Indexed OCR Text

Pages 641-660

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
المكانَ على المصَلِّينَ ، ويشوِّشَ عليهِمْ صلاتَهُمْ، فإنْ لمْ يكنْ شيءٌ مِنْ
ذلكَ .. فليسَ بحرام ، والأولى تركُهُ، ولكنْ شرطُ إباحتِهِ أنْ يجريَ في
أوقاتٍ نادرةٍ وأيَّامِ معدودةٍ ، فإنِ اتخذَ المسجدَ دُكَّاناً على الدوام .. حرمَ
ذلكَ ومُنِعَ منهُ، فمِنَ المباحاتِ ما يُباحُ بشرطِ القَلَّةِ ، فإنْ كثرَ .. صارَ
صغيرةً ، كما أنَّ مِنَ الذنوبِ ما يكونُ صغيرةً بشرطِ عدم الإصرارِ ، فإنْ كانَ
القليلُ مِنْ هذا لوْ فُتْحَ بابُهُ لخيفَ منهُ أنْ ينجزَّ إلى الكثيرِ .. فليُمنعْ منهُ ،
وليكنْ هذا المنعُ إلى الوالي أو إلى القيِّمِ بمصالحِ المسجدِ مِنْ جهةِ الوالي ؛
لأنَّهُ يدركُ ذلكَ بالاجتهادِ ، وليسَ للآحادِ المنعُ ممَّا هوَ مباحٌ في نفسِهِ لخوفِهِ
أنَّ ذلكَ يكثرُ .
حنجن حن
ومنها : دخولُ المجانينِ والصبيانِ والسكارى في المسجدِ ، ولا بأسَ
بدخولِ الصبيِّ المسجدَ إذا لمْ يلعبْ ، ولا يحرمُ عليهِ اللعبُ في المسجدِ
ولا السكوتُ على لعبهِ ، إلا إذا اتخذَ المسجدَ ملعباً، وصارَ ذلكَ معتاداً ،
فيجبُ المنعُ منهُ ، فهذا ممَّا يحلُّ قليلُهُ دونَ كثيرِهِ .
ودليلُ حلِّ قليلِهِ: ما رُوِيَ في (( الصحيحينِ)) أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ
عليهِ وسلَّمَ وقفَ لأجلِ عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها حتَّى نظرَتْ إلى الحبشةِ يزفنونَ
ويلعبونَ بالدَّرَقِ والحِرابِ يومَ العيدِ في المسجدِ ، ولا شكّ في أنَّ الحبشةَ
لو اتخذوا المسجدَ ملعباً .. لمُنعوا منهُ، ولمْ يرَ ذلكَ على الندرةِ والقلَّةِ
٦٤١

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
منكراً ، حتَّى نظرَ إليهِ ، بلْ أمرَهُمْ بهِ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
لتبصرَهُمْ عائشةُ رضي اللهُ عنها تطبيباً لقلبها إذْ قالَ: ((دونَكُمْ يا بني
أَرْفِدةً )) (١) كما نقلناهُ في كتابِ السماعِ .
وأمَّا المجانينُ .. فلا بأسَ بدخولِهِمُ المسجدَ ، إلا أنْ يُخشىُ تلويثُهُمْ لهُ
أَوْ شتمُهُمْ أوْ نطقُهُمْ بما هوَ فحشٌ ، أَوْ تعاطيهِمْ لما هوَ منكرٌ في صورتِهِ ؛
ككشف العورةِ وغيرِهِ .
فاتـ
وأمَّا المجنونُ الهادىءُ الساكنُ الذي قدْ عُلِمَ بعادتِهِ سكونُهُ وسكوتُهُ ..
فلا يجبُ إخراجُهُ مِنَ المسجدِ .
والسكرانُ في معنى المجنونِ ، فإنْ خيفَ منهُ القذفُ؛ أعني : القيءَ أوِ
الإيذاءَ باللسانِ .. وجبّ إخراجُهُ، وكذا إن كانَ مضطربَ العقلِ، فإنَّهُ
يُخافُ ذلكَ منهُ ، وإنْ كانَ قدْ شربَ ولمْ يسكرْ والرائحةُ منهُ تفوحُ .. فهوَ
منكرٌ مكروةٌ شديدُ الكراهةِ ، وكيفَ لا ومَنْ أكلَ الثومَ والبصلّ .. فقدْ نهاهُ
رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عنْ حضورِ المساجدِ؟! (٢)، ولكنْ يُحملُ
ذلكَ على الكراهةِ ، والأمرُ في الخمرِ أشدُ .
(١) رواه البخاري (٩٥٠)، ومسلم ( ٨٩٢).
(٢) وهو ما رواه البخاري (٨٥٤)، ومسلم ( ٥٦٤) واللفظ له ، من حديث جابر رضي الله
عنه مرفوعاً: (( من أكل البصل والثوم والكرَّاث .. فلا يقربنَّ مسجدنا؛ فإن الملائكة
تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )) .
٦٤٢

