Indexed OCR Text
Pages 121-140
ربع المهلكات كتاب عجائب القلب قدْ حدثَ ، مكانَكُمْ، فطارَ حتَّى أتى خافقي الأرضِ ، فلمْ يجدْ شيئاً ، ثمَّ وجدَ عيسى عليهِ السلامُ قدْ وُلدَ، وإذا الملائكةُ حافِّينَ بهِ ، فرجعَ إليهِمْ فقالَ : إِنَّ نبيّاً قدْ وُلدَ البارحةَ ، ما حملتْ أنثى قطُّ ولا وضعَتْ إلا وأنا بحضرتِها إلا هذا، فأَيَسُوا مِنْ أَنْ تُعبدَ الأصنامُ بعدَ هذهِ الليلةِ ، ولكنِ ائتوا بني آدمَ مِنْ قبلِ العجلةِ والخفَّةِ(١). ومِنْ أبوابِهِ العظيمةِ : الدراهمُ والدنانيرُ وسائرُ أصنافِ الأموالِ مِنَ العروضِ والدوابِّ والعقارِ : 3 ٨ ٢٨٥٠. فإنَّ كلَّ ما يزيدُ على قدْرِ القوتِ والحاجةِ فهوَ مستقرُّ الشيطانِ ؛ فإنَّ مَنْ معَهُ قوتُهُ فهوَ فارغُ القلبِ ، فلوْ وجدَ مئةَ دينارٍ مثلاً على طريقٍ .. انبعثَ مِنْ قلبهِ عشرُ شهواتٍ ، تحتاجُ كلُّ شهوةٍ منها إلى مئةِ دينارٍ أخرى ، فلا يكفيهِ ما وجدَهُ ، بلْ يحتاجُ إلى تسع مئةٍ أخرى ، وقدْ كانَ قبلَ وجودِ المئةِ مستغنياً ، فالآنَ لمَّا وجدَ مئةً . . ظنَّ أنَّهُ صارَ بها غنيّاً، وقدْ صارَ محتاجاً إلى تسع مئةٍ ليشتريَ داراً يعمرُها ، وليشتريّ جاريةً ، وليشتريَ أثاثَ البيتِ ، (١) رواه ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) (٤٧ / ٣٥٦) عن وهب بن منبه ، وقد روى البخاري (٣٢٨٦)، ومسلم (٢٣٦٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : (( ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان ، فيستهل صارخاً من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه ))، ثم قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِّ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ . حن جن :: حن ١٢١ ھے كتاب عجائب القلب ربع المهلكات ويشتريَ الثيابَ الفاخرةَ ، وكلُّ شيءٍ مِنْ ذلكَ يستدعي شيئاً آخرَ يليقُ بهِ ، وذلكَ لا آخرَ لهُ ، فيقعُ في هاويةٍ آخرُها عمْقُ جهنَّمَ ، فلا آخرَ لها سواهُ . ت﴾. قالَ ثابتٌ البنانيُّ: لمَّا بُعِثَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. قالَ إبليسُ لشياطينِهِ : لقدْ حدثَ أمرٌ ، فانظروا ما هوَ ، فانطلقوا حتى أعيَوا ثم جاؤوا وقالوا : ما ندري ، قالَ : أنا آتيكُمْ بالخبرِ ، فذهبَ ثمَّ جاءَ وقالَ : قدْ بعثَ اللهُ محمداً ، قالَ : فجعلَ يرسلُ شياطينَهُ إلى أصحابِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فينصرفونَ خائبينَ ، ويقولونَ : ما صحبنا قوماً قطُ مثلَ هؤلاءِ ، نصيبُ منهُمْ ، ثمَّ يقومونَ إلى صلاتِهِمْ فيُمحى ذلكَ، فقالَ لهُمْ إبليسُ : رويداً بهِمْ ، عسى اللهُ أنْ يفتحَ لهمُ الدنيا ، فهناكَ تصيبونَ حاجتكم ) .*. منهُمْ(١) . ورُويَ أنَّ عيسى عليهِ السلامُ توسَّدَ يوماً حجراً ، فمرَّ بهِ إبليسُ ، فقالَ : يا عيسىُ ؛ رغبتَ في الدنيا ؟ فأخذَهُ عيسىُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فرمی بهِ مِنْ تحتِ رأسِهِ ، وقالَ : هذا لكَ معَ الدنيا(٢). وعلى الحقيقةِ : مَنْ يملكُ حجراً يتوسَّدُ بهِ عندَ النوم .. فقدْ مَلَكَ مِنَ الدنيا ما يمكنُ أنْ يكونَ عدَّةٌ للشيطانِ عليهِ ؛ فإنَّ القائمَ بالليلِ مثلاً للصلاةِ (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكايد الشيطان)) (٣٩). (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((الزهد)) (٥٥٧)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤١٦/٤٧). من حن كن ١٢٢ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب مهما كانَ بالقرب منهُ حجرٌ يمكنُ أنْ يتوسَّدَهُ .. فلا يزالُ يدعوهُ إلى النوم وإلى أنْ يتوسَّدَهُ، ولوْ لمْ يكنْ ذلكَ .. لكانَ لا يخطرُ ببالِهِ ذلكَ ، ولا تتحرَّكُ رغبتُهُ في النوم ، هذا في حجرٍ ، فكيفَ بمَنْ يملكُ المخاذّ الوثيرة ، والفرشَ الوطيئةَ ، والمنتزهاتِ الطيِّةَ ، فمتى ينشطَ لعبادةِ اللهِ ءُ تعالى ؟! ومِنْ أبوابِهِ العظيمةِ : البخلُ وخوفُ الفقرِ : فإنَّ ذلكَ هوَ الذي يمنعُ مِنَ الإنفاقِ والتصدُّقِ ، ويدعو إلى الادخار والكنْزِ والعذابِ الأليم ، الذي هوَ الموعودُ للمكاثرينَ كما نطقَ بهِ القرآنُ العزيزُ(١). قالَ خيثمةُ بنُ عبدِ الرحمن : ( إنَّ الشيطانَ يقولُ : ما غلبَني عليهِ ابنُ آدَمَ فلنْ يغلبَني على ثلاثٍ: أنْ آمَرَهُ أنْ يأخذَ المالَ مِنْ غيرِ حقِّهِ ، وينفقَهُ في غيرِ حقُّهِ، ويمنعَهُ مِنْ حقِّهِ )(٢) . وقالَ سفيانُ : ( ليسَ للشيطانِ سلاحٌ مثلَ خوفِ الفقرِ ، فإذا قبلَ ذلكَ (١) قال سبحانه وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْفِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيِ﴾. (٢) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٦١٦٢)، وأبو نعيم في «الحلية)) ( ٤ /١١٧ ) . خامته ١٢٣ دں ـكن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات منهُ .. أخذَ في الباطلِ ، ومنعَ مِنَ الحقِّ ، وتكلّم بالهوى ، وظنَّ بربِّهِ ظنَّ السوءِ ) . ومِنْ آفاتِ البخلِ : الحرصُ على ملازمةِ الأسواقِ لجمع المالِ ، والأسواقُ هيَ معشَّشُ الشياطينِ . ے وروى أبو أمامةَ: أَنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ: ((إنَّ إبليسَ لمَّا نزلَ إلى الأرضِ .. قالَ: يا ربِّ؛ أنزلتَي إلى الأرضِ ، وجعلتَي رجيماً ، فاجعلْ لي بيتاً ، قالَ : الحمّامُ ، قالَ : اجعلْ لي مجلساً ، قالَ : الأسواقُ ومجامعُ الطرقِ ، قالَ : اجعلْ لي طعاماً ، قالَ : طعامُكَ ما لمْ يذكرِ اسمُ اللهِ عليهِ ، قالَ : اجعلْ لي شراباً ، قالَ : كلُّ مسكرٍ ، قالَ : اجعلْ لي مؤذِّناً ، قالَ : المزاميرُ ، قالَ : اجعلْ لي قرآناً ، قالَ : الشعرُ ، قالَ : اجعلْ لي كتاباً ، قالَ : الوشمُ ، قالَ : اجعلْ لي حديثاً ، قالَ : الكذبُ، قالَ: اجعلْ لي مصايدَ، قالَ: النساءُ))(١). ومِنْ أبوابِهِ العظيمةِ : التعصُّبُ للمذاهبِ والأهواءِ ، والحقدُ على الخصومِ ، والنظرُ إليهِمْ بعينِ الازدراءِ والاستحقارِ : وذلكَ ممّا يُهلكُ العبادَ والفسَّاقَ جميعاً، فإنَّ الطعنَ في الناسِ والاشتغالَ بذكرِ نقصِهِمْ صفةٌ مجبولةٌ في الطبع مِنَ الصفاتِ السبعيّةِ ، فإذا (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٠٧/٨). ١٢٤ مكن حق من ربع المهلكات كتاب عجائب القلب خيَّلَ إليهِ الشيطانُ أنَّ ذلكَ هوَ الحقُّ ، وكانَ موافقاً لطبعِهِ .. غلبَتْ حلاوتُهُ على قلبِهِ ، فاشتغلَ بهِ بكلِّ همَّتِهِ ، وهوَ بذلكَ فرحانٌ مسرورٌ ، يظنُ أنَّهُ يسعىُ في الدينِ ، وهوَ ساعٍ في اتباع الشياطينِ ، فترى الواحدَ منهُمْ يتعصَّبُ لأبي بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ وهوَ آكلٌ الحرامَ ، ومطلقٌ اللسانَ بالفضولِ والكذبِ ، ومتعاطٍ لأنواعِ الفسادِ ، ولوْ رآهُ أبو بكرٍ .. لكانَ هوَ أوَّلَ عدوٍّ لهُ؛ إذْ مُوالي أبي بكرٍ مَنْ أَخذَ سبيلَهُ، وسارَ بسيرتِهِ ، وحفظَ ما بينَ لحييهِ (١) ، وكانَ مِنْ سيرتِهِ رضيَ اللهُ عنهُ أنْ يضحَ حصاةً في فمِهِ ليكفَّ لسانَهُ عنِ الكلام فيما لا يعنيهِ (٢)، فأَنَّى لهذا الفضوليِّ أنْ يدعيَ ولاءَهُ وحبَّهُ ولا يسيرَ بسيرتِهِ ؟! 2 وترى فضوليّاً آخرَ يتعصَّبُ لعليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ، وكانَ مِنْ زهدِ عليٍّ وسيرتِهِ أنَّهُ ليسَ في خلافتِهِ ثوباً اشتراهُ بثلاثة دراهمَ ، وقطعَ رأسَ الكمَّينِ إلی الرسغ(٣) ، فترى الفاسقَ لابساً لثيابِ الحريرِ، ومتجمِّلاً بأموالٍ اكتسبَها مِنْ (١) في غير ( أ) : ( ما أحبه ) بدل ( ما بين لحييه ) ، وجرى الحافظ الزبيدي في (( إتحافه )» (٧/ ٢٨٠) على المثبت. (٢) روى ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢٧٠٣١): أن عمر دخل على أبي بكر وهو آخذ بلسانه هكذا يقول : ها إن ذا أوردني الموارد . (٣) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (٨٣/١) عن أبي سعيد الأزدي قال: رأيت علياً أتى السوق ، وقال : من عنده قميص صالح بثلاثة دراهم ؟ فقال رجل : عندي ، فجاء به ، فأعجبه ، قال : لعله خير من ذلك ؟ قال : لا ، ذاك ثمنه ، قال : فرأيت علياً يقرض رباط الدراهم من ثوبه ، فأعطاه ، فلبسه ، فإذا هو يفضل عن أطراف أصابعه ، فأمر به فقطع ما فضل عن أطراف أصابعه . تريت ١٢٥ حن حن حن جن جن جن شى كتاب عجائب القلب ربع المهلكات ثن حرامٍ وهوَ يتعاطى حبَّ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ ويدعيهِ ، وهوَ أوَّلُ خصمائِهِ يومَ القيامةِ . وليتَ شعري ؛ مَنْ أخذَ ولداً عزيزاً لإنسانٍ هوَ قرَّةُ عينِهِ وحياةُ قلبهِ ، فأخذَ يضربُهُ ويمزِّقُهُ، وينتفُ شعرَهُ ويقطعُهُ بالمقراضِ ، وهوَ معَ ذلكَ يدَّعي حبَّ أبيهِ وولاءَهُ ، فكيفَ تكونُ حالُهُ عندَهُ ؟! ومعلومٌ أنَّ الدينَ والشرعَ كان أحبَّ إلى أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ وسائرِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ مِنَ الأهلِ والولدِ ، بلْ مِنْ أنفسِهِمْ ، والمقتحمونَ لمعاصي الشرع همُ الذينَ يمزِّقونَ الشرعَ، ويقطَّعونَهُ بمقاریضٍ الشهواتِ ، ويتودَّدونَ بهِ إلى عدوِّ اللهِ إبليسَ وعدوِّ أوليائِهِ، فترى كيفَ يكونُ حالُهمْ يومَ القيامةِ عندَ الصحابةِ وعندَ أولياءِ اللهِ تعالى ؟! بلْ لوْ كشفَ الغطاءُ ، وعرفَ هؤلاءِ ما تحبُّهُ الصحابةُ في أمَّةِ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. لاستحيَوا مِنْ أنْ يجروا على اللسانِ ذكرَهُمْ معَ قبح أفعالِهِمْ . ثمّ إنَّ الشيطانَ يخيِّلُ إليهِمْ أَنَّ مَنْ ماتَ محبّاً لأبي بكرٍ وعمرَ رضيَ اللهُ عنهما .. فالنارُ لا تحومُ حولَهُ، ويخيّلُ إلى الآخرِ أنَّهُ إذا ماتَ محبّاً لعليٍّ .. لمْ يكنْ عليهِ خوفٌ، وهذا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ لفاطمةَ رضيَ اللهُ عنها وهيَ بَضعةٌ منهُ: (( اعملي ؛ فإنِّي لا أغني عنكِ مِنَ اللهِ شيئاً ))(١) . مدن كن شن جن في حن ثن شن في كن حن (١) رواه البخاري ( ٢٧٥٣)، ومسلم (٢٠٦) ولفظ: ( اعملي) عند البزار في (( مسنده » ( ٢٩١٩ ) . رہِ﴾. ١٢٦ من ربع المهلكات ٥٠ ه يوم كتاب عجائب القلب وهذا مثالٌ أوردناهُ مِنْ جملةِ الأهواءِ . وهكذا حكمُ المتعصِّبينَ للشافعيِّ وأبي حنيفةً ومالكٍ وأحمدَ وغيرِهِمْ مِنَ الأثمَّةِ ، فكلُّ مَنِ ادعىُ مذهبَ إمام ، وهوَ ليسَ يسيرُ بسيرتِهِ .. فذلكَ الإمامُ هوَ خصمُهُ يومَ القيامةِ إذْ يقولُ لهُ : كانَ مذهبي العملَ دونَ الحديثِ باللسانِ ، وكانَ الحديثُ باللسانِ لأجلِ العملِ لا لأجلِ الهذيانِ ، فما بالكَ خالفتَني في العملِ والسيرةِ التي هيَ مذهبي ومسلكي الذي سلكتُهُ وذهبتُ فيهِ إلى اللهِ تعالى ، ثمَّ ادعيتَ مذهبي كاذباً ؟! وهذا مدخلٌ عظيمٌ مِنْ مداخلِ الشيطانِ ، قدْ أهلكَ بهِ أكثرَ العالمِ ، وقدْ سُلَّمَتِ المدارسُ لأقوام قلَّ مِنَ اللهِ خوفُهُمْ(١) ، وضعفَتْ في الدينِ بصيرتُهُمْ ، وقويَتْ في الدنيا رغبتُهُمْ، واشتدَّ على الاستتباعِ حرصُهمْ ، ولمْ يتمكّنوا مِنَ الاستتباع وإقامةِ الجاهِ إلا بالتعصُّبِ، فحسَّنوا ذلكَ في صدورِهِمْ ، ولمْ ينبِّهوهُمْ على مكايدِ الشيطانِ فيهِ ، بلْ نابوا عنِ الشيطانِ في تنفيذٍ مكيدتِهِ ، فاستمرَّ الناسُ عليهِ ، ونسوا مهمَّاتِ دينِهِمْ ، فقدْ هلكوا وأهلكوا ، فاللهُ تعالى يتوبُ علينا وعليهِمْ . 2 قالَ الحسنُ : ( بلغَنا أنَّ إبليسَ قالَ : سؤَلتُ الأمَّةِ محمدِ المعاصيَ ، فقطعوا ظهري بالاستغفارِ ، فسؤَّلتُ لهُمْ ذنوباً لا يستغفرونَ اللهَ تعالى منها ، (١) في غير (أ): (المنابر ) بدل ( المدارس ) . ١٢٧ حن حج ض حن حن كرة كتاب عجائب القلب ربع المهلكات وهيَ الأهواءُ)(١) ، وقدْ صدقَ الملعونُ؛ فإنَّهُمْ لا يعلمونَ أنَّ ذلكَ مِنَ الأسبابِ التي تجرُّ إلى المعاصي ، فكيفَ يستغفرونَ منها ؟! ومِنْ عظيم حيلِ الشيطانِ : أنْ يشغلَ الإنسانَ عنْ نفسِهِ بالاختلافاتِ الواقعةِ بينَ الناسِ في المذاهبِ والخصوماتِ : قالَ عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ : ( جلسَ قومٌ يذكرونَ اللهَ تعالى، فأتاهُمُ الشيطانُ ليقيمَهُمْ عنْ مجلسِهِمْ ويفرِّقَ بينَهُمْ ، فلم يستطعْ ، فأتى رفقةً أخرى يتحدَّثُونَ بحديثِ الدنيا ، فأفسدَ بينَهُمْ، فقاموا يقتتلونَ وليسَ إِيَّاهُمْ يريدُ ، فقامَ الذينَ يذكرونَ اللهَ تعالى فاشتغلوا بهِمْ يفصلونَ بينَهُمْ ، فتفرَّقوا عنْ مجلسِهِمْ ، وذلكَ مرادُ الشيطانِ منْهُمْ ) . ومِنْ أبوابِهِ : حمْلُ العوامِ الذينَ لمْ يمارسوا العلمَ ولم يتبخّروا فيهِ على التفكّرِ في ذاتِ اللهِ تعالى وصفاتِهِ ، وفي أمورٍ لا يبلغُها حدُّ عقولِهِمْ: حتَّى يشكِّكَهُمْ في أصلِ الدينِ ، أَوْ يخيِّلَ إليهِمْ في الله تعالى خيالاتٍ يتعالى اللهُ عنها، يصيرُ بها كافراً أوْ مبتدعاً ، وهوَ بهِ فرحٌ مسرورٌ مبتهجٌ بما وقعَ في صدرِهِ ، يظنُّ أن ذلكَ هوَ المعرفةُ والبصيرةُ ، وأنَّهُ انكشفَ لهُ ذلكَ بذكائه وزيادة عقلِهِ . ـكن (١) رواه هناد في ((الزهد)) ( ٩٢٨) . ١٢٨ حن ثن ان ربع المهلكات كتاب عجائب القلب فأشدُّ الناسِ حماقةً أقواهمُ اعتقاداً في عقلِ نفسِهِ ، وأثبتُ الناسِ عقلاً أشدُّهُمُ اتهاماً لنفسِهِ ، وأكثرُهُمْ سؤالاً مِنَ العلماءِ . قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((إنَّ الشيطانَ يأتي أحدَكُمْ فيقولُ : مَنْ خلقَكَ ؟ فيقولُ : اللهُ تباركَ وتعالى ، فيقولُ : فمَنْ خلقَ اللهَ؟ فإذا وجدَ أحدُكُمْ ذلكَ .. فليقلْ : آمنتُ باللهِ ورسلِهِ ؛ فإنَّ ذلكَ يذهبُ عنهُ))(١) . فالنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يأمرْ بالبحثِ في علاجِ هذا الوسواسِ ؛ فإنَّ هذا وسواسٌ يجدُهُ عوامُ الناسِ دونَ العلماءِ ، وإنَّما حقُّ العوامّ أنْ يؤمنوا ويسلِّموا ويشتغلوا بعبادتِهِمْ ومعايشِهِمْ، ويتركوا العلمَ للعلماءِ ، فالعامِّيُّ لوْزنى وسرق .. كانَ خيراً لهُ مِنْ أنْ يتكلَّمَ في العلم؛ فإنَّهُ مَنْ تكلَّمَ في اللهِ وفي دينِهِ مِنْ غيرِ إتقانِ العلمِ .. وقعَ في الكفرِ مِنْ حيثُ لا يدري ؛ كمَنْ يركبُ لجَّةَ البحرِ وهوَ لا يعرفُ السباحةَ . محير عي حن ٨٥٠٠ ومكايدُ الشيطانِ فيما يتعلّقُ بالعقائدِ والمذاهبِ لا حصرَ لها ، وإنَّما أردنا بما أوردناهُ المثالَ . (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٥٧/٦)، وابن أبي الدنيا في (( مكايد الشيطان)» (٢٨)، وهو عند البخاري (٣٢٧٦)، ومسلم (١٩٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . G ١٢٩ حن حن حن جن حن. كتاب عجائب القلب ربع المهلكات ومِنْ أبوابِهِ : سوءُ الظنِّ بالمسلمينَ : ٣ قالَ اللهُ تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَنِبُواْ كَثِيراً مِّنَ النَِّنِ إِنَ بَعْضَ الَّنِّ إِنْهٌ﴾، فمَنْ يحكمْ بشرٍّ على غيرِهِ بالظنِّ .. بعثَهُ الشيطانُ على أنْ يطوِّلَ فِيهِ اللسانَ بالغيبةِ فيهِلِكَ ، أَوْ يقصِّرَ في القيامِ بحقوقِهِ ، أَوْ يتوانىُ في إكرامِهِ ، أو ينظرَ إليهِ بعينِ الاحتقارِ ويرى نفسَهُ خيراً منهُ ، وكلُّ ذلكَ مِنَ المهلكاتِ . ولأجلِ ذلكَ منعَ الشرعُ مِنَ التعرُّضِ للتهمِ ، فقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( اتقوا مواضعَ الثُّهمِ)) (١) . حتَّى احترزَ هوَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مِنْ ذلكَ . رُويَ عنْ عليٍّ بنِ الحسينِ: أنَّ صفيةَ بنتَ حييٍّ أخبرَتْهُ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ معتكفاً في المسجدِ ، قالَتْ : فأتيتُهُ فتحدثتُ عندَهُ ، فلمّا أمسيتُ .. انصرفتُ ، فقامَ يمشي معي ، فمرَّ بهِ رجلانِ مِنَ الأنصارِ ، فسلَّما ثمَّ انصرفَا، فناداهما وقالَ: ((إنها صفيَّةُ بنتُ حييٍّ))، فقالا : يا رسولُ اللهِ ؛ ما نظرُ بكَ إلا خيراً، فقالَ: ((إنَّ الشيطانَ يجري (١) قال الحافظ العراقي: ( لم أجد له أصلاً). ((إتحاف)) (٢٨٣/٧)، وروى ابن عدي في (( الكامل)) (١٥٢/٧) عن عمر رضي الله عنه أنه وضع للناس حِكماً، منها : ( ومن عرَّض نفسه للتهم .. فلا يلومن من أساء به الظن) ، وروى الخرائطي في ((مكارم الأخلاق)) ( ٤٧٧) عنه أيضاً: ( من أقام نفسه مقام التهمة .. فلا يلومن من أساء به الظن ) . من ١٣٠ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب منِ ابنِ آدمَ مَجرى الدمِ ، وإنِّي خشيتُ أنْ يدخِلَ عليكُما))(١). . مئن فانظرْ كيفَ أشفقَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على دينِهِما فحرسَهُما ، وكيفَ أشفقَ على أمَّتِهِ فعلَّمَهُمْ طريقَ الاحترازِ مِنَ التهمةِ ؛ حتَّى لا يتساهلَ العالمُ الورعُ المعروفُ بالدينِ في أحوالِهِ فيقولَ : مثلي لا يُظنُّ بهِ إلا الخيرُ إعجاباً منهُ بنفسِهِ ؛ فإنَّ أورعَ الناسِ وأتقاهم وأعلمَهُمْ لا ينظرُ الناسُ كلَّهُمْ إليهِ بعينِ واحدةٍ ، بلْ بعينِ الرضا بعضُهُمْ ، وبعينِ السخطِ بعضُهُمْ ؛ ولذلكَ قالَ الشاعرُ(٢): [من الطويل] حن وَعَيْنُ الرِّضًا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ وَلَكِنَّ عَيْنَ الشُّخْطِ تُبُدِي الْمَساوِيا فيجبُ الاحترازُ عنْ عينِ السوءِ ، وعنْ تهمةِ الأشرارِ ؛ فإنَّ الأشرارَ لا يظنُّونَ بالناس كلَّهِمْ إلا الشرَّ، فمهما رأيتَ إنساناً يسيءُ الظنَّ بالناسِ طالباً للعيوبِ .. فاعلمْ أنَّهُ خبيثٌ في الباطنِ ، وأنَّ ذلكَ خبتُهُ يترشَّحُ منهُ ، وإنَّما يرىُ غيرَهُ مِنْ حيثُ هوَ، فإنَّ المؤمنَ يطلبُ المعاذيرَ ، والمنافقَ يطلبُ العيوبَ ، والمؤمنُ سليمُ الصدرِ في حقِّ كافَّةِ الخلقِ . فهذهِ بعضُ مداخلِ الشيطانِ إلى القلبِ ، ولو أردتُ استقصاءَ جميعِها .. لمْ أقدرْ عليهِ، وفي هذا القدْرِ ما ينبّهُ على غيرِهِ ، فليسَ في (١) رواه مسلم ( ٢١٧٥) . (٢) البيت لعبد الله بن معاوية في ((ديوانه)) ( ص ٩٠)، وفي نسبته إليه خلاف ، انظر (( ديوانه)) ( ص ٩٠ - ٩١ ) . ـن: ١٣١ حن فا قاعد كتاب عجائب القلب حيومي بےے. ربع المهلكات الآدميِّ صفةٌ مذمومةٌ إلا وهيَ سلاحُ الشيطانِ ، ومدخلٌ مِنْ مداخلِهِ . فإنْ قلتَ : فما العلاجُ في دفع الشيطانِ ؟ وهلْ يكفي في ذلكَ ذكْرُ اللهِ تعالى ، وقولُ الإنسانِ : لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللهِ ؟ .. فاعلمْ : أنَّ علاجَ القلبِ في ذلكَ سدُّ هذهِ المداخلِ بتطهيرِ القلبِ مِنْ هذهِ الصفاتِ المذمومةِ ، وذلكَ ممَّا يطولُ ذكرُهُ ، وغرضُنا في هذا الربع مِنَ الكتابِ بيانُ علاج الصفاتِ المهلكاتِ ، وتحتاجُ كلُّ صفةٍ إلى كتابٍ مفردٍ على ما سيأتي شرحُهُ . نعمْ ، إذا قُطعتْ مِنَ القلبِ أصولُ هذهِ الصفاتِ .. كانَ للشيطانِ بالقلبِ اجتيازاتٌ وخطراتٌ، ولمْ يكنْ لهُ استقرارٌ، ويمنعُهُ مِنَ الاجتيازِ ذكرُ اللهِ تعالى ؛ لأنَّ حقيقةً الذكرِ لا تتمكَّنُ مِنَ القلبِ إلا بعدَ عمارةِ القلبِ بالتقوى ، وتطهيرِهِ مِنَ الصفاتِ المذمومةِ ، وإلا .. فيكونُ الذكرُ حديثَ نفسٍ ، لا سلطانَ لهُ على القلبِ ، فلا يدفعُ سلطانَ الشيطانِ ، ولذلكَ قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا مَتَهُمْ طَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾، خصَّصَ بذلكَ المتقيَ . فمثلُ الشيطانِ كمثلِ كلبٍ جائع يقربُ منكَ ، فإن لمْ يكنْ بينَ يديكَ لحمٌ أو خبزٌ .. فإنَّه ينزجرُ بأنْ تقولَ له: اخسأُ، فمجردُ الصوتِ يدفعُهُ ، فإنْ كانَ بينَ يديكَ لحمٌ وهوَ جائعٌ ، فإنَّهُ يهجمُ على اللحم ولا يندفعُ بمجردٌ حم ١٣٢ جن حة فن ربع المهلكات كتاب عجائب القلب الكلام ، فالقلبُ الخالي عنْ قوتِ الشيطانِ ينزجرُ عنهُ بمجرِّدِ الذكرِ ، فأمَّا الشهوةُ إذا غلبَتْ على القلبِ .. دفعَتْ حقيقةَ الذكرِ إلى حواشي القلبِ ، ولمْ يتمكَّنْ مِنْ سويدائِهِ ، فيستقرُّ الشيطانُ في سويداءِ القلبِ . ـحن وأمَّا قلوبُ المتقينَ الخاليةُ منَ الهوى والصفاتِ المذمومةِ .. فإنَّهُ يطرقُها الشيطانُ لا للشهواتِ ، بلْ لخلوِّها بالغفلةِ عنِ الذكرِ ، فإذا عادَ إلى الذكرِ .. خنسَ الشيطانُ، ودليلُ ذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿فَأَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾، وسائرُ الأخبارِ والآياتِ الواردةِ في الذكرِ . عــ ـم قالَ أبو هريرةَ : ( التقى شيطانُ المؤمنِ وشيطانُ الكافرِ ، فإذا شيطانٌ الكافرِ سمينٌ دهينٌ كاسٍ ، وشيطانُ المؤمنِ مهزولٌ أشعثُ أغبرُ عارٍ ، فقالَ شيطانُ الكافرِ لشيطانِ المؤمنِ : ما لكَ مهزولاً ؟ قالَ : أنا معَ رجلٍ إذا أكلَ .. سمَّى اللهَ، فأظلُّ جائعاً، وإذا شربَ .. سمَّى اللهَ ، فأظلُّ عطشاناً ، وإذا لبسَ .. سمَّى اللهَ، فأظلُّ عرياناً، وإذا ادَّهنَ .. سمَّى اللهَ، فأظلُّ شعثاً ، فقالَ شيطانُ الكافرِ : لكنِّي معَ رجلٍ لا يفعلُ شيئاً مِنْ ذلكَ ، فأنا أشاركُهُ في طعامِهِ وشرابِهِ ولباسِهِ)(١) . وكانَ محمدُ بنُ واسع يقولُ كلَّ يومٍ بعدَ صلاةِ الصبح : ( اللهمَّ ؛ إنَّكَ سلَّطتَ علينا عدوّاً بصيراً بعيوبنا (٢)، يرانا هوَ وقَبِيلُهُ مِنْ حيثُ لا نراهُمْ، اللهمَّ؛ فآيسْهُ (١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٤١٩/١٠)، والطبراني في « الكبير)) (١٥٦/٩) ولكن من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . (٢) في (ب، ج) زيادة: (مطلعاً على عوراتنا). ١٣٣ كتاب عجائب القلب ربع المهلكات منَّا كما آيستَهُ مِنْ رحمتِكَ، وقنطْهُ منَّا كما قنطتَهُ مِنْ عفوِكَ ، وباعدْ بينا وبينَهُ كما باعدتَ بينَهُ وبِينَ جَنَتِكَ ، إنَّكَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ)، قالَ : فتمثَّلَ لهُ إبليسُ يوماً في طريقِ المسجدِ ، فقالَ لهُ : يا بنَ واسع ؛ هلْ تعرفُني ؟ قالَ : ومَنْ أنتَ ؟ قالَ : أنا إبليسُ ، فقالَ : وما تريدُ ؟ قالَ : أريدُ ألا تعلِّمَ أحداً هذهِ الاستعاذةَ ولا أتعرَّضُ لكَ ، قالَ : واللهِ ، لا منعتُها ممَّنْ أرادَها ، فاصنع ما شئتَ . وعنْ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى قالَ : كانَ شيطانٌ يأتي النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بيدِهِ شعلةٌ مِنْ نارٍ، فيقومُ بينَ يديهِ وهوَ يصلِّي ، فيقرأُ ويتعوَّذُ فلا يذهبُ، فأتاهُ جبريلُ عليهِ السلامُ فقالَ لهُ : قلْ : أعوذُ بكلماتِ اللهِ التامَّاتِ التي لا يجاوزُهُنَّ برٌّ ولا فاجرٌّ مِنْ شرِّ ما يلجُ في الأرضِ وما يخرجُ منها، وما ينزلُ مِنَ السماءِ وما يعرجُ فيها ، ومِنْ فتنِ الليلِ والنهارِ ومنْ طوارقِ الليلِ والنهارِ ، إلا طارقاً طرقُ بخيرٍ يا رحمانُ، فقالَ ذلكَ، فطفئَتْ شعلتُهُ وخرَّ على وجهِهِ (١). وقالَ الحسنُ : ( نُبئتُ أنَّ جبريلَ عليهِ السلامُ أتى النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ : إنَّ عفريتاً مِنَ الجنِّ يكيدُكَ ، فإذا أويتَ إلى فراشِكَ .. فاقرأُ آيَةَ الكرسيِّ)(٢) . ـمن وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لقدْ أتاني شيطانٌ فنازعَني، ثمَّ نازعَني ، من حن حن عن (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكايد الشيطان)) (٦٩)، ورواه الطبراني في ((الأوسط)) (٤٣) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى كذلك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكايد الشيطان)) (٦٧)، والدينوري في (( المجالسة وجواهر العلم )) (ص ٤٨٤ ). ١٣٤ ٹں ثر ربع المهلكات كتاب عجائب القلب فأخذتُ بحلْقِهِ ، فوالذي بعثَني بالحقِّ ما أرسلتُهُ حتَّى وجدتُ بردَ لسانِهِ على يدي ، ولولا دعوةُ أخي سليمانَ عليهِ السلامُ .. لأصبحَ طريحاً في المسجدِ حتى ينظرَ الناسُ إليهِ)) (١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( ما سلكَ عمرُ فجّأَ إلا سلكَ الشيطانُ فجّأً غيرَ الذي سلكَهُ عمرُ))(٢)، وهذا لأنَّ القلوبَ كانَتْ مطهّرةً عنْ مرعى الشيطانِ وقوتِهِ ، وهيَ الشهواتُ . فمهما طمعتَ في أن يندفعَ الشيطانُ عنكَ بمجرَّدِ الذكرِ كما اندفعَ عنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ .. كانَ محالاً، وكنتَ كمَنْ يطمعُ أنْ يشربَ دواءً قبلَ الاحتماءِ والمعدةُ مشحونةٌ بغليظِ الأطعمةِ ، ويطمعُ أنْ ينفعَهُ كما نفعَ الذي شربَهُ بعدَ الاحتماءِ وتخليةِ المعدةِ ، فالذكرُ الدواءُ ، والتقوى احتماءٌ ، وهيَ تخلِّي القلبِ عنِ الشهواتِ ، فإذا نزلَ الذكرُ قلباً فارغاً عنْ غيرِ الذكرِ .. اندفعَ الشيطانُ كما تندفعُ العلَّةُ بنزولِ الدواءِ في معدةٍ خاليةٍ عنِ الأطعمةِ ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبُّ﴾. وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلَّاهُ فَأَتَهُ يُضِلُّمُ وَبَدِيهِ إِلَى عَذَابٍ السَّعِيرِ﴾، ومَنْ ساعدَ الشيطانَ بعملِهِ .. فهوَ مُواليهِ وإنْ ذكرَ اللهَ بلسانِهِ . (١) رواه ابن أبي الدنيا هكذا في ((مكايد الشيطان)) (٦٨) عن الشعبي مرسلاً، ورواه النسائي في (( السنن الكبرى)) (٥٥٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً . (٢) رواه البخاري (٣٢٩٤)، ومسلم (٢٣٩٦) بنحوه . ١٣٥ كتاب عجائب القلب ربع المهلكات وإنْ كنتَ تقولُ : ( الحديثُ قدْ وردَ مطلقاً بأنَّ الذكرَ يطردُ الشيطانَ ) ، ولم تفهمْ أنَّ أكثرَ عموماتِ الشرع مخصوصةٌ بشروطٍ نقلَها علماءُ الدينِ .. فانظرْ إلى نفسِكَ ، فليسَ الخبرُ كالعيانِ ، وتأمَّلْ أنَّ منتهى ذكرِكَ وعبادِتِكَ الصلاةُ ، فراقبْ قلبَكَ إذا كنتَ في صلواتِكَ : كيفَ يجاذبُهُ الشيطانُ إلى الأسواقِ ، وحسابِ المعاملينَ ، وجوابِ المعاندينَ ، وكيفَ يمرُّ بكَ في أوديةِ الدنيا ومهالكِها ، حتَّى إِنَّكَ لا تذكرُ ما قدْ نسيتَهُ مِنْ فضولِ الدنيا إلا في صلاتِكَ ، ولا يزدحمُ الشيطانُ على قلبكَ إلا إذا صلَّيتَ ، فالصلاةُ محكٌ القلوبِ ، فيها يظهرُ محاسنُها ومساويها ، والصلاةُ لا تُقْبِلُ مِنَ القلوبِ المشحونةِ بشهواتِ الدنيا ، فلا جرمَ لا ينطردُ عنكَ الشيطانُ ، بلْ ربما يزيدُ عليكَ الوسواسَ ، كما أنَّ الدواءَ قبلَ الاحتماءِ ربّما يزيدُ عليكَ الضررَ . فإنْ أردتَ الخلاصَ مِنَ الشيطانِ .. فقدِّم الاحتماءَ بالتقوى، ثمّ أردفْهُ بدواءِ الذكرِ .. يفرُّ الشيطانُ منكَ كما فرَّ مِنْ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُ(١). ولذلكَ قالَ وهبُ بنُ منبهٍ : ( اتقِ اللهَ، ولا تسبَّ الشيطانَ في العلانيةِ (١) وهذا حال من انتهى به سلوكه ، وأشرقت عليه أنوار التوفيق ، فلبس لأمة الصدق ، وتحلى بأسلحة العزل ، ودخل في حومة الحرب بين باعث الدين وداعي الهوى ، فكانت الغلبة لداعي الدين ، وفرت جيوش الشياطين ، ولذا قال أبو حازم : ما الشيطان حتى يهاب ؟! فوالله ؛ لقد أطيع فما نفع ، وعُصي فما ضرّ، وقال بعضهم : لولا أن الحق سبحانه أمرنا بالاستعاذة منه .. ما استعذت منه ؛ لحقارته ، وهذا شأن المتقين . («إتحاف)) ( ٧ / ٢٨٧ ) . جم ١٣٦ جن ربع المهلكات كتاب عجائب القلب وأنتَ صديقُهُ في السرِّ)(١) أيْ: أنتَ مطيعٌ لهُ . وقالَ بعضُهُمْ : ( يا عجباً لمَنْ يعصي المحسنَ بعدَ معرفتِهِ بإحسانِهِ ، ويطيعُ اللعينَ بعدَ معرفتِهِ بطغيانِهِ ) . حم . وكما أنَّ اللهَ تعالى قالَ: ﴿أَدْعُونِيِّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فأنتَ تدعو ولا يستجيبُ لكَ .. فكذلكَ تذكرُ اللهَ ولا يهربُ الشيطانُ منكَ؛ لفقدٍ شروطِ الذكرِ والدعاءِ . قيلَ لإبراهيمَ بنِ أدهمَ : ما بالُنا ندعو فلا يُستجابُ لنا وقدْ قالَ تعالى : ﴿ أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَّكُمْ﴾؟ قالَ: لأنَّ قلوبَكُمْ ميتةٌ ، قيلَ : وما الذي أماتَها ؟ قالَ : ثمانٍ خصالٍ : عرفتُمُ اللهَ ولمْ تقوموا بحقِّهِ ، وقرأتُمُّ القرآنَ ولمْ تعملوا بحدودِهِ ، وقلتُمْ: ( نحبُّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ) ولمْ تعملوا بسنَّتِهِ ، وقلتُمْ: ( نخشى الموتَ) ولمْ تستعدُّوا لهُ، وقالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فواطأتموهُ على المعاصي ، وقلتُمْ: ( نخافُ النارَ ) وأرهقتُمْ أبدانَكُمْ فيها ، وقلتُمْ : ( نحب الجنَّةَ) ولم تعملوا لها ، وإذا قمتُمْ مِنْ فرشِكُمْ رميتُمْ عيوبَكُمْ وراءَ ظهورِكُمْ ، وافترشتُمْ عيوبَ الناسِ أمامَكُمْ ، فأسخطتُمْ ربَّكُمْ ، فكيفَ يستجيبُ لكُمْ ؟!(٢) . هم عبر (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٥٤/٨) عن وهيب بن الورد . (٢) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (١٥/٨)، وزاد ثنتين: ( أكلتم نعمة ربكم ولم تشكروها ، ودفنتم أمواتكم ولم تعتبروا بهم ) . ١٣٧ محنة كنة جن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات فإنْ قلتَ : فالداعي إلى المعاصي المختلفةِ شيطانٌ واحدٌ أوْ شياطينُ مختلفونَ ؟ فاعلم : أنَّهُ لا حاجةَ لكَ إلى معرفةِ ذلكَ في المعاملةِ ، فاشتغلْ بدفع العدوِّ ، ولا تسألْ عنْ صفتِهِ ، كُلِ البقلَ مِنْ حيثُ يُؤْتِىُ بهِ ولا تسلْ عنِ المبقلةِ . ولكنِ الذي يتضحُ بنورِ الاستبصارِ وشواهدِ الأخبارِ أنَّهُمْ جنودٌ مجنّدةٌ ، وأنَّ لكلِّ نوع مِنَ المعاصي شيطاناً يخصُّهُ ويدعو إليهِ ، فأمَّا طريقُ الاستبصارِ .. فذكرُهُ يطولُ، ويكفيكَ القدْرُ الذي ذكرناهُ، وهوَ أنَّ اختلافَ المسبباتِ يدلُّ على اختلافِ الأسبابِ كما ذكرناهُ في نورِ النارِ وسوادٍ الدخان . وأمَّا الأخبارُ : فقدْ قالَ مجاهدٌ: ( لإبليسَ خمسةٌ مِنَ الأولادِ ، قدْ جعلَ كلَّ واحدٍ منهُمْ على شيءٍ مِنْ أمرِهِ : ثبرٌ ، والأعورُ ، ومِسْوَطُ ، وداسمٌ ، وزلنبورٌ؛ فأمَّا ثبرٌ .. فهوَ صاحبُ المصائبِ الذي يأمرُ بالثبورِ ، وشقِّ الجيوبِ ، ولطمِ الخدودِ ، ودعوى الجاهليةِ، وأمَّا الأعورُ .. فإنَّهُ صاحبُ الزنا ، يأمرُ بهِ ويزيّنُهُ، وأمَّا مِسوطٌ .. فهوَ صاحبُ الكذبِ ، وأمَّا داسمٌ .. فإنَّهُ يدخلُ معَ الرجلِ إلى أهلِهِ ، يرميهِمْ بالعيبِ عندَهُ ، ويغضبُهُ عليهِمْ ، وأمَّا زلنبورٌ .. فهوَ صاحبُ السوقِ ، فبسببهِ لا يزالونَ ملتطمينَ ) . حن حن كن حن خن حى حن حج حن حن ١٣٨ سمن حن كن + -٣. ربع المهلكات 9.95 كتاب عجائب القلب وشيطانُ الصلاةِ يسمَّى خَنزِبَ ، وشيطانُ الوضوءِ يسمَّى الولهانَ ، وقدْ وردَ في ذلكَ أخبارٌ كثيرةٌ . وكما أنَّ الشياطينَ فيهِمْ كثرةٌ .. فكذلكَ في الملائكةِ كثرةٌ ، وقد ذكرنا في كتابِ الشكرِ السرَّ في كثرةِ الملائكةِ ، واختصاصٍ كلِّ واحدٍ منهُمْ بعملٍ يتفردُ بهِ . حن ـكن وقدْ قالَ أبو أمامةَ الباهليُّ: قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( وُكِّلَ بالمؤمنِ مئةٌ وستونَ ملكاً يذبُّونَ عنهُ ما لمْ يُقَذَّرْ عليهِ، مِنْ ذلكَ : للبصرِ سبعةٌ أملاكِ يذبُّونَ عنهُ كما يُذَبُّ الذبابُ عنْ قصعةِ العسلِ في اليومِ الصائفِ ، وما لوْ بدا لكُمْ .. لرأيتموهُ على كلِّ سهلٍ وجبلٍ ، كلَّهُمْ باسطَ يدَهُ، فاغرٌّ فاهُ ، ولوْ وُكلَ العبدُ إلى نفسِهِ طرفةَ عينٍ .. لاختطفَتْهُ الشياطينُ))(١). وقالَ أيوبُ بنُ يزيدَ : ( بلغَنا أنَّهُ يُولدُ معَ أبناءِ الإِنسِ مِنْ أبناءِ الجنِّ ، ثمَّ ينشؤونَ معَهُمْ ) . وقالَ جابرُ بنُ عبدِ اللهِ : إنَّ آدَمَ عليهِ السلامُ لمَّا أُهبطَ إلى الأرضِ .. قالَ : يا ربِّ ؛ هذا العبدُ الذي جعلتَ بيني وبينَهُ عداوةٌ إنْ لمْ تُعنِّي عليهِ .. لا أقوىُ عليهِ ، قالَ: لا يُولدُ لكَ ولدٌ إلا ؤُكِّلَ بهِ ملكٌ، قالَ : يا ربِّ؛ زدْني ، قالَ : أجزي بالسيئة سيئةً ، وبالحسنةِ عشراً إلى ما أريدُ ، قالَ : (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكايد الشيطان)) (٧٥)، والديلمي في (( مسند الفردوس)) (٧١١٧ ) . ١٣٩ كتاب عجائب القلب ربع المهلكات يا ربِّ ؛ زدْني، قالَ : بابُ التوبةِ مفتوحٌ ما دامَ في الجسدِ الروحُ ، فقالَ إبليسُ : يا ربِّ؛ هذا العبدُ الذي كرَّمتَهُ عليَّ إلا تعنِّي عليهِ .. لا أقوى عليهِ ، قالَ : لا يولدُ لهُ ولدٌ إلا وُلِدَ لكَ ولدٌ، قالَ: يا ربِّ؛ زدْني ، قالَ : تجري منهُمْ مَجرى الدم ، وتتخذُ مِنْ صدورِهِمْ بيوتاً ، قالَ : يا ربِّ؛ زدْني، قالَ: ﴿ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ إلى قولِهِ : ﴿غُرُورًا﴾(١). وعنْ أبي الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( خلقَ اللهُ الجنَّ ثلاثةَ أصنافٍ : صنفٌ حيَّاتٌ وعقاربُ وخشاشُ الأرضِ ، وصنفٌ كالريح في الهواءِ ، وصنفٌ عليهمُ الحسابُ والعقابُ ، وخلقَ اللهُ تعالى الإنسَ ثلاثةَ أصنافٍ : صنفٌّ كالبهائم ؛ كما قال تعالى : ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌّ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ﴾، وصنفٌ أجسامُهُمْ أجسامُ بني آدمَ وأرواحُهُمْ أرواحُ الشياطينِ، وصنفٌ في ظلِّ اللهِ تعالى يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّهُ))(٢). ـن وقالَ وهيبُ بنُ الوردِ : بلغَنا أنَّ إبليسَ تمثَّلَ ليحيى بنِ زكريا عليهِما السلامُ ، وقالَ : إنِّي أريدُ أنْ أنصحَكَ ، قالَ : لا حاجةَ بي إلى نصحِكَ ، C (١) رواه ابن أبي الدنيا في ((مكايد الشيطان)) ( ٧٣)، وابن عساكر في (( تاريخ دمشق )) ( ٤٣٨/٧ ) . (٢) رواه ابن أبي الدنيا في (( مكايد الشيطان)) (١) مقتصراً على الجن ، ورواه بتمامه أبو الشيخ في « العظمة)) ( ١٠٨١). ١٤٠ .. ....