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّما العلمُ بالتعلُّمِ ، والحلمُ
بالتحلُّم، ومَنْ يتحرَّ الخيرَ .. يعطَهُ، ومَنْ يتوقَّ الشَّرَّ .. يوقَهُ))(١) ، أشارَ
بهذا إلى أنَّ اكتسابَ الحلم طريقُهُ التحلُّمُ أولاً وتكلُّفُهُ ؛ كما أنَّ اكتسابَ
العلمِ طريقُهُ التعلُّمُ .
وقال أبو هريرةَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اطلبُوا العلمَ ،
واطلُبُوا معَ العلمِ السكينةَ والحلمَ ، لينُوا لمَنْ تُعلِّمونَ ولمَنْ تَعَلَّمونَ منهُ ،
ولا تكونُوا مِن جبابرةِ العلماءِ؛ فيغلبَ جهلُكُمْ حلمَكُمْ))(٢)، أشارَ بهذا
٢
(١) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٦٨٤)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٤/٥).
(٢) رواه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٣٥/٤)، والديلمي في (( مسند الفردوس))
( ٢٣٨ ) .
كن
٦٢٨

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
إلى أنَّ التجبُّرَ والتكبُّرَ هوَ الذي يهيِّجُ الغضبَ ويمنعُ مِنَ الحلمِ واللِّينِ .
وكانَ مِنْ دعاءِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللَّهمَّ؛ أغنني
بالعلمِ ، وزيِِّّي بالحلمِ ، وأكرمْني بالتقوى، وجمِّلْني بالعافيةِ))(١).
وقالَ أبو هريرةَ : قَالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ابتغُوا الرَّفعةَ
عندَ اللهِ))، قالُوا: وما هيَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: ((تصلُ مَنْ قطعَكَ،
وتعطي مَنْ حِرَمَك، وتحلُمُ عمَّنَ جهِلَ عليكَ))(٢) .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( خمسٌ مِنْ سننِ المرسلينَ :
الحياءُ ، والحِلْمُ ، والحجامَةُ، والسِّواكُ، والتَّعطُّرُ))(٣).
وقالَ عليٍّ كرمَ اللهُ وجهَهُ: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ الرجلَ
المسلمَ ليُذْركُ بالحلْمِ درجةَ الصائمِ القائمِ، وإنَّهُ ليُكْتَبُ جباراً عنيداً
وما يملكُ إلاَّ أهلَ بيتِهِ ))(٤).
وقالَ أبو هريرةَ : إنَّ رجلاً قالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ إِنَّ لي قرابةً أصِلُهُمْ
ويقطعُوني ، وأحسنُ إليهِمْ ويسيئونَ إِليَّ، ويجهلونَ عليَّ وأحلُمُ عنْهُمْ ،
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٣) عن سفيان بن عيينة معضلاً، ووصله الرافعي في
((التدوين في أخبار قزوين)) (٣٢٤/٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٤) بلفظ المصنف هنا .
ـيه
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٦) من رواية مليح بن عبد الله الخطمي عن أبيه عن
جده .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٨)، والطبراني في ((الأوسط)) (٦٢٦٩)،
وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨٩/٨).
٥٠٠٠
٦٢٩
نا صح.
... " .... ٠٨،سس سب - سندـ
..---

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
فقالَ : (( لَئِنْ كانَ كما تقولُ .. فكأنَّما تُسِفُّهُمُ الملَّ، ولا يزالُ معكَ مِنَ اللهِ
ظهيرٌ ما دُمتَ على ذلكَ))(١) ، الملُّ؛ يعني : الرملَ.
وقالَ رجلٌ مِنَ المسلمينَ : اللهمَّ ؛ ليسَ عندي صدقةٌ أتصدَّقُ بها ،
فأيُّما رجلٍ أصابَ مِنْ عرضي شيئاً .. فهوَ عليهِ صدقةٌ، فأوحى اللهُ تعالى
إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: أَنِّي قدْ غفرتُ لهُ(٢).
ـرية
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أيعجزُ أحدُكُمْ أنْ يكونَ كأبي ضمضمٍ ؟ ))
قالُوا : وما أبو ضمضم؟ قالَ: ((رجلٌ فيمَنْ كانَ قبلَكُمْ، كانَ إذا أصبحَ
يقولُ: اللَّهِمَّ؛ إنِّي تصدَّقْتُ اليومَ بعرضي على مَنْ ظلمَني)) (٣).
وقيلَ في قولهِ تعالى: ﴿وَلَكِنَ كُونُواْرَبَّنِيِّنَ﴾ أيْ: حلماءَ علماءَ(٤).
وعنِ الحسنِ في قولِهِ تعالى: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا ﴾
قالَ: ( حلماءُ ، إن جُهِلَ عليهِمْ .. لمْ يجهلُوا)(٥).
وقالَ عطاءُ بنُ أبي رباح في قولِهِ تعالى: ﴿يَمْثُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ أيْ :
حلماً(٦).
مسـ
(١) رواه مسلم (٢٥٥٨) .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (٩)، والقائل هو عبلة بن زيد رضي الله عنه.
(٣) رواه الطبراني في ((مكارم الأخلاق)) (٥٣)، وابن السني في (( عمل اليوم والليلة))
( ٦٥ ) .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٩).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (١٠).
(٦) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (١١).
٦٣٠
دن

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
وقالَ ابنُ أبي حبيبٍ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿وَكَهْلًا﴾ قالَ: الكَهْلُ :
منتهى الحلم (١).
ٹن
وقال مجاهدٌ: ﴿وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُواْ كِرَامًا﴾ أيْ: إذا أُوذُوا ..
صفحُوا(٢).
ورُوِيَ أنَّ ابنَ مسعودٍ مرَّ بلغوٍ معرضاً ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((أصبحَ ابنُ مسعودٍ وأمسىُ كريماً))، ثمَّ تلا إبراهيمُ بنُ ميسرةَ -
وهوَ الرَّاوي - قولَهُ تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرُواْ بِاللَّغْوِ مَنُ واكِرَامًا﴾(٣).
حن
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اللَّهِمَّ؛ لا يُدْركُني ولا أدركُهُ زمانٌ
لا يتَّعُونَ فِيهِ العليمَ ، ولا يستحيونَ فيهِ مِنَ الحليمِ ، قلوبُهُم قلوبُ العجمِ ،
وألسنُتُهمْ ألسنةُ العربِ))(٤) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ : (( ليلِني منكُمْ ذوُو الأحلام والنُّهىُ، ثمَّ
الذينَ يلونَهُمْ، ثمَّ الذينَ يلونَهُمْ، ولا تختلفُوا فتختلفَ قلوبُكُمْ، وإيّاكُمْ
وهَيْشاتِ الأسواقِ))(٥).
(١) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) ( ٣٥٢٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (٢٥).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره)) (١٥٤٦٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق))
(١٢٨/٣٣) عن إبراهيم بن ميسرة بلاغاً.
(٤) رواه أحمد في ((مسنده)) (٣٤٠/٥).
(٥) رواه مسلم ( ٤٣٢) مختصراً، وهو عند أبي داوود (٢٢٨) ، والهيشة : الفتنة .
٦٣١
ن حن شلش حن ش ش

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
ورُويَ أنَّهُ وفدَ على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ الأشجُّ ، فأناخَ راحلتهُ ثمَّ
عقلَها ، ثمَّ طرحَ عنهُ ثوبينِ كانا عليهِ ، وأخرجَ مِنَ العَيبةِ ثوبينِ حسنين
فلبسَهُما ، وذلكَ بعينِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يرى ما يصنعُ، ثمّ
أقبلَ يمشي إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ لهُ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: (( يا أشجُّ؛ إنَّ فيكَ لخُلقينِ يحبُّهمَا اللهُ ورسولُهُ)) ، قالَ : وما هما
بأبي أنتَ وأمي يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: «الحلمُ والأناةُ))، فقالَ: خُلُقانِ
تخلَّقْتُهما أوْ خُلُقانِ جُبلتُهما؟ فقالَ: (( بلْ خُلُقَانِ جَبَلَكَ اللهُ عليهما)) ،
فقالَ : الحمدُ للهِ الذي جبلَني على خُلُقَينِ يحبُّهُما اللهُ ورسولُهُ(١).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ يحبُّ الحليمَ الحييَّ ،
الغنيَّ المتعفِّفَ أبا العيالِ التقيَّ، ويبغضُ الفاحشَ البذيءَ ، السائلَ الملحِفَ
الغبيَّ)) (٢).
ـكن
وقالَ ابنُ عباسٍ: قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ثلاثٌ مَنْ لمْ تكنْ
فيهِ واحدةٌ منهنَّ .. فلا يُعتدَّنَّ بشيءٍ مِنْ عملِهِ : تقوى تحجزُهُ عنْ معاصي اللهِ
عزَّ وجلَّ، وحِلْمٌ يكفُّ بهِ السَّفيهَ، وخُلُقٌ يعيشُ بهِ في الناسِ))(٣) .
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إذا جمعَ اللهُ الخلائقَ يومَ
حن
(١) رواه أبو داوود (٥٢٢٥)، وأصله عند مسلم (١٨).
شن
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٥٤ ) مرسلاً من حديث عمرو بن دينار ، وعند مسلم
(٢٩٦٥) مرفوعاً: (( إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٥٥)، والخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) (٢٩)،
ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٠٧/٢٣) من حديث أم سلمة رضي الله عنها .
حن
ى
ټہے
ـنء
٦٣٢
حن