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
فإنْ قالَ قائلٌ : ينبغي أنْ يُضربَ السكرانُ ويُخرِجَ مِنَ المسجدِ زجراً .
قلنا : لا ، بلْ ينبغي أنْ يُلزمَ القعودَ في المسجدِ ويُدعى إليهِ ، ويُؤمرَ
بتركِ الشربِ مهما كانَ في الحالِ عاقلاً ، فأمَّا ضربُهُ للزجرِ .. فليسَ ذلكَ
إلى الآحادِ ، بلْ هوَ إلى الولاةِ ، وذلكَ عندَ إقرارِهِ أوْ شهادةِ شاهدينٍ ، فأمَّا
بمجَردِ الرائحةِ .. فلا .
نعمْ ، إذا كانَ يمشي بينَ الناسِ متمايلاً ، بحيثُ يُعرفُ سكرُهُ .. فيجوزُ
ضربُّهُ في المسجدِ وغيرِ المسجدِ ؛ منعاً لهُ عنْ إظهارِ أثرِ السكرِ ، فإنَّ إظهارَ
أثرِ الفاحشةِ فاحشةٌ ، والمعاصي يجبُ تركُها ، وبعدَ الفعلِ يجبُ سترُها
وسترُ آثارِها .
جن
جم: حن
ـن
٨٠٠
فإنْ كانَ مستتراً مُخْفِياً لأثرِهِ .. فلا يجوزُ أنْ يُتجسَّسَ عليهِ، والرائحةُ قدْ
تفوحُ مِنْ غيرِ شربٍ ؛ بالجلوسِ في موضعِ الخمرِ ، وبوصولِهِ إلى الفمِ دونَ
الابتلاعِ ، فلا ينبغي أنْ يُعوَّلَ عليهِ .
٦٤٣
جن
ta

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
منكرات الأسواق
مِنَ المنكراتِ المعتادةِ في الأسواقِ : الكذبُ في المرابحةِ ، وإخفاءُ
العيبِ ، فمَنْ قالَ : اشتريتُ هذهِ السلعةَ مثلاً بعشرةٍ وأربحُ فيها درهماً وكانَ
كاذباً .. فهوَ فاسقٌ، وعلى مَنْ عرفَ ذلكَ أنْ يخبرَ المشتريَ بكذبِهِ ، فإنْ
سكتَ مراعاةً لقلبِ البائع .. كانَ شريكاً لهُ في الخيانةِ وعصى بسكوتِهِ .
وكذا إذا علمَ بهِ عيباً فيلزمُهُ أنْ ينبِّهَ المشتريَ عليهِ ، وإلا .. كانَ راضياً
بضياعِ مالِ أخيهِ المسلم ، وهوَ حرامٌ .
وكذا التفاوتُ في الذراعِ والمكيالِ والميزانِ يجبُ على كلِّ مَنْ عرفَهُ
تغييرُهُ بنفسِهِ ، أوْ رفعُهُ إلى الوالي حتَّى يغيِّرَهُ .
.M
ومنها : تركُ الإيجاب والقبولِ ، والاكتفاءُ بالمعاطاةِ ، ولكنَّ ذلكَ في
محلِّ الاجتهادِ ، فلا ينكرُ إلا على مَنِ اعتقدَ وجوبَهُ(١) ، وكذا في الشروطِ
الفاسدةِ المعتادةِ بينَ الناسِ يجبُ الإنكارُ فيها ، فإنَّها مفسدةٌ للعقودِ ، وكذا
في الربوياتِ كلِّها ، وهيَ غالبةٌ ، وكذلكَ سائرُ التصرُّفاتِ الفاسدةِ .
ومنها : بيعُ الملاهي ، وبيعُ أشكالِ الحيواناتِ المصوّرةِ في أيام العيدِ
(١) بحث المصنف حكم المعاطاة ، وله تفصيل فيه .
٦٤٤
TEST

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
لأجلِ الصبيانِ ، فذلكَ يجبُ كسرُهُ والمنعُ مِنْ بيعهِ كالملاهي ، وكذلكَ بِيعُ
الأواني المتخذةِ مِنَ الذهبِ والفضَّةِ ، وكذلكَ بيعُ ثيابِ الحريرِ وقلانسٍ
الذهبِ والحريرِ ؛ أعني : الذي لا يصلحُ إلا للرجالِ ، أوْ يُعلمُ بعادةِ البلدِ
أنَّهُ لا يلبسُهُ إلا الرجالُ، وكلُّ ذلكَ منكرٌ محظورٌ .
وكذلكَ مَنْ يعتادُ بيعَ الثيابِ المبتذلةِ المقصورةِ التي يلِّسُ على الناسِ
بقصارتِها ابتذالَها واستعمالَها ، ويَزعمُ أنَّها جديدةٌ ، فهذا الفعلُ حرامٌ ،
والمنعُ منهُ واجبٌ ، وكذلكَ تلبيسُ انخراقِ الثيابِ بِالرَّفْوِ ، وما يؤدِّي إلى
الالتباسِ ، وكذلكَ جميعُ أنواع العقودِ المؤدِّيةِ إلى التلبيساتِ ، وذلكَ يطولُ
إحصاؤُهُ ، فليقسْ بما ذكرناهُ ما لمْ نذكرْهُ .
حن
.حن
جن
يئن
٦٤٥

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
منكرات الشوارع
فمِنَ المنكراتِ المعتادةِ فيها : وضعُ الإسطواناتِ ، وبناءُ الدكاكِ متصلاً
بالأبنيةِ المملوكةِ ، وغرسُ الأشجارِ ، وإخراجُ القوابيلِ والأجنحةِ (١)،
ووضعُ الخشبِ وأحمالِ الحبوبِ والأطعمةِ على الطرقِ ، فكلُّ ذلكَ منكرٌ إِنْ
كانَ يؤدِّي إلى تضييقِ الطرقِ واستضرارِ المارَّةِ ، وإنْ لمْ يؤدِّ إلى ضررِ أصلاً
لسعةِ الطريقِ .. فلا يمنعُ منهُ .
نعمْ ، يجوزُ وضعُ الحطبٍ وأحمالِ الأطعمةِ في الطريقِ في القَدْرِ الذي
ينقلُ إلى البيوتِ ، فإنَّ ذلكَ يشتركُ في الحاجةِ إليهِ الكافَّةُ ، ولا يمكنُ المنعُ
منهُ .
وكذلكَ ربْطُ الدوابِّ على الطرقِ ، بحيثُ يضيِّقُ الطريقَ وينجِّسُ
المجتازينَ(٢) منكرٌ يجبُّ المنعُ منهُ إلا بقدْرِ حاجةِ النزولِ والركوبِ ، وهذا
لأنَّ الشوارعَ مشتركةُ المنفعةِ، وليسَ لأحدٍ أنْ يختصَّ بها إلا بقدْرِ الحاجةِ ،
والمرعيُّ هوَ الحاجةُ التي تُرادُ الشوارعُ لأجلِها في العادةِ دونَ سائرٍ
الحاجاتِ .
(١) في (د): (الرواشن) بدل ( القوابيل ) ، والقابول : الساباط ، سقيفة بين حائطين
تحتها طريق ، والروشن : الكوة والرف ونحو ذلك .
(٢) في (ب): ( يحبس ) بدل ( ينجس ) .
٦٤٦

