Indexed OCR Text
Pages 21-40
ربع المهلكات كتاب عجائب القلب بيان جنود القلب قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّ هُوَ﴾، فللَّه سبحانَهُ في القلوبِ والأرواحِ وغيرِها مِنَ العوالمِ جنودٌ مجنّدةٌ ، لا يعرفُ حقيقتَها وتفصيلَ عددِها إلا هوَ ، ونحنُ الآنَ نشيرُ إلى بعضٍ جنودِ القلبِ ، فهوَ الذي يتعلَّقُ بغرضِنا . حن حن ولهُ جندانِ : جندٌ يُرى بالأبصارِ . وجندٌ لا يُرى إلا بالبصائرِ . وهوَ في حكمِ المَلِكِ ، والجنودُ في حكْمِ الخدم والأعوانِ ، فههذا معنى الجندِ . فأمَّا جندُهُ المشاهدُ بالعينِ : فهوَ اليدُ والرِّجْلُ، والعينُ والأذنُ واللسانُ، وسائرُ الأعضاءِ الظاهرةِ والباطنةِ ؛ فإنَّ جميعَها خادمةٌ للقلبِ ، ومسخَّرةٌ لهُ ، فهوَ المتصرِّفُ فيها ، والمردِّدُ لها . وقدْ خُلقَتْ مجبولةً على طاعةِ القلبِ ، لا تستطيعُ لُهُ خلافاً ، ولا عليهِ تمرُّداً ، فإذا أمرَ العينَ بالانفتاحِ .. انفتحَتْ، وإذا أمرَ الرجْلَ بالحركةِ .. تحرَّكَتْ، وإذا أمرَ اللسانَ بالكلام وجزمَ الحِكْمَ بهِ .. تكلّمَ ، وكذا سائرُ الأعضاءِ . ٢١ ـسـ لان حن حن جن حة كتاب عجائب القلب ربع المهلكات وتسخّرُ الأعضاءِ والحواسِّ للقلبِ يشبهُ مِنْ وجهٍ تسخُّرَ الملائكة لله تعالى ؛ فإنَّهُمْ مجبولونَ على الطاعةِ ، لا يستطيعونَ لهُ خلافاً، بلْ لا يعصونَ اللهَ ما أمرَهُمْ، ويفعلونَ ما يُؤمرونَ ، وإنَّما يفترقانِ في شيءٍ ؛ وهوَ أنَّ الملائكةَ عليهِمُ السلامُ عالمٌ بطاعتِها وامتثالِها ، والأجفانُ تطيعُ القلبَ في الانفتاحِ والانطباقِ على سبيلِ التسخيرِ ولا خبرَ لها مِنْ نفسِها ومِنْ طاعتِها للقلبِ . وإنَّما افتقرَ القلبُ إلى هذهِ الجنودِ مِنْ حيثُ افتقارُهُ إلى المرْكَبِ والزادِ لسفرِهِ الذي لأجلِهِ خُلِقَ ، وهوَ السفرُ إلى اللهِ سبحانَهُ ، وقطعُ المنازلِ إلى لقائِهِ، فلأجلِهِ خُلقَتِ القلوبُ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وإنَّما مركبُهُ البَدَنُ، وزادُهُ العلْمُ، وإنَّما الأسبابُ التي توصلُهُ إلى الزادِ وتمكِّنُهُ مِنَ التزوُّدِ منهُ .. هوَ العملُ الصالحُ ، وليسَ يمكنُ أن يصل العبدُ إلى اللهِ سبحانَهُ ما لمْ يسكنِ البَدَنَ ، ولمْ يجاوزِ الدنيا ، فإنَّ المنزلَ الأدنىُ لا بدَّ مِنْ قطعِهِ للوصولِ إلى المنزلِ الأقصى ؛ والدنيا مزرعةُ الآخرةِ ، وهِيَ منزلٌ مِنْ منازلِ الهدى ، وإنَّما سُمِّيَتْ دنيا لأنَّها أدنى المنزلتينِ ، فاضطرَّ إلى أنْ يتزوَّدَ مِنْ هذا العالَمِ، والبَدَنُ مركبُهُ الذي يصلُ بهِ إلى هذا العالمِ، فافتقرَ إلى تعهُّدِ البدَنِ وحفظِهِ ، وإنَّما يحفظُ البدَنَ بأنْ يجلبَ إليهِ ما يوافقُهُ مِنَ الغذاءِ وغيرِهِ ، وأنْ يدفعَ عنهُ ما ينافيهِ ويهلكُهُ مِنْ أسبابِ الهلاكِ ، فافتقرَ لأجلِ جلْبِ الغذاءِ إلى جندينِ : ـدن باطنٌ ؛ وهو الشهوةُ . وظاهرٌ ؛ وهوَ اليدُ والأعضاءُ الجالبةُ للغذاءِ . ٢٢ ن - ربع المهلكات كتاب عجائب القلب فخُلقَ في القلبِ مِنَ الشهواتِ ما احتاجَ إليهِ ، وخُلقَتِ الأعضاءُ التي هيَ آلاتُ الشهواتِ ، فافتقرَ لأجلِ دفْع المهلكاتِ إلى جندينِ : باطنٌ ؛ وهوَ الغضبُ الذي بهِ يدفعُ المهلكاتِ ، وينتقمُ مِنَ الأعداءِ . وظاهرٌ ؛ وهوَ اليدُ والرِّجْلُ الذي بهما يعملُ بمقتضى الغضبِ . وكمَّلَ ذلكَ بأمورٍ خارجةٍ عنِ البدنِ ؛ كالأسلحةِ وغيرِها . ثمَّ المحتاجُ إلى الغذاءِ إذا لمْ يعرفِ الغذاءَ .. لمْ تنفعْهُ شهوةُ الغذاءِ وآَلَتُهُ ، فافتقرَ للمعرفةِ إلى جندينِ : باطنٌ ؛ وهوَ إدراكُ البصرِ والذوقِ والشمِّ والسمع واللمسِ . وظاهرٌ؛ وهوَ العينُ والأذنُ والأنفُ وغيرُها . وتفصيلُ وجهِ الحاجةِ إليها ، ووجهِ الحكمةِ فيها يطولُ ، ولا تحويهِ مجلداتٌ كثيرةٌ ، وقدْ أشرنا إلى طرفٍ يسيرٍ منها في كتابِ الشكرِ ، فليُقتنعْ بهِ . فجملةُ جنودِ القلبِ تحصرُها ثلاثةُ أصنافٍ : - صنفٌ باعثٌ ومستحثُّ؛ إمَّا إلى جلبِ النافع الموافقِ كالشهوةِ ، وإِمَّا إلى دفع الضارِّ المنافي كالغضبِ، وقدْ يُعبَّرُ عنْ هذا الباعثِ بالإرادةِ . - والثاني: هوَ المحرِّكُ للأعضاءِ إلى تحصيلِ هذهِ المقاصدِ ، ويعبَّرُ عنْ هذا الثاني بالقدرة ، وهيَ جنودٌ مبثوثةٌ في سائرِ الأعضاءِ ، لا سيّما العضلاتُ منها والأوتارُ . ٢٣ مثل: حر حنحن ٢٢G كتاب عجائب القلب ربع المهلكات - والثالثُ : هوَ المدرِكُ المتعرِّفُ للأشياءِ كالجواسيسِ ، وهيَ قوَّهُ البصرِ والسمع والشمِّ والذوقِ واللمسِ ، وهيَ مبثوثةٌ في أعضاءٍ معيَّنَةٍ ، ويُعبَّرُ عنْ هذا بالعلمِ والإدراكِ، ومعَ كلِّ واحدٍ مِنْ هذهِ الجنودِ الباطنةِ جنودٌ ظاهرةٌ ، وهيَ الأعضاءُ المركَبَةُ مِنَ الشخمِ واللحمِ والعصبِ والدمِ والعظمِ ، التي أُعدَّتْ آلاتٍ لهذهِ الجنودِ ، فإنَّ قوَّةَ البطْشِ إنَّما هيَ بالأصابعِ ، وقوَّةً البصرِ إنَّما هيَ بالعينِ ، وكذا سائرُ القوى . ولسنا نتكلّمُ في الجنودِ الظاهرةِ ؛ أعني: الأعضاءَ ؛ فإنَّها مِنْ عالمٍ الملكِ والشهادةِ ، وإنَّما نتكلّمُ الآنَ فيما أَيِّدَ بهِ مِنْ جنودٍ لمْ تروها . وهذا الصنفُ الثالثُ - وهوَ المدرِكُ مِنْ هُذِهِ الجملةِ - ينقسمُ: إلى ما قدْ أُسكنَ المنازلَ الظاهرةَ؛ وهيَ الحواسُّ الخمسُ ؛ أعني : السمعَ والبصرَ والشمَّ والذوقَ واللمسَ . وإلى ما أُسكنَ منازلَ باطنةٌ ؛ وهيَ تجاويفُ الدماغ ، وهيَ أيضاً خمسةٌ؛ فإنَّ الإنسانَ بعدَ رؤيةِ الشيءِ يغمضُ عينيهِ ، فيدركُ صورتَهُ في نفسِهِ ، وهوَ الخيالُ، ثمَّ تبقى تلكَ الصورةُ معَهُ بسببٍ شيءٍ يحفظُهُ، وهوَ الجندُ الحافظُ ، ثمَّ يتفكّرُ فيما حفظَهُ ، فيُركِّبُ بعضَ ذلكَ إلى بعضٍ ، ثمَّ يتذكَّرُ ما قدْ نسيَهُ ، ويعودُ إليهِ ، ثمَّ يجمعُ جملةَ معاني المحسوساتِ في خيالِهِ بالحسِّ المشتركِ بينَ المحسوساتِ ، ففي الباطنِ حسٌّ مشتركٌ ، وتخيُلٌ وتفكُّرٌ، وتذكُّرٌ وحفْظُ، ولولا خلْقُ اللهِ قوَّةَ الحفظِ والفكرِ ، والذكْرِ من جن جم حن حي حن ١٢٠ ٢٤ حن حن حن حن حن ته ربع المهلكات كتاب عجائب القلب والتخيِّلِ .. لكانَ الدماغُ يخلو عنهُ كما تخلو اليدُ والرجْلُ عنهُ ، فتلكَ القوى أيضاً جنودٌ باطنةٌ ، وأماكنُها أيضاً باطنةٌ . فهذهِ هِيَ أقسامُ جنودِ القلبِ ، وشرحُ ذلكَ بحيثُ يدركُهُ فهمُ الضعفاءِ بضربِ الأمثلةِ يطولُ ، ومقصودُ مثلِ هذا الكتابِ أَنْ ينتفعَ بهِ الأقوياءُ والفحولُ مِنَ العلماءِ ، ولكنَّا نجتهدُ في تفهيمِ الضعفاءِ بضرْبِ الأمثلةِ ؛ ليقربَ ذلكَ مِنْ أفهامِهِمْ . ـعمـ 4 ٨٥٠٨٠ قائه ٢٥ حن حن - كتاب عجائب القلب ربع المهلكات بيان أنشلة القلب ومع جسنوده الباطنة اعلمْ : أنَّ جندي الغضبِ والشهوةِ قدْ ينقادانِ للقلبِ انقياداً تامّاً ، فيعينُهُ ذلكَ على طريقِهِ الذي يسلكُهُ ، وتحسنُ مرافقتُهُما في السفرِ الذي هوَ بصددِهِ ، وقدْ يستعصيانِ عليهِ استعصاءَ بغي وتمرُّدٍ حتَّى يملكاهُ ويستعبداهُ ، وفيهِ هلاكُهُ وانقطاعُهُ عنْ سفرِهِ الذي بهِ وصولُهُ إلى سعادةِ الأبدِ . وللقلبِ جندٌ آخرُ ؛ وهوَ العلمُ والحكمةُ والتفكّرُ كما سيأتي شرحُهُ ، وحقُّهُ أَنْ يستعينَ بهذا الجندِ ؛ فإنَّهُ حزبُ اللهِ تعالى على الجندينِ الآخرينِ ، فإنَّهُما قدْ يلتحقانِ بحزبِ الشيطانِ ، فإنْ تركَ الاستعانةَ وسلَّطَ على نفسِهِ جندَ الغضبِ والشهوةِ .. هلكَ يقيناً، وخسرَ خسراناً مبيناً ، وذلكَ حالُ أكثرِ الخلقِ ، فإنَّ عقولَهُمْ صارَتْ مسخّرةً لشهواتِهِمْ في استنباطِ الحيلِ لقضاءِ الشهوةِ ، وكانَ ينبغي أنْ تكونَ الشهوةُ مسخّرةً لعقولِهِمْ فيما يفتقرُ العقلُ إليهِ . طن ونحنُ نقرِّبُ ذلكَ إلى فهمِكَ بثلاثةِ أمثلةٍ : ـحن حن ثن حن حن المثالُ الأوَّلُ : أنْ نقولَ : مَثَلُ نفسِ الإنسانِ في بدنِهِ - أعني بالنفسِ : اللطيفةَ المذكورةَ - كمَثَلِ مَلِكِ في مدينتِهِ ومملكتِهِ ، فإنَّ البدَنَ مملكةُ النفسِ وعالَمُها ٢٦ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب ومستقرُّها ومدينتُها، وجوارحُهُ وقواهُ بمنزلةِ الصنَّاع والعَمَلَةِ ، والقوَّةُ العقليّةُ المفكِّرةُ لهُ كالمشيرِ الناصحِ والوزيرِ العاقلِ ، والشهوةُ لهُ كالعبدِ السوءِ يجلبُ الطعامَ والميرةَ إلى المدينةِ ، والغضبُ والحميَّةُ لهُ كصاحبٍ الشرطةِ ، والعبدُ الجالبُ للميرةِ كذَّابٌ مكَّارٌ ، خذَّاعٌ خبيثٌ ، يتمثَّلُ بصورةٍ الناصحِ ، وتحتَ نصحِهِ الشرُّ الهائلُ والسمُّ القاتلُ، وديدنُهُ وعادتُهُ منازعةُ الوزيرِ الناصحِ في آرائِهِ وتدبيراتِهِ ، حتَّى إِنَّهُ لا يخلو مِنْ منازعتِهِ ومعارضتِهِ ساعةً . فكما أنَّ الواليَ في مملكتِهِ إذا كانَ مستغنياً في تدبيراتِهِ بوزيرِهِ ، ومستشيراً لهُ ومعرضاً عنْ إشارةِ هذا العبدِ الخبيثِ ، مستدلاً بإشارتِهِ فِي أنَّ الصوابَ في نقيضٍ رأيِهِ ، وأَذَّبَ صاحبَ شرطتِهِ وأسلمَهُ لوزيرِهِ ، وجعلَهُ مؤتمراً لهُ ، ومسلطاً مِنْ جهتِهِ على هذا العبدِ الخبيثِ وأتباعِهِ وأنصارِهِ ، حتَّى يكونَ العبدُ مسوساً لا سائساً، ومأموراً مدبّراً لا أميراً مدبِّراً .. استقامَ أمرُ بلدِهِ ، وانتظمَ العدْلُ بسببهِ .. فكذلكَ النفسُ ، متى استعانَتْ بالعقلِ ، وأدبَتِ الحميَّةَ الغضبيَّةَ، وسلطَتْها على الشهوةِ، واستعانَتْ بإحداهما على الأخرى ؛ تارةً بأنْ تقلِّلَ مرتبةَ الغضبِ وغلوائِهِ بمخالفةِ الشهوةِ واستدراجها ، وتارةً بقمع الشهوةِ وقهرِها بتسليطِ الغضبِ والحميَّةِ عليها وتقبيحِ مقتضياتِها .. اعتدلَتْ قواها، وحسنَتْ أخلاقُها . % حن % سكر معيوب ومَنْ عدلَ عنْ هذهِ الطريقةِ .. كانَ كمَنْ قالَ اللهُ تعالى فيهِ: ﴿أَفَعَيْتَ مَنِ اَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾. ن؟. ٢٧ حن خخ حن حن حن ون جم كتاب عجائب القلب 95. ربع المهلكات وقال تعالى: ﴿وَأَتََّعَ هَوَنَّهُ فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَك﴾ . مجـ وقالَ عزَّ وجلَّ فيمَنْ نهى النفسَ عنِ الهوىُ: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَيِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَّ ﴾: فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾. وستأتي كيفيةُ مجاهدةِ هذهِ الجنودِ وتسليطِ بعضِها على بعضٍ في كتابٍ رياضةِ النفسِ ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى . المثالُ الثاني : اعلمْ : أنَّ البدنَ كالمدينةِ ، والعقلُ - أعني : المدرِكَ مِنَ الإنسانِ - كَمَلِكِ مدبّرٍ لها ، وقواهُ المدركةُ مِنَ الحواسِّ الظاهرةِ والباطنةِ كجنودِهِ وأعوانِهِ ، وأعضاؤُهُ كرعيَّتِهِ ، والنفسُ الأمَّارةُ بالسوءِ التي هيَ الشهوةَ والغضبُ كعدوٍّ ينازعُهُ في مملكتِهِ ويسعى في إهلاكِ رعيَتِهِ ، فصارَ بدنُهُ کرباطٍ وثغرٍ ، ونفسُهُ كقيِّمٍ فِيهِ مرابطٍ . ـحة ٩ فإنْ هوَ جاهدَ عدوَّهُ وهزمَهُ، وقهرَهُ على ما يحبُّ .. حُمِدَ أثرُهُ إذا عادَ إلى الحضرةِ ؛ كما قال تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ﴾ . وإنْ ضيّعَ ثغرَهُ، وأهملَ رعيَّهُ .. ذُمَّ أثرُهُ، وانتُقُمَ منهُ عندَ اللهِ تعالى ، فيُقالُ لهُ يومَ القيامةِ : ( يا راعيَ السوءِ ؛ أكلتَ اللحمَ ، وشربتَ اللبنَ ، ٢٨ دن حن ربع المهلكات كتاب عجائب