Indexed OCR Text
Pages 61-80
ربع المهلكات كتاب عجائب القلب [من الهزج] وكلا القسمينِ قدْ يُسمَّى عقلاً، قالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ(١): فَمَطْبُوعٌ وَمَسْمُوعُ رَأَيْتُ الْعَقْلَ عَقْلَيْنِ إِذا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ وَلا يَنْفَعُ مَسْمُوعٌ وَضَوْءُ الْعَيْنِ مَمْنُوعُ كَما لا تَتَفَعُ الشَّمْسُ والأوّلُ: هوَ المرادُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعليٍّ: (( ما خلقَ اللهُ خلقاً أكرمَ عليهِ مِنَ العقلِ))(٢). تن والثاني : هوَ المرادُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لعليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ : ((إذا تقرَّبَ الناسُ إلى اللهِ تعالى بأنواع البرِّ .. فتقرَّبْ أنتَ بعقلِكَ))(٣)؛ إذْ لا يمكنُ التقرُّبُ بالغريزةِ الفطريَّةِ ولا بالعلومِ الضروريَّةِ ، بلْ بالمكتسبةِ ، ولكنْ مثلُ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ هوَ الذي يقدرُ على التقرُّبِ باستعمالِ العقلِ في اقتناصِ العلومِ التي بها يُنالُ القرْبُ مِنْ ربِّ العالمينَ . والقلبُ جارٍ مَجرى العينِ ، وغريزةُ العقلِ فيهِ جاريةٌ مجرىُ قوَّةِ البصرِ (١) ديوان سيدنا علي الموسوم بـ((أنوار العقول لوصي الرسول)) (ص ١٦١). (٢) رواه الطبراني في «الكبير)) (٢٨٣/٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٣١٨/٧)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٣١٢). (٣) روى أبو نعيم في ((الحلية)) (١٨/١) مرفوعاً: (( يا علي؛ إذا تقرب الناس إلى خالقهم في أبواب البر .. فتقرب إليه بأنواع العقل ، تسبقهم بالدرجات والزلفى عند الناس في الدنيا ، وعند الله في الآخرة )). ٦١ جن زن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات 2 في العينِ ، وقوَّةُ الإبصارِ لطيفةٌ تُفُقدُ في العمى ، وتُوجدُ في البصرِ وإنْ كانَ قدْ غمَّضَ العينَ أوْ جَنَّ عليهِ الليلُ ، والعلمُ الحاصلُ منهُ في القلبِ جارٍ مَجرى قوَّةِ إدراكِ البصرِ في العينِ ، ورؤيتُهُ لأعيانِ الأشياءِ ، وتأخّرُ العلوم عنْ عينِ العقلِ في مدَّةِ الصبا إلى أوانِ التمييزِ أَوِ البلوغ .. يضاهي تأخُّرَ الرؤيةِ عنِ البصرِ إلى أوانِ إشراقِ الشمسِ وفيضانِ نورِها على المبصراتِ ، والقلمُ الذي بهِ سطرَ اللهُ العلومَ على صفحاتِ القلوبِ يجري مجرىُ قرْصٍ الشمسِ ، وإنَّما لمْ يحصلِ العلمُ في قلبِ الصبيِّ قبلَ التمييزِ لأَنَّ لوحَ قلِهِ لمْ يتهيّأْ بعدُ لقبولِ نقشِ القلمِ ، والقلمُ عبارةٌ عنْ خلقٍ مِنْ خلقِ اللهِ تعالى ، جعلَهُ سبباً لحصولٍ نقْشِ العلومِ في قلوبِ البشرِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ﴿﴿ عَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، وقلمُ اللهِ تعالى لا يشبهُ قلمَ خلقِهِ، كما أنَّ وصفَهُ سبحانَهُ لا يشبهُ وصفَ خلقِهِ ، فليسَ قلمُهُ مِنْ قصبٍ ولا خشبٍ ، كما أنَّهُ سبحانَهُ ليسَتْ ذاتُهُ مِنْ جوهرٍ ولا عرضٍ ، فالموازنةُ بينَ البصيرةِ الباطنةِ والبصرِ الظاهرِ صحيحةٌ مِنْ هذهِ الوجوهِ ، إلا أنَّهُ لا مناسبةَ بينَهُما في الشرفِ ؛ فإنَّ البصيرةَ الباطنةَ هيَ عينُ النفسِ التي هيَ اللطيفةُ المدركةُ ، وهيَ كالفارسِ ، والبدنُ كالفرسِ ، وعمى الفارسِ أضرُّ على الفارسِ مِنْ عمى الفرسِ ، بلْ لا نسبةَ لأحدِ الضررينِ إلى الآخرِ . والموازنةِ البصيرةِ الباطنةِ للبصرِ الظاهرِ سمَّاهُ اللهُ تعالى باسمِهِ ، فقالَ : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَارَأَى﴾، سمَّى إدراكَ الفؤادِ رؤيةٌ . وكذلكَ قولُهُ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ﴾ حن ق ٦٢ ربع المهلكات 4097 2. 