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
ومنها : سوقُ الدوابِّ وعليها الشوكُ، بحيثُ يمزِّقُ ثيابَ الناسِ ،
فذلكَ منكرٌ إنْ أمكنَ شدُّها وضُّها بحيثُ لا تمزّقُ ، أَوْ أمكنَ العدولُ بها
إلى موضعٍ واسعٍ ، وإلا .. فلا منعَ ؛ إذْ حاجةُ أهلِ البلدِ تمسُّ إلى ذلكَ .
نعمْ ، لا تُتْركُ ملقاةً على الشوارع إلا بقدْرِ مدَّة النقلِ.
وكذلكَ تحميلُ الدوابٌّ مِنَ الأحمالِ ما لا تطيقُهُ منكرٌ يجبُ منعُ الملَكِ
منهُ .
وكذلكَ ذبحُ القصَّابِ إِذَا كانَ يذبحُ في الطريقِ حذاءَ بابِ الحانوتِ
ويلوِّثُ الطريقَ بالدم ، فإنَّهُ منكرٌ يجبُ المنعُ منهُ، بلْ حقُّهُ أنْ يتخذَ في دكَّانِهِ
مذبحاً ، فإنَّ ذلكَ تضييقٌ للطريقِ ، وإضرارٌ بالناسِ بسببِ ترشيشٍ
النجاسةِ ، وإضرارٌ بسببِ استقذارِ الطباع للقاذوراتِ .
وكذلكَ طرحُ الكُناسةِ علىْ جَوادِّ الطرقِ ، وتبديدُ قشورِ البطُّيخ ، أوْ رشُّ
الماءِ بحيثُ يُخشى منهُ التزليقُ والسقوطُ (١)، فكلُّ ذلكَ مِنَ المنكراتِ .
وكذلكَ إرسالُ الماءِ مِنَ الميازيبِ المُخْرَجَةِ مِنَ الحائطِ في الطريقِ
الضيّقةِ ؛ فإنَّ ذلكَ ينجِّسُ الثيابَ ، أَوْ يضيِّقُ الطريقَ ، ولا يُمنعُ منهُ في
الطرقِ الواسعةِ ؛ إذِ العدولُ عنهُ ممكنٌ ، فأمَّا ترْكُ مياهِ المطرِ والأوحالِ
والثلوجٍ في الطرقِ مِنْ غيرِ كِسْحٍ .. فذلكَ منكرٌ ، ولكنْ ليسَ يختصُّ بهِ
شخصٌ معيَّنٌ إلا الثلجَ الذي يختصُّ بطرحِهِ على الطريقِ واحدٌ ، والماءَ الذي
(١) في (د): (التزلق والتعثر).
٦٤٧

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
يجتمعُ على الطريقِ مِنْ ميزابٍ معيَّنِ ، فعلى صاحبِهِ على الخصوصِ کسْحُ
الطريقِ ، وإنْ كانَ مِنَ المطرِ .. فذلكَ حِسبةٌ عامَّةٌ ، فعلى الولاةِ تكليفُ
الناسِ القيامَ بها ، وليسَ للآحادِ فيها إلا الوعْظُ فقطْ .
وكذلكَ إذا كانَ لهُ كلبٌ عقورٌ على بابِ دارِهِ يؤذي الناسَ ، فيجبُ منعُهُ
منهُ ، وإنْ كانَ لا يؤذي إلا بتنجيسِ الطريقِ ، وكانَ يمكنُ الاحترازُ عنْ
نجاستِهِ .. لمْ يُمنعْ منهُ، وإنْ كانَ يضيّقُ الطريقَ ببسطِهِ ذراعيهِ .. فيُمنعُ
منهُ، بلْ يُمنعُ صاحبُهُ مِنْ أنْ ينامَ على الطريقِ أوْ يقعدَ قعوداً يضيِّقُ الطريقَ ،
فكلبُهُ أولى بالمنعِ .
٦٤٨

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
منكرات الحمامات
منها : الصورُ التي تكونُ على بابِ الحمَّامِ أوْ داخلَ الحمَّام يجبُ إزالتُها
على كلِّ مَنْ يدخلُها إنْ قدرَ ، فإنْ كانَ الموضعُ مرتفعاً لا تصلُ إليهِ يدُهُ ..
فلا يجوزُ لهُ الدخولُ إلا لضرورةٍ ، فليعدلْ إلى حمَّامٍ آخرَ ؛ فإنَّ مشاهدةً
المنكرِ غيرُ جائزةٍ .
ويكفيهِ أنْ يشوِّهَ وجهَها ويبطلَ بهِ صورتَها ، ولا يُمنعُ مِنْ صورِ الأشجارِ
وسائرِ النقوشِ سوى صورِ الحيوانِ .
ومنها : كشفُ العوراتِ والنظرُ إليها ، ومِنْ جملتِها كشفُ الدلَكِ عن
الفخذٍ وما تحتَ السَّرةِ لتنحيةِ الوسخ ، بلْ مِنْ جملتِها إدخالُ اليدِ تحتَ
الإزارِ ، فإنَّ مسَّ عورةِ الغيرِ حرامٌ كالنظرِ إليها .
ومنها : الانبطاحُ على الوجهِ بينَ يدي الدلاَّكِ لتغميزِ الأعجازِ والأفخاذِ ،
فهذا مكروهٌ وإنْ كانَ معَ حائلِ ، ولكنْ لا يكونُ محظوراً إذا لمْ يُخشَ مِنْ
حركةِ الشهوةِ .
وكذلكَ كشفُ العورةِ للحجَّامِ الذمِّيِّ مِنَ الفواحشِ ، فإنَّ المرأةَ لا يجوزُ لها
أنْ تكشفَ بدنَها للذميَّاتِ في الحمّام، فكيفَ يجوزُ لها كشفُ العورةِ للرجالِ؟!
٦٤٩
حر

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
ومنها : غمسُ اليدِ والأواني النجسةِ في المياهِ القليلةِ، وغسلُ الإزار
والطاسِ النجسِ في الحوضِ وماؤُهُ قليلٌ؛ فإنَّهُ منجِّسٌ للماءِ إلا على مذهبٍ
مالكٍ ، فلا يجوزُ الإنكارُ فيهِ على المالكيَّةِ ، ويجوزُ على الحنفيَّةِ
والشافعيَّةِ (١).
وإنِ اجتمعَ مالكيٌّ وشافعيٌّ في حمَّامٍ .. فليسَ للشافعيِّ منعُ المالكيِّ مِنْ
ذلكَ إلا بطريقِ الالتماسِ واللطفِ، وهوَ أنْ يقولَ لهُ: إنَّا نحتاجُ إلى أنْ
نغسلَ اليدَ أوَّلاً، ثمَّ نغمسَها في الماءِ ، وأمَّا أنتَ .. فمستغنٍ عنْ إِيذائي
وتفويتِ الطهارةِ عليَّ ، هذا وما يجري مجراهُ، فإنَّ مظانَّ الاجتهادِ
لا يمكنُ الحِسبةُ فيها بالقهرِ .
ومنها : أنْ يكونَ في مداخلٍ بيوتِ الحمَّامِ ومجاري مياهِها حجارةٌ ملساءُ
مُزْلِقَةٌ يزلقُ عليها الغافلونَ ، فهذا منكرٌ ، ويجبُ قلعُهُ وإزالتُهُ ، ويُنكرُّ على
الحمَّاميِّ إهمالُهُ؛ فإنَّهُ يفضي إلى السقطةِ ، وقدْ تؤدِّي السقطةُ إلى انكسار
عضوٍ أوِ انخلاعِهِ .
وكذلكَ ترْكُ السدْرِ والصابونِ المُزْلِقِ على أرضِ الحمَّامِ منكرٌ ، ومَنْ
فعلَ ذلكَ وخرِجَ وتركَهُ فتزلقَ بهِ إِنسانٌ ، وانكسرَ عضوٌ مِنْ أعضائِهِ ، وكانَ
(١) سبق وقد بيَّن المصنف رأيه في تنُّس الماء القليل بأدنى نجاسة وإن لم يظهر لها أثر ،
وميله ظاهراً إلى مذهب السادة المالكية .
٦٥٠

