Indexed OCR Text

Pages 401-420

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
وقالَ الحسنُ : كانوا يتكلمونَ عندَ معاويةَ رضيَ اللهُ عنهُ والأحنفُ بنُ
قيسٍ ساكتٌ ، فقالوا : ما لكَ لا تتكلمُ يا أبا بحرٍ ؟! قالَ : أخشى اللهَ إنْ
كذبْتُ ، وأخشاكُمْ إنْ صدقْتُ(١).
وقالَ أبو بكرٍ بنُ عياشٍ : ( اجتمعَ أربعةُ ملوكٍ ؛ ملكُ الهندِ ، وملكُ
الصينِ ، وكسرى ، وقيصرُ ، فقالَ أحدُهم : أنا أندمُ على ما قلتُ ولا أندمُ
على ما لمْ أقلْ، وقالَ الآخرُ : إِنِّي إذا تكلمتُ بكلمةٍ .. ملكَتْني ولمْ
أملكْها ، وإذا لمْ أتكلمْ بها .. ملكْتُها ولم تملكْني ، وقالَ الثالثُ : عجبتُ
للمتكلمٍ ! إن رجعَتْ عليهِ كلمتُهُ .. ضرَّتْهُ، وإنْ لمْ ترجِعْ .. لمْ تنفعْهُ،
وقالَ الرابعُ: أنا على ردِّ ما لمْ أقلْ أقدَرُ مِنِّي على ردِّ ما قلتُ)(٢).
حج جي جن ح جرة
وقيلَ : إنَّ المنصورَ بنَ المعتمرِ لمْ يتكلّمْ بكلمةٍ بعدَ عشاءِ الآخرةِ أربعينَ
سنةٌ(٣) .
وقيلَ : ما تكلمَ الربيعُ بنُ خُثيمٍ بكلام الدُّنيا عشرينَ سنةً ، وكانَ إذا
أصبحَ .. وضعَ دواةً وقرطاساً نقياً وقلماً، فكلُّ ما تكلَّمَ بهِ كتبَهُ، ثمَّ
يحاسبُ نفسَهُ عندَ المساءِ .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٦٢).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦٥).
(٣) رواه الجرجاني في ((تاريخ جرجان)) (ص ٥٠١) وفيه: ( ثلاثين ) بدل ( أربعين ).
٤٠١
حن

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
فإنْ قلتَ : فهذا الفضلُ الكبيرُ للصمتِ ما سببُهُ ؟
5,0
فاعلمْ: أَنَّ سببَهُ كثرةُ آفاتِ اللسانِ؛ مِنَ الخطأِ ، والكذبِ ،
والنميمةِ ، والغيبةِ ، والرياءِ ، والنفاقِ، والفُحْشِ ، والمِراءِ ، وتزكيةٍ
النفسِ ، والخصومةِ ، والفضولِ ، والخوضِ في الباطلِ ، والتحريفِ ،
والزيادةِ والنقصانِ ، وإيذاءِ الخلقِ ، وهتْكِ العوراتِ .
فهذهِ آفاتٌ كثيرةٌ ، وهيَ سبَّاقةٌ إلى اللسانِ ، لا تثقلُ عليهِ ، ولها حلاوةٌ
في القلبِ ، وعليها بواعثُ مِنَ الطبع ومِنَ الشيطانِ ، فالخائضُ فيها قلَّما
يقدِرُ على أنْ يزمَّ لسانَهُ، فيطلقُهُ بما يحبُّ ، ويمسكُهُ ويكفُّهُ عمّا لا يحبُّ ،
فإنَّ ذلكَ مِنْ غوامضِ العلمِ كما سيأتي تفصيلُهُ ، ففي الخوضِ خطرٌ ، وفي
الصمتِ سلامةٌ ، فلذلكَ عظُمَ فضلُهُ .
هذا معَ ما فيهِ مِنْ جمعِ الهمِّ ، ودوامِ الوقارِ ، والفراغ للفكرِ والعبادةِ
والذكرِ ، والسلامةِ مِنْ تَبَعاتِ القولِ في الدنيا ومِنْ حسابِهِ في الآخرةِ ؛ فقدْ
قالَ اللهُ تعالى: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ﴾.
كن
ويدلُّكَ على فضلٍ لزوم الصَّمتِ أمرٌ ؛ وهوَ أنَّ الكلامَ أربعةُ أقسام : قسمٌ
هوَ ضررٌ محضٌ ، وقسمٌ هوَ نفعٌ محضٌ ، وقسمٌ فيهِ ضررٌ ومنفعةٌ ، وقسمٌ
ليسَ فيهِ ضررٌ ولا منفعةٌ .
٢٠
أمَّا الذي هوَ ضررٌ محضٌ : فلا بدَّ مِنَ السكوتِ عنهُ ، وكذلكَ ما فيهِ
٤٠٢
جن ثن
حن حن

