Indexed OCR Text

Pages 441-460

ربع المهلكات
حن
كتاب آفات اللسان
ما يُخفى ويُستحيا منهُ .. فلا ينبغي أن تُذُكرَ ألفاظُهُ الصريحةُ؛ فإنَّهُ فحشٌ .
وكذلكَ يُستحسنُ في العادةِ الكنايةُ عنِ النساءِ ، فلا يُقالُ : قالَتْ زوجُكَ
كذا ، بلْ يُقالُ : قِيلَ في الحُجْرةِ ، أَوْ قِيلَ مِنْ وراءِ السترِ ، أوْ قالَتْ أمُ
الأولادِ كذا ، والتلطفُ في هذهِ الألفاظِ محمودٌ ، والتصريحُ فيها يفضي إلى
الفخْشِ .
وكذلكَ مَنْ بهِ عيوبٌ يستحيي منها ، فلا ينبغي أنْ يُعبَّرَ عنها بصريحِ
لفظِها ؛ كالبَرَصِ والقَرَع والبواسيرِ ، بلْ يُقالُ: العارضُ الذي يشكوهُ ،
وما يجري مَجراهُ ، فالتصريحُ بذلكَ داخلٌ في الفخْشِ ، وجميعُ ذلكَ مِنْ
آفاتِ اللِّسانِ .
قالَ العلاءُ بنُ هارونَ : كانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يتحقَّظُ في منطقِهِ ،
فخرجَ خُرَاجٌ في إبطِهِ ، فقلنا : نسألُهُ ماذا يقولُ ؟ فقلنا : أينَ خرِجَ ؟
فقالَ : في باطنِ اليدِ(١) .
والباعثُ على الفُحْشِ : إمَّا قصدُ الإيذاءِ ، وإمَّا الاعتيادُ الحاصلُ مِنْ
مخالطةِ الفُسَّاقِ وأهلِ الخبثِ واللؤمِ ، ومِنْ عادتِهِمُ السَّبُّ .
وقالَ أعرابيّ: يا رسولَ اللهِ؛ أوصني، فقالَ: ((عليكَ بتقوى اللهِ ،
وإنِ امرُؤٌ عَيَّرَكَ بشيءٍ يعلمُهُ فيكَ .. فلا تعيِّرْهُ بشيءٍ تعلَمُهُ فيهِ ، يكنْ وَبَالُهُ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٥٩٠).
٤٤١
ـدر

کتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
عليهِ وأجرُهُ لكَ، ولا تسبَّنَّ شيئاً))، قالَ: فما سببتُ شيئاً بعدَهُ(١).
وقالَ عياضُ بنُ حمارِ : قلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ الرجلُ مِنْ قومي يسبُّني
وهوَ دوني ، هلْ عليَّ مِنْ بأسِ أنْ أنتصرَ منهُ، فقالَ: (( المتسابَّانِ شيطانانِ
یتکاذبانِ ویتهاترانٍ )»(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( المستَّانِ ما قالا فعلى البادىءٍ منهُما حتَّى
يعتديَ المظلومُ))(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((سبابُ المؤمنِ فسُوقٌ، وقتالُهُ كَفْرٌ))(٤).
.
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ملعونٌ مَنْ سبَّ والدَيهِ)) (٥) ، وفي
روايةٍ: «مِنْ أكبرِ الكبائرِ أنْ يسبَّ الرَّجلُ والديهِ)) ، قالُوا : يا رسولَ اللهِ ؛
وكيفَ يسبُّ الرجلُ والديهِ؟ قالَ: (( يسبُّ أبا الرَّجلِ، فيسبُّ الآخرُ
أباهُ)) (٦) .
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٦٣/٥)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١١٨٢) عن
جابر بن سليم - وقيل : سليم بن جابر - رضي الله عنه .
(٢) رواه الطيالسي في ((مسنده)) (١٠٨٠)، وروى اللفظ المرفوع أحمد في ((المسند ))
(١٦٢/٤)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (٤٢٨) بنحوه .
(٣) رواه مسلم ( ٢٥٨٧)، وفيه: (( ما لم يعتدِ المظلوم)).
(٤) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم ( ٦٤).
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٢١٧/١).
(٦) رواه البخاري (٥٩٧٣)، ومسلم (٩٠)، دون قوله: (الآخر).
٤٤٢
ون

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
الآفة الثامنة: اللّحسن
إمَّا لحيوانٍ ، أَوْ لجمادٍ ، أَوْ لإنسانٍ ، وذلكَ مذمومٌ .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((المؤمنُ ليسَ بلعَانٍ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا تَلاعَنُوا بلعنةِ اللهِ ولا بغضبهِ
ولا بجهنَّمَ ))(٢) .
%
وقالَ حذيفةُ : ( ما تلاعنَ قومٌ قطُّ إلاَّ حقَّ عليهمُ القولُ)(٣) .
وقالَ عِمرانُ بنُ الحصينِ : بينما رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في
بعضِ أسفارِهِ ؛ إذا امرأةٌ مِنَ الأنصارِ على ناقةٍ لها ، فضجِرَتْ منها ،
فلعنَتْها ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((خذُوا ما عليها وأَعْرُوها، فإنَّها
ملعونةٌ))، قالَ : فكأنِّي أنظرُ إلى تلكَ الناقةِ تمشي في الناسِ لا يعرِضُ لها
أحدٌ(٤).
(١) رواه الترمذي (٢٠١٩)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٨٦) من
حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: ((لا يكون المؤمن لعاناً)).
(٢) رواه أبو داوود ( ٤٩٠٦)، والترمذي ( ١٩٧٦).
(٣) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤١٣/١٠)، وابن أبي شيبة في ((المصنف))
( ٣٨٤٩٦) .
(٤) رواه مسلم ( ٢٥٩٥) .
٤٤٣