هـ
ربع المهلكات
حن
كتاب الغضب والحقد
القيامةِ .. نادى منادٍ : أينَ أهلُ الفضلِ ؟ فيقومُ ناسٌ وهمْ يسيرٌ ، فينطلقُونَ
سراعاً إلى الجنَّةِ ، فتلقاهُمُ الملائكةُ، فيقولُونَ لهُمْ: إنَّا نراكُمْ سراعاً إلى
الجنَّةِ ، فيقولُونَ : نحنُ أهلُ الفضلِ ، فيقولُونَ لهُمْ: ما كانَ فضلُكُمْ ؟
فيقولُونَ: كنَّا إذا ظُلِمْنا .. صبرْنا، وإذا أسِيءَ إلينا .. غفرْنا، وإذا جُهِلَ
علينا .. حَلُمْنا، فيُقالُ لهمُ: ادخلُوا الجنَّةَ؛ فنعمَ أجرُ العاملينَ))(١).
الآثارُ :
قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( تعلَّموا العلمَ، وتعلَّمُوا للعلم السكينةَ
والحلمَ )(٢).
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( ليسَ الخيرُ أنْ يكثرَ مالُكَ وولدُكَ، ولكنَّ
الخيرَ أنْ يكثرَ علمُكَ، ويعظمَ حلمُكَ ، وأن تباهيَ الناسَ بعبادةِ ربِّكَ ، فإذا
أحسنتَ .. حمدتَ الله، وإذا أسأتَ .. استغفرتَ اللهَ)(٣).
وقالَ الحسنُ : ( اطلبُوا العلمَ، وزيَّنوهُ بالوقارِ والحلْمِ )(٤).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٥٦)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٧٧٣١).
(٢) رواه الدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم)) ( ص ٢٠٧ )، ورواه مرفوعاً من حديث
أبي هريرة رضي الله عنه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٣٥/٤)، والديلمي في « مسند
الفردوس)» ( ٢٣٨).
(٣) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٧٥/١)، ورواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٦٠)
ولكن من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه .
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في (( ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٣٢/٨)، وقد روى بنحوه =
٦٣٣
حن حن

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
وقالَ أكثمُ بنُ صيفيٍّ : ( دعامةُ العقلِ الحلمُ ، وجماعُ الأمرِ
الصبرُ)(١) .
وقالَ أبو الدرداءِ : أدركْتُ الناسَ ورقاً لا شوكَ فيهِ ، فأصبحُوا شوكاً
لا ورقَ فيه، إنْ نقدْتَهمْ .. نقدُوكَ، وإنْ تركتَهُمْ .. لمْ يتركوكَ، قالُوا:
كيفَ نصنعُ؟ قالَ : تقرضُهُمْ مِنْ عرضِكَ ليومٍ فقرٍكَ (٢) .
وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( إنَّ أوَّلَ عوضِ الحليمِ من حلمِهِ أنَّ الناسَ
كلَّهُمْ أعوانُهُ على الجاهلِ )(٣).
وقالَ معاويةُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لا يبلغُ الرجلُ مبلغَ الرأي حتَّى يغلبَ
حلمُهُ جهَلَهُ، وصبرُهُ شهوتَهُ ، ولا يبلغُ ذلكَ إلا بقوَّةِ العلمِ)(٤) .
وقالَ معاويةُ لعمرو بنِ الأهتمِ : أيُّ الرجالِ أشجعُ ؟ قالَ: مَنْ ردَّ جهلَهُ
بحلمِهِ ، قالَ: أيُّ الرجالِ أسخى ؟ قالَ: مَنْ بذلَ دنياهُ لصلاحِ دِينِهِ (٥).
مرفوعاً عن أبي هريرة رضي الله عنه ابن عدي في ((الكامل)) (٣٣٥/٤)، والديلمي في
=
((مسند الفردوس)) (٢٣٨) ولفظه: ((اطلبوا العلم، واطلبوا مع العلم السكينة
والحلم ... )) الحديث .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (١٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) ( ١٣).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في (( الحلم)) ( ١٢).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (١٣).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٢٢).
٦٣٤