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
ضررٌ ومنفعةٌ لا تفي بالضررِ ، وأمَّا ما لا منفعةَ فيهِ ولا ضررَ .. فهوَ فضولٌ،
والاشتغالُ بهِ تضييعُ زمانٍ ، وهوَ عينُ الخسرانِ .
دن
فلا يبقى إلا القسمُ الرابعُ ، فقدْ سقطَ ثلاثةُ أرباع الكلام ، وبقيَ الربعُ ،
وهذا الربعُ فيهِ خطرٌ؛ إذْ يمتزجُ بهِ ما فيهِ إثمٌّ مِنْ دقائقِ الرياءِ والتصنُّعِ
والغيبةِ وتزكية النفسِ ، وفضولِ الكلام امتزاجاً يخفى مدركُهُ ، فيكونُ
الإنسانُ بهِ مخاطراً .
ومَنْ عرفَ دقائقَ آفاتِ اللسانِ على ما سنذكرُهُ .. علمَ قطعاً أنَّ ما ذكرَهُ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ هوَ فصلُ الخطابِ؛ حيثُ قالَ: ((مَنْ
صمتَ .. نجا))(١)، فلقدْ أُوتِيَ ـ واللهِ - جواهرَ الحِكَمِ قطعاً وجوامعَ
الكَلِم (٢) ، ولا يعرفُ ما تحتَ آحادِ كلماتِهِ مِنْ بحارِ المعاني إلا خواصُّ
العلماءِ ، وفيما سنذكرُهُ مِنَ الآفاتِ وعسْرِ الاحترازِ عنها ما يعرِّفُكَ حقيقةً
ذلكَ إنْ شاءَ اللهُ تعالى .
ثن
۔۔
ونحنُ الآنَ نعدُ آفاتِ اللسانِ، ونبتدىءُ بأخفُّها، ونترقَّى إلى الأغلظِ
قليلاً قليلاً، ونؤخِّرُ الكلامَ في الغيبةِ والنميمةِ والكَذِبِ ؛ فإنَّ النظرَ فيها
أطولُ ، وهيَ عشرونَ آفةً :
(١) رواه الترمذي (٢٥٠١) .
(٢) روى البخاري (٧٠١٣)، ومسلم ( ٦/٥٢٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( بعثت بجوامع الكلم ، ونصرت
بالرعب ، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي » .
٤٠٣
حس ون

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
الآفة الأولى: الكلام فيما لا يعنيك
اعلمْ : أنَّ أحسنَ أحوالِكَ أنْ تحفظَ ألفاظَكَ عَنْ جميع الآفاتِ التي
ذكرْناها ؛ مِنَ الغيبةِ ، والنميمةِ ، والكذبِ ، والمراءِ ، والنفاقِ وغيرهِ ،
وتتكلمَ بما هوَ مباحٌ لا ضررَ عليكَ فيه ولا على مسلمٍ أصلاً ، إلا أنَّكَ تتكلمُ
بما أنتَ مستغنِ عنهُ ، ولا حاجةَ بكَ إليهِ ، فإنَّك مضيِّعٌ بهِ زمانَكَ ،
ومحاسَبٌ على عملِ لسانِكَ ، ومستبدِلُ الذي هوَ أدنى بالذي هوَ خيرٌ ؛
لأَنَّكَ لوْ صرفتَ زمانَ الكلام إلى الفكرِ .. ربما كانَ ينفتحُ لكَ منْ نفحاتِ
رحمةِ اللهِ عزَّ وجلَّ عندَ الفكرِ ما يعظمُ جدواهُ ، ولوْ هللتَ اللهَ سبحانَهُ
وتعالى وسبحتَهُ وذكرتَهُ .. لكانَ خيراً لكَ .
فكمْ مِنْ كلمةٍ يُبنى بها قصرٌ في الجنةِ ، ومَنْ قَدَرَ على أنْ يأخذَ كنزاً مِنَ
الكنوزِ فأخذَ بدلَهُ مَذَرَةً لا ينتفعُ بها .. كانَ خاسراً خسراناً مبيناً .
ب؟
حن
وهذا مثالُ مَنْ تركَ ذكرَ اللهِ تعالى واشتغلَ بمباحٍ لا يعنيهِ ؛ فإنَّهُ وإنْ لمْ
يأثمْ فقدْ خسِرَ حيثُ فاتَهُ الرِّبحُ العظيمُ بذكرِ اللهِ تعالى ، فإنَّ المؤمنَ لا يكونُ
صمتُهُ إلا فكراً، ونظرُهُ إلا عِبرةً، ونطقُهُ إلا ذِكراً ، هكذا قالَ النبيُّ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) .
(١) إذ روى القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١١٥٩) عن ابن عائشة، عن أبيه قال: خطب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته : (( إن ربي أمرني أن يكون نطقي ذكراً ،
وصمتي فكراً ، ونظري عبرة )).
حن
٤٠٤
حن
مان
ـحن

ربع المهلكات
٠٢
كتاب آفات اللسان
بلْ رأسُ مالِ العبدِ أوقاتُهُ ، ومهما صرفَها إلى ما لا يعنيهِ ولمْ يدخرْ بها
ثواباً في الآخرةِ .. فقدْ ضِيَّعَ رأسَ مالِهِ، ولهذا قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ: ((مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يعنيهِ))(١).
بلْ وردَ ما هوَ أشدُّ مِنْ هذا ، قالَ أنسٌ : استُشهدَ غلامٌ منَّا يومَ أحدٍ ،
فوُجِدَ على بطنِهِ صخرةٌ مربوطةٌ مِنَ الجوع، فمسحَتْ أمُّهُ الترابَ عنْ وجهِهِ
وقالَتْ : هنيئاً لكَ الجنةُ يا بنيَّ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( وما
يدريكِ ؟ لعلَّهُ كانَ يتكلَّمُ فيما لا يعنيهِ ، ويمنعُ ما لا يضرُّهُ))(٢).
3.
--
وفي حديثٍ آخرَ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقدَ كعباً ، فسألَ عنهُ ،
فقالوا : مريضٌ، فخرجَ يمشي حتَّى أَتَاهُ، فلمَّا دخلَ عليهِ .. قالَ: ((أبشرْ
يا كعبُ ))، فقالَتْ أمُّهُ: هنيئاً لكَ الجنةُ يا كعبُ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ : (( مَنْ هذهِ المتَألِّيّةُ على اللهِ؟))، قالَ: هيَ أمِّي يا رسولَ اللهِ ،
فقالَ: (( وما يدريكِ يا أمَّ كعبٍ ؟ لعلَّ كعباً قالَ ما لا يعنيهِ ، أَوْ منعَ ما لا
يغنيهِ)) (٣)، ومعناهُ: أنَّهُ إنَّما تتهيَّأُ الجنةُ لمَنْ لا يُحاسَبُ، ومَنْ تكلَّمَ فيما
(١) رواه الترمذي (٢٣١٧)، وابن ماجه (٣٩٧٦)، وهو عند مالك في ((الموطأ))
(٩٠٣/٢) مرسلاً عن زين العابدين علي بن حسين بن علي بن أبي طالب رضي الله
عنهم أجمعين .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٠٩)، وأبو يعلى في ((مسنده))
(٤٠١٧)، وهو عند الترمذي (٢٣١٦) مختصراً .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١١٠ ).
٤٠٥
حن حن
ن
ــدان