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
وقالَ أبو الدرداءِ : ( ما لعنَ الأرضَ أحدٌ إلا قالَتْ: لعنَ اللهُ
أعصانا للهِ)(١).
وعنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالَتْ : سمعَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أبا
بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ يلعنُ بعضَ رقيقِهِ ، فالتفَتَ إليهِ فقالَ: (( يا أبا بكرٍ ؛
أَلَغَّانِينَ وصدِّيقينَ ؟! كلَّ وربِّ الكعبةِ )) مرتينٍ أوْ ثلاثاً ، فأعتقَ أبو بكرٍ يومئذٍ
بعضَ رقيقِهِ ، وجاءَ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: لا أعودُ(٢).
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إِنَّ اللَّعَّانينَ لا يكونونَ شفعاءَ
ولا شهداءَ يومَ القيامةِ)) (٣).
وقالَ أنسٌ : كانَ رجلٌ يسيرُ معَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على
بعيرٍ ، فلعنَ بعيرَهُ ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( يا عبدَ اللهِ ؛ لا تسرْ
معَنا على بعيرِ ملعونٍ))، وقالَ ذلكَ إنكاراً عليهِ(٤) .
واللَّعنُ : عبارةٌ عنِ الطَّرْدِ والإبعادِ مِنَ اللهِ تعالى ، وذلكَ غيرُ جائزٍ إلا
على مَنْ يتصفُ بصفةٍ تبعدُهُ مِنَ اللهِ عزَّ وجلّ، وهيَ الكفرُ والظلمُ ، بأنْ
يقولَ : لعنةُ اللهِ على الظالمينَ وعلى الكافرينَ .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٥٨٥).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦٩٣)، والبيهقي في (( الشعب))
( ٤٧٩١ ) .
(٣) رواه مسلم ( ٢٥٩٨) .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٣٩٠)، وأبو يعلى في (( مسنده))
( ٣٦٢٢ ) .
قة
٤٤٤
حن
٠٠من
حن.

ربع المهلكات
رومــ
كتاب آفات اللسان
وينبغي أنْ يُتَبعَ فيهِ لفظُ الشرع ؛ فإنَّ في اللعنةِ خطراً ، لأنَّهُ حكمٌ
على اللهِ عزَّ وجلَّ بأنَّهُ قدْ أبعدَ الملعونَ ، وذلكَ غيبٌ لا يطلعُ عليهِ غيرُ اللهِ
تعالى، ويطَّلعُ عليهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا أطلعَهُ اللهُ عليهِ .
والصفاتُ المقتضيةُ للَّعنِ ثلاثةٌ: الكفرُ ، والبدعةُ، والفسقُ ، وللَّعنِ
في كلِّ واحدةٍ ثلاثةُ مراتبَ :
الأولى: اللَّعنُ بالوصفِ الأعمِّ ؛ كقولِكَ: لعنةُ اللهِ على الكافرينَ
والمبتدعةِ والفسقةِ .
والثانيةُ : اللَّعنُ بأوصافٍ أخصَّ منهُ؛ كقولِكَ : لعنةُ اللهِ على اليهودِ
والنَّصارى والمجوسِ ، وعلى القدرية والخوارجِ والروافضِ ، وعلى الزناةِ
والظَّلمةِ وآكلي الرِّبا .
ماى
وكلُّ ذلكَ جائزٌ ، ولكنْ في لعنِ أصنافِ المبتدعةِ خطرٌ ؛ لأنَّ معرفةً
البدعةِ غامضٌ، فما لمْ يردْ فيهِ لفظٌ مأثورٌ(١) ، فينبغي أنْ يُمنعَ منهُ العوامُ ؛
لأنَّ ذلكَ يستدعي المعارضةَ بمثلِهِ ، ويثيرُ نزاعاً بينَ الناسِ وفساداً .
والثالثةُ: اللَّعنُ للشَّخصِ المعيَّنِ، وهذا فيهِ نظرُ (٢) ؛ كقولِكَ: زيدٌ
لعنةُ اللهُ، وهوَ كافرٌ ، أوْ فاسقٌ ، أَوْ مبتدعٌ.
(١) في (أ): (ولم يرد فيه ... )، وفي بقية النسخ: ( فيما لم يرد فيه ... )، والمثبت من
( ل) .
(٢) في ( أ) وحدها : ( خطر ) بدل ( نظر ).
ـوو
٤٤٥
حن

