Indexed OCR Text
Pages 81-100
ربع المهلكات كتاب عجائب القلب إيهام قدميهِ يحبو على وجهه ويديهِ ورجليهِ ، يجرّ يداً ويعلَّقُ أخرى ، ويجرّ ١ رجلاً ويعلِّق أخرى ، ويصيبُ جوانبَهُ النارُ ، فلا يزالُ كذلكَ حتَّى يخلصَ )) الحديثُ(١) . فبهذا يظهرُ تفاوتُ الناسِ في الإِيمانِ ، ولوْ وُزنَ إيمانُ أبي بكرٍ رضيّ اللهُ عنهُ بإِيمانِ العالمينَ سوى النبيِّينَ والمرسلينَ .. لرجحَ ، وهذا أيضاً يضاهي قولَ القائلِ: (لوْ وُزنَ نورُ الشمسِ بنورِ السُّرُجِ كلِّها .. لرجحَ)، فإِيمانُ آحادِ العوامّ نورُهُ مثلُ نورِ السراجِ ، وبعضُهُمْ نورُهُ كنورِ الشمع ، وإيمانُ الصديقينَ نورُهُ كنورِ القمرِ والنجومِ ، وإيمانَ الأنبياءِ كنورٍ الشمسِ . حن وكما ينكشفُ في نورِ الشمسِ صورةُ الآفاقِ معَ اتساع أقطارِها ولا ينكشفُ في نورِ السراج إلا زاويةٌ ضيّقةٌ مِنَ البيتِ .. فكذلكَ تفاوتُ انشراحِ الصدورِ بالمعارفِ ، وانكشافُ سعةِ الملكوتِ لقلوبِ العارفينَ ، ولذلكَ جاءَ في الخبرِ: أنَّهُ يُقالُ يومَ القيامةِ: ((أخرجوا مِنَ النارِ مَنْ كانَ في قلبهِ مثقالٌ منَ الإيمانِ ، ونصفُ مثقالٍ ، وربعُ مثقالٍ ، وشعيرةٌ ، وذرّةٌ))(٢) ، كلُّ ذلكَ تنبيهٌ على تفاوتِ درجاتِ الإِيمانِ، وأنَّ هذهِ المقاديرَ (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٧٠٠)، والطبراني في (( الكبير)) (٣٥٧/٩)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٨٩/٤) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه . (٢) رواه البخاري (٧٤١٠)، ومسلم ( ١٩٣) . ٨١ حن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات مِنّ الإِيمانِ لا تمنعُ دخولَ النارِ ، وفي مفهومِهِ أنَّ مَنْ إيمانُهُ يزيدُ على مثقالٍ .. فإِنَّهُ لا يدخلُ النارَ ؛ إذْ لَوْ دخلَ .. لأمرَ بإِخراجِهِ أوَّلاً، وأنَّ مَنْ في قلبِهِ مثقالُ ذرَّةٍ لا يستحقُّ الخلودَ في النارِ وإِنْ دخلَها . وكذلكَ قولُهُ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ليسَ شيءٌ خيراً مِنْ أَلْفِ مثلِهِ إلاّ الإنسانُ المؤمنُ))(١) ، إشارةً إلى تفضيلِ قلبِ العارفِ باللهِ تعالى الموقنِ ، فإِنَّهُ خيرٌ مِنْ ألفِ قلبٍ مِنْ عوامِ الخلقِ . وقدْ قالَ تعالى: ﴿ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ تفضيلاً للمؤمنينَ على المسلمينَ ، والمرادُ بهِ المؤمنُ العارفُ دونَ المقلِّدِ ، وقال تعالى : ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾ فأرادَ ههنا بالذينَ آمنوا : الذينَ صدَّقُوا مِنْ غيرِ علمٍ ، وميَّزَهُمْ عنِ الذينَ أُوتوا العلمَ . ويدلُّ ذلكَ على أنَّ اسمَ المؤمنِ يقعُ على المقلَّد وإنْ لمْ يكنْ تصديقُهُ عنْ بصيرةٍ وكشفٍ ، وفسَّرَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما قولَهُ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ أُوتُواْ اٌلْعِلْمَ دَرَحَتٍ﴾، فقالَ: (يرفعُ اللهُ العالمَ فوقَ المؤمنِ بسبع مئةِ درجةٍ ، بينَ كلِّ درجتين كما بينَ السماءِ والأرضِ )(٢) . (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٣٨/٦) من حديث سلمان رضي الله عنه ، والقضاعي في (( الشهاب)) (١٢١٦)، والطبراني في ((الصغير)) (١٤٧/١) عن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما . (٢) قوت القلوب (١١٧/١)، ورواه مرفوعاً أبو يعلى في ((المسند)) (٨٥٦)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١٢٩ ) بنحوه . ٨٢ حن حن ٥٠.رة شن كن حن حن كن حج حن حن حن ون ى ت* ٥% قت ربع المهلكات كتاب عجائب القلب وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((أكثرُ أهلِ الجنَّةِ البلْهُ، وعلِيونَ لذوي الألبابِ))(١) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((فضلُ العالمِ على العابدِ كفضلي على أدنى رجلٍ مِنْ أصحابي))(٢) ، وفي روايةٍ : (( كفضلِ القمرِ ليلةَ البدرِ على سائرٍ الكواكبٍ))(٣). فبهذهِ الشواهدِ يتضحُ تفاوتُ درجاتِ أهلِ الجنةِ بحسَبِ تفاوتٍ قلوبِهِمْ ومعارفِهِمْ، ولهذا كانَ يومُ القيامةِ يومَ التغابنِ ؛ إِذ المحرومُ مِنْ رحمةِ اللهِ عظيمُ الغَبْنِ والخسرانِ ، والمحرومُ يرىُ فوقَ درجتِهِ درجاتٍ عظيمةٌ ، فيكونُ نظرُهُ إليها كنظرِ الغنيِّ الذي يملكُ عشرةَ دراهمَ إلى الغنيِّ الذي يملكُ الأرضَ مِنَ المشرقِ إِلى المغربِ ، وكلُّ واحدٍ منهما غنيٌّ ، ولكنْ ما أعظمَ الفرقَ بينَهُما ، وما أعظمَ الغبنَ على مَنْ بُخِسَ حظّهُ مِنْ ذلكَ، وللآخرةُ أكبرُ درجاتٍ وأكبرُ تفضيلاً . جي بہہ (١) رواه الطحاوي في (( شرح مشكل الآثار)) (٤٣١/٧)، وابن عدي في (( الكامل)) (٣١٣/٣)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (٩٨٩)، والبيهقي في (« الشعب» (١٣٠٤) دون زيادة: (وعليون لذوي الألباب)، وهي عند صاحب ((القوت)) (١١٧/١)، وقد روى نحو هذه الزيادة الحافظ المزي في ((تهذيب الكمال)) (١١٧/٢٦- ١١٨) عن أحمد بن أبي الحواري رحمه الله تعالى. (٢) رواه الترمذي (٢٦٨٥). (٣) رواه أبو داوود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣). ٨٣ كتاب عجائب القلب ربع المهلكات بيان شواحد الشرع على صحة طريق أحل ◌ّوفى في اكتساب المعرفة لا من العلم، ولا من الطريق المعتاد ٥ اعلمْ : أَنَّ مَنِ انكشفَ لهُ شيءٌ ولوِ الشيءَ اليسيرَ بطريقِ الإِلهامِ والوقوعِ في القلبِ مِنْ حيثُ لا يدري .. فقدْ صارَ عارفاً بصحَّةِ الطريقِ ، ومَنْ لَمْ يدركْ ذلكَ مِنْ نفسِهِ قطُّ .. فينبغي أنْ يؤمنَ بهِ ؛ فإِنَّ درجةَ المعرفةِ فيهِ عزيزةٌ جداً ، ويشهدُ لذلكَ شواهدُ الشرع والتجارِبُ والحكاياتُ . أمَّا الشواهدُ: فقولُهُ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَهَدُواْ فِينَا لَنَهَدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، فكلُّ حكمةٍ تظهرُ مِنَ القلبِ بالمواظبةِ على العبادةِ مِنْ غيرِ تعلّم .. فهوَ بطريقٍ و الكشفِ والإِلهامِ . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( مَنْ عملَ بما عِلِمَ .. ورَّثَهُ اللهُ علمَ ما لمْ يعلمْ ، ووفَّقَهُ فيما يعملُ حتَّى يستوجبَ الجنَّةَ، ومَنْ لمْ يعملْ بما يعلمُ .. تأهَ فيما يعلمُ، ولمْ يوفَّقْ فيما يعملُ حتَّى يستوجبَ النارَ))(١) . ـون (١) كذا هو بتمامه في ((القوت)) (١١٩/١)، وقد تقدم صدره ، قال الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٢٥٨/٧): (هذا نص ((القوت)»، فهو من قول بعض التابعين، وسياق المصنف يقتضي أنه بقية الحديث السابق، ولذا قال العراقي: (( صدر الحديث تقدم في العلم ، وهذه الزيادة لم أرها)) ، والذي يظهر لي أنه سقط كلام من النساخ ) . ق؟ ق ٨٤ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب وقالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ, مَخْرَجًا﴾: مِنَ الإشكالاتِ والشُّبَهِ، ﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾: يعلِّمْهُ علماً مِنْ غيرِ تعلُّم، ويفطِّنْهُ مِنْ غيرِ تجرِبةٍ . جن وقالَ اللهُ تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْاْ إِن تَثَّقُواْ اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾، قيلَ : نوراً يفرقُ بهِ بينَ الحقِّ والباطلِ ، ويخرجُ بهِ مِنَ الشبهاتِ ، ولذلكَ كانَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يكثرُ في دعائِهِ مِنْ سؤالِ النورِ ، فقالَ: (( اللَّهِمَّ ؛ أعطني نوراً ، وزدني نوراً ، واجعلْ لي في قلبي نوراً ، وفي قبري نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نوراً)) حتَّى قالَ: (( في شعري ، وبشري ، ولحمي ، ودمي، وعظامي)) (١) . وسُئِلَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ قولِ اللهِ تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّهِ﴾ ما هذا الشرحُ؟ فقالَ: ((هوَ التَّوسعةُ، إِنَّ النورَ إذا قُذِفَ بهِ في القلبِ .. اتَّسعَ لهُ الصدرُ وانشرحَ)) (٢) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما: « اللَّهمَّ؛ فَقِّهْهُ في الدينِ، وعلِّمُهُ التأويلَ))(٣). فعـ وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ( ما عندَنا شيءٌ أسرَّهُ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ (١) رواه البخاري (٦٣١٦)، ومسلم (٧٦٣) . (٢) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٣١١/٤)، والبيهقي في ((الشعب)) ( ١٠٠٦٨). (٣) رواه البخاري (١٤٣) دون قوله: ((وعلمه التأويل))، وبتمامه عند أحمد في ((المسند)) (٢٦٦/١) . ـ23 ټٹ* ٨٥ حن دن شن ون عن حن حر كتاب عجائب القلب ج. ربع المهلكات إلينا إلا أنْ يُؤتِيَ اللهُ تعالى عبداً فهماً في كتابِهِ )(١) ، وليسَ هذا بالتعلُّمِ . ـ٥٠ وقيلَ في تفسيرِ قولِهِ تعالى: ﴿يُؤْتِ اَلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾: إنَّهُ الفهمُ في كتابِ اللهِ تعالى(٢). وقال تعالى: ﴿فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَ﴾، خصَّ ما انكشفَ باسمِ الفهمِ (٣). وكانَ أبو الدرداءِ رضيَ اللهُ عنهُ يقولُ : ( المؤمنُ ينظرُ بنورِ اللهِ مِنْ وراءِ ستْرٍ رقيقٍ، واللهِ ؛ إنَّهُ للحقُّ يقذفُهُ اللهُ في قلوبِهِمْ، ويجريهِ على ألسنتِهِمْ) (٤). وقالَ بعضُ السلفِ : ( ظنُّ المؤمنِ كهانةٌ )(٥) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( اتقوا فِراسةَ المؤمنِ ؛ فإنَّهُ ينظرُ بنورِ اللهِ تعالى))(٦)، وإليه يشيرُ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَوَسِّينَ﴾، وقولُهُ تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَتِ لِقَّوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ . وروى الحسنُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ: (( العلمُ علمانِ ، فعلمٌ باطنٌ في القلبِ فذلكَ هوَ العلمُ النّافِعُ))(٧) . (١) رواه النسائي (٢٣/٨) بنحوه . (٢) قوت القلوب (١١٨/١). (٣) قوت القلوب (١١٨/١). (٤) قوت القلوب (١١٨/١). (٥) قوت القلوب (١١٨/١)، وقال : ( أي : كأنه سحر في نفاذه وصحة وقوعه) . (٦) رواه الترمذي (٣١٢٧) . (٧) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٣٥٥٠٢)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١١٥٠ ) . ٨٦ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب حن وسُئِل بَعضُ العلماءِ عنِ العلمِ الباطنِ ما هوَ؟ فقالَ: ( هوَ سٍّ مِنْ أسرارِ اللهِ تعالى يقذفُهُ في قلوبِ أحبابِهِ ، لمْ يُطلعْ عليهِ ملكاً ولا بشراً)(١) . وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ مِنْ أَمَّتي محدَّثينَ ومكلَّمينَ، وإنَّ عمرَ منهُمْ))(٢) . وقرأَ ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما : ﴿وما أرسلنا مِنْ قبلِكَ مِنْ رسولٍ ولا نبيِّ ولا محدَّثٍ﴾ يعني: الصدِّيقينَ، والمحدَّثُ هوَ الملهَمُ، والملهَمُ هوّ الذي انكشفَ لهُ في باطنِ قلبِهِ مِنْ جهةِ الداخلِ(٣)، لا مِنْ جهةٍ المحسوساتِ الخارجةِ . % بالا. والقرآنُ مصرِّحٌ بأنَّ التقوى مفتاحُ الهدايةِ والكشفِ ، وذلكَ علمٌّ مِنْ غيرِ تعلُّمِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ خصَّصَها بِهِمْ . وقال تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدِّى وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وكانَ أبو يزيدَ وغيرُهُ يقولُ: ( ليسَ العالمُ الذي يحفظُ مِنْ كتابٍ ، فإِذا نسيَ ما حفظَهُ .. صارَ جاهلاً، إنَّما العالمُ الذي يأخذُ علمَهُ مِنْ رَبِّهِ أيَّ (١) قوت القلوب (١٢٠/١). (٢) رواه البخاري (٣٤٦٩)، ومسلم (٢٣٩٨)، واللفظ هنا عند صاحب ((القوت)) (١/ ١٢١ ). (٣) الذي هو قلب القلب، وفيه باب إلى الملكوت الأعلى. ((إتحاف)) (٢٥٩/٧). ـت: ٨٧ حن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات وقتٍ شاءَ ، بلا حفظٍ ولا درسٍ )(١). وهذا هوَ العالمُ الربّانيُّ، وإليهِ الإِشارةُ بقولهِ تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾، معَ أنَّ كلَّ علمٍ مِنْ لدنْهُ عزَّ وجلَّ، ولكنَّ بعضَها بوسائطٍ تعليمِ الخلقِ ، فلا يُسمَّى ذلكَ علماً لدنِّاً ، بلِ اللدنِيُّ الذي ينفتحُ في سرِّ القلبِ مِنْ غيرِ سببٍ مألوفٍ مِنْ خارجٍ . فهذهِ شواهدُ النقلِ، ولوْ جُمِعَ كلُّ ما وردَ فيهِ مِنَ الآياتِ والأخبارِ والآثارِ .. لخرجَ عنِ الحصرِ . وأمَّا مشاهدةُ ذلكَ بالتجارِبِ : فذلكَ أيضاً خارجٌ عنِ الحصرِ ، وظهرَ ذلكَ على الصحابةِ والتابعينَ ومَنْ بعدَهُمْ . قالَ أبو بكرٍ الصدِّيقُ رضيَ اللهُ عنهُ لعائشةَ رضيَ اللهُ عنها عندَ موتِهِ : (إِنَّما هما أخواكِ وأختاكِ ) ، وكانَتْ زوجتُهُ حاملاً، فولدَتْ بنتاً ، فكانَ قدْ عرفَ قبلَ الولادةِ أنَّها بنتٌ(٢). ـون (١) قوت القلوب (١٢١/١). (٢) روى مالك في ((الموطأ)) (٧٥٢/٢) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : إن أبا بكر الصديق كان نحلَها جادًّ - أي: مجدود بمعنى مقطوع - عشرين وسقاً من ماله بالغابة ، فلما حضرته الوفاة .. قال: والله يا بنيّة ؛ ما من الناس أحد أحب إلي غنىّ بعدي منك ، ولا أعز علي فقراً بعدي منك ، وإني كنت نحلتك جادًّ عشرين وسقاً ، فلو كنت جددتيه واحتزتيه .. كان لك ، وإنما هو اليوم مال وارث ، وإنما هما أخواك وأختاك ، فاقتسموه على كتاب الله، قالت عائشة: فقلت: يا أبتِ؛ والله لو كان كذا وكذا .. لتركته ، إنما = ٨٨ ون حر ربع المهلكات كتاب عجائب القلب وقالَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ في أثناءِ خطبتِهِ : ( يا ساريةُ ؛ الجبلَ الجبلَ ) إِذ انكشفَ لهُ أنَّ العدوَّ قدْ أشرفَ عليهِ، فحذَّرَهُ بمعرفتِهِ ذلكَ(١)، ثمَّ بلوغُ صوتِهِ إليهِ مِنْ جملةِ الكراماتِ العظيمةِ . وعنْ أنسٍ بنِ مالكٍ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : دخلتُ على عثمانَ رضيَ اللهُ عنهُ وكنتُ قدْ لقيتُ امرأةً في طريقي ، فنظرتُ إليها شزراً ، وتأقَّلْتُ محاسنَها ، فقالَ عثمانُ رضيَ اللهُ عنهُ لما دخلتُ : يدخلُ عليَّ أحدُكُمْ وآثارُ الزنا ظاهرةٌ على عينيهِ ؟! أما علمتَ على أنَّ زنا العينينِ النظرُ؟ لتتوبنَّ أَوْ لأعزِّنَّكَ ، فقلتُ : أوحيٌّ بعدَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟! فقالَ: لا ، ولكنْ تبصرةٌ وبرهانٌ وفراسةٌ صادقةٌ(٢) . ۵﴾. وعنْ أبي سعيدِ الخرّازِ قالَ : دخلتُ المسجدَ الحرامَ ، فرأيتُ فقيراً عليهِ خرقتانِ ، فقلتُ في نفسي : هذا وأشباهُهُ كَلٌّ على الناسِ ، فناداني وقالَ : ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوهُ﴾، فاستغفرتُ اللهَ في سرِّي ، فناداني وقالَ: ﴿ وَهُوَ اَلَّذِى يَقْبَلُ النَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، ثمَّ غابَ عنِّي فلمْ أَرَهُ(٣). هي أسماء ، فمن الأخرى ؟ فقال أبو بكر : ذو بطن بنت خارجة ، أُراها جاريةً . = فكانت كما قال رضي الله تعالى عنه ، وولدت له أم كلثوم . (١) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص ٩٨)، والبيهقي في ((الاعتقاد)) (ص٤٣٠)، قال الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٢٦٠/٧): ( وقد أفرد لطرقه القطب الحلبي الحافظ جزءاً ) . (٢) الرسالة القشيرية (ص٤٠٥ ). (٣) الرسالة القشيرية (ص ٤٠٥). ٨٩ ثن شي شن عن صن كتاب عجائب القلب ـآن ربع المهلكات وقالَ زكريا بنُ دِلُويةَ : دخلَ أبو العباسِ بنُ مسروقٍ على أبي الفضلِ الهاشميِّ وهوَ عليلٌ، وكانَ ذا عيالٍ، ولمْ يُعرفْ لهُ سببٌ يعيشُ بهِ ، قالَ: فلما قمتُ .. قلتُ في نفسي : مِنْ أينَ يأكلُ هذا الرجلُ ؟ قَالَ : فصاحَ بي: يا أبا العباسِ ؛ رُدَّ هذهِ الهمَّةَ الدنيَّةَ؛ فإنَّ للهِ تعالى ألطافاً خفيَّةً (١). وقالَ أحمدُ النقيبُ : دخلتُ على الشبليِّ ، فقالَ مفتوناً : يا أحمدُ ؛ فقلتُ : ما الخبرُ؟ قالَ : كنتُ جالساً ، فجرى بخاطري : إنَّكَ بخيلٌ(٢) ، فقلتُ : ما أنا ببخيلٍ ، فقاومَني خاطري وقالَ : بلى، أنتَ بخيلٌ ، فقلتُ : ما فُتَحَ اليومَ عليَّ بشيءٍ إلا دفعتُهُ إلى أوَّلِ فقيرٍ يلقاني ، قالَ : فما استتمَّ الخاطرُ حتَّى دخلَ عليَّ صاحبٌ لمؤنسٍ الخادم ومعَهُ خمسونَ ديناراً ، فقالَ : اجعلْها في مصالِحِكَ ، قالَ : فقمتُ فأخذتُها وخرجتُ ، وإذا بفقیرِ مكفوفٍ بينَ يدي مزيِّنِ يحلقُ رأسَهُ ، فتقدمتُ إليهِ وناولتُهُ الدنانيرَ ، فقالَ : أعطِها المزيِّنَ ، فقلتُ : إنَّها دنانيرُ!، فقالَ : أوَليسَ قدْ قلنا لكَ : إنَّكَ بخيلٌ ؟! قالَ : فناولتُها المزيَّنَ ، فقالَ المزيِّنُ : قدْ عقدْنا لما جلسَ هذا الفقيرُ بينَ أيدينا ألا نأخذَ عليهِ أجراً ، قالَ : فرميتُ بها في دجلةَ ، وقلتُ : ما أعزَّكِ أحدٌ إلا أذلَّهُ اللهُ عزَّ وجلَّ (٣). ٢ (١) رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٦٤/١٠). (٢) عنى الشبلي نفسه ، لا مخاطبه . (٣) نقلها من بعد المصنف اليافعي في ((الإرشاد والتطريز)) ( ص ١٠٩)، وابن الملقن في ((طبقات الأولياء)) (ص٢٠٨)، وعن حكم إتلاف المال أورد الإمام أبو النصر الطوسي في (( اللمع)) (ص٤٨٣)، واليافعي في ((الإرشاد)) أجوبة عن ذلك. من ئن في آن حن ٩٠ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب وقالَ حمزةُ بنُ عبدِ اللهِ العلويُّ : دخلتُ على أبي الخيرِ التِّناتيِّ ، واعتقدتُ في نفسي أنْ أسلِّمَ عليهِ ولا آكلَ في دارِهِ طعاماً ، فلمَّا خرجتُ مِنْ عندِهِ .. إذا بهِ قدْ لحقَني وقدْ حملَ طبقاً فيهِ طعامٌ وقالَ : يا فتى ، كُلْ ؛ فقدْ خرجتَ الساعةَ منِ اعتقادِكَ . وكانَ أبو الخير التيناتيُّ هذا مشهوراً بالكراماتِ (١) . وقالَ إبراهيمُ الرَّقِّيُّ : قصدتُهُ مسلِّماً عليهِ ، فحضرتُ صلاةَ المغربِ ، فلمْ يكدْ يقرأُ فاتحةَ الكتابِ مستوياً ، فقلتُ في نفسي : ضاعَتْ سفرتي ، فلمَّا سلَّمَ .. خرجتُ إلى الطهارةِ، فقصدَني سبعٌ ، فعدتُ إلى أبي الخيرِ وقلتُ : قصدني سبعٌ ، فخرجَ وصاحَ بهِ وقالَ : ألمْ أقلْ لكَ : لا تتعرَّضْ لضيفاني ؟! فتنحَّى الأسدُ، فتطهَّرتُ، فلمَّا رجعتُ .. قالَ لي : اشتغلتُمْ بتقويمِ الظواهرِ فخفتمُ الأسدَ ، واشتغلنا بتقويمِ البواطنِ فخافَنا الأسدُ(٢). حن وما حُكِيَ عنْ تفرُّسِ المشايخِ وإخبارِهِمْ عنِ اعتقاداتِ الناسِ وضمائرِهِمْ يخرجُ عنِ الحصرِ . بلْ ما حُكِيَ عنهُمْ منْ مشاهدةِ الخضرِ عليهِ السلامُ ، والسؤالِ منهُ ، ومِنْ سماع صوتِ الهاتفِ ، ومِنْ فنونِ الكراماتِ .. خارجٌ عنِ الحصرِ ، (١) رواه أبو النصر السراج في ((اللمع)) (ص٣٩٢)، والقشيري في (( رسالته)) ( ص ٥٧٣ ) . (٢) الرسالة القشيرية (ص ٥٧٣ ) . وب ٩١ كتاب عجائب القلب ۵ے ربع المهلكات والحكايةُ لا تنفعُ الجاحدَ ما لمْ يشاهدْ ذلكَ مِنْ نفسِهِ، ومَنْ أنكرَ الأصلَ .. أنكرَ التفصيلَ . والدليلُ القاطعُ الذي لا يقدرُ أحدٌ على جحدِهِ أمرانِ : أحدُهُما : عجائبُ الرؤيا الصادقةِ : فإنَّهُ ينكشفُ بها الغيبُ ، وإذا جازّ ذلكَ في النوم .. فلا يستحيلُ أيضاً في اليقظةِ ، فلمْ يفارقِ النومُ اليقظةَ إلا في ركودِ الحواسِّ وعدم اشتغالِها بالمحسوساتِ ، فَكمْ مِنْ مستيقظٍ غائصٍ لا يسمعُ ولا يبصرُ لاشتغالِهِ بنفسِهِ . الثاني : إخبارُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنِ الغيبِ وأمورٍ في المستقبلِ : كما اشتملَ على ذلكَ القرآنُ، وإذا جازَ ذلكَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ .. جازَ لغيرِهِ ؛ إذِ النبيُّ عبارةٌ عنْ شخصٍ كُوشِفَ بحقائقِ الأمورِ ، وشُغِلَ بإصلاح الخلقِ ، فلا يستحيلُ أنْ يكونَ في الوجودِ شخصٌ مكاشَفٌ بالحقائقِ ، ولا يشتغلُ بإصلاحِ الخلقِ ، وهذا لا يسمَّى نبيّاً ، بلْ يسمَّى وليّاً، فمَنْ آمنَ بالأنبياءِ ، وصدَّقَ بالرؤيا الصحيحةِ .. لزمَهُ - لا محالةَ - أنْ يقرَّ بأنَّ القلبَ لهُ بابانِ ؛ بابٌ إلى خارج ؛ وهوَ الحواسُّ ، وبابٌ إلى الملكوتِ مِنْ داخلِ القلبِ ؛ وهوَ بابُ الإلهامِ والنفثِ في الرُّوعِ والوحي ، فإذا أقرَّ بهما جميعاً .. لمْ يمكنْهُ أن يحصرَ العلومَ في التعلمِ ومباشرةِ الأسبابِ المألوفةِ ، بلْ يجوِّزُ أنْ تكونَ المجاهدةُ سبيلاً إليهِ . حن جن خن ٩٢ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب فهذا ما ينبِّهُ على حقيقةِ ما ذكرناهُ مِنْ عجيبِ تردّدِ القلبِ بينَ عالمٍ الشهادةِ وعالمِ الملكوتِ . ـكن وأمَّا السببُ في انكشافِ الأمورِ في المنامِ بالمثالِ المحوجِ إلى التعبيرِ ، وكذلكَ تمثِّلُ الملائكةِ للأنبياءِ والأولياءِ بصورٍ مختلفةٍ .. فذلكَ أيضاً مِنْ أسرارِ عجائبِ القلبِ ، ولا يليقُ ذلكَ إلا بعلم المكاشفةِ ، فلنقتصرْ على ما ذكرناهُ ، فإنَّهُ كافٍ للاستحثاثِ على المجاهدةِ وطلبِ الكَشْفِ منها . وقدْ قالَ بعضُ المكاشفينَ : ظهرَ لي المَلَكُ ، فسألَني أنْ أمليَ عليهِ شيئاً مِنْ ذكري الخفيِّ عنْ مشاهدتي مِنَ التوحيدِ ، وقالَ : ما نكتبُ لكَ عملاً ، ونحنُ نحبُّ أنْ نصعدَ لكَ بعملٍ تتقرَّبُ بهِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ ، فقلتُ : ألستُما تكتبانِ الفرائضَ ؟ قالا : بلى ، قلتُ : فيكفيكُما ذلكَ(١). حرة وهذهِ إشارةٌ إلى أنَّ الكرامَ الكاتبينَ لا يطلعونَ على أسرارِ القلبِ ، وإنما يطلعونَ على الأعمالِ الظاهرةِ(٢). وقالَ بعضُ العارفينَ : سألتُ بعضَ الأبدالِ عنْ مسألةٍ مِنْ مشاهدةِ اليقينِ ، فالتفتَ إلى شمالِهِ فقالَ: ما تقولُ رحمَكَ اللهُ؟ ثمَّ التفتَ إلى يمينِهِ فقالَ : ما تقولُ رحمَكَ اللهُ؟ ثمَّ أطرقَ إلى صدرِهِ وقالَ : ما تقولُ (١) هكذا نقله صاحب ((القوت)). («إتحاف)) (٢٦٣/٧). (٢) وقال بعض العارفين: بل يطلعون على بعض أعمال القلب بقرائن خارجة ، فإن المؤمن إذا ذكر الله في قلبه .. فاحت منه رائحة طيبة إلى فمه ، فيشمونها الملائكة ، فيدركون بها إذا ذكر الله تعالى، فيكتبون ذلك في صحيفة حسناته. (( إتحاف)) ( ٢٦٣/٧). ٩٣ ثن جر حن كتاب عجائب القلب ھم. ربع المهلكات رحمَكَ اللهُ؟ ثمَّ أجابَ بأغربِ جوابٍ سمعتُهُ ، فسألتُهُ عنِ التفاتِهِ ، فقالَ : لمْ يكنْ عندي في المسألةِ علمٌ عتيدٌ (١) ، فسألتُ صاحبَ الشمالِ ، فقالَ: لا أدري ، فسألتُ صاحبَ اليمينَ وهوَ أعلمُ منهُ ، فقالَ : لا أدري ، فنظرتُ إلى قلبي وسألتُهُ، فحدَّثَنَي بما أجبتُكَ، فإذا هوَ أعلمُ منهما (٢). وكأنَّ هذا هوَ معنى قولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّ في أمَّتي محذَّثينَ، وإنَّ عمرَ منهُمْ))(٣). وفي الأثرِ : ( أنَّ اللهَ تعالى يقولُ : أُما عبدٍ اطلعتُ على قلبهِ ، فرأيتُ الغالبَ عليهِ التمسُّكَ بذكري .. تولَّيتُ سياستهُ، وكنتُ جليسَهُ ، ومحادثَهُ وأنيسَهُ ) . وقالَ أبو سليمانَ الدارانيُّ رحمهُ اللهِ عليهِ : ( القلبُ بمنزلةِ القبّةِ المضروبةِ ، حولَها أبوابٌ مغلقةٌ، فأيُّ بابٍ فُتِحَ لهُ عَملٌ فيهِ فقدْ ظهرَ انفتاحُ بابٍ مِنْ أبوابِ القلبِ إلى جهةِ الملكوتِ والملأ الأعلى ) . حن وينفتحُ ذلكَ البابُ بالمجاهدةِ والورعِ ، والإعراضِ عنْ شهواتِ الدنيا ، ولذلكَ كتبَ عمرُ رضيَ اللهُ عنهُ إلى أمراءِ الأجنادِ : ( احفظوا ما تسمعونَ مِنَ ساون لان (١) أي : جواب حاضر . ٢٠ (٢) قوت القلوب (١٢٠/١) . (٣) رواه البخاري (٣٤٦٩)، ومسلم (٢٣٩٨)، واللفظ عند صاحب (( القوت)) (١٢١/١ ) . متزم ٩٤ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب المطيعينَ ؛ فإنَّهُمْ تنجلي لهُمْ أمورٌ صادقٌ)(١) . وقالَ بعضُ العلماءِ : ( يدُ اللهِ على أفواهِ الحكماءِ ، لا ينطقونَ إلا بما هيّأَ اللهُ لُهُمْ مِنَ الحقِّ)(٢). وقالَ آخرُ: ( لوْ شئتُ .. لقلتُ: إنَّ اللهَ تعالى يُطلِعُ الخاشعينَ على بعضٍ سرِّهِ )(٣). (١) قوت القلوب (١١٨/١)، ونسب روايته السيوطي في ((الدر المنثور)) (٣٢/٨) لسعيد بن منصور في (( سننه)). (٢) قوت القلوب (١١٨/١) . (٣) قوت القلوب (١١٨/١). ٩٥ شن حن ش. كتاب عجائب القلب ربع المهلكات بيان تسلّط الشيطان على القلب بالوسواس ومعنى الوسوسة وسبب غليتها اعلمْ : أنَّ القلبَ كما ذكرناهُ في مثالٍ قبةٍ مضروبةٍ لها أبوابٌ ، تنصبُّ إليهِ الأحوالُ مِنْ كلِّ بابٍ . % 5 ومثالُهُ أيضاً مثالُ هدفٍ تنصبُّ إليهِ السهامُ مِنَ الجوانبِ . أوْ هوَ مثالُ مرآةٍ منصوبةٍ تجتازُ عليها أصنافُ الصورِ المختلفةِ ، فتتراءى فيها صورةٌ بعدَ صورةٍ ، ولا تخلو عنها . أوْ مثالُ حوضٍ تنصَبُّ فيهِ مياهٌ مختلفةٌ مِنْ أنهارِ مفتوحةٍ إليهِ ، وإنَّما مداخلُ هذهِ الآثارِ المتجدّدةِ في القلبِ في كلِّ حالٍ إِمَّا مِنَ الظاهرِ فالحواسُ الخمسُ ، وإمَّا مِنَ الباطنِ فالخيالُ والشهوةُ والغضبُ والأخلاقُ المركَبةُ في مزاجِ الإنسانِ ؛ فإنَّهُ إذا أدركَ بالحواسِّ شيئاً .. حصلَ منهُ أثرٌ في القلبِ ، وكذلكَ إذا هاجَتِ الشهوةُ مثلاً بسببٍ كثرةِ الأكلِ ، أَوْ بسببِ قوَّةٍ في المزاج .. حصلَ منها في القلبِ أثرٌ ، وإنْ كفَّ عنِ الإحساسِ .. فالخيالاتُ الحاصلةُ في النفسِ تبقى ، وينتقلُ الخيالُ مِنْ شيءٍ إلى شيءٍ ، وبحسبٍ انتقالِ الخيالِ ينتقلُ القلبُ مِنْ حالٍ إلى حالٍ آخر . ٤ ؟ حص جن جن جن جن حن حن والمقصودُ : أَنَّ القلبَ في التغيُّرِ والتأثَّرِ دائماً إنما هوَ مِنْ هذهِ الأسباب . .حن 97 حن ربع المهلكات كتاب عجائب القلب وأخصُّ الآثارِ الحاصلةِ في القلبِ هيَ الخواطرُ ، وأعني بالخواطرِ : ما يعرضُ فيهِ مِنَ الأفكارِ والأذكارِ ، وأعني بهِ : إدراكاتِهِ علوماً إمَّا على سبيلِ التجدُّدِ ، وإمَّا على سبيلِ التذكَّرِ ؛ فإنَّها تُسمَّى خواطرَ مِنْ حيثُ إنَّها تخطرُ بعدَ أنْ كانَ القلبُ غافلاً عنها . والخواطرُ هيَ المحرّكاتُ للإراداتِ ؛ فإنَّ النبيَّةَ والعزمَ والإرادةَ إنَّما تكونُ بعدَ خُطورِ المنويِّ بالبالِ لا محالةَ ، فمبدأُ الأفعالِ الخواطرُ ، ثمَّ الخاطرُ يحرِّكُ الرغبةَ، والرغبةُ تحرِّكُ العزمَ، والعزمُ يحركُ النيّةَ، والنيَّةُ تحرِّكُ الأعضاءَ . 2 والخواطرُ المحرِّكةُ للرغبةِ تنقسمُ : إلى ما يدعو إلى الشرِّ ؛ أعني : إلى ما يضرُّ في العاقبةِ. وإلى ما يدعو إلى الخيرِ ؛ أعني : إلى ما ينفعُ في الدارِ الآخرةِ . فهما خاطرانِ مختلفانِ ، فافتقرا إلى اسمين مختلفين ، فالخاطرُ المحمودُ يُسمَّى إلهاماً، والخاطرُ المذمومُ - أعني: الداعيَ إلى الشرِّ - يسمَّى وسواساً . ثمَّ إنَّكَ تعلمُ أنَّ هذهِ الخواطرَ حادثةٌ، ثمَّ كلُّ حادثٍ فلا بدَّ لهُ مِنْ محدثٍ ، ومهما اختلفتِ الحوادثُ .. دلَّ ذلكَ على اختلافِ الأسبابِ . هذا ما عُرِفَ مِنْ سنَّةِ اللهِ تعالى في ترتيبِ المسبَّبَاتِ على الأسبابِ ، فمهما استنارَتْ حيطانُ البيتِ بنورِ النارِ ، وأظلمَ سقفهُ واسودَّ بالدخانِ .. علمتَ أنَّ سببَ السوادِ غيرُ سببِ الاستنارةِ ، وكذلكَ لأنوارِ القلبِ وظلمتِهِ ـيو. ٩٧ حن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات سببانِ مختلفانِ ، فسببُ الخاطرِ الداعي إلى الخيرِ يُسمَّى مَلَكاً ، وسببُ الخاطرِ الداعي إلى الشرِّ يُسمَّى شيطاناً، واللطفُ الذي بهِ يتهَّأُ القلبُ لقبولٍ إلهامِ الخيرِ يُسمَّى توفيقاً ، والذي بهِ يتهيّأُ لقبولٍ وسواسِ الشيطانِ يُسمَّى إغواءً وخِذلاناً ؛ فإنَّ المعاني المختلفةَ تفتقرُ إلى أسام مختلفةٍ . ـنع. والملكُ : عبارةٌ عنْ خلْقٍ خلقَهُ اللهُ تعالى ، شأنُهُ إفاضةُ الخيرِ ، وإفادةُ العلمِ ، وكشفُ الحقِّ ، والوعدُ بالخيرِ ، والأمرُ بالمعروفِ، وقدْ خلقَهُ اللهُ عزَّ وجلَّ وسخَّرَةُ لذلكَ . والشيطانُ : عبارةٌ عنْ خلْقِ شأنُهُ ضدُّ ذلكَ ، وهوَ الوعدُ بالشرِّ ، والأمرُ بالفحشاءِ ، والتخويفُ عندَ الهمِّ بالخيرِ بالفقرِ . فالوسوسةُ في مقابلةِ الإلهام ، والشيطانُ في مقابلةِ الملكِ ، والتوفيقُ في مقابلةِ الخِذلانِ ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ تعالى: ﴿ وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَلَفْنَا زَوْجَيْنِ﴾، فإنَّ الموجوداتِ كلَّها متقابلةٌ مزدوجةٌ إلا اللهَ تعالى؛ فإنَّهُ فردٌ لا مقابلَ لهُ ، بلْ هوَ الواحدُ الحقُّ ، الخالقُ للأزواج كلُّها . حن حن حن ئن ـحن شج طن حن ثن حن تج فالقلبُ متجاذبٌ بينَ الشيطانِ والملكِ، وقدْ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( في القلبِ لَمَّتانِ: لَمَةٌ مِنَ الملكِ، إيعادٌ بالخيرِ ، وتصديقٌ بالحقِّ ، فمَنْ وجدَ ذلكَ .. فليعلمْ أنَّهُ مِنَ اللهِ سبحانَهُ، فليحمدِ اللهَ ، ولَمّةٌ مِنَ العدوِّ ، إيعادٌ بالشرِّ ، وتكذيبٌ بالحقِّ ، ونهيٌّ عنِ الخيرِ ، فمَنْ وجدَ ذلكَ .. فليستعذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ )) ، ثمَّ تلا قولَهُ تعالى: ٩٨ حن حن حرب ربع المهلكات كتاب عجائب القلب الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَآءِ ... ﴾ الآيةَ(١). ٠ وقالَ الحسنُ : ( إنَّما هما همَّانِ يجولانِ في القلبِ ، همٌّ مِنَ اللهِ تعالى ، وهمٌّ مِنَ العدوِّ، فرحمَ اللهُ عبداً وقفَ عندَ همِّهِ ، فما كانَ مِنَ اللهِ تعالى .. أمضاهُ، وما كانَ مِنْ عدوِّهِ .. جاهدَهُ)(٢). ولتجاذبِ القلبِ بينَ هذينِ المسلَّطينِ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( قلبُ المؤمنِ بينَ إصبعينٍ مِنْ أصابع الرحمنِ ))(٣) ، واللهُ يتعالى عِنْ أنْ يكونَ لهُ إصبعٌ مركّبةٌ مِنْ لحمٍ وعظمٍ ودمٍ وعصبٍ ، منقسمةٌ بالأناملِ ، ولكنْ روحُ الإصبعِ سرعةُ التقليبِ ، والقدرةُ على التحريكِ والتغييرِ ، فإنَّكَ لا تريدُ إصبعَكَ لشخصِهِ ، بلْ لفعلِهِ في التقليبِ والترديدِ ، كما أنَّكَ تتعاطى الأفعالَ بأصابعِكَ ، واللهُ تعالى إنما يفعلُ ما يفعلُهُ باستسخارِ المَلَكِ والشيطانِ ، وهما مسخَّرانِ بقدرتِهِ في تقليبِ القلوبِ ، كما أنَّ أصابعَكَ مسخّرةٌ لكَ في تقليبِ الأجسام مثلاً . والقلبُ بأصلِ الفطرةِ صالحٌ لقبولِ آثارِ المَلَكِ ولقبولِ آثارِ الشيطانِ صلاحاً متساوياً ، ليسَ يترجَّحُ أحدُهُما على الآخرِ ، وإنَّما يترجَّحُ أحدٌ الجانبينِ باتباعِ الهوى ، والإكبابِ على الشهواتِ ، أوِ الإعراضِ عنها ومخالفتِها . (١) رواه الترمذي (٢٩١٤)، والنسائي في ((الكبرى)) (١٠٩٨٥). (٢) قوت القلوب (١١٣/١). (٣) رواه مسلم ( ٢٦٥٤) بنحوه . فى ق ٩٩ كتاب عجائب القلب جوع ربع المهلكات فإنِ اتبعَ الإنسانُ مقتضى الشهوةِ والغضبِ .. ظهرَ تسلَّطَ الشيطانِ بواسطةِ الهوى ، وصارَ القلبُ عُشَّ الشيطانِ ومعدنَهُ ؛ لأنَّ الهوىُ هوَ مرعى الشيطانِ ومرتعُهُ، وإنْ جاهدَ الشهواتِ ، ولمْ يسلِّطْها على نفسِهِ ، وتشبَّهَ بأخلاقٍ الملائكةِ عليهِمُ السلامُ .. صارَ قلبُهُ مستقرّ الملائكةِ ومهبطَهُمْ. CG ولمَّا كانَ لا يخلو قلبٌ عنْ شهوةٍ وغضبٍ ، وحرصٍ وطمعٍ وطولِ أملِ ، إلى غيرِ ذلكَ مِنْ صفاتِ البشريَّةِ المتشعِّبةِ عنِ الهوى .. لا جرمَ لمْ يخلُ قلبٌ عنْ أنْ يكونَ للشيطانِ فيهِ جولانٌ بالوسوسةِ ، ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ما منكُمْ مِنْ أحدٍ إلا ولهُ شيطانٌ))، قالوا : وأنتَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: « وأنا، إلا أنَّ اللهَ أعانَني عليهِ فأسلمُّ ، فلا يأمرُ إلا بخيرٍ ))(١) . وإنمَّا كانَ هذا لأنَّ الشيطانَ لا يتصرَّفُ إلا بواسطةِ الشهوةِ، فمَنْ أعانَهُ اللهُ على شهوتِهِ حتَّى صارَتْ لا تنبسطُ إلا حيثُ ينبغي وإلى الحدِّ الذي ينبغي .. فشهوتُهُ لا تدعو إلى الشرِّ، فالشيطانُ المتدرِّعُ بها لا يأمرُ إلا بالخيرِ . ومهما غلبَ على القلبِ ذكرُ الدنيا بمقتضياتِ الهوى .. وجدَ الشيطانُ مجالاً فوسوسَ ، ومهما انصرفَ القلبُ إلى ذكرِ اللهِ تعالى .. ارتحلَ الشيطانُ وضاقَ مجالُهُ ، وأقبلَ المَلَكُ وألهمَ . جن خج حي حن حن جن جن خن حن حن ـحن (١) رواه مسلم (٢٨١٤). ١٠٠ مٹں