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
لا يعنيهِ ، حُوسبَ عليهِ وإنْ كانَ كلامُهُ مباحاً ، فلا تتهيَّأُ الجنةُ لهُ معَ المناقشةِ
في الحسابِ ؛ فإنَّهُ نوعٌ مِنَ العذابِ .
وعنْ محمدِ بنِ كعبٍ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ
أوَّلَ مَنْ يدخلُ مِنْ هذا البابِ رجلٌ مِنْ أهلِ الجنَّةِ )) ، فدخلَ عبدُ اللهِ بنُ
سلامٍ ، فقامَ إليهِ ناسٌ مِنْ أصحابِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فأخبرُوهُ
بذلكَ ، وقالُوا : أخبرْنا بأوثقِ عملِكَ في نفسِكَ ترجو بهِ ، فقالَ : إنِّي
لضعيفٌ، وإنَّ أوثقَ ما أرجو بهِ اللهَ سلامةُ الصدرِ، وتركُ ما لا يعنيني(١).
وقالَ أبو ذرٍّ: قال لي رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((ألا أعلِّمُكَ
بعملٍ خفيفٍ على البدنِ ، ثقيلٍ في الميزانِ ؟ )) قلتُ: بلى يا رسولَ اللهِ ،
قالَ: ((هوَ الصَّمتُ، وحسنُ الخُلُقِ، وتركُ ما لا يعنيكَ))(٢).
وقالَ مجاهدٌ : سمعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ: ( خمسٌ لهنَّ أحسنُ مِنَ الدُّهْمِ
الموقَفَةِ : لا تتكلمْ فيما لا يعنيكَ ؛ فإنَّهُ فضْلٌ، ولا آمنُ عليكَ الوزْرَ ،
ولا تتكلمْ فيما يعنيكَ حتَّى تجدَ لهُ موضعاً ؛ فإنَّهُ ربَّ متكلم في أمرٍ يعنيهِ قدْ
وضعَهُ في غيرِ موضعِهِ فعَنْتَ ، ولا تمارِ حليماً ولا سفيهاً ؛ فإنَّ الحليمَ
يقليكَ، وإنَّ السفيهَ يؤذيكَ، واذكرْ أخاكَ إذا تغيَّبَ عنكَ بما تحبُّ أنْ
حن
حن
٩
(١) كذا رواه مرسلاً ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)» ( ١١١).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وأداب اللسان)) (١١٢) عن وهيب بن الورد بلاغاً،
وتقدم نحوه قريباً عن صفوان بن سليم .
٤٠
٤٠٦
حن ون
حة

ربع المهلكات
کتاب آفات اللسان
حان
يذكرَكَ بهِ ، وأعفِهِ ممَّا تحبُّ أنْ يعفيَكَ منهُ ، وعاملْ أخاكَ بما تحتُّ أنْ يعاملَكَ
بهِ ، واعملْ عملَ رجلٍ يرى أنَّهُ مجازىّ بالإحسانِ مأخوذٌ بالاحترام )(١) .
وقيلَ للقمانَ الحكيم : ما حكمتُكَ ؟ قالَ : لا أسأَلُ عمَّا كُفيتُ ،
ولا أتكلَّفُ ما لا يعنيني(٢) .
وقالَ مُورِّقُ العجليُّ : أمرٌ أنا في طلبهِ منذُ عشرينَ سنةً لم أقدرْ عليهِ ،
ولستُ بتاركٍ طلبَهُ، قالوا : وما هوَ؟ قالَ : الصمتُ عمَّا لا يعنيني(٣).
وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ : ( لا تتعرَّضْ لما لا يعنيكَ، واعتزلْ عدوَّكَ ،
واحذرْ صديقَكَ مِنَ القوم إلا الأمينَ ، ولا أمينَ إلا مَنْ خشيَّ اللهَ تعالى ،
ولا تصحبِ الفاجرَ فتتعلَّمَ مِنْ فجورِهِ ، ولا تطلعْهُ على سرِّكَ ، واستشرْ في
أمرِكَ الذينَ يخشونَ اللهَ تعالى )(٤) .
X
وحدُّ ما لا يعنيكَ(٥) : أنْ تتكلمَ بكلِّ ما لوْ سكتّ عنهُ .. لمْ تأثمْ،
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١١٤)، والدهم الموقفة : الخيل
السوداء المعدَّة للركوب .
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٤٣٦)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب
اللسان)» ( ١١٥ ) .
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٢٩٢)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب
اللسان)» ( ١١٨ ).
(٤) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٦٠٤١)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب
اللسان)) ( ١٢٠ ) .
(٥) أي : لا تتعلق به عنايتك ، ولا يكون من مقصدك ومطلوبك ؛ لأن العناية شدة الاهتمام
بالشيء، يقال : عناه يعنيه؛ إذا اهتم به وطلبه. ((إتحاف)) ( ٧/ ٤٦٢).
٤٠٧
حن
جن: خن