القلب ولمْ تُؤْوِ الضالَّةَ، ولمْ تجبرِ الكسيرَ ، اليومَ أنتقمُ منكَ ) ، كما وردَ في الخبرِ(١) ، وإلى هذهِ المجاهدةِ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((رجعْنا مِنَ الجهادِ الأصغرِ إلى الجهادِ الأكبرِ)) (٢). حن المثالُ الثالثُ : مَثَلُ العقلِ مَثَلُ فارسِ متصيِّدٍ ، وشهوتُهُ كفرسِهِ ، وغضبُهُ ككلبهِ ، فمتى كانَ الفارسُ حاذقاً، وفرسُهُ مروضاً، وكلبُهُ مؤذَّباً معلماً .. كانَ جديراً بالنجاح . حن ومتى كانَ هوَ في نفسِهِ أخرقَ ، وكانَ الفرسُ جموحاً، والكلبُ عقوراً .. فلا فرسُهُ ينبعثُ تحتَهُ منقاداً ، ولا كلبُهُ يسترسلُ بإشارتِهِ مطيعاً ، فهوَ خليقٌ بأنْ يعطبَ فضلاً عنْ أنْ ينالَ ما طلبَ . وإنَّما خرْقُ الفارسِ مثلُ جهلِ الإنسانِ وقلَّةِ حكمتِهِ وكلالٍ بصيرتِهِ ، وجماحُ الفرسِ مثلُ غلبةِ الشهوةِ ، خصوصاً شهوةَ البطنِ والفرجِ ، وعقْرُ الكلبِ مثالُ غلبةِ الغضبِ واستيلائِهِ ، نسألُ اللهَ حسنَ التوفيقِ بلطفِهِ . ci (١) رواه أحمد في ((الزهد)) (١٩٠٣)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٢٨٧/٦) عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى . (٢) رواه البيهقي في (( الزهد الكبير)) (٣٧٣)، والخطيب في (( تاريخ بغداد)) (٤٩٨/١٣)، وابن الجوزي في ((ذم الهوى)) ( ١١٨). ٢٩ حن جن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات بيان فاضية قلب الإنسان اعلمْ : أنَّ جملةَ ما ذكرناهُ قدْ أنعمَ اللهُ بهِ على سائرِ الحيواناتِ سوى الآدميّ ؛ إذْ للحيواناتِ الشهوةُ والغضبُ والحواسُّ الظاهرةُ والباطنةُ أيضاً ، حتَّى إِنَّ الشاةَ ترى الذئبَ بعينِها، فتعلمُ عداوتَهُ بقلبها ، فتهربُ منهُ ، فذلكَ هوَ الإدراكُ الباطنُ . فلنذكرْ ما يختصُّ بهِ قلبُ الإنسانِ ولأجلِهِ عَظُمَ شرفُهُ ، واستأهلَ القربَ مِنَ اللهِ تعالى ، وهوَ راجعٌ إلى علمٍ وإرادةٍ . أمَّا العلمُ : فهوَ العلمُ بالأمورِ الدنيويةِ والأخرويةِ ، والحقائقِ العقليةِ ، فإِنَّ هذهِ أمورٌ وراءَ المحسوساتِ ، ولا يشاركُهُ فيها الحيواناتُ ، بلِ العلومُ الكليّةُ الضروريَّةُ مِنْ خواصِّ العقلِ ؛ إذْ يحكمُ الإنسانُ بأنَّ الشخصَ الواحدَ لا يُتصوَّرُ أنْ يكونَ في مكانينِ في حالةٍ واحدةٍ ، وهذا حكمٌ منهُ على كلِّ شخصٍ ، ومعلومٌ أنَّهُ لمْ يدرِكْ بالحسِّ إلا بعضَ الأشخاصِ ، فحكمُهُ على جميع الأشخاصِ زائدٌ على ما أدركَهُ الحسنُّ . c وإذا فهمتَ هذا في العلمِ الظاهرِ الضروريِّ .. فهوَ في سائرِ النظرياتِ أظهرُ . وأمَّا الإرادةُ: فإنَّهُ إذا أدركَ بالعقلِ عاقبةَ الأمرِ ، وطريقَ الصلاحِ فيهِ .. ٣٠ جن سون كن يسسـ قمـ ربع المهلكات كتاب عجائب القلب انبعثَ مِنْ ذاتِهِ شوقٌ إلى جهةِ المصلحةِ ، وإلى تعاطي أسبابِها والإرادةِ لها ، وذلكَ غيرُ إرادةِ الشهوةِ وإرادةِ الحيواناتِ ، بلْ يكونُ على ضدِّ الشهوةِ ؛ فإنَّ الشهوةَ تنفرُ عنِ الفصْدِ والحجامةِ ، والعاقلُ يريدُها ويطلبُها ، ويبذلُ المالَ فيها ، والشهوةُ تميلُ إلى لذائذِ الأطعمةِ في حينِ المرضِ ، والعاقلُ يجدُ في نفسِهِ زاجراً عنها ، وليسَ ذلكَ زاجرَ الشهوةِ . ولوْ خلقَ اللهُ العقلَ المعرِّفَ بعواقبِ الأمورِ ولمْ يخلقْ هذا الباعثَ المحرَّكَ للأعضاءِ على مقتضى حكم العقلِ .. لكانَ حكْمُ العقلِ ضائعاً على التحقيقِ . فإذاً ؛ قلبُ الإنسانِ اختُصَّ بعلم وإرادةٍ ينفكُ عنها سائرُ الحيوانِ ، بلْ ينفكُ عنها الصبيُّ في أوَّلِ الفطرةِ ، وإنَّما يحدثُ ذلكَ فيهِ عندَ البلوغ ، وأمَّا الشهوةُ والغضبُ والحواسُ الظاهرةُ والباطنةُ .. فإنَّها موجودةٌ في حقِّ الصبيِّ ، ثمَّ للصبيِّ في حصولِ هذهِ العلومِ فيهِ درجتانِ : إحداهما : أنْ يشتملَ قلبُهُ على سائرِ العلومِ الضروريَّةِ الأوَّليّةِ ؛ كالعلم باستحالةِ المستحيلاتِ ، وجوازِ الجائزاتِ الظاهرةِ ، فتكونُ العلومُ النظريّةُ فيهٍ غيرَ حاصلةٍ ، إلا أنَّها صارَتْ ممكنةً قريبةَ الإمكانِ والحصولِ ، ويكونُ حالُهُ بالإضافةِ إلى العلوم كحالِ الكاتبِ الذي لا يعرفُ مِنَ الكتابةِ إلا الدوَاةَ والقلمَ والحروفَ المفردةَ دونَ المركبةِ ، فإنَّهُ قَدْ قاربَ الكتابةَ ولمْ يبلغْها بعدُ . ب® ٣١ كتاب عجائب القلب حن ربع المهلكات الثانيةُ : أنْ تحصلَ لهُ العلومُ المكتسبةُ بالتجاربِ والفكرِ ، فتكونَ كالمخزونةِ عندَهُ، فإذا شاءَ .. رجعَ إليها، وحالُهُ حالُ الحاذقِ بالكتابةِ ؛ إذْ يُقالُ لهُ : ( كاتبٌ ) وإنْ لمْ يكنْ مباشراً للكتابةِ بقدرتِهِ عليها ، وهذهِ هيَ غايةُ درجةِ الإنسانيةِ . ولكنْ في هذهِ الدرجةِ مراتبُ لا تُحصى ، يتفاوتُ الخلقُ فيها بكثرةِ المعلوماتِ وقلتِها ، وبشرفِ المعلوماتِ وخسَّتِها ، وبطريقٍ تحصيلِها ؛ إذْ تحصلُ لبعضِ القلوبِ بإلهامِ إلهيٌّ على سبيلِ المبادأةِ والمكاشفةِ ، ولبعضِها بتعلُّمٍ واكتسابٍ ، ثمَّ قدْ يكونُ سريعَ الحصولِ وقدْ يكونُ بطيءَ الحصولِ ، وفي هذا المقام تتباينُ منازلُ العلماءِ والحكماءِ ، والأنبياءِ والأولياءِ ، فدرجاتُ الترَقِّي فيهِ غيرُ محصورةٍ ؛ إذْ معلوماتُ اللهِ سبحانَهُ لا نهايةَ لها ، وأقصى الرتبِ رتبةُ النبيِّ الذي تنكشفُ لهُ كلُّ الحقائقِ أوْ أكثرُها مِنْ غيرِ اكتسابٍ وتكلَّفٍ ، بلْ بكشفٍ إلهيٍّ في أسرع وقتٍ . حن وبهذهِ السعادةِ يقربُ العبدُ مِنَ اللهِ تعالى قرْباً بالمعنى والحقيقةِ والصِّفةِ(١) ، لا بالمكانِ والمسافةِ ، ومراقي هذهِ الدرجاتِ هيَ منازلُ السائرينَ إلى اللهِ تعالى ، ولا حصرَ لتلكَ المنازلِ، وإنَّما يعرفُ كلُّ سالكٍ منزلَهُ الذي بلغَهُ في سلوكِهِ ، فيعرفُهُ ويعرفُ ما خلفَهُ مِنَ المنازلِ ، فأمَّا حن حن حن مدن حن ئن حن (١) وهو ما عقد له المصنف في ((المقصد الأسنى)) (ص٢٩) فصلاً في التخلق بأخلاق الله تعالى والتحلي بمعاني صفاته وأسمائه بقدر ما يتصور في حقه . ش حن -تن حن من ٣٢ تَعـ eG ربع المهلكات ٨٠٠٠ كتاب عجائب القلب ما بينَ يديهِ .. فلا يحيطُ بحقيقتِهِ علماً، لكنْ قدْ يصدِّقُ بهِ إيماناً بالغيبِ ، كما أنَّا نؤمنُ بالنبوَّةِ والنبيِّ ونصدِّقُ بوجودِهِ ، ولكنْ لا يعرفُ حقيقةَ النبوّةِ إلا النبيُّ ، وكما لا يعرفُ الجنينُ حالَ الطفلِ ، ولا الطفلُ حالَ المميِّزِ وما يُفتحُ لهُ منَ العلوم الضروريةِ ، ولا المميِّرُ حالَ العاقلِ وما اكتسبَهُ مِنَ العلومِ النظريَّةِ .. فكذلكَ لا يعرفُ العاقلُ ما انفتحَ على أولياءِ اللهِ وأنبيائِهِ من مزايا لطفِهِ ورحمتِهِ، ﴿ مَا يَفْنَجِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا﴾. وهذهِ الرحمةُ مبذولةٌ بحكمِ الجودِ والكرمِ مِنَ اللهِ سبحانه وتعالى ، غيرُ مضنونٍ بها على أحدٍ، ولكنْ إنَّما تظهرُ في القلوبِ المتعرِّضَةِ لنفحاتِ رحمةِ اللهِ تعالى، كما قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ لرتَّكُمْ في أيَّامٍ دهرِكُمْ نفحاتٍ ، ألا فتعرَّضوا لها)) (١)، والتعرُّضُ لها بتطهيرِ القلبِ وتزكيتِهِ مِنَ الخبثِ والكدورةِ الحاصلةِ مِنَ الأخلاقِ المذمومةِ كما سيأتي بيانُهُ . جبـ 49 وإلى هذا الجودِ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: (( ينزلُ اللهُ كلَّ ليلةٍ إلى سماءِ الدنيا فيقولُ: هلْ مِنْ داعٍ فأستجيبَ لهُ ... )) الحديثَ(٢). وبقولِهِ عليهِ الصلاةُ والسلامُ حكايةً عنْ ربِّهِ عزَّ وجلَّ: ( لقدْ طالَ شوقُ الأبرارِ إلى لقائِي، وأنا إلىْ لقائِهِمْ أشدُّ شوقاً)(٣). (١) رواه الطبراني في ((الكبير)) (٢٣٣/١٩)، وابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٣٩/٥) بنحوه . (٢) رواه البخاري (١١٤٥)، ومسلم ( ٧٥٨) . (٣) رواه أبو نعيم في (( الحلية)) (١٩٣/١٠) من كلام سهل بن عبد الله يحكيه حديثاً = ٣٣ من مكان ش رانی كتاب عجائب القلب بےہ ربع المهلكات وبقولِهِ تعالى: ((مَنْ تقرَّبَ إليَّ شبراً .. تقرَّبْتُ إليهِ ذراعاً))(١). 