00 كتاب عجائب القلب حز وما أرادَ بهِ الرؤيةَ الظاهرةَ ، فإنَّ ذلكَ غيرُ مخصوصٍ بإبراهيمَ عليهِ السلامُ حتَّى يُذكرَ في معرضِ الامتنانِ . ولذلكَ سمَّى ضدَّ إدراكِهِ عمى، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾، وقال تعالى: ﴿ وَمَن كَانَ فِى هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِ اَلْأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾. فهذا بيانُ العلمِ العقليِّ . ون مصر أمَّا العلومُ الدينيّةُ: فهيَ المأخوذةُ بطريقِ التقليدِ مِنَ الأنبياءِ صلواتُ اللهِ عليهمْ وسلامُهُ، وذلكَ يحصلُ بالتعلُّمِ لكتابِ اللهِ تعالى وسنَّةِ رسولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وفهْمٍ معانيهما بعدَ السماع ، وبهِ كمالُ صفةِ القلبِ ، وبهِ سلامتُهُ عنِ الأدواءِ والأمراضِ ، فالعلومُ العقليَّةُ غيرُ كافيةٍ في سلامةِ القلبِ وإنْ كانَ محتاجاً إليها ، كما أنَّ العقلَ غيرُ كافٍ في استدامةِ أسبابٍ صحةِ البدنِ ، بلْ يحتاجُ إلى معرفةِ خواصِّ الأدويةِ والعقاقيرِ بطريقِ التعلُّم مِنَ الأطباءِ ، إذْ مجرَّدُ العقلِ لا يهدي إليهِ ، ولكنْ لا يمكنُ فهمُّهُ بعدَ سماعِهِ إلا بالعقلِ ، فلا غنى بالعقلِ عنِ السمع ، ولا بالسمعِ عنِ العقلِ ، فالداعي إلى محضٍ التقليدِ معَ عزلِ العقلِ بالكليّةِ جاهلٌ ، والمكتفي بمجرَّدِ العقلِ عنْ أنوارِ القرآنِ والسنَّةِ مغرورٌ، فإِيَّاك أنْ تكونَ مِنْ أحدِ الفريقينِ ، وكُنْ جامعاً بينَ الأصلينِ ؛ فإنَّ العلومَ العقليَّةَ كالأغذيةِ ، والعلومَ الشرعيَّةَ متر. ٦٣ دن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات حارة كالأدويةِ ، والشخصُ المريضُ يتضرَّرُ بالغذاءِ مهما فاتَّهُ الدواءُ ، فكذلكَ أمراضُ القلوبِ لا يمكنُ علاجُها إلا بالأدويةِ المستفادةِ مِنَ الشريعةِ ، وهيَ وظائفُ العباداتِ والأعمالُ التي ركَّبَها الأنبياءُ صلواتُ اللهِ عليهِمْ لإصلاحِ القلوبِ ، فَمَنْ لا يداوي قلبَه المريضَ بمعالجاتِ العباداتِ الشرعيَّةِ ، واكتفى بالعلوم العقليّةِ .. استضرَّ بها كما يستضرُّ المريضُ بالغذاءِ. وظنُّ مَنْ يظنُّ أنَّ العلومَ العقليّةَ مناقضةٌ للعلوم الشرعيَّةِ ، وأنَّ الجمعَ بينَهُما غيرُ ممكنٍ .. هوَ ظنّ صادرٌ عنْ عمىٌ في عينِ البصيرةِ ، نعوذُ باللهِ منهُ ، بلْ هذا القائلُ ربَّما يناقضُ عندَهُ بعضُ العلوم الشرعيَّةِ لبعضٍ ، فيعجزُ عنِ الجمع بينَهُما ، فيظنُّ أنَّهُ تناقضٌ في الدينِ ، فيتحيّرُ بهِ ، وينسلُّ مِنَ الدينِ انسلالَ الشعرةِ مِنَ العجينِ . حن حص نة وإنَّما ذلكَ عجزٌ في نفسِهِ خيّلَ إليهِ تناقضاً في الدينِ ، وهيهاتَ ! وإنَّما مثالُهُ مثالُ الأعمى الذي دخلَ دارَ قومٍ ، فتعثَّرَ فيها بأواني الدارِ ، فقالَ لهُمْ : ما بالُ هذهِ الأواني تركَتْ على الطريقِ ؟ لِمَ لا تُرُدُّ إلى مواضعِها ؟ ، فقالوا لهُ : تلكَ الأواني في مواضعِها، وإنَّما أنتَ لستَ تهتدي إلى الطريقِ لعماكَ، فالعجبُ منكَ أنَّكَ لا تحيلُ عثرتَكَ على عماكَ، وإنَّما تحيلُها على تقصيرِ غيركٍ ! حن حن حن فهذهِ نسبةُ العلومِ الدينيّةِ إلى العلومِ العقليّةِ . ٦٤ فنحن ون حن ك ربع المهلكات كتاب عجائب القلب والعلومُ العقليّةُ تنقسمُ إلى دنيويَّةٍ وأخرويَّةٍ : فالدنيويَّةُ : كعلم الطبِّ ، والحسابِ ، والهندسةِ ، والنجوم ، وسائرٍ الحرفِ والصناعاتِ . والأخرويَّةُ : كعلم أحوالِ القلبِ ، وآفاتِ الأعمالِ ، والعلمِ باللهِ تعالى وصفاتِهِ وأفعالِهِ ، كما فصلناهُ في كتابِ العلمِ . وهما علمانِ متنافيانِ ؛ أعني أنَّ مَنْ صرفَ عنايتَهُ إلى أحدِهِما حتَّى تعمقَ فيهِ .. قصرَتْ بصيرتُهُ عنِ الآخرِ على الأكثرِ، ولذلكَ ضربَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ للدنيا والآخرةِ ثلاثةَ أمثلةٍ فقالَ : ( هما ككفَّتي الميزانِ ، وكالمشرقِ والمغربِ، وكالضرَّتينِ، إذا أرضيتَ إحداهما .. أسخطتَ الأخرى)(١). ولذلكَ ترى الأكياسَ في أمورِ الدنيا وفي علمِ الطبِّ والحسابِ والهندسةِ والفلسفةِ جهالاً في أمورِ الآخرةِ ، والأكياسَ في دقائقِ علوم الآخرةِ جهالاً في أكثرِ علومِ الدنيا ؛ لأنَّ قوَّةَ العقلِ لا تفي بالأمرينِ جميعاً في