کتاب آفات اللسان
ےہ
ربع المهلكات
ولمْ تتضرَّرْ في حالٍ ولا مآلٍ .
مثالُهُ : أنْ تجلِسَ معَ قوم فتذكرَ لهمْ أسفارَكَ ، وما رأيتَ فيها مِنْ جبالٍ
وأنهارٍ ، وما وقعَ لكَ منَ الوقائع ، وما استحسنتَهُ مِنَ الأطعمَةِ والثيابِ ،
وما تعجبتَ منهُ مِنْ مشايخِ البلادِ ووقائعهِمْ، فهذهِ أمورٌ لوْ سكتَّ عنها ..
لمْ تأثمْ ولمْ تتضرَّرْ ، وإذا بالغتَ في الاجتهادِ حتَّى لمْ يمتزجْ بحكايتِكَ زيادةٌ
ولا نقصانٌ ، ولا تزكيةُ نفسٍ مِنْ حيثُ التفاخرُ بمشاهدةِ الأحوالِ العظيمةِ ،
ولا اغتيابٌ لشخصٍ ، ولا مذمةٌ لشيءٍ ممَّا خلقَهُ اللهُ تعالى .. فأنتَ معَ ذلكَ
كلِّهِ مضيِّعٌ زمانَكَ ، وأنَّى تسلمُ مِنَ الآفاتِ التي ذكرناها ؟!
ومِنْ جملتِهِ : أنْ تسألَ غيرَكَ عمَّا لا يعنيكَ ، فأنتَ بالسؤالِ مضيِّعٌ
وقتكَ ، وقدْ ألجأتَ صاحبَكَ أيضاً بالجوابِ إلى التضييع ، هذا إذا كانَ
الشيءُ ممَّا لا يتطرّقُ إلى السؤالِ عنهُ آفةٌ، وأكثرُ الأسئلةِ فيها آفاتٌ، فإنَّكَ
تسألُ غيرَكَ مثلاً عنْ عبادتِهِ ، فتقولُ: هلْ أنتَ صائمٌ؟ فإنْ قالَ : نعمْ ..
كانَ مُظهراً لعبادتِهِ ، فيدخُلُ عليهِ الرياءُ ، وإنْ لمْ يدخُلْ .. سقطَتْ عبادتُهُ
مِنْ ديوانِ السرِّ، وعبادةُ السرِّ تفضلُ عبادةَ الجهرِ بدرجاتٍ، وإنْ قالَ:
لا .. كانَ كاذباً، وإنْ سكتَ .. كانَ مستحقراً لكَ وتأذيتَ بهِ ، وإنِ احتالَ
المدافعةِ الجواب .. افتقرَ إلى جهدٍ وتعبٍ فيهِ ، فقدْ عَرَّضتَهُ بالسؤالِ إمَّا
للرياءِ ، أوْ للكذبِ ، أوْ للاستحقارِ ، أوْ للتعبِ في حيلةِ الدفعِ .
حن . حن
ـكن
وكذلكَ سؤالُكَ عنْ سائرِ عباداتِهِ .
٤٠٨
حن جن جن جن حن حن حن

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
وكذلكَ سؤالُكَ عنِ المعاصي ، وعنْ كلِّ ما يخفيهِ ويستحيي منهُ ،
وسؤالُكَ عمَّا تحدَّثَ بهِ غيرُكَ، فتقولُ لهَ : ماذا تقولُ؟ وفيمَ أنتمْ ؟
وكذلكَ ترى إنساناً في الطريقِ ، فتقولُ : مِنْ أينَ ؟ فربَّما يمنعُهُ مانعٌ مِنْ
ذكرِهِ، فإنْ ذكرَهُ .. تأذَّى بهِ واستحيا، وإنْ لمْ يصدُقْ .. وقعَ في الكذبِ
وكنتَ أنتَ السببَ فيهِ .
وكذلكَ تسألُ عنْ مسألةٍ لا حاجةً بكَ إليها ، والمسؤولُ ربما لا تسمحُ
نفسُهُ بأنْ يقولَ : لا أدري ، فيجيبُ عنْ غيرِ بصيرةٍ .
ولستُ أعني بالتكلُّم بما لا يعني هذهِ الأجناسَ ، فإنَّ هذا يتطرّقُ إليهِ
إثمّ أَوْ ضررٌ ، وإنمَّا مثالُ ما لا يعني : ما رُوِيَ أنَّ لقمانَ الحكيمَ دخلَ على
داوودَ عليهِ السلامُ وهوَ يسردُ الدرعَ(١)، ولمْ يكنْ رآها قبلَ ذلكَ اليومِ،
فجعلَ يتعجّبُ ممَّا يرى، فأرادَ أنْ يسألَهُ، فمنعَتْهُ حكمتُهُ، فأمسكَ نفسَهُ
ولمْ يسألُهُ ، فلمَّا فرِغَ .. قامَ داوودُ ولبسَهُ ثمَّ قالَ: نعمَ الدرْعُ للحربِ ،
فقالَ لقمانُ: الصَّمتُ حُكْمٌ وقليلٌ فاعلُهُ، أردتُ أنْ أَسأَلَكَ ، فكفيتَنِي ،
وقيلَ : إِنَّهُ كانَ يتردّدُ إليهِ سنةً وهوَ يريدُ أنْ يعلمَ ذلك ، فلمْ يسألْ حتى حصلَ
عليهِ مِنْ غيرِ سؤالٍ(٢).
فهذا وأمثالُهُ مِنَ الأسئلةِ إذا لمْ يكنْ فيهِ ضررٌ ، وهتكُ سترٍ ، وتوريطٌ في
(١) سرد الدرع : نسجه وصناعته .
(٢) رواه البيهقي في (( الشعب)) ( ٤٦٧١)، وتقدم بعضه مرفوعاً .
٤٠٩