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
وقالَ أنسُ بنُ مالكِ في قولهِ تعالى: ﴿آدْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِى
بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىُّ حَمِيمٌ ﴾ وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّتِهَا إِلَّذُو
حَظٍ عَظِيمٍ ﴾: ( هوَ الرجلُ يشتمُّهُ أخوهُ ، فيقولُ : إنْ كنتَ كاذباً ..
فغفرَ اللهُ لكَ، وإنْ كنتَ صادقاً .. فغفرَ اللهُ لي)(١).
وعنْ بعضِهمْ قالَ : شتمتُ فلاناً مِنْ أهلِ البصرةِ ، فحلمَ عنِّي ،
فاستعبدَني بها زماناً(٢) .
وقالَ معاويةُ لعَرابةَ بنِ أُوسِ : بمَ سدتَ قومَكَ؟ قالَ: يا أميرَ المؤمنينَ؛
كنتُ أحلُمُ عنْ جاهلِهِمْ ، وأعطي سائلَهُمْ، وأسعى في حوائجِهِمْ، فمَنْ
فعلَ فعلي .. فهوَ مثلي، ومَنْ جاوزَني .. فهوَ أفضلُ مني ، ومَنْ قَصُرَ
عنِّي .. فأنا خيرٌ منهُ(٣).
وسبَّ رجلٌ ابنَ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما ، فلمَّا فرِغَ . . قالَ: يا عكرمةُ ؛
هلْ للرجلِ حاجةٌ فنقضيَها؟ فنكَّسَ الرجلُ رأسَهُ واستحيا(٤) .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مداراة الناس)) (٤٩).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٣٤).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٣٩) إلى قوله: ( وأسعى في حوائجهم) ، وأشار
إلى روايته بتمامه الحافظ الزبيدي عنده في ((ذم الغضب)). انظر (( الإتحاف))
(٣٣/٨) .
(٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٣٣/٨).
٦٣٥

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
وقالَ رجلٌ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ : أشهدُ أنَّكَ مِنَ الفاسقينَ ، فقالَ : ليسَ
تُقُبِلُ شهادتُكَ(١) .
وعنْ عليٍّ بنِ الحسينِ بنِ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُمْ: أَنَّهُ سبَّهُ رجلٌ ، فرمى
إِليهِ خميصةً كانَتْ عليهِ، وأمرَ لهُ بألفِ درهم (٢) ، فقالَ بعضُهمْ: جَمعَ فيهِ
خمسَ خصالٍ محمودةٍ : الحلمُ ، وإسقاطُ الأذى ، وتخليصُ الرجلِ ممَّا
يبعدهُ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ ، وحملُهُ على الندم والتوبةِ ، ورجوعُهُ إلى المدحِ بعدَ
الذمِّ ، اشترى جميعَ ذلكَ بشيءٍ مِنَ الدنيا يسيرٍ (٣).
وقالَ رجلٌ لجعفرِ بنِ محمدٍ : إنهُ قَدْ وقعَ بيني وبينَ قومِ منازعةٌ في
أمرٍ ، وإنِّي أريدُ أنْ أتركَهُ فأخشى أنْ يقالَ لي : إنَّ تركَكَ لهُ ذلٌّ ، فقالَ
جعفرٌ: إنَّما الذليلُ الظالمُ(٤).
وقالَ الخليلُ بنُ أحمدَ : ( كانَ يُقالُ: مَنْ أساءَ فأُحسِنَ إِليهِ .. فقدْ جُعلَ
لهُ حاجزٌ مِنْ قلبهِ يردعُهُ عنْ مثلٍ إساءَتِهِ )(٥) .
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٣٣/٨).
(٢) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣٩٤/٤١)، وفيه أنه قال له بعد أن سبَّه
الرجل : ما ستر عنك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك عليها ؟ فاستحيا الرجل ورجع
إلى نفسه ، فألقى إليه خميصة ... الخبر .
(٣) كذا الخبر بتمامه عند ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٣٣/٨).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٣٣/٨).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٤٦).
٦٣٦

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
وقالَ الأحنفُ بنُ قيسٍ : ( لستُ بحليمٍ ، ولكنِّي أتحلَّمُ)(١).
وقالَ وهبُ بنُ منبِّهِ: ( مَنْ يَرحَمْ .. يُرحمْ، ومَنَ يصمُتْ .. يسلمْ ،
ومَنْ يجهلْ .. يُغْلَبْ، ومَنْ يعجلْ .. يخطىءُ، ومَنْ يحرصْ على الشرِّ ..
لا يسلمْ، ومَنْ لا يدع المراءَ .. يُشْتَمْ، ومَنْ لا يكرهِ الشتمَ .. يأثمْ، ومَنْ
يكرهِ الشرّ .. يُعصَمْ، ومَنْ يتبعْ وصيةَ اللهِ .. يُحفَظْ، ومَنْ يحذرِ اللهَ ..
يأمنْ، ومَنْ يتولَّ اللهَ .. يُمنعْ، ومَنْ لا يسألِ اللهَ .. يفتقرْ، ومَنْ لا يكنْ
معَ اللهِ .. يُخذلْ، ومَنْ يستعنْ باللهِ .. يظفرْ)(٢).
وقالَ رجلٌ لمالكِ بنِ دينارٍ : بلغَني أنَّكَ ذكرتني بسوء ، قالَ : أنتَ إذاً
أكرمُ عليَّ مِنْ نفسي ؛ إنِّي إذا فعلتُ ذلكَ .. أهديتُ إليكَ حسناتِي (٣).
وقالَ بعضُ العلماءِ : ( الحلمُ أرفعُ مِنَ العقلِ ؛ لأنَ اللهَ تعالى تسمّى
بهِ ) (٤) .
وقالَ رجلٌ لبعضٍ الحكماءِ : واللهِ ؛ لأسبَنَّكَ سبّاً يدخلُ معكَ في قبرِكَ ،
فقالَ : معكَ يدخلُ لا معي(٥) .
ومرَّ المسيحُ ابنُ مريمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ بقومٍ مِنَ اليهودِ ، فقالُوا لهُ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في (( الحلم)) (٤٨).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٤٩).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (٥١) مختصراً .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الحلم)) (١٥) عن رجاء بن أبي سلمة.
(٥) رواه البلاذري في ((أنساب الأشراف)) (٣٢٣/١٢)، والحكيم فيه هو الأحنف.
٦٣٧
حن تن ون
تن
حن حن
ـى

كتاب الغضب والحقد
ربع المهلكات
شراً ، فقالَ لهمْ خيراً ، فقيلَ لهُ : إِنَّهِمْ يقولونَ شراً وأنتَ تقولُ خيراً !!
فقالَ: كلُّ واحدٍ ينفقُ ممَّا عندَهُ(١) .
وقالَ لقمانُ لابنِهِ : ( ثلاثةٌ لا يُعرَفُونَ إلا عندَ ثلاثةٍ : لا يُعرفُ الحليمُ
إلا عندَ الغضبِ ، ولا الشجاعُ إلا عندَ الحربِ ، ولا الأخُ إلَّ عندَ حاجتِكَ
إليهِ )(٢) .
﴾
ودخلَ على بعض الحكماءِ صديقٌ لهُ ، فقدَّمَ إليهِ طعاماً ، فخرجَتِ امرأةٌ
الحكيمِ وكانَتْ سيِّةَ الخلُقِ ، فرفعَتِ المائدةَ ، وأقبلَتْ على شتمِ الحكيمِ ،
فخرجَ الصديقُ مغضباً ، فتبعَهُ الحكيمُ وقالَ لهُ: تذكرُ يومَ كنَّا في منزِلِكَ
نَطَعَمُ فسقطَتْ دجاجةٌ على المائدةِ فأفسدَتْ ما عليها فلمْ يغضبْ أحدٌ منَّا ؟
قالَ : نعمْ ، قالَ : فاحسُبْ أنَّ هذهِ مثلُ تلكَ الدجاجةِ ، فسُرِّيَ عنِ الرجلِ
غضبُهُ وانصرفَ ، وقالَ : صدقَ الحكيمُ ، الحلمُ شفاءٌ مِنْ كلِّ ألم (٣).
وضربَ رجلٌ قدمَ حكيمٍ فأوجعَهُ ، فلمْ يغضبْ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ،
فقالَ : أقمتُهُ مقامَ حجرٍ تعثَّرتُ بهِ ، وذبحتُ الغضب .
وقالَ محمودٌ الوراقُ (٤):
[من الطويل]
وَإِنْ كَثُرَتْ مِنْهُ عَلَيَّ الْجَرائِمُ
سَأُلْزِمُ نَفْسِي الصَّفْحَ عَنْ كُلِّ مُذْنِبٍ
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). ((إتحاف)) (٣٤/٨).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٣٨٩/٧).
(٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في ((ذم الغضب)). (٣٤/٨).
(٤) ديوانه ( ص ٢٣٤ _ ٢٣٥) .
1
ئن
كن شن جن حن حن
٦٣٨