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
والتفصيلُ فيهِ : أنَّ كلَّ شخصٍ ثبتَتْ لعنتُهُ شرعاً فتجوزُ لعنتُهُ .
كقولِكَ : فرعونُ لعنَهُ اللهُ، وأبو جهلِ لعنَهُ اللهُ؛ لأنَّهُ قدْ ثبتَ أنَّ هؤلاءٍ
ماتوا على الكفرِ ، وعُرفَ ذلكَ شرعاً .
وأمَّا شخصٌ بعينِهِ في زمانِنا؛ كقولِكَ : زيدٌ لعنَهُ اللهُ، وهوَ يهوديٌّ
مثلاً .. فهذا فيهِ خطرٌ؛ فإنَّهُ ربَّما يسلِمُ، فيموتُ مقرَّباً عندَ اللهِ ، فكيفَ
يُحكمُ بكونِهِ ملعوناً ؟!
فإنْ قلْتَ : يُلعنُ لكونِهِ كافراً في الحالِ ، كما يُقالُ للمسلم :
( رحمَهُ اللهُ) لكونِهِ مسلماً في الحالِ ، وإنْ كانَ يُتصوَّرُ أنْ يرتدَّ .
فاعلمْ : أنَّ معنى قولنا : (رحمَهُ اللهُ)؛ أيْ : ثبَتَهُ اللهُ على الإسلام
الذي هوَ سببُ الرحمةِ ، وعلى الطاعةِ ، ولا يمكنُ أنْ يُقالَ : ثبّتَ اللهُ
الكافرَ على ما هوَ سببُ اللَّعنةِ، فإنَّ هذا سؤالُ الكفرِ ، وهوَ في نفسِهِ کفرٌ ،
بلِ الجائزُ أنْ يُقالَ: لعنَهُ اللهُ إنْ ماتَ على الكفرِ ، ولا لعنَهُ اللهُ إنْ ماتَ على
الإسلام ، وذلك غيبٌ لا يُدرَى ، والمطلَقُ مردّدٌ بينَ الجهتينِ ؛ ففيهِ خطرٌ ،
وليسَ في تركِ اللَّعنِ خطرٌ .
عن
فن جن جن عن حن حن
وإذا عرفتَ هذا في الكافرِ .. فهوَ في زيدِ الفاسقِ أوْ زيدٍ المبتدع أولى ،
فلعنُ الأعيانِ فيهِ خطرٌ ؛ لأنَّ الأحوالَ تتقلبُ على الأعيانِ إلا على رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فإنَّهُ يجوزُ أنْ يعلمَ مَنْ يموتُ على الكفرِ ، ولذلكَ
٤٤٦
آن
دن

ربع المهلكات
کتاب آفات اللسان
ـحن
ح6
عيَّنَ قوماً باللَّعنِ، فكانَ يقولُ في دعائِهِ على قريشِ: (( اللَّهمَّ ؛ عليكَ
بأبي جهلٍ بنِ هشامٍ ، وعتبةَ بنِ ربيعةً)) ، وذكرَ جماعةٌ قُتلوا على الكفرِ
بيدرٍ(١)، حتَّى إِنَّ مَنْ لمْ يَعلَمْ عاقبتَهُ كانَ يلعنُهُ، فَنُهيَ عنْ ذلكَ ؛ إذْ رُويَ
أَنَّهُ كانَ يلعنُ الذينَ قَتلوا أصحابَ بئرِ معونةَ في قنوتِهِ شهراً ، فنزلَ قولُهُ
تعالَى: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾(٢)
يعني : أنَّهِمْ ربَّما يتوبونَ ، فمِنْ أينَ تعلمُ أنَّهمْ ملعونونَ ؟!
وكذلكَ مَنْ بانَ لنا موتُهُ على الكفرِ .. جازَ لعنُهُ وجازَ ذُّهُ إنْ لمْ يَكُنْ فِيهِ
أذىّ على مسلمٍ، فإنْ كانَ .. لمْ يجزْ، كما رُوِيَ أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ سألَ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ عنْ قبرٍ مرَّ بهِ وهوَ يريدُ الطائفَ ،
فقالَ : هذا قبرُ رجلٍ كانَ عاتياً على اللهِ وعلى رسولِهِ - وهوَ سعيدُ بنُ العاصِ
- فغضبَ ابنُهُ عمرُو بنُ سعيدٍ وقالَ : يا رسولَ اللهِ ؛ هذا قبرُ رجلٍ كانَ أطعمَ
للطعامِ وأضربَ للهامِ مِنْ أبي قحافةَ ، فقالَ أبو بكرٍ : يكلِّمُني هذا
يا رسولَ اللهِ بمثلِ هذا الكلام! فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((اكففْ عنْ
أبي بكرٍ )) فانصرفَ، ثمَّ أقبلَ النبيُّ على أبي بكرٍ فقالَ: (( يا أبا بكرٍ ؛ إذا
ذكرتُمُ الكفَّارَ .. فعمِّموا؛ فإنَّكُمْ إذا خصَّصْتُمْ .. غضبَ الأبناءُ للآباءِ))،
فكفَّ الناسُ عنْ ذلكَ(٣).
حن
(١) رواه البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤) .
(٢) رواه البخاري (٤٠٧٠)، ومسلم ( ٦٧٥ ) .
(٣) رواه بنحوه هناد في ((الزهد)) (١١٦٨)، وأبو داوود في ((المراسيل)) (٥٠٢)، =
٤٤٧
دں
حن ش جن ضن )