الغالبِ ، فيكونُ أحدُهُما مانعاً مِنَ الكمالِ في الثاني . ولذلكَ قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ أكثرَ أهلِ الجنَّةِ البلْهُ))(٢) أي: البلْهُ في أمور الدنيا . (١) الذريعة (ص ١٣٦) . (٢) رواه الطحاوي في ((شرح مشكل الآثار)) (٤٣١/٧)، وابن عدي في ((الكامل)) (٣١٣/٣)، والقضاعي في (( مسند الشهاب)) (٩٨٩)، والبيهقي في ((الشعب)» (١٣٠٤) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعاً ، ورواه ( ١٣٠٣) من حديث جابر رضي الله عنه . ـيو قامت. ٦٥ ض شں دن جن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات حي وقالَ الحسنُ في بعضٍ مواعظِهِ : ( لقدْ أدركتُ أقواماً لوْ رأيتموهُمْ .. لقلتُمْ: مجانينُ ، ولوْ رأوكُمْ .. لقالوا: شياطينُ)(١) . فمهما سمعتَ أمراً غريباً مِنْ أمورِ الدينِ جحدَهُ أهلُ الكياسةِ في سائرٍ العلومِ .. فلا ينقِّرِنَّكَ جحودُهُمْ عنْ قبولِهِ ؛ إذْ مِنَ المحالِ أنْ يظفرَ سالكُ طريقِ المشرقِ بما يُوجدُ في المغربِ ، فكذلكَ يجري أمرُ الدنيا والآخرةِ . ولذلكَ قالَ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُواْ بِالْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَأَطْمَأَنُواْ بِهَا ... ﴾ الآيةَ. وقالَ تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ◌َِهِرًا مِنَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا : ﴿ ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾. فالجمعُ بينَ كمالِ الاستبصارِ في مصالحِ الدنيا والدينِ لا يكادُ يتيسَّرُ إلا لمَنْ رسَّخَهُ اللهُ لتدبيرِ عبادِهِ في معاشِهِمْ ومعادِهِمْ (٢) ، وهمُ الأنبياءُ المؤيَّدونَ بروحٍ القدسِ، المستمدُّونَ مِنَ القوَّةِ الإلهيّةِ التي تتسعُ لجميع الأمورِ ولا تضيقُ عنها. فأمَّا قلوبُ سائرِ الخلقِ .. فإنَّها إذا اشتغلَتْ بأمرٍ .. انصرفَتْ عنِ الآخرِ ، وقصرَتْ عنِ الاستكمالِ فيهِ . ٢ ـدن تن حن ئن ـدة (١) قوت القلوب (١٧١/١)، ورواه بنحوه أبو نعيم فى ((الحلية)) (٢٦٥/١). (٢) في ( د ، ك ، ل ) : ( رشحه ) بدل ( رسخه ) . ٦٦ -ٹر، دن لان فى 1 ـحن ربع المهلكات no. كتاب عجائب القلب بيان الفرق بين الإلهام والتعلم والفرق بين طريق الصّوفية في استكشاف الحلّ وطريق النّظَّار اعلمْ : أنَّ العلومَ التي ليسَتْ ضروريّةً - وإنَّما تحصلُ في القلبِ في بعضٍ الأحوالِ -.. تختلفُ الحالُ في حصولِها، فتارةً تهجمُ على القلبِ كأنَّهُ أُلقيَ فيهِ مِنْ حيثُ لا يدري ، وتارةً تُكتسبُ بطريقِ الاستدلالِ والتعلّم ، فالذي يحصلُ لا بطريقِ الاكتسابِ وحيلةِ الدليلِ يُسمَّى إلهاماً ، والذي يحصلُ بالاستدلالِ يُسمَّى اعتباراً واستبصاراً . 13 ثُمَّ الواقعُ في القلبِ بغيرِ حيلةٍ وتعلُّمِ واجتهادٍ مِنَ العبدِ ينقسمُ إلى ما لا يدري العبدُ أنَّهُ كيفَ حصلَ لهُ ومِنْ أينَ حصلَ ، وإلى ما يطلعُ معَهُ على السببِ الذي منهُ اسْتُفيدَ ذلكَ العلمُ ، وهوَ مشاهدةُ المَلَكِ المُلْقِي في القلبِ ، والأوَّلُ يُسمَّى إلهاماً ونفثاً في الزُّوع، والثاني يُسمَّى وحياً، وتختصُّ بهِ الأنبياءُ ، والأوَّلُ يختصُّ بهِ الأولياءُ والأصفياءُ ، والذي قبلَهُ - وهوَ المكتسبُ بطريقِ الاستدلالِ - يختصُّ بهِ العلماءُ. وحقيقةُ القولِ فيهِ : أنَّ القلبَ مستعدٌ لأنْ تنجليَ فيهِ حقيقةُ الحقِّ في الأشياءِ كلِّها ، وإنَّما حيلَ بينَهُ وبينَها بالأسبابِ الخمسةِ التي سبقَ ذكرُها ، فهيَ كالحجابِ المسدلِ الحائلِ بينَ مرآةِ القلبِ وبينَ اللوحِ المحفوظِ الذي هوَ منقوشٌ بجميع ما قضى اللهُ بهِ إلى يوم القيامةِ ، وتجلَي حقائقِ العلومِ مِنْ ـدة .3 حربا ٦٧ فا كتاب عجائب القلب Shy. O. ربع المهلكات مرآةِ اللوحِ في مرآةِ القلبِ يضاهي انطباعَ صورةٍ مِنْ مرآةٍ في مرآةٍ تقابلُها ، والحجابُ بينَ المرآتينِ تارةً يُزالُ باليدِ ، وأخرى يزولُ بهبوبٍ ريحِ تحرِّكُهُ ، وكذلكَ قدْ تهبُّ رياحُ الألطافِ ، فتنكشفُ الحجبُ عنْ أعينِ القلوبِ ، فينجلي فيها بعضُ ما هوَ مسطورٌ في اللوحِ المحفوظِ . ويكونُ ذلكَ تارةً عندَ المنام ، فيعلمُ بهِ ما يكونُ في المستقبلِ ، وتمامُ ارتفاع الحجابِ بالموتِ ، فبهِ ينكشفُ الغطاءُ ، وينكشفُ أيضاً في اليقظةِ ، حتَّى يرتفعَ الحجابُ بلطفٍ خفيٍّ مِنَ اللهِ تعالى ، فيلمعُ في القلوبِ مِنْ وراءٍ سترِ الغيبِ شيءٌ مِنْ غرائبِ العلمِ ، تارةً كالبرقِ الخاطفِ ، وأخرى على التوالي إلى حدٍّ ما ، ودوامُهُ في غايةِ الندورِ ، فلمْ يفارقِ الإلهامُ الاكتسابَ في نفسِ العلمِ ، ولا في محلّهِ ، ولا في سببهِ ، ولكنْ يفارقُهُ في جهةِ زوالِ الحجابِ ؛ فإنَّ ذلكَ ليسَ باختيارِ العبدِ ، ولمْ يفارقِ الوحيُ الإلهامَ في شيءٍ مِنْ ذلكَ ، بلْ في مشاهدةِ المَلَكِ المفيدِ للعلمِ ؛ فإنَّ العلوم إنَّما تحصلُ في قلوبنا بواسطةِ الملائكةِ ، وإليهِ الإشارةُ بقولهِ تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ﴾ . من حن ك عن فإذا عرفتَ هذا .. فاعلمْ أنَّ ميلَ أهلِ التصوُّفِ إلى العلوم الإلهاميَّةِ دونَ التعليميَِّ ، فلذلكَ لمْ يحرصوا على دراسةِ العلمِ وتحصيلِ ما صنَّفَهُ المصنِّفُونَ ، والبحثِ عنِ الأقاويلِ والأدلَّةِ المذكورةِ ، بلْ قالوا : الطريقُ ٦٨ حز ٠حن فا تعـ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب تقديمُ المجاهدةِ ومحوُ الصفاتِ المذمومةِ ، وقطعُ العلائقِ كلِّها ، والإقبالُ بكنْهِ الهمَّةِ على اللهِ تعالى ، ومهما حصلَ ذلكَ .. كانَ اللهُ هوَ المتولِّيَ لقلبٍ عبدِهِ ، والمتكفِّلَ بتنويرهِ بأنوارِ العلمِ، وإذا تولَّى اللهُ أمرَ القلبِ .. فاضَتْ عليهِ الرحمةُ ، وأشرقَ النورُ في القلبِ ، وانشرحَ الصدرُ ، وانكشفَ لهُ سرُّ الملكوتِ ، وانقشعَ عنْ وجهِ القلبِ حجابُ العزَّةِ (١) بلطفِ الرحمةِ، وتلألأَتْ فيهِ حقائقُ الأمورِ الإلهيّةِ . ـون جــ وليسَ على العبدِ إلا الاستعدادُ بالتصفيةِ المجرّدةِ ، وإحضارُ الهمَّةِ معَ الإرادةِ الصادقةِ ، والتعُّشُ التامُ ، والترصُّدُ بدوام الانتظار لما يفتحُهُ اللهُ تعالىُ مِنَ الرحمةِ ، فالأنبياءُ والأولياءُ انكشفَتْ لهُمُ الأمورُ وفاضَ على صدورِهِمُ النورُ لا بالتعلَّمِ والدراسةِ والكتابةِ للكتبِ ، بلْ بالزهدِ في الدنيا والتبرِّي مِنْ علائقِها ، وتفريغِ القلبِ مِنْ شواغلِها ، والإقبالِ بكنهِ الهمَّةِ على اللهِ تعالى، فمَنْ كانَ للهِ .. كانَ اللهُ لهُ . وزعموا أنَّ الطريقَ في ذلكَ أوَّلاً بقطع علائقِ الدنيا بالكليَّةِ ، وتفريغ القلبِ منها ، وبقطع الهمَّةِ عنِ الأهلِ والمالِ والولدِ والوطنِ ، وعنِ العلمِ والولايةِ والجاهِ ، بلْ يصيرُ قلبُهُ إلى حالةٍ يستوي فيها وجودُ كلِّ شيءٍ وعدمُهُ ، ثمَّ يخلو بنفسِهِ في زاويةٍ معَ الاقتصارِ على الفرائضِ والرواتبِ ، ويجلسُ فارغَ القلبِ ، مجموعَ الھمِّ، ولا يفرِّقُ فكرَهُ بقراءةِ قرآنٍ ، (١) في (ل): (الغرّة). ٦٩ حن حن حن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات C ولا بالتأمُّلِ في تفسيرِهِ ، ولا بكتْبٍ حديثٍ ولا غيرِهِ(١) ، بلْ يجتهدُ ألا يخطرَ ببالِهِ شيءٌ سوى ذكرِ اللهِ تعالى ، فلا يزالُ بعدَ جلوسِهِ في الخلوةِ قائلاً بلسانِهِ : ( الله، الله ، الله) على الدوام ، معَ حضورِ القلبِ ، حتى ينتهيَ إلى حالةٍ يتركُ تحريكَ اللسانِ ويرى كأنَّ الكلمةَ جاريةٌ على لسانِهِ ، ثُمَّ يصبرُ عليهِ إلى أنْ ينمحيَ أثرُهُ عنِ اللسانِ ، ويصادفَ قلبَهُ مواظباً على الذكرِ ، ثمَّ يواظبُ عليهِ إلى أنْ ينمحيَ عنِ القلبِ صورةُ اللفظِ وحروفُهُ وهيئةُ الكلمةِ ، ويبقىُ معنى الكلمةِ مجرَّداً في قلبهِ ، حاضراً فيهِ ، كأنَّهُ لازمٌ لهُ لا يفارقُهُ ، ولهُ اختيارٌ إلى أنْ ينتهيَ إلى هذا الحدِّ ، واختيارٌ في استدامةِ هذهِ الحالةِ بدفعِ الوسواسِ ، وليسَ لهُ اختيارٌ في استجلابِ رحمةِ اللهِ تعالى ، بلْ هوَ بما فعلَهُ صارَ متعرِّضاً لنفحاتِ رحمةِ اللهِ ، فلا يبقى إلا الانتظارُ لما يفتحُ اللهُ مِن