ربع المهلكات
كتاب الغضب والحقد
شَرِيفٌ وَمَشْرُوفٌ وَمِثْلٌ مُقَاوِمُ
وَمَا النَّاسُ إِلاَّ واحِدٌ مِنْ ثَلاثَةٍ
وَأَتْبُعُ فِيهِ الْحَقَّ وَالْحَقُّ لازِمُ
فَأَمَّا الَّذِي فَوْقِي فَأَعْرِفُ قَدْرَهُ
وَأَمَّا الَّذِيِ دُونِي فَإِنْ قَالَ صُنْتُ عَنْ
وَأَمَّا أَلَّذِي مِثْلِي فَإِنْ زَلَّ أَوْ هَفا
ـكن
إِجابَيِّهِ عِرْضِي وَإِنْ لامَ لائِمُ
تَفَضَّلْتُ إِنَّ الْفَضْلَ بِالْخَيْرِ حاكِمُ
٦٣٩

كتاب الغضب والحقد
رمجيـ
برجر
ربع المهلكات
بيان القدر الذي يجوز الأنصار والتشقى به من الكلام
ـہہ
اعلمْ : أنَّ كلَّ ظلمٍ صَدَرَ مِنْ شخصٍ فلا يجوزُ مقابلتُهُ بمثلِهِ ؛ فلا تجوزُ
مقابلةُ الغيبةِ بالغيبةِ ، ولا مقابلةُ التجُّسِ بالتجُّسِ ، ولا مقابلةُ السَّبِّ
بالسَّبِّ ، وكذا سائرُ المعاصي ، وإنَّما القصاصُ والغرامةُ على قدرِ ما وردَ
الشرعُ بهِ ، وقدْ فصَّلناهُ في الفقهِ .
وأمَّا السَّبُّ .. فلا يقابلُ بمثلِهِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إِنِ امرؤٌ عَيَّرَكَ بما فيكَ .. فلا تعيِّرْهُ بما فيهِ))(١) .
وقالَ: ((المستبّانِ ما قالا، فهو على البادىءِ ما لم يعتدِ المظلومُ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((المستبَّانِ شيطانانِ يتهاترانِ))(٣).
وشتمَ رجلٌ أبا بكرٍ الصدِّيقَ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ ساكتٌ ، فلمَّا ابتدأَ ينتصرُ
منْهُ .. قامَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ أبو بكرٍ : يا رسولَ اللهِ ؛
إنَّكَ كنتَ ساكتاً لما شتمَني، فلمَّا تَكلَّمتُ .. قمتَ؟ قالَ: ((لأَنَّ المَلكَ
كانَ يجيبُ عنكَ ، فلمَّا تكلَّمتَ .. ذهبَ الملَكُ وجاءَ الشَّيطانُ، فلمْ أَكُنْ
لأجلسَ في مجلسٍ فيهِ الشَّيطانُ ))(٤)
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٦٣/٥)، والبخاري في ((الأدب المفرد)» (١١٨٢).
(٢) رواه مسلم (٢٤٤٢) .
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٦٢/٤)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٢٨).
(٤) رواه أبو داوود (٤٨٩٦) موصولاً ومرسلاً بنحوه .
ق؟
٦٤٠
خن
عن
ان
۔
حن
حن - حم ح
ـكن