Indexed OCR Text
Pages 481-500
ربع المهلكات كتاب آفات اللسان مسـ وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((رأيتُ كأنَّ رجلاً جاءَني فقالَ لي : قُمْ، فقمتُ معَهُ؛ فإذا أنا برجلين أحدُهُما قائمٌ والآخرُ جالسٌ ، بيدِ القائم كلُّوبٌ مِنْ حديدٍ يلقمُهُ في شدقِ الجالسِ فيجذِبُهُ حتَّى يَبْلُغَ كاهلَهُ ، ثمَّ يجذِبُهُ فيلقمُهُ الجانبَ الآخرَ، فيمدُّهُ، فإذا مدَّهُ .. رجعَ الآخرُ كما كانَ، فقلتُ للذي أقامَني : ما هذا؟ قالَ : هذا رجلٌ كذَّابٌ يُعذّبُ في قبرِهِ إلى يومِ القيامةِ))(١) . وعنْ عبدِ اللهِ بنِ جرادٍ أنَّهُ سألَ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ هلْ يزني المؤمِنُ؟ قالَ: ((قدْ يكونُ منهُ ذلكَ))، قالَ : يا نبيَّ اللهِ؛ هلْ يكذِبُ المؤمنُ؟ قالَ: ((لا))، ثمَّ أتبعَها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بقولِ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾(٢). وقالَ أبو سعيد الخدريُّ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يدعو فيقولُ في دعائِهِ : ((الَّلهمَّ؛ طهِّرْ قلبي مِنَ النِّفاقِ، وفرجي مِنَ الزِّنا، ولساني مِنَ الكذِبِ))(٣). (١) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٣١) بلفظه هنا ، وهو عند البخاري (١٣٨٦) ضمن حديث طويل. (٢) رواه الخرائطي في (( مساوىء الأخلاق)) ( ١٣٢)، وفيه زيادة : يا رسول الله ؛ هل يسرق المؤمن؟ قال: ((قد يكون من ذلك))، ورواه ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٧٧) وفيه السؤال عن الكذب فقط والسائل أبو الدرداء رضي الله عنه . (٣) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ١٣٤ ). ٤٨١ حق حن شن شنحن فن جة: كتاب آفات اللسان جو. ربع المهلكات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ثلاثةٌ لا يكلِّمُهُمُ اللهُ ولا ينظرُ إليهِمْ ولا يزكِّيهِمْ ولهُمْ عذابٌ أليمٌ : شيخٌ زانٍ ، وملِكٌ كذَّابٌ، وعائلٌ مستكبرٌ)) (١) . وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عامرٍ : جاءَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إلى بيتِنا وأنا صبيٍّ صغيرٌ، فذهبتُ لألعَبَ ، فقالَتْ أمِّي: يا عبدَ اللهِ؛ تعالَ لِأُعطيَكَ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((وما أردتِ أنْ تعطيهِ؟ )) فقالَتْ: تمراً ، فقالَ: ((أما إنَّكِ لوْ لمْ تفعلي .. كُتَبَتْ عليكِ كذْبٌ)) (٢). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لوْ أفاءَ اللهُ عليَّ نَعماً عددَ هذهِ العِضاهِ .. لقسمتُها بينَكُمْ ثمَّ لا تجدُوني بخيلاً ولا كذَّاباً ولا جباناً))(٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وكانَ متكئاً : (( ألا أنبَّئُكُمْ بأكبرِ الكبائرِ ؟ الإشراكُ باللهِ، وعقوقُ الوالدينِ))، ثمَّ قعدَ فقالَ: ((ألا وقولُ الزُّور)) (٤). وقالَ ابنُ عمرَ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ العبدَ ليكذِبُ الكذْبةَ فيتباعدُ الملَكُ منهُ مسيرةَ ميلٍ مِنْ نَتْنِ ما جاءَ بهِ »(٥). وقالَ أنسٌ : قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((تقبّلُوا لي بستٍّ .. أتقبَّلْ (١) رواه مسلم ( ١٠٧). (٢) رواه أبو داوود (٤٩٩١)، والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٤٠). (٣) رواه البخاري (٢٨٢١)، والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٤٤). (٤) رواه البخاري (٢٦٥٤)، ومسلم ( ٨٧ ). (٥) رواه الترمذي (١٩٧٢)، والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٥٥). ـيب نحن جح حن حن حج جن جن حن خن حن خن ٤٨٢ مون ربع المهلكات كتاب آفات اللسان لكمْ بالجنَّةِ ))، قالوا: وما هيَ؟ قالَ: ((إذا حدَّثَ أحدُكمْ .. فلا يكذبْ ، وإذا وعدَ .. فلا يخلفْ، وإذا اؤتمنَ .. فلا يخنْ، وغضُّوا أبصارَكمْ، وكقُّوا أيديَكُمْ، واحفظُوا فروجَكمْ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ للشَّيطانِ كحلاً ولَعُوقاً ونُشُوقاً ، فأمَّا لَعُوقُهُ .. فالكذبُ، وأمّا نُشُوقُهُ .. فالغَضبُ، وأمَّا كحْلُهُ .. فالنومُ))(٢). وخطبَ عمرُ بنُ الخطّابِ رضيَ اللهُ عنهُ بالجابيةِ فقالَ : قَامَ فينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كَمَقامِي فِيكُمْ، فقالَ: ((أحسنُوا إلى أصحابِي، ثمَّ الذينَ يلونَهُمْ، ثمَّ يفشُو الكذِبُ حتَّى يحلِفُّ الرَّجلُ على اليمينِ ولمْ يُحلَّفْ، ويَشْهدُ ولمْ يُستشهَدْ))(٣). وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ حدَّثَ بحديثٍ وهوَ يرى أنَّهُ كذبٌ .. فهوَ أحدُ الكاذبينَ))(٤). ـمر (١) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٥٧)، والحاكم في ((المستدرك)» (٣٥٩/٤ ) . (٢) رواه البيهقي في ((الشعب)) (٢٨٣٦)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٠٦/٧)، وابن عدي في (( الكامل)) (٣٧٤/٣) بنحوه . (٣) رواه الترمذي (٢١٦٥)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٩١٨١). (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٥٢/٤)، والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ١٦٦ ) . ـن: ٤٨٣ حن حن جن جن جن الحن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ حدَّثَ عنِّي حديثاً يُرى أنَّهُ كذبٌ .. فهوَ أحدُ الكاذبينَ ))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((مَنْ حَلَفَ على يمينٍ بإثمٍ ليقتطعَ بها مالَ امرىء مسلمٍ بغيرِ حقٍّ .. لقيَ اللهَ عزَّ وجلَّ وهوَ عليهِ غضبانُ))(٢). ورُويَ أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ردَّ شهادةَ رجلٍ في كذبةٍ كذَبَها (٣). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( على كلِّ خَصْلةٍ يُطبَعُ، أو يُطوى عليها المؤمنُ إلا الخيانةَ والكذبَ)) (٤) . وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( ما كانَ مِنْ خُلُقٍ أشدَّ عندَ أصحابٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنَ الكذبِ ، ولقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يطَّلِعُ على الرَّجلِ مِنْ أصحابِهِ على الكذبةِ ، فما ينجلي مِنْ صدرِهِ حتَّى يعلمَ أنَّهُ قدْ أحدثَ اللهِ عزَّ وجلَّ منها توبةً )(٥). وقالَ موسى عليهِ السلامُ : يا ربُ؛ أيُّ عبادِكَ خيرٌ لكَ عملاً ؟ قالَ : (١) رواه مسلم في مقدمة ((صحيحه)) (٩/١)، والخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٦٨ ) . (٢) رواه البخاري ( ٢٣٥٧)، ومسلم ( ١٣٨) . (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤٩٠) عن موسى بن شيبة مرسلاً . (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٥٢/٥)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٧٥ ) . (٥) رواه أحمد في (( المسند)) (١٥٢/٦)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٧٦ ) . ٤٨٤ ـجر ربع المهلكات حـ کتاب آفات اللسان مَنْ لا يكذبُ لسانُهُ، ولا يفجرُ قلبُهُ، ولا يزني فرجُهُ(١) . دن وقالَ لقمانُ لابنِهِ : ( يا بنيَّ ؛ إِيَّاكَ والكذبَ ؛ فإنَّهُ شهيٌّ كلحمٍ العصفورِ، عمَّا قليلٍ يقْلاهُ صاحبُهُ)(٢). وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في مدح الصدقِ: ((أربعٌ إذا كنَّ فيكَ .. فلا يضرُّكَ ما فاتَكَ مِنَ الدُّنيا : صدقُ حديثٍ ، وحفظُ أمانةٍ ، وحسنُ خليقةٍ ، وعفَّةُ طُعمةٍ)) (٣). وقالَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ في خُطبتِهِ بعدَ وفاةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : قامَ فينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مثلَ مقامي هذا عامَ أوَّلَ ثمَّ بكى فقالَ: ((عليكُمْ بالصِّدقِ؛ فإنَّهُ معَ البرِّ، وهما في الجنَّةِ))(٤). وقالَ معاذٌ : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لي: (( أوصيكَ بتقوى اللهِ ، وصدقِ الحديثِ ، وأداءِ الأمانةِ ، ووفاءٍ بالعهدِ ، وبذلِ السَّلامِ، وخفضِ الجناحِ))(٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٨٨) عن هزيل بن شرحبيل. (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (٥٤٢) عن الحسن . (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (١٧٧/٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (٣١٤/٤)، والبيهقي في (( الشعب)) ( ٤٤٦٣). (٤) هو بعض حديث رواه ابن ماجه (٣٨٤٩)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٦٩ ). (٥) رواه أبو نعيم في «الحلية)) (٢٤٠/١)، والبيهقي في (( الزهد الكبير)) (٩٥٦)، والخطيب في (( تاريخ بغداد)) ( ٨/ ٤٣٤). ٤٨٥ بون مون كتاب آفات اللسان ربع المهلكات وأمَّا الآثارُ : فقدْ قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( أعظمُ الخطايا عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ اللسانُ الكذوبُ، وشرُّ الندامةِ ندامةُ يوم القيامةِ)(١) . وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمَهُ اللهُ: ( ما كذبتُ كذبةً منذُ شددْتُ عليَّ إزاري )(٢). وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنْهُ: ( أحبُّكمْ إلينا ما لمْ نرَكُمْ أحسنُكُمُ اسماً ، فإذا رأيناكُمْ .. فأحبُّكُمْ إلينا أحسنُكُم خُلُقاً ، فإذا اختبرْناكُمْ .. فأحبُّكُمْ إلينا أصدقُكُمْ حديثاً ، وأعظمُكُمْ أمانةً)(٣) . وعنْ ميمونِ بنِ أبي شبيبٍ قالَ : ( قعدْتُ أكتبُ كتاباً ، فمررتُ بحرفٍ إنْ أنا كتبتُهُ . . زيَّنتُ الكتابَ وكنتُ قدْ كذبْتُ ، فعزمْتُ على تركِهِ ، فناداني منادٍ مِنْ جانبِ البيتِ : ﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾)(٤). وقالَ الشَّعبيُّ : ما أدري أيُّهما أبعدُ غوراً في النارِ ، الكذبُ أوٍ البخلُ )(٥) . (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٨١). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٨٦). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٨٧). (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٥٣٩). (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٥٤٣). ٨٠٠. ٠٠ جن حن جن جن حن جرة" ٥٥ قات. ٤٨٦ ـكن کن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان وقالَ ابنُّ السَّمَّاكِ: ( ما أُراني أوجَرُ على تركِ الكذبِ ؛ لأنِّ إنَّما أدعُهُ أنفةٌ)(١) . وقيلَ لخالدِ بنِ صُبيح : مَنْ يكذبُ كذبةً واحدةً هل يُسمى فاسقاً ؟ قالَ : ٥(٢) نعمْ(٢) . وقالَ مالكُ بنُ دينارِ : ( قرأتُ في بعضِ الكتبِ : ما مِنْ خطيبٍ إلا اےے عُرضَتْ خطبتُهُ على عملِهِ؛ فإنْ كانَ صادقاً .. صُدِّقَ، وإنْ كانَ كاذباً .. قُرِضَتْ شفتاهُ بمقراضَيْنِ مِنْ نارٍ ، كلَّما قُرِضَتا .. نَبًَّا)(٣). وقال مالكُ بنُ دينارِ أيضاً : ( الصدقُ والكذبُ يعتركانِ في القلبِ حتَّى يخرجَ أحدُهما صاحبَهُ )(٤) وكلَّم عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ الوليدَ بنَ عبدِ الملكِ في شيءٍ ، فقالَ لهُ : كذبْتَ، فقالَ عمرُ: واللهِ؛ ما كذبْتُ منذُ علمْتُ أنَّ الكذبَ يشينُ صاحبَهُ (٥) ٨٠٠ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٥٤٩). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٥٥٢). (٣) رواه ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) (٥٠١)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣٧٨/٢) . (٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٥١٦)، وأبو نعيم في (( الحلية)) (٣٦٠/٢) . (٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٥٢٩). ٤٨٧ جن حى من حن حن حن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات حز بيان ما رُقْص فيه من الكذب اعلمْ : أنَّ الكذبَ ليسَ حراماً لعينِهِ ، بلْ لما فيهِ مِنَ الضررِ على المخاطبِ أوْ على غيرِهِ ، فإنَّ أقلَّ درجاتِهِ أنْ يعتقدَ المُخبِرُ الشيءَ على خلافٍ ما هوَ عليهِ فيكونَ جاهلاً ، وقدْ يتعلَّقُ بهِ ضررُ غيرِهِ . وربّ جهلٍ فيهِ منفعةٌ ومصلحةٌ وَالكذبُ محصِّلٌ لذلكَ الجهلِ ؛ فيكونُ مأذوناً فيهِ ، وربَّما كانَ واجباً . قالَ ميمونُ بنُ مهرانَ : ( إنَّ الكذبَ في بعضِ المواطنِ خيرٌ مِنَ الصِّدِقِ، أرأيتَ لوْ أنَّ رجلاً يسعَى وآخرُ وراءَهُ بالسيفِ ، فدخلَ داراً ، فانتهى إليكَ فقالَ : أرأيتَ فلاناً؟ ما كنْتَ قائلاً: ألسْتَ تقولُ: لمْ أَرَهُ ، وما تصدقُ بهِ ؟ )(١) ، فهذا الكذبُ واجبٌ . فنقولُ : الكلامُ وسيلةٌ إلى المقاصدِ ؛ فكلُّ مقصودٍ محمودٍ يمكنُ التَّوصُّلُ إليهِ بالصدقِ والكذبِ جميعاً .. فالكذبُ فيهِ حرامٌ ، وإن أمكنَ التوصُّلُ إليهِ بالكذبِ دونَ الصدقِ .. فالكذبُ فيهِ مباحٌ إِنْ كانَ تحصيلُ ذلكَ المقصودِ مباحاً ، وواجبٌ إنْ كانَ المقصودُ واجباً ، كما أنَّ عصمةَ دم المسلمٍ واجبةٌ ، فمهما كانَ في الصدقِ سفكُ دم امرىءٍ مسلمٍ قدِ اختفىْ مِنْ ظالم .. فالكذبُ فيهِ واجبٌ ، ومهما كانَ لا يتمُّ مقصودُ الحربِ ، أَوْ إصلاحُ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٥٠٦ ) بنحوه. ٤٨٨ من حن حن: ربع المهلكات كتاب آفات اللسان ذاتِ البينِ ، أوِ استمالةُ قلبِ المجنيِّ عليهِ إلا بكذبٍ .. فالكذبُ مباحٌ، إلاَّ أنَّهُ ينبغي أنْ يحترزَ عنهُ ما أمكنَ ؛ لأنَّهُ إذا فتحَ بابَ الكذبِ على نفسِهِ .. فيُخشى أنْ يتداعَى إلى ما يستغني عنْهُ، وإلى ما لا يقتصرُ على حدِّ الضرورةِ ؛ فكانَ الكذبُ حراماً في الأصلِ إلا لضرورةٍ . والذي يدلُّ على الاستثناءِ : ما رُويَ عنْ أمِّ كُلثومٍ قالَتْ : ( ما سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يرخِّصُ في شيءٍ مِنَ الكذبِ إلَّ في ثلاثٍ : الرجلُ يقولُ القولَ يريدُ بهِ الإصلاحَ ، والرجلُ يقولُ القولَ في الحربِ ، والرجلُ يحدِّثُ امرأتَهُ، والمرأةُ تحدِّثُ زوجَها)(١). وقالَتْ أيضاً : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ليسَ بكذَّابٍ مَنْ أصلَحَ بينَ اثنينِ ، فقالَ خيراً أوْ نمى خيراً))(٢). وقالَتْ أسماءُ بنتُ يزيدَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((كلُّ الكذبِ يُكتبُ على ابنِ آدمَ إلا رجلٌ كَذَبَ بينَ رجلينٍ ليصلحَ بينَهما)»(٣). ورُويَ عنْ أبي كاهلٍ قالَ : وقعَ بينَ رجلينٍ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كلامُ حتَّى تصارما، فلقيتُ أحدَهُما فقلتُ : ما لكَ ولفلانٍ ؟ فقدْ سمعتُهُ يحسِنُ عليكَ الثناءَ ، ثمَّ لقيتُ الآخرَ فقلتُ لهُ مثلَ ذلكَ، حتَّى اصطلحا ، ثمَّ قلْتُ : أهلكْتُ نفسي وأصلحْتُ بينَ هذينِ ، ماس. (١) رواه مسلم (٢٦٠٥)، وأم كلثوم هي بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها . (٢) رواه البخاري (٢٦٩٢)، ومسلم (٢٦٠٥) . (٣) رواه الترمذي (١٩٣٩) بزيادة فيه . ٤٨٩ ثم حن کتاب آفات اللسان ربع المهلكات فأخبرْتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، فقالَ: (( يا أبا كاهلٍ ، أصلحْ بينٌ الناسِ ولو ... )) يعني: بالكذب (١). وقالَ عطاءُ بنُ يسارِ : قالَ رجلٌ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أكذبُ أهلي ؟ فقالَ: ((لا خيرَ في الكذبِ )) ، قالَ : أعِدُها وأقولُ لها ؟ قالَ : ((لا جناحَ عليكَ)) (٢). بيبسي ويُروى أنَّ ابنَ أبي عزرةَ الدُّؤليَّ - وكانَ في خلافةِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ - يخلعُ النساءَ اللَّتي يتزوجُهُنَّ ، فطارَ لهُ في الناسِ مِنْ ذلكَ أُحدوثةٌ يكرهُها ، فلمَّا علمَ بذلكَ .. قامَ بعبدِ اللهِ بنِ الأرقمِ حتَّى أدخلَهُ بِيتَهُ ، فقالَ لامرأتِهِ : أنشُدُكِ باللهِ ؛ هلْ تبغضيني ؟ قالَتْ: لا تنشُدْني ، قالَ : فإنِّي أنشدُكِ باللهِ ، قالَتْ: نعمْ، فقالَ لابنِ الأرقمِ : أتسمعُ ؟! ثمَّ انطلقا حتَّى أتيا عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ فقالَ : إنَّكمْ لتُحدَّثونَ أَنِّي أظلِمُ النساءَ وأخلعُهُنَّ ، فاسألِ ابنَ الأرقم ، فسألَّهُ ، فأخبرَهُ، فأرسلَ إلى امرأةِ ابنِ أبي عزرةَ ، فجاءَتْ هيَ وعمَّتُها ، فقالَ : أنتِ التي تحدثينَ لزوجِكِ أنَّكِ تبغضينَهُ؟ فقالَتْ: إنِّي أوَّلُ مَنْ تابَ وراجعَ أمرَ اللهِ تعالى، إنَّهُ ناشدَني اللهَ ، فتحرَّجْتُ أنْ أكذِبَ ، أفأكذِبُ يا أميرَ المؤمنينَ ؟ قالَ : نعمْ، فاكذبي ؛ فإنْ كانَتْ إحداكُنَّ (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٣٦١/١٨)، وفيه: (( يا أبا كاهل ؛ أصلح بين الناس ولو بكذا وكذا )) . (٢) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٨٩/٢) عن صفوان بن سليم معضلاً، وابن عبد البر في («التمهيد)» (٢٤٧/١٦) عنه عن عطاء بن يسار مرسلاً . حن جر ٤٩٠ ربع المهلكات كتاب آفات اللسان لا تحبُّ أحدَنا .. فلا تحدِّثْهُ بذلِكَ ؛ فإنَّ أقلَّ البيوتِ الذي يُبنى على الحُبِّ ، ولكنَّ الناسَ يتعاشرونَ بالإسلام والإحسانِ(١). حن وعنِ النواسِ بنِ سمعانَ الكلابيِّ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما لي أراكمْ تتهافتونَ في الكذبِ تهافُتَ الفَراشِ في النَّارِ ؟! كلُّ الكذبِ مكتوبٌ كذباً لا محالةَ ، إلا أنْ يكذِبَ الرَّجلُ في الحربِ ؛ فإنَّ الحَرْبَ خُدْعةٌ، أَوْ يكونَ بينَ رجلينِ شحْناءُ فيُصلحَ بينَهما ، أوْ يحدِّثَ امرأتهُ يرضيها)) (٢). وقالَ ثوبانُ : ( الكذِبُ كلُّهُ إثمٌ إلَّ ما نُفِعَ بهِ مسلمٌ ، أَوْ دُفِعَ بهِ عنهُ ضررٌ)(٣) . وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ: ( إذا حذَّئُكُمْ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. فلأَنْ أخِرَّ مِنَ السَّماءِ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أُكذِبَ عليهِ، وإذا حدَّثْتُكُمْ فيما بيني وبينَكُمْ .. فالحربُ خُدْعٌ)(٤) . فهذهِ الثلاثُ وردَ فيها صريحُ الاستثناءِ ، وفي معناها ما عداها إذا ارتبطَ بهِ غرضٌ مقصودٌ صحيحٌّ لَهُ أَوْ لغيرِهِ . أَمَّا ما لَهُ .. فمثلُ أنْ يأخذَهُ ظالمٌ ويسألَهُ عنْ مالِهِ ، فَلَهُ أنْ ينكرَ ، أَوْ (١) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ١٨٦). (٢) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) ( ١٦٢). (٣) رواه البزار فى ((مسنده)) (٤١٦٢)، وتظنن في رفعه . (٤) رواه البخاري (٣٦١١)، ومسلم ( ١٠٦٦). ٤٩١ . ج: كتاب آفات اللسان ربع المهلكات يأخذَهُ السلطانُ فيسألَهُ عنْ فاحشةٍ بينَهُ وبينَ اللهِ تعالى ارتكبَها ؛ فلهُ أنْ ينكرّ ذلكَ ويقولَ : ما زنيتُ ، وما سرقتُ ؛ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنِ ارتكبَ شيئاً مِنْ هذهِ القاذوراتِ .. فليستِرْ بستْرِ اللهِ))(١)، وذلكَ أنَّ إظهارَ الفاحشةِ فاحشةٌ أخرى ؛ فللرَّجلِ أنْ يحفظَ دمَهُ ومالَهُ الذي يُؤخذُ ظلماً وعرضَهُ بلسانِهِ وإنْ كانَ كاذباً . وأمَّا غَرَضُ غيرِهِ .. فبأنْ يُسألَ عنْ سرِّ أخيهِ ، فلهُ أنْ ينكرَهُ، وأنْ يصلحَ بينَ اثنينِ ، وأنْ يصلحَ بينَ الضَّرَّاتِ مِنْ نسائِهِ ، بأنْ يظهرَ لكلِّ واحدةٍ أنَّها أحبُّ إليهِ ، أَوْ كانَتِ امرأتُهُ لا تطيعُهُ إلَّ بوعدٍ لا يقدِرُ عليهِ ، فيعدُها في الحالِ تطبيباً لقلبها ، أوْ يعتذرَ إلى إنسانٍ وكانَ لا يطيبُ قلبُهُ إلاَّ بإنكار ذنبٍ وزيادةِ توڈُّدٍ ؛ فلا بأسَ بهِ . ولكنِ الحُّ فيهِ: أنَّ الكذبَ محذورٌ، ولوْ صدقَ في هذهِ المواضعِ .. تولَّدَ منهُ محذورٌ؛ فينبغي أنْ يقابلَ أحدَهُما بالآخرِ ، ويزنَ بالميزانِ القسطِ ، فإذا علمَ أنَّ المحذورَ الذي يحصلُ بالصِّدقِ أشدُّ وقعاً في الشرعِ مِنَ الكذِبِ .. فلهُ الكذبُ ، وإنْ كانَ ذلكَ المقصودُ أهونَ مِنْ مقصودِ الصِّدقِ .. فيجبُ الصِّدقُ ، وقدْ يتقابلُ الأمرانِ بحيثُ يتردّدُ فيهما ، وعندَ ذلكَ الميلُ إلى الصِّدِقِ أولى ؛ لأنَّ الكذبَ يُباحُ لضرورةٍ أوْ حاجةٍ مهمةٍ ، فإنْ شكَّ في كونِ الحاجةِ مهمةً .. فالأصلُ التحريمُ ، فيُرجعُ إليهِ . حن بة (١) رواه مالك في ((الموطأ)) (٨٢٥/٢) عن زيد بن أسلم مرسلاً، ورواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣٨٣/٤) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً . ٤٩٢ حرج حن --------- -- G ربع المهلكات كتاب آفات اللسان ولأجلِ غموضٍ إدراكِ مراتبِ المقاصدِ ينبغي أنْ يحترزَ الإنسانُ مِنَ الكذب ما أمكنَهُ ، ولذلكَ مهما كانتِ الحاجةُ لهُ .. فيُستحبُّ لهُ أن يتركَ أغراضَهُ ويهجرَ الكذِبَ . فأمَّا إذا تعلَّقَ بغرضٍ غيرِهِ .. فلا تجوزُ المسامحةُ لحقِّ الغيرِ والإضرارِ بهِ . وأكثرُ كذبِ الناسِ إنَّما هوَ لحظوظِ أنفسِهمْ ، ثمَّ هوَ لزياداتِ المالِ والجاهِ ، ولأمورٍ ليسَ فواتُها محذوراً ، حتَّى إنَّ المرأةَ لتحكي عَنْ زوجِها ما تتفاخرُ بهِ وتكذبُ لأجلِ مُراغمةِ الضَّرَّاتِ ، وذلكَ حرامٌ . وقالَتْ أسماءُ رضيَ اللهُ عنها : سمعْتُ امرأةً تسألُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَتْ : إنَّ لي ضَرَّةً ، وإنِّي أتكثَّرُ مِنْ زوجي بما لا يفعلُ أضارُها بذلكَ، فهلْ عليَّ فيهِ شيءٌ؟ فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((المُتشبِّعُ بما لمْ يُعطَ كلابسٍ ثوبي زُورٍ ))(١) . كيز وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ تطعَّمَ بما لا يطعَمُ ، وقالَ: لي وليسَ لهُ، وأُعطِيتُ ولمْ يُعطَ .. كانَ كلابسِ ثوبَيْ زُورٍ يومَ القيامةِ »(٢). ويدخلُ في هذا فتوى العالم بما لا يتحقَّقُهُ ، وروايتُهُ الحديثَ الذي ليسَ (١) رواه البخاري (٥٢١٩)، ومسلم (٢١٢٩)، وأسماء هي بنت الصديق رضي الله عنهما . (٢) قال الحافظ العراقي: ( لم أجده بهذا اللفظ). ((إتحاف)) (٥٢٦/٧)، وقد روى ابن حبان في «صحيحه)) (٣٤١٥)، وأبو نعيم في « الحلية)) (١٤٧/٦) من حديث جابر رضي الله عنه: (( ومن تحلى بباطل .. فهو كلابس ثوبي زور)). ٤٩٣ جن حن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات حن بثَبْتِ فيهِ ؛ إذ غرضُهُ أنْ يُظهرَ فضلَ نفسِهِ ، فهوَ لذلكَ يستنكفُ مِنْ أنْ يقول : لا أدري، وهذا حرامٌ(١). ومما يلتحقُ بالنساءِ الصبيانُ ؛ فإنَّ الصبيَّ إذا كانَ لا يرغبُ في المكتبِ إلاَّ بوعدٍ أوْ وعيدٍ أوْ تخويفٍ كاذبٍ . . كانَ ذلكَ مباحاً . نعمْ ، روينا في الأخبارِ أنَّ ذلكَ يُكتبُ كذباً ، ولكنَّ الكذبَ المباحَ أيضاً يُكتبُ ويُحاسبُ عليهِ، ويُطالبُ بتصحيح قصدِهِ فيهِ، ثمَّ يُعفى عنهُ؛ لأنَّهُ إنَّما أُبِيحَ بقصدِ الإصلاح ، ويتطرَّقُ إليهِ غرورٌ كبيرٌ ؛ فإنَّهُ قَدْ يكونُ الباعثُ لهُ حظّهُ وغرضَهُ الذي هوَ مستغنىّ عنهُ، وإنَّما يتعلَّلُ ظاهراً بالإصلاح ؛ فلهذا یُکتبُ . وكلُّ مَنْ أتى بكذبةٍ .. فقدْ وقعَ في خطرِ الاجتهادِ ؛ ليعلمَ أنَّ المقصودَ الذي كذبَ لأجلِهِ هلْ هوَ أهمُّ في الشرعِ مِنَ الصدقِ أمْ لا ، وذلكَ غامضٌ جداً ، فالحزمُ في تركِهِ إلاَّ أنْ يصيرَ واجباً بحيثُ لا يجوزُ تركُهُ ؛ كما لوْ أدىَ إلىْ سفكِ دم ، أوِ ارتكابٍ معصيةٍ كيفَ كانَ . (١) ويلتحق به: الانتصاب للتدريس والإفادة في العلوم الظاهرة أو الباطنة من غير تمكنه من الأهلية؛ فإنه لعب في الدين وإزراء به ، وروى البيهقي في (( الشعب )) ( ٦٥٤٧) عن الحسن قال : ( من تزيّن للناس بغير ما يعلم الله منه .. شانه) ، وحكى عن أبي الطيب الصعلوكي ( ٧٩١٥) : ( من تصدر قبل أوانه .. فقد تصدى لهوانه ) ، ومثله المشهور على الألسنة : ( من استعجل الشيء قبل أوانه .. عوقب بحرمانه ) . انظر (( فيض القدير)) (٢٦٠/٦)، و((الإتحاف)) (٥٢٦/٧). ٤٩٤ ربع المهلكات كتاب آفات اللسان حر وقدْ ظنَّ ظاتُّونَ أَنَّهُ يجوزُ وضعُ الأحاديثِ في فضائلِ الأعمالِ ، وفي التَّشديدِ في المعاصي ، وزعموا أنَّ القصدَ منه صحيحٌ ، وهوَ خطأٌ محضٌ ؛ إِذْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ كذبَ عليَّ متعمِّداً .. فليتبؤَّأْ مقعدَهُ مِنَ النَّارِ))(١) ، وهذا لا يرتكبُ إلَّ لضرورةٍ (٢)، ولا ضرورةَ؛ إذْ في الصِّدقِ مندوحةٌ عنِ الكذبِ ، ففيما وردَ مِنَ الآياتِ والأخبارِ كفايةٌ عنْ غيرِها . وقولُ القائلِ : ( إنَّ ذلكَ تكرَّرَ على الأسماع وسقطَ وقعُهُ، وما هوَ جديدٌ فوقعُهُ أعظمُ) .. فهذا هوسٌ ؛ إذْ ليسَ هذا مِنْ الأغراضِ التي تقاومُ محذورَ الكذبِ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعلى اللهِ تعالى ، ويؤدي فتحُ بابِهِ إلى أمورِ تشوِّشُ الشريعةَ ، فلا يقاوِمُ خيرُ هذا شرَّهُ أصلاً ، فالكذبُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنَ الكبائرِ التي لا يقاومُها شيءٌ ، نسألُ اللهَ العفوَ عنّا وعنْ جميع المسلمينَ . جن (١) رواه البخاري (١١٠)، ومسلم (٣) . (٢) في النسخ: ( لا يترك إلا ضرورة)، والمثبت من (ق)، ولعله الصواب ، والله أعلم . ٤٩٥ حر بجر كتاب آفات اللسان ربع المهلكات بيان الحذر من الكذب بالمعاريض قَدْ نُقِلَ عنِ السَّلفِ أنَّ في المعاريضِ مندوحةً عنِ الكذبِ (١). قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( أمَا في المعاريضِ ما يكفي الرَّجلَ منَ الكذبِ ) ، ورُويَ ذلكَ عنِ ابنِ عباسٍ وغيرِهِ (٢) . وإنَّما أرادوا بذلكَ إذا اضطُّرَّ الإنسانُ إلى الكذبِ ، فأمَّا إذا لمْ تكنْ حاجةٌ وضرورةٌ .. فلا يجوزُ التعريضُ ولا التصريحُ جميعاً، ولكنَّ التعريضَ أهونُ . ومثالُ التَّعريضِ: ما رُوِيَ أنَّ مطرِّفاً دخلَ على زيادٍ ، فاستبطأَهُ، فتعلَّلَ بمرضٍ وقالَ : ما رفعْتُ جنبي مذْ فارقْتُ الأميرَ إلاَّ ما رفعَني الله(٣). ٠٠٠ ٥٠٠٧ وقالَ إبراهيمُ : إذا بلغَ الرَّجلَ عنكَ شيءٌ فكرهْتَ أنْ تكذِبَ . . فقُلْ : إنَّ اللهَ تعالى ليعلَمُ ما قلْتُ مِنْ ذلكَ مِنْ شيءٍ ، فيكونُ قولُهُ : ( ما ) (١) والمعاريض: جمع معراض ، والمراد به التعريض، وهو ذكر لفظ محتمل يفهم منه السامع خلاف ما يريده المتكلم ، ومندوحة: سعة وغنية وفسحة . انظر ((الإتحاف)) (٥٢٨/٧ ) . (٢) هو من قول عمر رضي الله عنه رواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٨٨٤)، والبيهقي في (( السنن الكبرى)) (١٩٩/١٠)، وعنده كذلك عن عمران بن حصين رضي الله عنهما . (٣) رواه ابن سعد في ((طبقاته)) (١٤٤/٩)، وعنه روى أيضاً القول السابق في المعاريض ، ومعلوم أن الرفع يشمل الاختياري والاضطراري . ٤٩٦ حن ـة: كن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان حرفَ نفيٍ عندَ المستمع، وعندَهُ للإبهامِ(١). وكانَ معاذُ بنُ جبلِ عاملاً لعمرَ رضيَ اللهُ عنهُما ، فلمَّا رجعَ . . قالَتٍ امرأتُهُ: ما جئتَ بهِ ممَّا يأتي بهِ العمَّالُ مِنْ عُراضةِ أهليهِمْ؟(٢) وما كانَ قدْ أتاها بشيءٍ ، فقالَ : كانَ معي ضاغطٌ، فقالَتْ : كنْتَ أميناً عندَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وعندَ أبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ، فبعث عمرُ معكَ ضاغطاً! فقامَتْ بذلكَ في نسائِها ، واشتكَتْ عمرَ ، فلمَّا سمعَ عمرُ ذلكَ .. دعا معاذاً فقالَ : بعثتُ معكَ ضاغطاً ؟ فقالَ : لمْ أجدْ ما أعتذرُ بهِ إليها إلاَّ ذلكَ، فضحكَ عمرُ رضيَ اللهُ عنْهُ، وأعطاه شيئاً ، وقالَ : أرضِها بهِ . وقولُهُ : ( ضاغطاً) يعني: رقيباً، يريدُ بهِ ربَّهُ عزَّ وجلَّ(٣). في. والى وكانَ النخعيُّ لا يقولُ لابنتِهِ : أشتري لكِ سكَّراً ، بلْ يقولُ : أرأيتِ لوٍ اشتريتُ لكِ سِكَّراً ؟ فإنَّهُ ربّما لا يتَّفَقُ لهُ ذلكَ . وكانَ إبراهيمُ إذا طلَبَهُ مَنْ يكرَهُ أنْ يخرِجَ إليهِ وهوَ في الدار .. قالَ (١) رواه ابن الجوزي في ((الأذكياء)) (ص٧١)، و( ما ) عند المتكلم إما موصولة أو استفهامية ، وفي كل منهما الإبهام ، وكذا لو قال : ( الله يعلم ما قلته ) ، وهو أخصر من الأول. ((إتحاف)) (٥٢٩/٧). جوري (٢) العُراضة : الهدية والتحفة تحمل إلى الأهلين وتعرض عليهم . (٣) رواه الخرائطي في (( مساوىء الأخلاق)) (١٧٨)، مع تفسير قوله ( ضاغطاً) ، وقد نقله عن ابن جريج . ٤٩٧ .حن جم حن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات للجارية : قولي لهُ: ( اطلبْهُ في المسجدِ ) ، ولا تقولي: ( ليسَ هلهنا) ؛ كي لا يكونَ كذباً . وكانَ الشَّعبيُّ إذا طُلِبَ في البيتِ وهوَ يكرهُهُ .. يخطُّ دائرةً ويقولُ الجاريةِ : ضَعي إصبعَكِ فيها ، وقولي : ( ليسَ ههنا ) . وهذا كلُّهُ في موضعِ الحاجةِ، وأمَّا في غيرِ موضع الحاجةِ .. فلا؛ لأنَّ هذا تفهيمٌ للكذبِ . فإنْ لمْ يكنْ اللَّفظُ كذباً .. فهوَ مكروهٌ على الجملةِ ، كما رُويَ عنْ عبدِ اللهِ بنِ عتبةَ قالَ : دخلْتُ معَ أبي على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِ ، فخرجْتُ وعليَّ ثوبٌ، فجعلَ الناسُ يقولونَ: هذا كساكَهُ أَميرُ المؤمنينَ ؟ فكنْتُ أقولُ : جزى اللهُ أميرَ المؤمنينَ خيراً، فقالَ لي : يا بنيَّ؛ اتقِ الكذبَ، إياكَ والكذبَ، وما أشبهَهُ، فنهاهُ عنْ ذلكَ(١)؛ لأنَّ فيهِ تقريراً لهمْ على ظنٌّ كاذبٍ ؛ لأجلِ غرضِ المفاخرةِ ، وهوَ غرضٌ باطلٌ لا فائدةَ فیهِ . نعم، المعاريضُ تُبّاحُ لغرضٍ خفيفٍ ؛ كتطييبٍ قلبِ الغيرِ بالمِزاحِ ؛ كقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا تدخلُ الجنَّةَ عجوزٌ))(٢)، وقولِهِ للأخرى: ((في (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٥٤٠ ) عن عون بن عبد الله بن عتبة، وانظر ((الإتحاف)) ( ٥٢٩/٧) . (٢) رواه الترمذي في ((الشمائل)) (٢٤٠). ٤٩٨ حم