کتاب آفات اللسان
٥٠ جو جوم
.حن
ربع المهلكات
وشربَ نُعيمانُ الخمرَ ، فخُدَّ مراتٍ في مجلسٍ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، فقالَ بعضُ الصحابةِ : لعنَهُ اللهُ؛ ما أكثرَ ما يُؤتى بهِ ! فقالَ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((لا تكنْ عوناً للشَّيطانِ على أخيكَ)) ، وفي روايةٍ :
(( لا تقُلْ هذا؛ فإنَّهُ يحبُّ اللهَ ورسولَهُ))(١) ، فنهاهُ عنْ ذلكَ، فهذا يدلُّ
على أنَّ لعنةَ فاسقٍ بعينِهِ غيرُ جائزةٍ .
وعلى الجملةِ : ففي لعنةِ الأشخاصِ خطرٌ ، فليُجتَنَبْ ، ولا خطرَ في
السكوتِ عنْ لعنةِ إبليسَ ، فضلاً عنْ غيرِهِ .
فإِنْ قيلَ : هلْ يجوزُ لعنةُ يزيدَ ؛ لأنَّهُ قاتلُ الحسينِ بنِ عليٍّ رضيَ اللهُ
عنهُما ، أو آمرٌ بهِ ؟
قلنا : هذا لمْ يثبتْ أصلاً، فلا يجوزُ أنْ يُقالَ : إنَّه قتلَهُ أوْ أمرَ بقتلِهِ
ما لمْ يثبتْ ذلكَ فضلاً عنِ اللَّعنةِ ؛ لأنَّهُ لا تجوزُ نسبةُ مسلمٍ إلى كبيرةٍ منْ غيرِ
تحقيقٍ .
٦
نعمْ، يجوزُ أنْ يُقالَ: قتلَ ابنُ مُلجمٍ عليّاً رضيَ اللهُ عنهُ ، وقتلَ
كلاهما من حديث علي بن ربيعة مرسلاً ، وفيه: (( إن سب الأموات يغضب الأحياء ،
وإذا سبيتم المشركين .. فسبوهم جميعاً )).
(١) روى البخاري (٢٣١٦) عن عقبة بن الحارث رضي الله عنه قال: ( جيء بالنعيمان أو
ابن النعيمان شارباً ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان في البيت أن يضربوا ،
قال : فكنت أنا فيمن ضربه ، فضربناه بالنعال والجريد ) .
٤٤٨
كن كم

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
أبو لؤلؤةَ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ ، فإنَّ ذلكَ ثبتَ متواتراً .
فلا يجوزُ أنْ يُرمى مسلمٌ بفسقٍ أوْ كفرٍ مِنْ غيرِ تحقيقٍ ، قَالَ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ: (( لا يرمي رجلٌ رجلاً بالكفرِ ، ولا يرميهِ بالفسقِ إلَّ ارتدَّتْ
عليهِ إنْ لمْ يكنْ صاحبُهُ كذلكَ))(١) .
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما شهدَ رجلٌ على رجلٍ بكفرٍ إلَّ باءَ بهِ
أحدُهُما ، إنْ كانَ كافراً .. فهوَ كما قالَ، وإنْ لمْ يكنْ كافراً .. فقدْ كفرَ
بتكفيرِهِ إِيَّاهُ))(٢)، وهذا معناهُ: أنْ يكفِّرَهُ وهوَ يعلمُ أنَّهُ مسلمٌ، فإنْ ظنَّ أنَّهُ
كافرٌ ببدعةٍ أوْ غيرِها .. كانَ مخطئاً لا كافراً .
وقالَ معاذٌ: قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أنهاكَ أنْ تشتمَ
مسلماً ، أوْ تعصيَ إماماً عادلاً)) (٣).
و٨
والتعرُّضُ للأمواتِ أشدُّ ، قالَ مسروقٌ : دخلتُ على عائشةَ رضيَ اللهُ
عنها ، فقالَتْ : ما فعلَ فلانٌ لعنَهُ اللهُ؟ قلتُ : تُوفيَ ، قالَتْ: رحمَهُ اللهُ،
قلتُ : وكيفَ هذا؟! قالَتْ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( لا
(١) رواه البخاري (٦٠٤٥)، ومسلم (٦١) بنحوه ، وبلفظ المصنف رواه الخرائطي في
((مساوىء الأخلاق)) ( ١٣ ).
(٢) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٨)، والديلمي في (( مسند الفردوس )"
(٦٣٣٧ ) .
(٣) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (٣٠) مفرداً، وأبو نعيم في ((الحلية))
(٢٤٠/١) ضمن حديث طويل .
٤٤٩
ـحن
حر

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
تسبُّوا الأمواتَ؛ فإنَّهُمْ قدْ أفضَوا إلى ما قدَّموا))(١).
وقال أيضاً: (( لا تسبُّوا الأمواتَ فتؤذوا الأحياءَ))(٢)
٠
0
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( أيُّها الناسُ ؛ احفظوني في أصحابي
وإخواني وأصهاري ولا تستُّوهُمْ، أيُّها الناسُ ؛ إذا ماتَ الميِّتُ .. فاذكروا
منهُ خيراً)) (٣).
فإنْ قِيلَ : فهلْ يجوزُ أنْ يُقالَ: قاتلُ الحسينِ لعنَهُ اللهُ، أوِ الآمرُ بقتلِهِ
لعنَهُ اللهُ ؟
قلنا : الصوابُ أنْ يُقالَ : قاتلُ الحسينِ إنْ ماتَ قبلَ التَّوبةِ .. لعنَهُ اللهُ ؛
لأنَّهُ يُحتملُ أنْ يموتَ بعدَ التوبةِ ، فإنَّ وحشيّاً قاتِلَ حمزةَ عمِّ رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قتلَهُ وهوَ كافرٌ ، ثمَّ تابَ عنِ الكفرِ والقتلِ جميعاً ، فلا
يجوزُ أنْ يُلعنَ ، والقتلُ كبيرةٌ ، ولا تنتهي إلى رتبةِ الكفرِ ، فإذا لمْ يُقيَّدْ
بالتوبةِ وأُطلِقَ .. كانَ فيهِ خطرٌّ ، وليسَ في السكوتِ خطرٌ ، فهوَ أولى .
بيببيب
(١) كذا رواه الخرائطى فى ((مساوىء الأخلاق)» ( ٩٣)، والمرفوع وحده دون القصة رواه
البخاري (٦٥١٦) من حديثها رضي الله عنها .
(٢) رواه الترمذي ( ١٩٨٢).
(٣) رواه الخرائطي في ((مساوىء الأخلاق)) (١٠٠)، والطبراني في (( الكبير ))
(١٠٤/٦ ) .
٤٥٠