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
رياءٍ وكذبٍ .. فهوَ ممَّا لا يعني، وتركُهُ مِنْ حُسْنِ الإسلام ، فهذا
◌ُو (١) .
حدّهُ
وأمَّا سببُهُ الباعثُ عليهِ : فالحرصُ على معرفةِ ما لا حاجةَ بهِ إليهِ ، أوِ
المباسطةُ بالكلام على سبيلِ التوذُّدِ ، أَوْ تزجيةُ الوقتِ بحكاياتِ أحوالٍ
لا فائدةَ فيها ؟
وعلاجُ ذلكَ كلَّهِ : أنْ يعلمَ أنَّ الموتَ بينَ يديهِ ، وأنَّهُ مسؤولٌ عنْ كلِّ
كلمةٍ ، وأنَّ أنفاسَهُ رأسُ مالِهِ ، وأنَّ لسانَهُ شبكةٌ يقدِرُ على أنْ يقتنصَ بها
الحورَ العينَ ، فإهمالُهُ ذلكَ وتضييعُهُ خسرانٌ مبينٌ ، هذا علاجُهُ من حيثُ
العلمُ .
وأمَّا مِنْ حيثُ العملُ .. فالعزلةُ، أوْ أنْ يضعَ حصاةً في فيهِ (٢)، وأنْ
يلِزِمَ نفسَهُ السكوتَ عَنْ بعضٍ ما يعنيهِ ليتعوَّدَ اللسانُ تركَ ما لا يعنيهِ ، وضبطٌ
اللسانِ في هذا على غير المعتزلِ شديدٌ جداً .
ـون
(١) فمَنْ عبدَ اللهَ على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، وعلى استحضار قرب الله منه
واطلاعه عليه .. فقد حسن إسلامه ، ولزمه من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في
الإسلام ، ويشتغل بما يعنيه فيه ؛ فإنه يتولد من هذين المقامين الاستحياء من الله
تعالى. ((إتحاف)) ( ٧ / ٤٦٤).
كن
(٢) وقد روى ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٤٣٨) عن أرطاة بن المنذر
قال : ( تعلم رجل الصمت أربعين سنة بحصاة يضعها في فيه ، لا ينزعها إلا عند طعام
أو شراب أو نوم ) .
٤١٠

i
ربع المهلكات
٥٠ حه روع .
كتاب آفات اللسان
الآفة الثانية: فضول الكلام
حن
وهوَ أيضاً مذمومٌ ، وهذا يتناولُ الخوضَ فيما لا يعني ، والزيادةَ فيما
يعني على قدْرِ الحاجةِ، فإنَّ مَنْ يعنيهِ أمرٌ .. يمكنُهُ أنْ يذكرَهُ بكلام
مختصرٍ، ويمكنُهُ أنْ يجنحَهُ ويكررَهُ(١) .
ومهما تأدَّى مقصودُهُ بكلمةٍ واحدةٍ فذكرَ كلمتينٍ . . فالثانيةُ فضولٌ ؛
أيْ : فضلٌ عنِ الحاجةِ، وهوَ أيضاً مذمومٌ لما سبقَ ، وإنْ لمْ يكنْ فيهِ إثمٌ
ولا ضررٌ .
قالَ عطاءُ بنُ أبي رباحٍ: ( إنَّ مَنْ كانَ قبلَكُمْ كانوا يكرهُونَ فضولَ
الكلام ، وكانوا يعُّونَ فضولَ الكلام ما عدا كتابَ اللهِ تعالى ، أوْ سنةً
رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، أوْ أمراً بمعروفٍ ، أَوْ نهياً عنْ منكرٍ ، أوْ
تنطقَ بحاجتِكَ في معيشتِكَ التي لا بدَّ لكَ منها ، أتنكرونَ أنَّ عليكمْ
حافظينَ ، كراماً كاتبينَ ، عنِ اليمينِ وعنِ الشمالِ قعيدٌ ، ما يلفظُ مِنْ قولٍ
إلا لديهِ رقيبٌ عتيدٌ؟! أما يستحي أحدُكمْ إذا نُشرَتْ صحيفتُهُ التي أملاها
صدرَ نهارِهِ كانَ أكثرُ ما فيها ليسَ مِنْ أمرٍ دينِهِ ولا دنياهُ ؟! )(٢).
وعنْ بعض الصحابةِ قالَ : ( إنَّ الرجلَ ليكلمُني بالكلام لجَوابُهُ أشهى
(١) يجنحه: يطوله فيجعل له جناحاً. ((إتحاف)) (٤٦٤/٧).
(٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦٦١٨)، وأبو نعيم في «الحلية)) (٣١٤/٣).
٤١١
ون

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
إليَّ مِنَ الماءِ الباردِ إلى الظمآنِ، فأتركُ جوابَهُ ؛ خيفةَ أنْ يكونَ فضلاً)(١).
وقالَ مُطرِّفٌ : ( ليعظمَ جلالُ اللهِ في قلوبِكمْ ؛ فلا تذكروهُ عندَ مثلٍ قولٍ
أحدِكمْ للكلبِ وللحمارِ : اللهمَّ؛ أخزِهِ ، وما أشبه ذلكَ)(٢).
واعلمْ أنَّ فضولَ الكلامِ لا ينحصرُ ، بلِ المهمُّ محصورٌ في كتابِ اللهِ
تعالىُ، قَالَ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَ خَيّرَ فِى كَثِيرٍ مِن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ
أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيِّنَ النَّاسِ﴾(٣).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( طوبى لمَنْ أمسكَ الفضلَ مِنْ لسانِهِ ،
وأنفقَ الفضلَ مِنْ مالِهِ))(٤).
فانظرْ كيفَ قلبَ الناسُ الأمرَ في ذلكَ ، فأمسكوا فضلَ المالِ ، وأطلقوا
فضلَ اللسانِ .
وعنْ مُطرِّفِ بنِ عبدِ اللهِ ، عن أبيهِ قالَ: قدمتُ على رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ في رهْطٍ مِنْ بني عامرٍ ، فقالوا : أنتَ والدُنا ، وأنتَ سيِّدُنا ،
حم
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٦٢٨) عن سعد بن مسعود عن رجل
من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢١٤)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان))
( ٦٣٤ ) .
(٣) كما روى معنى هذا عن سفيان ابنُ أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٤).
دن.
(٤) رواه ابن أبي عاصم في ((الزهد)) (١٠٨)، والطبراني في « الكبير)) (٧١/٥) من
حديث ركب المصري وهو مختلف في صحبته ، ورواه ابن عدي في (( الكامل ))
(٣٨٤/١) من حديث أنس رضي الله عنه.
٤١٢
حن
جن

ربع المهلكات
کتاب آفات اللسان
وأنتَ أفضلُنا علينا فضلاً ، وأنتَ أطولُنا علينا طولاً ، وأنتَ الجفنةُ الغراءُ ،
وأنتَ وأنتَ، فقالَ: ((قولوا بقولِكمْ ولا يستهوينَّكُمُ الشيطانُ))(١) ، إشارةٌ
إلى أنَّ اللسانَ إذا أُطلِقَ بالثناءِ ولَوْ بالصدقِ .. فيُخشى أنْ يستهويَهُ الشيطانُ
إلى الزيادة المستغنى عنها .
جن :
وقالَ ابنُ مسعودٍ : ( أنذرُكمْ فضولَ الكلام ، بحسبِ امرىءٍ ما بلغَ بهِ
حاجتهُ )(٢) .
3
وعنْ مجاهدٍ قالَ : ( إنَّ الكلامَ ليُكتبُ ، حتَّى إنَّ الرجلَ لَيسكِتُ ابنَهُ
فيقولُ : أبتاعُ لكَ كذا وكذا ، فيُكتبُ كذيبةً)(٣).
وقالَ الحسنُ : ( يا بنَ آدَمَ ؛ بُسطَتْ لكَ صحيفةٌ ، وؤُكِّلَ بها ملَكانٍ
كريمانٍ يكتبانِ عملَكَ، فأمْلِ ما شئتَ، وأكثرْ أَوْ أقلِلْ)(٤) .
ورُوِيَ أنَّ سليمانَ بنَ داوودَ عليهِما السلامُ بعثَ بعضَ عفاريتِهِ ، وبعثَ
نفراً ينظرونَ ما يقولُ ويخبرونَةُ، فأخبروهُ أنَّهُ مرَّ على السُّوقِ ، فرفعَ رأسَهُ
إلى السماءِ ، ثُمَّ نظرَ إلى الناسِ وهزَّ رأسَهُ ، فسألَهُ سليمانُ عنْ ذلكَ ،
فقالَ : عجبْتُ مِنَ الملائكةِ على رؤوسِ الناسِ ما أسرعَ ما يكتبونَ ! ومِنَ
(١) رواه ابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان)) ( ٧٣)، وهو بنحوه رواه أبو داوود
(٤٨٠٦)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٠٠٤).
(٢) رواه ابن وهب في ((جامعه)) (٤٦٢)، والطبراني في ((الكبير)) (٩٣/٩).
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٦٥٣).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٨٥).
٤١٣
ـن

کتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
الذينَ أسفلَ منهُمْ ما أسرعَ ما يُمْلونَ!(١).
وقالَ إبراهيمُ التيميُّ: ( المؤمنُ إذا أرادَ أنْ يتكلمَ .. نظرَ ؛ فإنْ كانَ
لهُ .. تكلَّمَ، وإلاَّ .. أمسكَ، والفاجرُ إنَّما لسانُهُ رَسَلاً رَسَلاً)(٢).
24
وقالَ الحسنُ : ( مَنْ كثرَ كلامُهُ .. كثرَ كذبُهُ، ومَنْ كثرَ مالُهُ .. كثرَتْ
ذنوبُهُ، ومَنْ ساءَ خلُقُهُ .. عذَّبَ نفسَهُ)(٣).
وقالَ عمرُو بنُ دينارِ : تكلَّمَ رجلٌ عندَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
فأكثرَ، فقالَ لهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( كمْ دونَ لسانِكَ مِنْ بابٍ؟)) ،
فقالَ : شفتايَ وأسناني، قالَ: ((أما كانَ لكَ في ذلك ما يردُّ كلامَكَ؟ ))،
وفي روايةٍ أنَّهُ قالَ ذلكَ في رجلٍ أثنى عليهِ فاستحفزَ في الكلامِ ، ثمَّ قال :
(( ما أُوتِي رجلٌ شرّاً مِنْ فضْلٍ في لسانٍ)»(٤).
وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِ : ( إنَّهُ ليمنعُنِي مِنْ كثيرٍ مِنَ
الكلامِ مخافةُ المباهاةِ )(٥) .
(١) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٨٦).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٨٨)، قاله وقد ذكر عنده الحسن ،
ورسلاً رسلاً : متتابعاً .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٩٠).
(٤) رواهما ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٩٣، ٩٤) مرسلاً وبلاغاً،
واستحفز : بالغ وأطال .
(٥) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (١٣٧)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان))
( ٩٦ ) .
من حن حن من حن حن
رہٹ
ں۔
٤١٤