الرحمةِ كما فتحَها على الأنبياءِ والأولياءِ بههذهِ الطريقِ ، وعندَ ذلكَ إذا صدقَتْ إرادتُهُ ، وصفَتْ همَّتُهُ، وحسُنَتْ مواظبتُهُ ، فلمْ تجاذبْهُ شهواتهُ ، ولمْ يشغلْهُ حديثُ النفسِ بعلائقِ الدنيا .. تلمعُ لوامِعُ الحقِّ في قلبِهِ ، ويكونُ في ابتدائِهِ كالبرقِ الخاطفِ لا يثبتُ ثمَّ يعودُ، وقدْ يتأخّرُ ، وإنْ عادَ .. فقدْ يثبتُ ، وقدْ يكونُ مختطفاً ، وإنْ ثبتَ .. قدْ يطولُ ثباتُهُ، وقدْ لا يطولُ ، وقدْ يتظاهرُ أمثالُهُ على التلاحقِ ، وقدْ يقتصرُ على فَنَّ واحدٍ ، ومنازلُ أولياءِ اللهِ تعالى فيهِ لا تُحصرُ ، كما لا يُحصى تفاوتُ خلقِهِمْ وأخلاقِهِمْ . (١) كالاشتغال بالأذكار والأوراد. ((إتحاف)) (٢٤٧/٧). حن جن جن ان ٧٠ 3ں كرم ربع المهلكات كتاب عجائب القلب ون حن وقدْ رجعَ هذا الطريقُ إلى تطهيرٍ محضٍ مِنْ جانبِكَ ، وتصفيةٍ وجلاءٍ ، ثُمَّ استعدادٍ وانتظارٍ فقطْ(١). وأمَّا النظَّارُ وذوو الاعتبارِ .. فلم ينكروا وجودَ هذا الطريقِ وإمكانَهُ، وإفضاءَهُ إلى المقصدِ على الندورِ ، فإنَّهُ أكثرُ أحوالِ الأنبياءِ والأولياءِ ، ولكنِ استوعروا هذا الطريقَ، واستبطؤوا ثمرتَهُ ، واستبعدوا استجماعَ شروطِهِ، وزعموا أنَّ محوَ العلائقِ إلى ذلكَ الحدِّ كالمتعذِّرِ ، وإِنْ حصلَ في حالٍ .. فثباتُهُ أبعدُ منهُ ؛ إذْ أدنى وسواسِ وخاطرٍ يشوِّشُ القلبَ(٢) . وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( قلبُ المؤمن أشدُّ تقلُّباً مِنَ القِدْرِ إذا استجمعَتْ غلْياً))(٣). (١) ذكر الحافظ الزبيدي في ((إتحافه)) (٢٤٧/٧) بأن هذا هو طريق شيخ المصنف الإمام أبي علي الفارمذي الطوسي رحمه الله تعالى . (٢) وهم قالوا : إن نفي الخواطر الثلاثة لازم للمريد ؛ أعني النفسية والشيطانية والملكية ، وإنه لا بد من إثبات الخاطر الحقاني ، ومعرفة الخواطر وتمييزها عسر ، ولا تتم معرفة ذلك وتمييزها إلا لمن تحلَّى بالتقوى والزهد وأكل الحلال الطيب دائماً ، وأنَّى يتيسر ذلك لكل أحد في كل وقت ، وإنه يلزم المريد دائماً مراقبة خواطره ، ولا يترك خاطر الغير يمر بباله، وكل ذلك صعب المنال قريب المحال. ((إتحاف)) (٢٤٩/٧ ) . (٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٤/٦)، والطبراني في ((الكبير)) (٢٥٢/٢٠)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٧٥/١) من حديث المقداد بن الأسود رضي الله عنه ، ولفظه : (( لقلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذا اجتمعت غلياً)). ٧١ كتاب عجائب القلب ربع المهلكات من وقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((قلبُ المؤمنِ بينَ إصبعينٍ منْ أصابعِ الرحمانِ))(١) . وفي أثناءِ هذهِ المجاهدةِ قدْ يفسدُ المزاجُ ، ويختلطُ العقلُ، ويمرضُ البدنُ ، وإذا لمْ تتقدَّمْ رياضةُ النفسِ وتهذيبُها بحقائقِ العلوم .. تشبَّئَتْ بالقلبِ خيالاتٌ فاسدةٌ تطمئنُّ النفسُ إليها مدَّةً طويلةً إلى أن يزولَ وينقضيّ العمرُ قبلَ النجاحِ فيهِ . فكمْ مِنْ صوفيٍّ سلكَ هذا الطريقَ ثمَّ بقيَ في خيالٍ واحدٍ عشرينَ سنةً ، ولوْ كانَ قدْ أتقنَ العلمَ مِنْ قبلُ .. لانفتحَ لهُ وجهُ التباسِ ذلكَ الخيالِ في الحالِ ، فالاشتغالُ بطريقِ التعلُّمِ أوثقُ وأقربُ إلى الغرضِ(٢) . وزعموا أنَّ ذلكَ يضاهي ما لوْ تركَ الإنسانُ تعلَّمَ الفقهِ ، وزعمَ أنَّ النبيَّ ـنة (١) رواه مسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما مرفوعاً ، ولفظه عنده: (( إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء))، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « اللهم، مصرِّف القلوب ؛ صرف قلوبنا على طاعتك )) . عن عن من حن (٢) وقد أجاب الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٢٤٩/٧) عن هذا الزعم فقال : ( وقد يجاب عن ذلك بأن تلك الخيالات الفاسدة التي تتشبث بالقلب إنما منشؤها تلك العلوم التي تعلمها وظن في نفسه أنها معارف موصلة ، وفي الحقيقة هي القواطع