ربع المهلكات
کتاب آفات اللسان
ـحن
ـة
وإنَّما أوردنا هذا لتهاونِ الناسِ باللَّعنةِ وإطلاقِ اللسانِ بها ، والمؤمنُ
ليسَ بلغَّانِ ، فلا ينبغي أنْ يُطلَقَ اللِّسانُ باللَّعنةِ إلا على مَنْ ماتَ على الكفرِ ،
أوْ على الأجناسِ المعروفينَ بأوصافِهِمْ دونَ الأشخاصِ المعيَّنِينَ ، فالاشتغالُ
بذكرِ اللهِ أولى ، فإنْ لمْ يَكُنْ .. ففي السكوتِ سلامةٌ .
قالَ مكيُّ بنُ إبراهيمَ : كنَّا عندَ ابنِ عونٍ ، فذكروا بلالَ بنَ أبي بردةَ ،
فجعلوا يلعنونَهُ ويقعونَ فيهِ ، وابنُ عونٍ ساكتٌ ، فقالوا : يا بنَ عونٍ ؛ إنَّما
نذكرُهُ لما ارتكبَ منكَ ، فقالَ ابنُ عونٍ : إنَّما هما كلمتانِ تخرجانِ مِنْ
صحيفتي يومَ القيامةِ، لا إلهَ إلا اللهُ، ولعنَ اللهُ فلاناً، فلأنْ يخرجَ مِنْ
صحيفتي لا إلهَ إلا اللهُ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ يخرِجَ منها لعنَ اللهُ فلاناً(١).
وقالَ رجلٌ لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أوصني، قالَ: ((أوصيكَ
ألا تكونَ لقَّاناً))(٢).
وقالَ ابنُ عمرَ : ( إنَّ أبغضَ عبادِ اللهِ إلى اللهِ كلُّ طعَّانٍ لعَّانٍ )(٣).
٠
وقالَ بعضُهمْ : ( لعنُ المؤمنِ كعدْلِ قَتِلِهِ ) ، وقالَ حمادُ بنُ زيدٍ بعدَ أنْ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٧٤٦).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٧٠/٥)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان))
( ٦٧٠ ) .
(٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٦٨٠)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان))
( ٦٧١ ) .
٤٥١
ثن كن زن شي كن جن جن

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
روى هذا الحديثَ: ( لوْ قلتُ: إنَّهُ مرفوعٌ .. لمْ أبالِ)(١).
وعنْ أبي قتادةَ قالَ : ( كانَ يُقالُ: مَنْ لعنَ مؤمناً .. فهوَ مثلُ أنْ
يقتلَهُ )(٢) .
٥
ے
وقدْ نُقُلَ ذلكَ حديثاً مرفوعاً إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(٣).
ويقربُ مِنَ اللَّعنِ الدعاءُ على الإنسانِ بالشرِّ ، حتَّى الدعاءُ على الظالمِ ؛
كقولِ الإنسانِ : (لا صحَحَ اللهُ جسمَهُ، ولا سلَّمَهُ اللهُ) ، وما يجري
مجراهُ ، فكلُّ ذلكَ مذمومٌ .
وفي الخبرِ : ((إنَّ المظلومَ ليدعو على الظالمِ حتَّى يكافئَّهُ، ثُمَّ يبقى
للظَّالِمِ عندَهُ فضلةٌ يومَ القيامةِ))(٤) .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٦٧٢ ).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦٧٣ ).
(٣) وهو ما رواه البخاري (٦٠٤٧)، ومسلم ( ١١٠) من حديث ثابت بن الضحاك
مرفوعاً: (( ولعن المؤمن كقتله )).
(٤) ومعناه فيما رواه الترمذي (٣٥٥٢) عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: ((من دعا على
مَن ظلمه فقد انتصر)).
ـحن
٤٥٢
حن عن
حت.
ـحر

ربع المهلكات
کتاب آفات اللسان
الآفة التاسعة: الغناء والشّعر
وقدْ ذكرنا في كتابِ السَّماع ما يحرُمُ مِنَ الغِناءِ وما يحلُّ ، فلا نُعيدُهُ .
وأمَّا الشِّعرُ : فكلامٌ حسنُهُ حسنٌ، وقبيحُهُ قبيحٌ(١)، إِلَّ أنَّ التجرُّدَ لهُ
مذمومٌ .
قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لأَنْ يمتلىءَ جوفُ أحدِكُمْ قيحاً
حتَّى يَرِيَهُ خيرٌ لهُ مِنْ أنْ يمتلىءَ شعراً)) (٢).
وعنْ مسروقٍ أنَّهُ سُئلَ عنْ بيتٍ مِنَ الشِّعرِ، فكرهَهُ ، فقيلَ لهُ في ذلكَ ،
فقالَ : أنا أكرَهُ أنْ يُوجدَ في صحيفتي شعرٌ(٣) .
وسُئلَ بعضُهمْ عنْ شيءٍ مِنَ الشعرِ ، فقالَ : اجعلْ مكانَ هذا ذكراً ؛ فإنَّ
ذكرَ اللهِ خيرٌ مِنَ الشِّعرِ (٤).
(١) وقد روى البخاري في ((الأدب المفرد)) ( ٨٦٥) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله
عنهما مرفوعاً: ((الشعر بمنزلة الكلام ، حسنه كحسن الكلام ، وقبيحه كقبيح
الكلام )) .
(٢) رواه البخاري (٦١٥٥)، ومسلم (٢٢٥٧)، ويريه : هو من الوَزْي ، وهو داء يفسد
الجوف ؛ أي : يأكل جوفه ويفسده .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٦٣٦).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٦٣٧)، والمسؤول هو طلحة بن
مصرف .
٤٥٣
حن - كن جن
كن حن حن حن

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
وعلى الجملةِ : فإنشادُ الشعرِ ونظمُهُ ليسَ بحرامٍ إذا لمْ يكنْ فيهِ كلامٌ
يكرَهُ(١)، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ مِنَ الشِّعرِ لحكمةً))(٢).
نعمْ ، مقصودُ الشِّعرِ : المدحُ، والذَّمُ ، والتَّشبيبُ، وقد يدخلُهُ
الكذبُ، وقدْ أمرَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حسَّانَ بنَ ثابتِ الأنصاريَّ
بهجاءِ الكفارِ(٣).
والتوسُّعُ في المدح وإنْ كان كذباً فإنَّهُ لا يلتحقُ في التحريمِ بالكذبِ ؛
كقولِ الشَّاعرِ(٤):
[من الطويل]
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيْرُ رُوحِهِ لَجَادَ بِهِا فَلْيَتَّقِ اللهَ سائِلُهْ
فإنَّ هذا عبارةٌ عن الوصفِ بنهايةِ السَّخاءِ ، فإنْ لمْ يَكُنْ صاحبُهُ سخيّاً ..
(١) فقد روى الترمذي (٢٨٥٠) عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : ( جالست النبي
صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة مرة ، فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء
من أمر الجاهلية وهو ساكت ، فربما تبسم معهم ) .
(٢) رواه البخاري ( ٦١٤٥ ).
(٣) رواه البخاري (٣٢١٣)، ومسلم (٢٤٨٦)، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم :
((اهْجُهُمْ - أو هاجمهم - وجبريل معك)) .
عن حن حن
(٤) البيت متنازع في نسبته، وهو في («الزهرة)) (١٣٤/٢) لزياد الأعجم ، والبيت في
((ديوانه)) (ص١١١)، و((الأغاني)) (١٤/ ٥٠٩٤) لعبد الله بن الزبير الأسدي ،
والبيت في ((ديوانه)) (ص١٢٢)، و((التحف والأنواء)) (ص١٧٢ ) لدعبل
الخزاعي ، والبيت في (( ديوانه)) ( ص٤٥٧)، و(( خاص الخاص)) (ص٩٦) لأبي
تمام، والبيت في « ديوانه)) (٢٩/٣)، و((وفيات الأعيان)) لزينب بنت الطثرية ،
وانظر (« ديوان زهير)) (ص١١٣) في الهامش ينسب له، و((شعر بكر بن النطاح))
(ص٣٤) .
٤٥٤

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
كانَ كاذباً ، وإنْ كانَ سخيّاً .. فالمبالغةُ مِنْ صنعةِ الشعرِ، ولا يُقصَدُ منهُ أنْ
تُعتقدَ صورتُهُ ، وقدْ أُنشدَتْ أشعارٌ بينَ يدي رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ، لوْ تُبُّعَتْ .. لوُجدَ فيها مثلُ ذلكَ، ولمْ يمنعْ منهُ(١) .
قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
يخصِفُ نعلَهُ، وكنتُ جالسةً أغزِلُ، قالَتْ : فنظرتُ إلى رسولِ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فجعلَ جبينُهُ يعرَقُ، وجعلَ عَرَقُهُ يتولَّدُ نوراً ،
قالَتْ : فبُهثُّ ، فنظرَ إليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: (( ما لَكِ
بُهتِّ ؟)) فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ؛ نظرتُ إليكَ، فجعلَ جبينُكَ يعرَقُ ،
وجعلَ عرقُكَ يتولَّدُ نوراً ، فلوْ رآكَ أبو كبيرٍ الهذليُّ .. لعلمَ أنَّكَ أحقُّ
بشعرِهِ ، قالَ: (( وما يقولُ يا عائشةُ أبو كبيرِ الهذليُّ؟ )) قلتُ: يقولُ هذينٍ
البيتينِ (٢) :
[من الكامل]
عيد صر
وَفَسادٍ مُرْضِعَةٍ وَدَاءٍ مُغْيِلٍ
وَمُبَرَأْ مِنْ كلِّ غُبَّرِ حَيْضَةٍ
بَرَقَتْ كَبَرْقِ اٌلْعَارِضِ الْمُتَهَلَّل(٣)
وَإِذا نَظَرْتَ إِلَىْ أَسِرَّةِ وَجْهِهِ
(١) فمن ذلك إنشاد كعب بن زهير بين يديه قصيدته اللامية وفيها من التشبيب والمبالغات
ما لا يخفى، ولم ينكر عليه ذلك. ((إتحاف)) ( ٤٩٤/٧).
(٢) ديوان الهذليين (٩٣/٢) .
(٣) الغُبَّر: البقية، والمُغْيِل: هو من الغيل ؛ اسم للبن الذي ترضعه المرأة وهي حامل ،
فهو ينفي عنه أن تكون أمه قد حملته آخر الحيض أو وهي ترضع ، ولم ترضعه وهي
حامل ، والعارض : السحاب ، والمتهلل : المترقرق .
ق:
٤٥٥
حص ص حن حن حنون

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
قالَتْ : فوضعَ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما كانَ في يدِهِ وقامَ إليَّ ،
فقبَّلَ ما بينَ عينيَّ وقالَ: ((جزاكِ اللهُ يا عائشةُ خيراً، ما سُرِرْتٍ منَّي
کسُروري منكِ)»(١) .
ولمَّا قسَّمَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ الغنائمَ يومَ حُنينٍ .. أمرَ للعباسِ بنِ
مرداسٍ بأربع قلائصَ، فاندفعَ يشكو في شعرٍ لَّهُ، وفي آخرِهِ(٢): [من المتقارب]
وَمَا كَانَ بَدْرٌ وَلاَ حابِسٌ يَسُودانِ مِرْداسَ في الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ أَمْرِىءٍ مِنْهُما وَمَنْ تَضَعِ أَلْيَوْمَ لا يُرْفَعِ
فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((اقطعُوا عنِّي لسانَهُ))، فذهبَ بهِ أبو بكرٍ
الصديقُ رضيَ اللهُ عنهُ حتَّى اختارَ مئةٌ مِنَ الإبلِ ، ثمَّ رجعَ وهوَ مِنْ أرضى
الناس، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أتقولُ فيَّ الشعرَ؟))،
فجعلَ يعتذرُ إليهِ ويقولُ : بأبي أنتَ وأمي ؛ إنِّي لأجدُ للشعرِ دبيباً على
لساني مثلَ دبيبِ النملِ ، ثمَّ يقرُصُني كما يقرُصُ النملُ ، فلا أجدُ بدّاً مِنْ
قولِ الشعرِ، فتبسَّمَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقالَ: ((لا تدعُ العربُ الشِّعرَ حتَّى
تدعَ الإبلُ الحنينَ))(٣).
ـة.
(١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٤٥/٢)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٤٢٢/٧)،
وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) ( ٣٠٧/٣) .
(٢) ديوانه ( ص ١١٢ ).
(٣) رواه مسلم (١٠٦٠)، وانظر ((الإتحاف)) (٤٩٥/٧).
G
٤٥٦
حـ

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
الآفة العاشرة: المزاح
وأصلُهُ مذمومٌ منهيٌّ عنهُ ، إلا قدراً يسيراً يُستثنى منهُ، قالَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا تمارِ أخاكَ ولا تمازِحْهُ))(١).
فإنْ قلتَ : المماراةُ فيها إيذاءٌ؛ لأنَّ فيها تكذيباً للأخ والصديقِ ، أَوْ
تجهيلاً لهُ، أمَّا المِزاحُ .. فمطايبةٌ، وفيهِ انبساطٌ وطيبةُ قلبٍ ، فلِمَ يُنهى
عنهُ ؟
فاعلمْ : أنَّ المنهيَّ عنهُ الإفراطُ فيهِ ، أوِ المداومةُ عليهِ .
أمَّا المداومةُ .. فلأنَّهُ اشتغالٌ باللعبِ والهزلِ ، واللعبُ مباحٌ ، ولكنَّ
المواظبةَ عليهِ مذمومةٌ .
وأمَّا الإفراطُ فيهِ .. فإنَّهُ يورثُ كثرةَ الضحكِ ، وكثرةُ الضحكِ تميتُ
القلبَ(٢)، وتورثُ الضغينةَ في بعضِ الأحوالِ، وتسقطُ المهابةَ والوقارَ ،
(١) رواه الترمذي (١٩٩٥) .
(٢) إذ روى الترمذي (٢٣٠٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (( من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهنَّ أو يعلِّم من يعمل
بهنَّ؟)) فقال أبو هريرة: فقلت: أنا يا رسول الله، فأخذ بيدي فعدَّ خمساً وقال :
«اتق المحارم تكن أعبد الناس ، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس ،
وأحسن إلى جارك تكن مؤمناً، وأحبّ للناس ما تحبُّ لنفسك تكن مسلماً ، ولا تكثر =
٥
ت:
٤٥٧
حن جن

کتاب آفات اللسان
ئن
ربع المهلكات
فما يخلو عنْ هذهِ الأمورِ .. فلا يذمُّ ، كما رُوِيَ عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: ((إنِّي لأمزحُ، ولا أقولُ إلَّ حقاً))(١)، إلاَّ أنَّ مثلَهُ يقدرُ
على أن يمزحَ ولا يقولَ إلا حقّاً ، وأمَّا غيرُهُ إذا فُتْحَ بابُ المِزاح .. كانَ
غرضُهُ أنْ يضحكَ الناسَ كيفما كانَ، وقدْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : ((إنَّ الرَّجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ يُضحِكُ بها جلساءَهُ يهوي بها في النارِ
أبعدَ منَ الثُّريًّا))(٢).
40 % % %
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: (مَنْ كَثُرَ ضحكُهُ .. قلَّتْ هيبتُهُ، ومَنْ
مَزَحَ .. استُخِفَّ بهِ، ومَنْ أكثرَ مِنْ شيءٍ .. عُرِفَ بهِ، ومَنْ كَثُرَ كلامُهُ ..
كَثُرَ سَقَطُهُ، ومَنْ كَثُرَ سَقَطُهُ .. قلَّ حياؤُهُ، ومَنْ قلَّ حياؤُهُ .. قلَّ ورعُهُ،
ومَنْ قَلَّ ورَعُهُ .. ماتَ قلبُهُ)(٣).
ولأنَّ الضحكَ يدلُّ على الغفلةِ عنِ الآخرةِ ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((لوْ تعلمونَ ما أعلمُ .. لضحكْتُمْ قليلاً، ولبكيتُمْ كثيراً » (٤).
=
الضحك ؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب)).
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٤٠٠)، ورواه الترمذي
(١٩٩٠)، وأحمد في ((المسند)) (٣٤٠/٢) بنحوه.
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٤٨)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)»
(٧١)، وعند البخاري (٦٤٧٧)، ومسلم (٢٩٨٨) من حديث أبي هريرة مرفوعاً :
((إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)).
(٣) رواه الطبراني في ((الأوسط)) (٢٢٨٠).
(٤) رواه البخاري (١٠٤٤)، ومسلم ( ٩٠١ ).
٤٥٨
ن
جن حن دن