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
وقالَ بعضُ الحكماءِ : ( إذا كانَ المرءُ في مجلسٍ فأعجبَهُ الحديثُ ..
فليسكتْ ، وإنْ كانَ ساكتاً فأعجبَهُ السكوتُ .. فليتحدَّثْ)(١).
ـدن
وقالَ يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ : ( مِنْ فتنةِ العالمِ أنْ يكونَ الكلامُ أحبَّ إليهِ
منَ الاستماع وإنْ وجدَ مَنْ يكفيهِ ، فإنَّ في الاستماع سلامةً ، وفي الكلام
تزيُّنٌ وزيادةٌ ونقصانٌ)(٢).
وقالَ ابنُ عمرَ : ( إنَّ أحقَّ ما طهَّرَ الرجلُ لسانُهُ)(٣).
ورأى أبو الدرداءِ أمرأةً سليطةً ، فقالَ : ( لوْ كانَتْ هذهِ خرساءَ .. كانَ
خيراً لها ) (٤) .
من كن
وقالَ إبراهيمُ : ( يَهِلَكُ الناسُ فِي خَلَّتِينِ : فضولُ المالِ ، وفضولُ
الكلام )(٥) .
فهذهِ مذمَّةُ فضولِ الكلام وكثرتِهِ ، وسببُهُ الباعثُ عليهِ ، وعلاجُهُ : ما
سبقَ في الكلامِ فيما لا يعني .
(١) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٢٠٢)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)»
( ٩٧ ) .
(٢) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٤٨)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان))
( ٩٨ ) .
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٩٩).
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٠٠).
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٠٣).
٤١٥

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
الآفة الثالثة: الخوض ـفي الباطل
وهوَ الكلامُ في المعاصي ؛ كحكايةِ أحوالِ النساءِ (١) ، ومجالسٍٍ
الخمرِ ، ومقاماتِ الفسَّاقِ ، وتنقُّمِ الأغنياءِ ، وتجبُّرِ الملوكِ ، ومراسمِهِمُ
المذمومةِ ، وأحوالِهِمُ المكروهةِ ، فإنَّ كلَّ ذلكَ ممَّا لا يحلُّ الخوضُ فيهِ ،
فهذا حرامٌ .
وأمَّا الكلامُ فيما لا يعني ، أوْ أكثرَ ممَّا يعني .. فهوَ تركُ الأولىُ ،
ولا تحریمَ فيهِ .
نعمْ ، مَنْ يكثرُ الكلامَ فيما لا يعني لا يُؤْمنُ عليهِ الخوضُ في الباطلِ ،
وأكثرُ الناسِ يتجالسونَ للتفرُّجِ بالحديثِ ، ولا يعدو كلامُهُمُ التفگُّه بأعراضٍ
الناسِ ، أوِ الخوضَ في الباطلِ .
وأنواعُ الباطلِ لا يمكنُ أنْ تُحصى ؛ لكثرتِها وتفتُّنِها ، فلذلكَ لا مخلصَ
منها إلا بالاقتصارِ على ما يعني مِنْ مهماتِ الدينِ والدنيا ، وفي هذا الجنسِ
تقعُ كلماتٌ يهِلَّكُ بها صاحبُها وهوَ مستحقرٌ لها، فقدْ قالَ بلالُ بنُ
الحارثِ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الرَّجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ
مِنْ رُضوانِ اللهِ ما يظنُّ أنْ تبلغَ ما بلغَتْ، يكتبُ اللهُ لهُ بها رُضوانَهُ إلى يومٍ
(١) مما يتعلق بهن؛ كأن يقول: قالت لي كذا، وقلت لها كذا ، وفعلتْ كذا، وما أشبه
ذلك. «إتحاف)) ( ٤٦٧/٧).
حن ثن
من
٤١٦

ربع المهلكات
كتاب آفات اللسان
يلقاهُ، وإنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ ما يَظنُّ أَنْ تبلغَ بهِ
ما بلغَتْ ، يكتبُ اللهُ عليهِ بها سَخَطَهُ إلى يومِ القيامَةِ))(١) .
قالَ : فكانَ علقمةُ يقولُ : ( كمْ مِنْ كلام قدْ منعَنِيهِ حديثُ بلالِ بنِ
الحارثِ )(٢).
وقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الرَّجُلَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ يُضحِكُ
بها جلساءَهُ يهوي بها أبعدَ مِنَ الثُّريًّا))(٣).
وقالَ أبو هريرةً : ( إنَّ الرجلَ ليتكلّمُ بالكلمةِ ما يلقي لها بالاً يهوي بها في
جهنمَ، وإنَّ الرجلَ ليتكلّمُ بالكلمةِ ما يلقي لها بالاً يرفعُهُ اللهُ بها في الجنَّةِ )(٤).
ےے.
وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((أعظمُ النَّاسِ خطايا يومَ القيامةِ
أكثرُهُمْ خوضاً في الباطلِ))(٥)، وإليهِ الإشارةُ بقولهِ تعالى: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ
مَعَ الْخَبِضِينَ﴾، وبقولهِ تعالى: ﴿فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِةْ
إِنَّكُمْ إِذَّا مِثْلُهُمْ﴾.
(١) رواه الترمذي (٢٣١٩)، وابن ماجه (٣٩٦٩).
(٢) رواه ابن أبي الدنيا هكذا متابعاً للحديث السابق في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ٧٠).
(٣) رواه ابن المبارك في ((الزهد)) (٩٤٨)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان))
(٧١)، وعند البخاري (٦٤٧٧)، ومسلم (٢٩٨٨) من حديث أبي هريرة مرفوعاً :
(( إن العبد ليتكلم بالكلمة ينزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب)).
(٤) رواه مالك في ((الموطأ)) (٩٨٥/٢)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان))
( ٧٢ ) .
(٥) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (٧٤).
٤١٧
ـحة .