جن جن حن ربع المهلكات كتاب آفات اللسان عينِ زوجِكِ بياضٌ))(١)، وللآخرِ: ((نحملُكِ على ولدِ البعيرِ))(٢)، وما أشبهَهُ. فأمَّا الكذبُ الصريحُ .. فكما فعلَهُ نُعيمانُ الأنصاريُّ معَ عثمانَ في قصَّةِ الضَّريرِ إذْ قالَ لهُ: (إِنَّهُ نُعيمانُ)(٣) ، وكما يعتادُهُ الناسُ مِنْ ملاعبةٍ الحمقى ؛ بتغريرِهِمْ بأنَّ امرأةً قدْ رغبَتْ في تزويجِكَ ، فإنْ كانَ فيهِ ضررٌ يؤدي إلى إيذاءِ قلبٍ .. فهوَ حرامٌ ، وإنْ لمْ يكنْ إلا مطايبةً .. فلا يُوصفُ صاحبُها بالفسقِ ، ولكنْ ينقصُ ذلكَ مِنْ درجةِ إيمانِهِ ، قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا يستكملُ العبدُ الإيمانَ حتَّى يحبَّ لأخيهِ ما يحبُّ ہے (١) قال الحافظ العراقي: (رواه الزبير بن بكار في كتاب (( الفكاهة والمزاح))) . («إتحاف)» ( ٧/ ٥٠٠ ) . (٢) رواه أبو داوود ( ٤٩٩٨) ، والترمذي ( ١٩٩١) بنحوه . (٣) وهو ما رواه ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (ص٧٣٤)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (١٤٧/٦٢) عن عبد الله بن مصعب قال : كان مخرمة بن نوفل بن وهيب الزهري شيخاً كبيراً بالمدينة أعمى ، وكان قد بلغ مئة وخمس عشرة سنة ، فقام يوماً في المسجد يريد أن يبول ، فصاح به الناس ، فأتاه نعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد النجاري ، فتنخّى به ناحية من المسجد ثم قال : اجلس ههنا ، فأجلسه يبول وتركه ، فبال ، وصاح به الناس ، فلما فرغ .. قال : من جاء بي ويحكم في هذا الموضع ؟ قالوا له : النعيمان بن عمرو ، قال : فعل الله به وفعل ، أما إن لله علي إن ظفرت به أن أضربه بعصاي هذه ضربة تبلغ منه ما بلغت ، فمكث ما شاء الله حتى نسي ذلك مخرمة ، ثم أتاه يوماً وعثمان قائم يصلي في ناحية المسجد ، وكان عثمان إذا صلى لم يلتفت ، فقال له : هل لك في نعيمان ؟ قال : نعم ، أين هو ؟ دلني عليه ، فأتى به حتى أوقفه على عثمان ، فقال : دونك ، هذا هو ، فجمع مخرمة يديه بعصاه فضرب عثمان فشجَّه ، فقيل له : إنما ضربت أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه ... الخبر . ٤٩٩ حن عن حن مكن كتاب آفات اللسان ربع المهلكات لنفسِهِ، وحتَّى يجتنبَ الكذبَ في مزاحِهِ))(١). وأمَّا قولُهُ عليهِ الصلاةُ والسَّلامُ : ((إِنَّ الرَّجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ يضحكُ بها النَّاسَ يهوي بها في النار أبعدَ مِنَ الثُّريًّا))(٢) . . أرادَ بهِ ما فيهِ غيبةُ مسلم، أَوْ إيذاءُ قلبٍ ، دونَ محضِ المِزاحِ . سيسي ومِنَ الكذبِ الذي لا يوجبُ الفسقّ : ما جرَتْ بهِ العادةُ في المبالغةِ ؛ كقولِهِ : ( طلبتُكَ كذا وكذا مرةً )، و( قلتُ لكَ كذا مئةَ مرةٍ )؛ فإنَّهُ لا يريدُ بهِ تفهيمَ المرَّاتِ بعددِها ، بلْ تفهيمَ المبالغةِ ، فإنْ لمْ يكنْ طلبَهُ إلاَّ مرةً واحدةً .. كانَ كاذباً ، وإنْ كانَ طلبَهُ مرَّاتٍ لا يُعتادُ مثلُها في الكثرةِ .. فلا يأثمُ ، وإنْ لمْ تبلغْ مئةً ، وبينَهُما درجاتٌ يتعرَّضُ مطلقُ اللسانِ بالمبالغةِ فيها لخطرِ الكذبِ . وممَّا يُعتادُ الكذبُ فيهِ ويُتساهلُ بِهِ : أنْ يُقالَ : ( كُلِ الطعامَ ) ، فيقولَ : ( لا أشتهيهِ ) ، وذلكَ منهيٌّ عنهُ، وهوَ حرامٌ إنْ لمْ يكُنْ فيهِ غرضٌ صحيحٌ ، قالَ مجاهدٌ: قالَتْ أسماءُ بنتُ عُميسٍ: كنتُ صاحبةَ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها (١) قوله : ( لا يستكمل العبد الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ) أورده ابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (ص ٨٥٩)، وروى نحوه البخاري (١٣)، ومسلم (٤٥) عن أنس رضي الله عنه، وعند أحمد في ((المسند)) (٣٥٢/٢) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((لا يؤمن العبد الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاحة، ويترك المراء وإن كان صادقاً ». (٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٤٨)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٧١)، وعند البخاري (٦٤٧٧)، ومسلم (٢٩٨٨) من حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)). G ٥٠٠