عن الطريق ، وهي التي لا تفي الأعمار في تحصيلها ، وأما السالك الذي بصدد تصفية قلبه من الكدورات الوهمية ، فهو على هدي من ربه إن اعتل بدنه أو فسد مزاجه ، فحصل له بذلك تفرقة خاطر ، فهو معذور عند الله، وإن مات .. فقد وقع أجره على الله ، وحقيق أن يقال : هو عاشق ، إن مات ليلة وصاله لا يلام ) . ٧٢ حن حن ش تن حن ربع المهلكات دن كتاب عجائب القلب صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لمْ يتعلَّمْ ذلكَ ، ولكنْ صارَ فقيهاً بالوحي والإلهامِ مِنْ غيرِ تكرارٍ وتعليقٍ ، ويقولُ : ( أنا أيضاً ربَّما أنتهي بالرياضةِ والمواظبةِ إليهِ )، ومَنْ ظنَّ ذلكَ .. فقدْ ظلمَ نفسَهُ، وضيَّعَ عمرَهُ، بلْ هوَ كمَنْ يتركُ طريقَ الكسبِ والحراثةِ رجاءَ العثورِ على كنزٍ مِنَ الكنوزِ ؛ فإنَّ ذلكَ ممكنٌ ، ولكنَّهُ بعيدٌ جداً ، فكذلكَ هذا . وقالوا : لا بدَّ أوَّلاً مِنْ تحصيلِ ما حصَّلَهُ العلماءُ ، وفهم ما قالوهُ ، ثُمَّ لا بأسَ بعدَ ذلكَ بالانتظارِ لما لمْ ينكشف لسائرِ العلماءِ ، فعساهُ ينكشفُ بالمجاهدةِ بعدَ ذلكَ . حن حن حر ٧٣ دن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات بيان الفرق بين المقامين مثال محسوس اعلمْ : أَنَّ عجائبَ القلبِ خارجةٌ عنْ مدركاتِ الحواسِّ ؛ لأنَّ القلبَ أيضاً خارجٌ عنْ إدراكِ الحسِّ ، وما ليسَ مدركاً بالحواسِّ تضعفُ الأفهامُ عن درْكِهِ إلا بمثالٍ محسوسٍ ، ونحنُ نقرِّبُ ذلكَ إلى الأفهام الضعيفةِ بمثالينِ : أحدُهُما : أنَّهُ لوْ فرضْنا حوضاً محفوراً في الأرضِ ، احتملَ أنْ يُساقَ إليهِ الماءُ مِنْ فوقِهِ بأنهارٍ تُفُتحُ فيهِ ، ويُحتملُ أنْ يُحفرَ أسفلَ الحوضِ ويُرفعَ منهُ الترابُ إلى أنْ يقربَ مِنْ مستقرِّ الماءِ الصافي ، فينفجرَ الماءُ مِنْ أسفلِ الحوضِ ، ويكونُ ذلكَ الماءُ أصفى وأدومَ ، وقدْ يكونُ أغزر وأكثرَ .. فكذلكَ القلبُ مثلُ الحوضِ ، والعلمُ مثلُ الماءِ ، والحواسُ الخمسُ مثلُ الأنهارِ ، وقدْ يمكنُ أنْ تُساقَ العلومُ إلى القلبِ بواسطةِ أنهاٍ الحواسِّ ، والاعتبارِ بالمشاهداتِ حتَّى يمتلىءَ علماً ، ويمكنُ أنْ تُسدَّ عنهُ هذهِ الأنهارُ بالخلوةِ والعزلةِ وغضِّ البصرِ ، ويعمدَ إلى عمْقِ القلبِ بتطهيرِهِ ، ورفع طبقاتِ الحجُبِ عنهُ، حتَّى تتفجَّرَ ينابيعُ العلمِ مِنْ داخلِهِ . حن من قن خن خن جن فإِنْ قلتَ : فكيفَ يتفجرُ العلمُ مِنْ ذاتِ القلبِ وهوَ خالٍ عنهُ ؟ تشـ ٧٤ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب فاعلمْ : أنَّ هذا مِنْ عجائبِ أسرارِ القلبِ ، ولا يُسمحُ بذكرِهِ في علمٍ المعاملةِ ، بلِ القذْرُ الذي يمكنُ ذكرُهُ أنَّ حقائقَ الأشياءِ مسطورةٌ في اللوحِ المحفوظِ ، بلْ في قلوبِ الملائكةِ المقرَّبينَ ، فكما أنَّ المهندسَ يسطرُ صورةَ أبنيةِ الدارِ في بياضٍ ، ثمَّ يخرجُها إلى الوجودِ على وَفْقِ تلكَ النسخةِ .. فكذلكَ فاطرُ السماواتِ والأرضِ كتبَ نسخةَ العالمِ مِنْ أَوَّلِهِ إلى آخرِهِ في اللوحِ المحفوظِ ، ثمَّ أخرجَهُ إلى الوجودِ على وَفْقِ تلكَ النسخةِ ، والعالمُ الذي خرجَ إلى الوجودِ بصورتِهِ تتأدَّى منهُ صورةٌ أخرى إلى الحسنِّ والخيالِ ، فإِنَّ مَنْ ينظرُ إلى السماءِ والأرضِ ثمَّ يغضُّ بصرَهُ .. يرى صورةً السماءِ والأرضِ في خيالِهِ ، حتَّى كأنَّهُ ينظرُ إليها ، ولوِ انعدمَتِ السماءُ والأرضُ وبقيَ هوَ في نفسِهِ .. لوجدَ صورةَ السماءِ والأرضِ في نفسِهِ كأنَّهُ يشاهدُهُما وينظرُ إليهما، ثمَّ يتأذَّىُ مِنْ خيالِهِ أثرٌ إلى القلبِ، فيحصلُ فيهِ حقائقُ الأشياءِ التي دخلَتْ في الحسِّ والخيالِ . حن ھے والحاصلُ في القلبِ موافقٌ للعالمِ الحاصلِ في الخيالِ ، والحاصلُ في الخيالِ موافقٌ للعالمِ الموجودِ في نفسِهِ خارجاً مِنْ خيالِ الإِنسانِ وقلبهِ ، والعالمُ الموجودُ موافقٌ للنسخةِ الموجودةِ في اللوح المحفوظِ ، فكأنَّ للعالمِ أربعَ درجاتٍ في الوجودِ ؛ وجودٌ في اللوح المحفوظِ ، وهوَ سابقٌ على وجودِهِ الجسمانيِّ، ويتبعُهُ وجودُهُ الحقيقيُّ، ويتبعُ وجودَهُ الحقيقيَّ وجودُهُ الخياليُّ ؛ أعني : وجودَ صورتِهِ في الخيالِ ، ويتبعُ وجودَهُ الخياليَّ وجودُهُ العقليُّ ؛ أعني : وجودّ صورتِهِ في القلبِ . ٧٥ ـن كتاب عجائب القلب وبعضُ هذِهِ الوجوداتِ روحانيَّةٌ وبعضُها جسمانيَّةٌ(١)، والروحانيَّةُ بعضُها أشدُّ روحانيَّةً مِنْ بعضٍ ، وهذا لطفٌ مِنَ الحكمةِ الإِلهيةِ؛ إذْ جعلَ حدقتَكَ على صغرِ حجمِها بحيثُ تنطبعُ فيها صورةٌ العالمِ والسماواتِ والأرضِ على اتساع أكنافِها ، ثمَّ يسري مِنْ وجودِها في الحسِّ وجودٌ إلى الخيالِ ، ثُمَّ منهُ وجودٌ في القلبِ ؛ فإِنَّكَ أبداً لا تدركُ إلا ما هوَ واصلٌ إليكَ، فلوْ لمْ يجعلْ للعالمِ كلِّهِ مثالاً في ذاتِكَ . . لما كانَ لكَ خبرٌ ممَّا یباینُ ذاتَكَ . فسبحانَ مَنْ دَبَّرَ هذهِ العجائبَ في القلوبِ والأبصارِ ، ثمَّ أعمىُ عنْ درْكِها القلوبَ والأبصارَ ، حتَّى صارَتْ قلوبُ أكثرِ الخلقِ جاهلةً بأنفسِها وبعجائبها . ـعيســ ولنرجعْ إلى الغرضِ المقصودِ ، فنقولُ : القلبُ قدْ يُتصوَّرُ أنْ يحصلَ فيهِ حقيقةُ العالم وصورتُهُ ؛ تارةٌ مِنَ الحواسِّ ، وتارةً مِنَ اللوح المحفوظِ ، كما أنَّ العينَ يُتصوَّرُ أنْ يحصلَ فيها صورةُ الشمسِ ؛ تارةً مِنَ النظرِ إليها ، وتارةً مِنَ النظرِ إلى الماءِ الذي يقابلُ الشمسَ ويحكي صورتها . ٤٠ ٤٠ حن (١) فالوجود الأول والثاني: جسمانيان، والثالث والرابع: روحانيان. ((إتحاف)) ( ٢٥١/٧ ) . ٧٦ ربع المهلكات ـميه تاء ربع المهلكات هم كتاب عجائب القلب فمهما ارتفعَ الحجابُ بينَهُ وبينَ اللوح المحفوظِ .. رأى الأشياءَ فيهِ ، وتفجَّرَ إليهِ العلمُ منهُ ، فاستغنىُ عنِ الاقتباسِ مِنْ مداخلِ الحواسِّ ، فيكونُ ذلكَ كتفجُّرِ الماءِ مِنْ عمقِ الأرضِ . ومهما أقبلَ على الخيالاتِ الحاصلةِ مِنَ المحسوساتِ .. كانَ ذلكَ حجاباً لهُ عنْ مطالعةِ اللوح المحفوظِ ، كما أنَّ الماءَ إذا اجتمعَ مِنَ الأنهارِ في الحوضِ منعَ ذلكَ مِنَ التفجّرِ مِنَ الأرضِ ، وكما أنَّ مَنْ نظرَ إِلى الماءِ الذي يحكي صورةَ الشمسِ لا يكونُ ناظراً إِلى نفسِ الشمسِ . فإِذاً ؛ للقلبِ بابانِ : بابٌ مفتوحٌ إلى عالمٍ الملكوتِ ، وهوَ اللوحُ المحفوظُ وعالمُ الملائكةِ . حن ـين 3 حن ٹن وبابٌ مفتوحٌ إلى الحواسِّ الخمسِ المتمسِّكةِ بعالمِ الشهادةِ والمُلْكِ ، وعالمُ الشهادةِ والملكِ أيضاً يحاكي عالمَ الملكوتِ نوعاً مِنَ المحاكاةِ . فأمَّا انفتاحُ بابِ القلبِ إلى الاقتباسِ مِنَ الحواسِّ .. فلا يخفى عليكَ . وأمَّا انفتاحُ بابِهِ الداخلانيِّ إلى عالمِ الملكوتِ ، ومطالعةُ اللوح المحفوظِ .. فتعلمُهُ علماً يقيناً بالتأمُّلِ في عجائبِ الرؤيا ، واطلاع القلبِ في النومِ على ما سيكونُ في المستقبلِ ، أوْ كانَ في الماضِي ، مِنْ غيرِ اقتباسٍ مِنْ جهةِ الحواسِّ . وإنَّما ينفتحُ ذلكَ البابُ لمَنِ أفردَ ذكرَ اللهِ تعالىُ، وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ ٧٧ ن حں 4 كتاب عجائب القلب 00ـ ربع المهلكات وسلَّمَ: (( سبقَ المُفْرَدونَ))، قيلَ: ومَنْ هم المُفْرَدونَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ : (( المستهتَرونَ بذكرِ اللهِ تعالى، وضعَ الذّكرُ عنهُمْ أوزارَهُمْ، فوردُوا القيامةَ خفافاً))، ثمَّ قالَ في وصفِهِمْ إخباراً عنِ اللهِ تعالى: (( ثمَّ أقبلُ بوجهي عليهِمْ، أتُرى مَنْ واجهتُهُ بوجهي يعلمُ أحدٌ أيَّ شيءٍ أريدُ أنْ أعطيَهُ؟)) ثمَّ قالَ تعالى: ((أوَّلُ ما أعطيهِمْ أنْ أقذفَ مِنْ نوري في قلوبِهِمْ، فيخبرونَ عنِّي كما أخبرُ عنهُمْ))(١)، ومدخلُ هذهِ الأخبارِ هوَ البابُ الباطنُ . فإِذاً ؛ الفرقُ بينَ علوم الأولياءِ والأنبياءِ وبينَ علوم العلماءِ والحكماءِ هذا ، وهوَ أنَّ علومَهُمْ تأتي مِنْ داخلِ القلبِ ، مِنَ البابِ المنفتحِ إلى عالمٍ الملكوتِ ، وعلمُ الحكمةِ يأتي مِنْ أبوابِ الحواسِّ المفتوحةِ إلى عالمٍ المُلْكِ ، وعجائبُ عالمِ القلبِ وتردُّدُهُ بينَ عالمي الشهادةِ والغيبِ لا يمكنُ أنْ يُستقصى في علم المعاملةِ ، فهذا مثالٌ يعرِّفُكَ الفرقَ بينَ مدخلٍ العلمينِ . المثالُ الثاني : يعرِّفُكَ الفرقَ بينَ العملينِ ؛ أعني : عملَ العلماءِ وعملَ (١) قوت القلوب (١١٩/١)، وأصله عند مسلم (٤٨٣٤) وفيه: (( سبق المفردون))، قالوا: وما المفردون يا رسول الله. قال: (( الذاكرون الله كثيراً والذاكرات))، وعند الترمذي (٣٥٢٠) وفيه: (( المستهترون في ذكر الله، يضع الذكر عنهم أثقالهم ، فيأتون يوم القيامة خفافاً)). C. حن قات. ٧٨ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب الأولياءِ ، فإنَّ العلماءَ يعملونَ في اكتسابِ نفسِ العلومِ واجتلابِها إلى القلوبِ ، وأولياءُ الصوفيّةِ يعملونَ في جِلاءِ القلوبِ وتطهيرِها وتصفيتِها وتصقيلِها فقطْ . فقدْ حُكِيَ أنَّ أهلَ الصينِ وأهلَ الرومِ تباهَوا بينَ يدي بعضِ الملوكِ بحسْنِ صناعةِ النقْشِ والصورِ ، فاستقرَّ رأيُ الملكِ على أنْ يُسلَّمَ إليهِمْ صُفَّةٌ لينقشَ أهلُ الصينِ منها جانباً ، وأهلُ الرومِ جانباً ، ويُرخى بينهما حجابٌ يمنعُ اطلاعَ كلِّ فريقٍ على الآخرِ ، ففُعِلَ ذلكَ ، فجمعَ أهلُ الرومِ مِنَ الأصباغ الغريبةِ ما لا ينحصرُ ، ودخلَ أهلُ الصينِ مِنْ غيرِ صبغٍ ، وأقبلوا يَجِلونَ جانبَهُمْ ويصقلونَهُ ، فلمَّا فرغَ أهلُ الرومِ .. ادَّعىُ أهلُ الصينِ أنَّهُمْ قدْ فرغوا أيضاً ، فعجبَ الملكُ مِنْ قولِهِمْ وأَنَّهُمْ كيفَ فرغوا مِنَ النقشِ مِنْ غيرِ صبغ ، فقيلَ لهُمْ : وكيفَ فرغتُمْ مِنْ غيرِ صبغ ؟! فقالوا : ما عليكُمْ، ارفعوا الحجابَ ، فرفعوا ، فإِذا بجانبهِمْ يتلألأَ منهُ عجائبُ الصنائع الروميّةِ معَ زيادةِ إشراقٍ وبريقٍ ؛ إذْ كانَ قدْ صارَ كالمرآةِ المجلوَّةِ لكثرةِ التصقيلِ ، فازدادَ حسْنُ جانبِهِمْ بمزيدِ التصقيلِ . فكذلكَ عنايةُ الأولياءِ بتطهيرِ القلبِ وجِلائِهِ ، وتزکیتِهِ وصفائِهِ ، حتَّى يتلالأَ فيهِ جليَّةُ الحقِّ بنهايةِ الإِشراقِ ؛ كفعلِ أهلِ الصينِ ، وعنايةُ الحكماءِ والعلماءِ باكتسابِ ونقشِ العلومِ ، وتحصيلِ نقشِها في القلبِ ، كفعلِ أهلِ الرومِ . وكيفما كانَ الأمرُ .. فقلبُ المؤمنِ لا يموتُ، وعلمُهُ عندَ الموتِ ٧٩ مدن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات لا ينمحي ، وصفاؤُهُ لا يتكذّرُ، وإليه أشارَ الحسنُ رحمةُ اللهِ عليهِ بقولِهِ : ( الترابُ لا يأكلُ محلَّ الإيمانِ)(١)، بلْ يكونُ وسيلةَ وقربةً إلى اللهِ تعالى. وأما ما حصَّلَهُ مِنْ نقشِ العلمِ، أوْ ما حصَّلَهُ مِنَ الصفاءِ والاستعدادِ لقبولِ نقشِ العلمِ .. فلا غنى بهِ عنهُ، ولا سعادةَ لأحدٍ إلا بالعلمِ والمعرفةِ ، وبعضُ السعاداتِ أشرفُ مِنْ بعضٍ ، كما أنَّهُ لا غنىُ إِلا بالمالِ ، فصاحبُ الدرهمِ غنيٌّ ، وصاحبُ الخزائنِ المترعةِ غنيٌّ ، وتفاوتُ درجاتِ السعداءِ بحسبِ تفاوتِ المعرفةِ والإِيمانِ ، كما تتفاوتُ درجاتُ الأغنياءِ بحسَبِ قلَّةِ المالِ وكثرتِهِ ، فالمعارفُ أنوارٌ ، ولا يسعى المؤمنونَ إلى لقاءِ اللهِ تعالىُ إلا بأنوارِهِمْ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وقد رُوِيَ في الخبرِ : أنَّ بعضَهُمْ يُعطى نوراً مثلَ الجبلِ ، وبعضَهُمْ أصغرَ ، حتى يكونَ آخرُهُمْ رجلاً يُعطى نوراً على إبهام قدميهِ ، فيضيءُ مرَّةً وينطفىءُ أخرى، فإذا أضاءَ .. قدَّمَ قدمَهُ فمشى، وإذا طَفِىء .. قامَ ، ومرورُهُمْ على الصّراطِ على قدْرِ نورِهِمْ، فمنهُمْ مَنْ يمرُّ كطرفِ العينِ ، ومنهُمْ مَنْ يمزُّ كالبرقِ ، ومنهُمْ مَن يمرُّ كالسحابِ ، ومنهُمْ مَنْ يمرُّ كانقضاضٍٍ الكواكبِ ، ومنهُمْ مَنْ يمرُّ كشدِّ الفرسِ ، والذي أُعطيَ نوراً على ٤ (١) كما نقله صاحب ((القوت))، ومعلوم أن محل الإيمان والتقوى القلب، كما ورد في الخبر: ((ألا إن التقوى هاهنا)) وأشار إلى القلب. ((إتحاف)) (٢٥٥/٧)، وهذا المعنى أشار إليه المصنف في (( كيمياء السعادة)) ( ص ١٣٠) بمزيد تفصيل. ٨٠ دن