ربع العادات
ـدة
كتاب الأمر بالمعروف
ذلكَ في موضع لا يظهرُ فيهِ ، بحيثُ يتعذَّرُ الاحترازُ عنهُ .. فالضمانُ متردِّدٌ
بينَ الذي تركَهُ وبينَ الحمَّامِيِّ ؛ إذ على الحمَّامِيِّ تنظيفُ الحمَّامِ ، والوجهُ:
إيجابُ الضمانِ على تاركِهِ في اليومِ الأوَّلِ ، وعلى الحمَّاميِّ في اليومِ
الثاني ؛ إِذْ عادةُ تنظيفِ الحمَّامِ كلَّ يومٍ معتادةٌ ، والرجوعُ في مواقيتِ إعادةٍ
التنظيفِ إلى العاداتِ ، فليُعتبرْ بها .
وفي الحمَّام أمورٌ أخرُ مكروهٌ ، ذكرناها في كتابٍ أسرارِ الطهارةِ ، فلا
نطوِّلُ بإعادِتها .
كيد
٦٥١

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
مذكرات الضّيافة
فمنها : فرشُ الحريرِ للرجالِ ، فهوَ حرامٌ ، وكذلكَ تبخيرُ البخورِ في
مجمرةٍ فضةٍ أوْ ذهبٍ ، وكذلكَ الشربُ منها ، أوِ استعمالُ ماءِ الوردِ منهما ،
أو ممَّا رأسُهُ منهما .
ومنها : إسدالُ الستور وعليها الصورُ .
ومنها : سماعُ الأوتارِ أوْ سماعُ القيناتِ .
6
ومنها : اجتماعُ النساءِ على السطوحِ للنظرِ إلى الرجالِ مهما كانَ في
الرجالِ شَّانٌ يُخافُ الفتنةُ بينهُمْ، فكلُّ ذلكَ محظورٌ منكرٌ يجبُ تغییرُهُ ،
ومَنْ عجزَ عنْ تغييرِهِ .. لزمَهُ الخروجُ ولمْ يجزْ لَهُ الجلوسُ ، فلا رخصةَ لهُ
في الجلوسِ في مشاهدةِ المنكراتِ .
وأمَّا الصورُ التي على النمارقِ والزرابيِّ المفروشةِ .. فليسَ منكراً ، وكذا
على الأطباقِ والقصاع ، لا الأواني المتخذةِ على شكلِ الصورِ ، فقدْ تكونُ
بعضُ رؤوسِ المجامرِ على شكلٍ طيرٍ ، فذلكَ حرامٌ يجبُ كَسْرُ مقدارِ
الصورةِ منهُ .
٦٥٢