0 كلٌّ ذلكَ إشارةٌ إلى أنَّ أنوارَ العلومِ لمْ تحتجبْ عنِ القلوبِ لبخْلٍ ومنعِ مِنْ جهةِ المنعمِ ، تعالى عنِ البخلِ والمنع علوّاً كبيراً ، ولكنْ حُجبَتْ لخبْثٍ وكدورةٍ وشغْلٍ مِنْ جهةِ القلوبِ ؛ فإنَّ القلوبَ كالأواني ، فما دامَتْ ممتلئةً بالماءِ لا يدخلُها الهواءُ ، فالقلوبُ المشغولةُ بغيرِ اللهِ لا تدخلُها المعرفةُ بجلالِ اللهِ، وإليهِ الإشارةُ بقولِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لولا أنَّ الشياطينَ يحومونَ على قلوبٍ بني آدمَ .. لنظروا إلى ملكوتِ السماءِ))(٢). ومِنْ هذهِ الجملةِ يتبيَّنُ أنَّ خاصِّيَّةَ الإنسانِ العلمُ والحكمةُ ، وأشرفُ أنواعِ العلمِ هوَ العلمُ باللهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ ، فبِهِ كمالُ الإنسانِ ، وفي کمالِهِ سعادتُهُ وصلاحُهُ لجوارِ حضرةِ الكمالِ والجلالِ ، فالبدنُ مركبٌ للنفسِ ، والنفسُ محلٌّ للعلم ، والعلمُ هوَ مقصودُ الإنسانِ وخاصيَتُهُ التي لأجلِهِ خُلِقَ . حر حن كن خن قدسياً، والمقدسي في (( الترغيب في الدعاء)) (ص٥٣) من كلام أحمد بن مخلد = الخراساني مثله ، وقد ذكره الديلمي في (( مسند الفردوس)) ( ٨٠٦٧) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه . (١) رواه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم ( ٢٦٧٥). (٢) هو عند أحمد في ((المسند)) (٣٥٣/٢) في قصة الإسراء مرفوعاً، ومنه: ((فلما نزلت إلى السماء الدنيا .. نظرت أسفل مني ، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات ، فقلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم ألا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض ، ولولا ذلك .. لرأَوًا العجائب)). حن حن كن ٣٤ مكن ربع المهلكات كتاب عجائب القلب حن وكما أنَّ الفرسَ يشاركُ الحمارَ في قوَّةِ الحملِ ، ويختصُّ عنهُ بخاصيَّةِ الكرِّ والفرِّ وحسنِ الهيئةِ ؛ فيكونُ الفرسُ مخلوقاً لأجلِ تلكَ الخاصِيَّةِ ، فإنْ تعطّلَتْ منهُ .. نزلَ إلى حضيضِ رتبةِ الحمارِ؛ فكذلكَ الإنسانُ يشاركُ الفرسَ والحمارَ في أمورٍ ، ويفارقُهُما في أمورِ هيَ خاصِّيَّهُ ، وتلكَ الخاصيَّةُ مِنْ صفاتِ الملائكةِ المقرَّبينَ مِنَ اللهِ تعالى ، والإنسانُ على رتبةٍ بينَ البهائمِ والملائكةِ ؛ فإنَّ الإنسانَ مِنْ حيثُ يتغذَّى وينسلُ .. فنباتٌ، ومِنْ حيثُ يحسنُّ ويتحرَّكُ بالاختيارِ .. فحيوانٌ، ومِنْ حيثُ صورتُهُ وقامتُهُ .. فكالصورةِ المنقوشةِ على الحائطِ ، وإنَّما خاصِّيَتُهُ معرفةٌ حقائقِ الأشياءِ . فَمنِ استعملَ جميعَ أعضائِهِ وقواهُ على وجهِ الاستعانةِ بها على العلمِ والعملِ .. فقدْ تشبَّهَ بالملائكةِ، فحقيقٌ بأنْ يلتحقَ بهمْ، وجديرٌ بأنْ يُسمَّى مَلَكاً وربَّانياً؛ كما أخبرَ اللهُ تعالى عنْ صواحباتٍ يوسفَ: ﴿مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَآ إِلََّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ . ومَنْ صرفَ همَّتَهُ إلى اتباع اللذَّاتِ البدنيةِ ، يأكلُ كما تأكلُ الأنعامُ . . فقدِ انحطَّ إلى حضيضٍ أفقِ البهائمِ، فيصيرُ إِمَّا غُمْراً كثورٍ (١) ، وإِمَّا شرِهاً كخنزيرٍ، وإمَّا ضريّاً ككلبٍ أوْ سنَّورِ ، أوْ حقوداً كجملٍ ، أوْ متكبراً كنمرٍ ، أوْ ذا روغانٍ كثعلبٍ ، أوْ يجمعُ ذلكَ كلَّهُ كشيطانٍ مَریدٍ . وما مِنْ عضوٍ مِنَ الأعضاءِ ولا حاسَّةٍ مِنَ الحواسِّ إلا ويمكنُ الاستعانةُ بهِ (١) الغُمر : الجاهل . حن حنة ٣٥ TES ربة كتاب عجائب القلب ٨ ربع المهلكات على طريقِ الوصولِ إلى اللهِ تعالى ، كما سيأتي بيانُ طرفٍ منهُ في كتابِ الشكرِ، فَمنِ استعملَهُ فيهِ .. فقدْ فازَ، ومَنْ عدلَ عنهُ .. فقدْ خسرَ وخابَ . ٢٠. حسـ وجملةُ السعادةِ في ذلكَ : أنْ يجعلَ لقاءَ اللهِ تعالى مقصدَهُ ، والدارَ الآخرةَ مستقرَّهُ، والدنيا منزلَهُ، والبدنَ مركبَهُ ، والأعضاءَ خدمَهُ ، فيستقرَّ هوَ - أعني : المدرِكَ مِنَ الإنسانِ - في القلبِ الذي هوَ وسَطُ مملكتِهِ كالملكِ ، ويُجري القوَّةَ الخياليَّةَ المودعةَ في مقدَّم الدماغ مُجری صاحبٍ بريدِهِ ؛ إذْ تجتمعُ أخبارُ المحسوساتِ عندَهُ، ويُجري القوَّةَ الحافظةَ التي مسكنُها مؤخّرَ الدماغ مُجرى خازنِهِ ، ويُجري اللسانَ مُجرىُ ترجمانِهِ ، ويُجري الأعضاءَ المتحرّكةَ مُجرى كتابِهِ ، ويُجري الحواسَّ الخمسَ مُجرى جواسيسِهِ ، فيوكِلُ كلَّ واحدٍ منها بأخبارِ صِفْع مِنَ الأصقاع ، فيوكلُ العينَ بعالمِ الألوانِ ، والسمعَ بعالمِ الأصواتِ ، والشمَّ بعالمِ الأرائح ، وكذلكَ سائرُها ؛ فإنَّها أصحابُ أخبارٍ يلتقطونَها مِنْ هذهِ العوالم ، ويؤذُّونَها إلى القوَّةِ الخياليّةِ التي هيَ كصاحبِ البريدِ ، ويسلِّمُها صاحبُ البريدِ إلى الخازنِ ، وهيَ القوَّةُ الحافظةُ، ويعرضُها الخازنُ على المَلِكِ ، فيقتبسُ الملكُ منها ما يحتاجُ إليهِ في تدبيرِ مملكتِهِ ، وإتمامٍ سفرِهِ الذي هوَ بصددِهِ ، وقمع عدوّهِ الذي هوَ مبتلىّ بهِ ، ودفع قواطع الطريقِ عليهِ . فإذا فعلَ ذلكَ .. كان مَوفَّقاً سعيداً ، شاكراً نعمةَ اللهِ تعالى. وإذا عطّلَ هذهِ الجملةَ ، أوِ استعملَها لكنْ في مراعاةِ أعدائِهِ ؛ وهيَ ٣٦ ش ربع المهلكات ـرة كتاب عجائب القلب الشهوةُ والغضبُ وسائرُ الحظوظِ العاجلةِ ، أوْ في عمارةِ طريقِهِ دونَ منزلهِ ؛ إذِ الدنيا طريقُهُ التي عليها عبورُهُ ، ووطنُهُ ومستقرُّهُ الآخرةُ .. كانَ مخذولاً شقياً، كافراً بنعمةِ اللهِ تعالى ، مضيّعاً لجنودِ اللهِ تعالى، ناصراً لأعداءِ اللهِ ، مخذَّلاً لحزب اللهِ ، فيستحقُّ المقتَ والإبعادَ في المنقلبِ والمعادِ ، نعوذُ باللهِ مِنْ ذلكَ . وإلى المثالِ الذي ضربناهُ أشارَ كعبُ الأحبارِ حيثُ قالَ : دخلتُ على عائشةَ رضيَ اللهُ عنها ، فقلتُ : الإنسانُ عيناهُ هادٍ ، وأذناهُ قمعٌ ، ولسانُهُ ترجمانٌ ، ويداهُ جناحانِ، ورجلاهُ بريدٌ ، والقلبُ منهُ مَلِكٌ ، فإذا طابَ الملكُ .. طابَتْ جنودُهُ ، فقالَتْ: هكذا سمعتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ(١). ـن شن حن حن حن وقالَ عليٍّ رضيَ اللهُ عنهُ في تمثيلِ القلوبِ : ( إنَّ اللهِ تعالى في أرضِهِ آنيةٌ وهيَ القلوبُ، فأحبُّها إليهِ تعالى أرقُّها وأصفاها وأصلبُها)(٢)، ثمَّ فسَّرَ ذلكَ فقالَ : ( أصلُها في الدينِ ، وأصفاها في اليقينِ ، وأرقُّها على الإخوانِ)(٣)، وهوَ إشارةٌ إلى قولِهِ تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ . وقولُهُ تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِيهَا مِصْبَاعُ﴾، قالَ أبيُّ بنُ كعبٍ (١) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٧٣٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٤٧/٦). (٢) قوت القلوب (١١٧/١)، ورواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (٨٤٠) عن أبي عنبة الخولاني مرفوعاً . (٣) قوت القلوب (١١٧/١). ٣٧ حن كتاب عجائب القلب 400 ربع المهلكات حن رضيَ اللهُ عنهُ: معناهُ: مثلُ نورِ المؤمنِ وقلبهِ (١) ، وقولُهُ تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَتِ فِ بَحْرٍ لُّجِ﴾ مثلُ قلبِ المنافقِ(٢). وقالَ زيدُ بنُ أسلمَ في قولِهِ تعالى : ﴿فِى لَوَجٍ تَّحْفُوظِ ﴾: هوَ قلبُ المؤمنِ(٣) . وقالَ سهلٌ : ( مثلُ القلبِ والصدرِ مثلُ العرشِ والكرسيّ) (٤) ٠ فهذهِ أمثلةُ القلبِ . حن (١) رواه عنه الطبري في ((تفسيره)) (١٨/١٠/ ١٧٣)، و((قوت القلوب)) (١١٨/١). (٢) روى الطبري في تفسيره)) ( ١٩٢/١٨/١٠) عن أبي رضي الله عنه: ( ضرب الله مثلاً للكافر فقال: ﴿أَوْ كَظُلُمَتٍ فِ بَحْرِ لُّجِ ... ) الآية، قال: فهو يتقلب في خمس من الظلم : فكلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة؛ إلى النار)، و((قوت القلوب)) (١١٨/١). (٣) قوت القلوب (١١٨/١). (٤) قوت القلوب (١١٨/١). ٣٨ کن ربع المهلكات كتاب عجائب القلب بيان مجامع أوصافى القلب وأمثلة ـحق اعلمْ : أنَّ الإنسانَ قدِ اصطحبَ في تركيبهِ وخلقتِهِ أربعَ شوائبَ ، فلذلكَ اجتمعَتْ عليهِ أربعةُ أنواع مِنَ الأوصافِ ، وهيَ الصفاتُ السبعيَّةُ ، والبهيميَّةُ ، والشيطانيَّةُ، والربَّانِيَّةُ . فهوَ مِنْ حيثُ سُلِّطَ عليهِ الغضبُ يتعاطى أفعالَ السباع ؛ مِنَ العداوةِ والبغضاءِ ، والتهجُّمٍ على الناسِ بالضربِ والشتمٍ . ومِنْ حيثُ سُلِّطَتْ عليهِ الشهوةُ يتعاطى أفعالَ البهائم ؛ مِنَ الشرِهِ والحرصِ والشبقِ وغيرِهِ . ومِنْ حيثُ إنَّهُ في نفسِهِ أمرٌ ربَّانِيٌّ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرٍ رَبِّى﴾ فإنَّهُ يدَّعي لنفسِهِ الربوبيَّةَ، ويحبُّ الاستيلاءَ والاستعلاءَ، والتخصُّصَ والاستبدادَ بالأمورِ كلِّها ، والتفرّدَ بالرئاسةِ ، والانسلالَ عنْ ربقةٍ العبوديَّةِ والتواضع ، ويشتهي الاطلاعَ على العلوم كلّها ، بلْ يدَّعي لنفسِهِ العلمَ والمعرفةَ والإحاطةَ بحقائقِ الأمورِ ، ويفرحُ إذا نُسِبَ إلى العلمِ ويحزنُ إذا نُسبَ إلى الجهلِ ، والإحاطةُ بجميع الحقائقِ ، والاستيلاءُ بالقهرِ على جميع الخَلائقِ .. مِنْ أوصافِ الربوبيَّةِ ، وفي الإنسانِ حرصٌ على ذلكَ . ومِنْ حيثُ يختصُّ عَنِ البهائمِ بالتمييزِ ، معَ مشاركتِهِ لها في الغضبِ ٣٩ كن ص حن كتاب عجائب القلب ربع المهلكات ٹن والشهوةِ حصلَتْ فيهِ شيطانيَّةٌ ، فصارَ شريراً ، يستعملُ التمييزَ في استنباطِ وجوهِ الشرِّ، ويتوصَّلُ إلى الأغراضِ بالمكرِ والحيلةِ والخداع ، ويظهرُ الشرَّ في معرضِ الخيرِ ، وهذهِ أخلاقُ الشياطينِ . وكلُّ إنسانٍ فِيهِ شَوْبٌ مِنْ هذهِ الأصولِ الأربعةِ ؛ أعني : الربانيَّةَ ، والشيطانيَّةَ ، والسبعيَّةَ ، والبهيميَّةَ ، وكلُّ ذلكَ مجموعٌ في القلبِ ، فكأنَّ المجموعَ في إهابِ الإنسانِ : خنزيرٌ ، وكلبٌ ، وشيطانٌ ، وحكيمٌ . فالخنزيرُ هوَ الشهوةُ ؛ فإنَّهُ لمْ يكنِ الخنزيرُ مذموماً للونِهِ وشكلِهِ وصورتِهِ ، بلْ لجشعِهِ وكَلَبِهِ وحرْصِهِ . والكلبُ هوَ الغضبُ ؛ فإنَّ السبعَ الضاريَ والكلبَ العقورَ ليسا كلباً وسبعاً باعتبارِ الصورةِ واللونِ والشكلِ ، بلْ روحُ معنى السبعيَّةِ الضراوةُ والعدوانُ والعَقْرُ ، وفي باطنِ الإنسانِ ضراوةُ السبع وغضبُهُ ، وحرْصُ الخنزيرِ وشبقُهُ ، فالخنزيرُ يدعو بالشرهِ إلى الفحشاءِ والمنكرِ ، والسبعُ يدعو بالغضبِ إلى الظلمِ والإيذاءِ . والشيطانُ لا يزالُ يهيِّجُ شهوةَ الخنزيرِ وغيظُ السبع ، ويغري أحدَهُما بالآخرِ ، ويحسِّنُ لهما ما هما مجبولانِ عليهِ . والحكيمُ الذي هوَ مثالُ العقلِ مأمورٌ بأنْ يدفعَ كيدَ الشيطانِ ومكرَهُ ؛ بأنْ يكشفَ عنْ تلبيسِهِ ببصيرتِهِ النافذةِ، ونورِهِ المشرقِ الواضح ، وأنْ يكسرَ شره هذا الخنزيرِ بتسليطِ الكلبِ عليهِ ، إذْ بالغضبِ يكسرُ سورةَ الشهوةِ ، ويدفعُ ٤٠ ئن