کتاب آفات اللسان
بےہ
ربع المهلكات
ئن
ـجي
وقالَ سلمانُ : ( أكثرُ الناسِ ذنوباً يومَ القيامةِ أكثرُهُمْ كلاماً في
معصيةِ اللهِ )(١) .
وقالَ ابنُ سيرينَ : ( كانَ رجلٌ مِنَ الأنصارِ يمُّ بمجلسٍ لهمْ فيقولُ :
توضّؤوا؛ فإنَّ بعضَ ما تقولونَ شرٌّ مِنَ الحدثِ)(٢).
فهذا هوَ الخوضُ في الباطلِ ، وهوَ وراءَ ما سيأتي مِنَ الغيبة والنميمةِ
والفُحْشِ وغيرِهِ ، بلْ هوَ الخوضُ في ذكرِ محظوراتٍ سبقَ وجودُها ، أوْ تُدُبَِّ
للتوصُّلِ إليها مِنْ غيرِ حاجةٍ دينيّةٍ إلى ذكرِها (٣) ، ويدخلُ فيهِ أيضاً الخوضُ
في حكايةِ البدع والمذاهبِ الفاسدةِ ، وحكايةِ ما جرى مِنْ قتالِ الصحابةِ
على وجهٍ يوهمُ الطَّعنَ في بعضِهِمْ ، وكلُّ ذلكَ باطلٌ ، والخوضُ فيهِ خوضٌ
في الباطلِ ، نسألُ اللهَ حسنَ العونِ بلطفِهِ وكرمِهِ .
فت
حن
حن
(١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٨٠٤)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب
اللسان)» ( ٧٥ ) .
(٢) رواه ابن وهب في ((جامعه)) (٤٦٠)، وابن أبي الدنيا في (( الصمت وآداب اللسان))
( ١٠٥ ).
(٣) في ( ب، ج): ( دعته ) بدل ( دينية ).
٥:
٤١٨

ربع المهلكات
کتاب آفات اللسان
الآفة الرابعة: المِراء والجدال
وذلكَ منهيٌّ عنهُ، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( لا تمارِ أخاكَ
ولا تمازحْهُ ولا تعِدْهُ موعداً فتُخْلِفَهُ))(١) .
وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: (( ذَرُوا المراءَ ؛ فإنَّهُ لا تُفهمُ حكمتُهُ ،
ولا تُؤْمنُ فتتُّهُ))(٢).
وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ تَركَ المِراءَ، وهوَ محقٌّ .. بُنِيَ لهُ
بيتٌ في أعلى الجنَّةِ، ومَنْ تَركَ المراءَ وهوّ مُبْطِلٌ .. بُنِيَ له بيتٌ في رَبَضٍ
الجنَّةِ))(٣).
٧٦:٢٧
وعنْ أمِّ سلمةَ رضيَ اللهُ عنها قالَتْ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ :
((إنَّ أوَّلَ ما عهِدَ إليَّ ربِّي ونهاني عنهُ بعدَ عبادة الأوثانِ وشربِ الخمرِ ملاحاةٌ
الرِّجالِ))(٤).
(١) رواه الترمذي ( ١٩٩٥).
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٥٢/٨)، وليس فيه قوله: (لا تفهم حكمته ) ، وقد
روى ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٢٧) عن عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه قال : ( المراء لا تعقل حكمته ، ولا تؤمن فتنته ) .
(٣) رواه الترمذي ( ١٩٩٣)، وابن ماجه (٥١)، وربض الشيء : نواحيه ، أو أدناه
وأسفله .
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٣٤)، والطبراني في (( الكبير))
(٨٣/٢٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٨٠٨٢)، ورواه ابن أبي شيبة في =
% % %
٤١٩
دن
حـ
حن
حن

كتاب آفات اللسان
ربع المهلكات
ـدة ، جن
وقالَ أيضاً: ((ما ضلَّ قومٌ بعدَ أنْ هداهُمُ اللهُ إلَّ أُوتُوا الجدَلَ))(١).
وقال أيضاً : ((لا يستكمِلُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتَّى يدعَ المراءَ وإنْ كانَ
محقاً))(٢)
G
وقالَ أيضاً : (( ستُّ مَنْ كُنَّ فيهِ .. بلغَ حقيقةَ الإيمانِ : الصومُ في الصَّيفِ،
وضرْبُ أعداءِ اللهِ بالسَّيفِ ، وتعجيلُ الصلاة في يومِ الدَّجْنِ ، والصَّبرُ على
المصيباتِ، وإسباغُ الوضوءِ على المكارِهِ، وتركُ المراءِ وهوَ صادقٌ))(٣).
وقالَ الزبيرُ لابنِهِ : ( لا تجادلِ الناسَ بالقرآنِ ؛ فإنَّكَ لا تستطيعُهُمْ ،
ولكنْ عليكَ بالسُّنَّةِ )(٤) .
وقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ رحمةُ اللهِ عليهِ : ( مَنْ جعلَ دينَهُ عُرْضةٌ
للخصوماتِ .. أكثرَ التنقُّلَ )(٥).
((المصنف)) (٢٤٥٤١) عن عروة بن رويم مرسلاً، والملاحة : الملامة مع
الاستقصاء والمباغضة .
(١) رواه الترمذي (٣٢٥٣)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٣٥)
بنحوه .
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) ( ١٣٩).
(٣) رواه المروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٤٤٣) من حديث أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه، والديلمي في (( مسند الفردوس)) (٣٤٨٤) من حديث أبي مالك
الأشعري رضي الله عنه ، ويوم الدجن : يوم الغيم المطبق ، ويطلق الدجن على المطر
الكثير .
(٤) رواه الخطيب في ((الفقيه والمتفقه)) (٦١٠).
(٥) رواه الدارمي في («سننه)) (٣١٢)، وابن أبي الدنيا في ((الصمت وآداب اللسان)) (١٦١).
٤٢٠
حن :
جم
ن