ربع المهلكات
جومي
كتاب آفات اللسان
وقالَ رجلٌ لأخيهِ : يا أخي ؛ هلْ أتاكَ أنَّكَ واردٌ النارَ ؟ قالَ : نعمْ ،
قالَ : فهلْ أتاكَ أنَّكَ خارجٌ منها ؟ قالَ : لا ، قالَ : ففيمَ الضحكُ ؟! قيلَ :
فما رُئِيَ ضاحكاً حتَّى ماتَ(١) .
وقالَ يوسفُ بنُ أسباطِ : ( أقامَ الحسنُ ثلاثينَ سنةً لمْ يضحكْ )(٢).
وقيلَ : أقامَ عطاءُ السَّلِيميُّ لمْ يضحكْ أربعينَ سنةً(٣) .
ونظرَ وهيبُ بنُ الوردِ إلى قومٍ يضحكونَ في عيدِ فطرٍ ، فقالَ : إنْ كانَ
هؤلاءِ قَدْ غُفرَ لهمْ .. فما هذا فعلَ الشاكرينَ ، وإنْ كانَ لمْ يُغفرْ لهمْ .. فما
هذا فعلَ الخائفينَ(٤) .
وكانَ عبدُ اللهِ بنُ أبي يعلى يقولُ: ( أتضحكُ ولعلَّ أكفانَكَ قدْ خرجَتْ
مِنْ عندِ القصَّارِ ؟! )(٥) .
وقالَ ابنُ عباس : ( مَنْ أذنبَ ذنباً وهوَ يضحكُ .. دخلَ النارَ وهوَ
يبكي )(٦) .
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٣١١).
(٢) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٨/ ٢٤٠).
(٣) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (٢٢١/٦).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الشكر)) ( ص١٥) .
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((قصر الأمل)) (٨٥)، والدينوري في ((المجالسة وجواهر
العلم)) (ص ٩٥)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٤٦/٦)، كلهم عن عبد الله بن ثعلبة
الحنفي ، واتفقت النسخ على ما أثبت .
(٦) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (٩٦/٤) من حديثه مرفوعاً .
٤٥٩
حن
مكن ..
حن .حن
ـهـ

كتاب آفات اللسان
نيه.
ربع المهلكات
وقالَ محمدُ بنُ واسع : إذا رأيتَ في الجنةِ رجلاً يبكي .. ألسْتَ تعجبُ
مِنْ بكائِهِ ؟ قيلَ : بلى ، قالَ : فالذي يضحكُ في الدنيا ولا يدري إلى ماذا
يصيرُ هوَ أعجبُ منهُ(١) .
فهذهِ آفةُ الضحكِ ، والمذمومُ منهُ : أنْ يستغرقَ ضحكاً ، والمحمودُ
منهُ : التبسُّمُ الذي ينكشفُ فيه السِّنُ، ولا يُسمَعُ لهُ صوتٌ، وكذلكَ كانَ
ضحكُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (٢) .
وقالَ القاسمُ مولى معاويةَ: أقبلَ أعرابيّ إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
على قَلُّوصٍ لهُ صعبٍ ، فسلَّمَ ، فجعلَ كلَّما دنا إلى النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ ليسأَلَهُ .. يفرُ بهِ، فجعلَ أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
يضحكونَ منهُ، ففعلَ ذلكَ ثلاثَ مراتٍ، ثم وَقَصَهُ فقتلَهُ، فقيلَ :
يا رسولَ اللهِ؛ إنَّ الأعرابيَّ قدْ صرعَهُ قلوصُهُ، فهلكَ، فقالَ: (( نعمْ،
وأفواهُكُمْ ملأىُ مِنْ دِمِهِ » (٣) .
وأمَّا أداءُ المِزاحِ إلى سُقوطِ الوقارِ .. فقدْ قالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ: ( مَنْ
مَزَحَ .. استُخفَّ بهِ )(٤) .
Ci
(١) كذا حكاه عن محمد بن واسع ابن الجوزي في ((المدهش)) (٣٥٦/١).
(٢) روى ذلك البخاري (٤٨٢٩)، ومسلم ( ١٦/٨٩٩) .
(٣) قال الحافظ العراقي: (رواه ابن المبارك في ((الزهد والرقائق)) وهو مرسل ) .
(«إتحاف)) ( ٤٩٨/٧ ) .
(٤) هو جزء من خبر رواه الطبراني في ((الأوسط)) ( ٢٢٨٠).
حن جن جن حن كن حن حن حن
فة
٤٦٠
كن تر
دن
حى
ں
ـ