ربع العادات
حر
كتاب الأمر بالمعروف
وفي المُكْحُلةِ الصغيرةِ مِنَ الفضَّةِ خلافٌ ، وقدْ خرجَ أحمدُ ابنُ حنبلٍ عنِ
الضيافةِ بسببها(١) .
ومهما كانَ الطعامُ حراماً ، أوْ كانَ الموضعُ مغصوباً ، أوْ كانَتِ الثيابُ
المفروشةُ حراماً .. فَهَو مِنْ أشدِّ المنكراتِ .
فإنْ كانَ فيها مَنْ يتعاطى شربَ الخمرِ وحدَهُ .. فلا يجوزُ الحضورُ؛ إذْ
لا يحلُّ حضورُ مجالسٍ الشربِ وإنْ كانَ معَ تركِ الشربِ ، ولا يجوزُ مجالسةٌ
الفاسقِ في حالةِ مباشرتِهِ للفسقِ ، وإنَّما النظرُ في مجالستِهِ بعدَ ذلكَ، وأنَّهُ
هلْ يجبُ بغضُهُ في اللهِ ومقاطعتُهُ كما ذكرناهُ في بابِ الحبِّ والبغضِ
في اللهِ، وكذلكَ إنْ كانَ فيهِمْ مَنْ يلبسُ الحريرَ أوْ خاتمَ الذهبِ .. فهوَ فاسقٌ
لا يجوزُ الجلوسُ معَهُ مِنْ غيرِ ضرورةٍ .
فإنْ كانَ الثوبُ على صبيٍّ غيرِ بالغٍ .. فهذا في محلِّ النظرِ،
والصحيحُ: أنَّ ذلكَ منكرٌ ويجبُ نزعُهُ عنُهُ إنْ كانَ مميّزاً ؛ لعمومِ قولِهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : (( هذانِ حرامٌ على ذكورِ أمَّتي » (٢) ، وكما يجبُ منعُ
الصبيِّ مِنْ شربِ الخمرِ لا لكونِهِ مكلَّفاً ، ولكنْ لأنَّهُ يأنسُ بِهِ ، فإذا بلغَ عسرَ
عليهِ الصبرُ عنهُ .. فكذلكَ شهوةُ التزيّنِ بالحريرِ تغلبُ عليهِ إذا اعتادَهُ ،
(١) قوت القلوب (٢/ ٢٨٠)، وكثير من مسائل المصنف عنده ، وقصة خروجه بسبب
مكحلة فضة حكاها عن صاحب ((القوت) الحافظ الزبيدي في «إتحافه)) (٧/ ٦١ ).
(٢) رواه أبو داوود (٤٠٥٧)، والنسائي (١٦٠/٨)، وابن ماجه (٣٥٩٥).
٦٥٣

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
فيكونُ ذلكَ بذراً للفسادِ يبذرُ في صدرِهِ ، فتنبتُ منهُ شجرةٌ منَ الشهوةِ
راسخةٌ يعسرُ قلعُها بعدَ البلوغِ .
أمَّا الصبيُّ الذي لا يميِّرُ .. فيضعفُ معنى التحريم في حقُّهِ ، ولا يخلو
عنِ احتمالٍ ، والعلمُ عندَ اللهِ فيهِ (١) ، والمجنونُ في معنى الصبيِّ الذي
لا یمیِّرُ .
نعمْ ، يحلُّ التزيُنُ بالذهبِ والحريرِ للنساءِ مِنْ غيرِ إسرافٍ .
ولا أرى رخصةً في تثقيبِ أذنِ الصبيّةِ لأجلِ تعليقِ حلقِ الذهبِ فيها ؛
فإنَّ هذا جرحٌ مؤلمٌ، ومثلُهُ موجبٌ للقصاصِ ، فلا يجوزُ إلا لحاجةٍ
مهمَّةٍ ، كالفصدِ والحجامةِ والختانِ ، والتزيُّنُ بالحلقِ غيرُ مهمٌّ ، بلْ في
التقريطِ بتعليقِهِ على الأذنِ ، وفي المخانقِ والأَسْوِرَةِ كفايةٌ عنهُ ، فهذا وإنْ
كانَ معتاداً فهوَ حرامٌ ، والمنعُ منهُ واجبٌ ، والاستئجارُ عليهِ غيرُ صحيحٍ ،
والأجرةُ المأخوذةُ عليهِ حرامٌ ، إلا أنْ يثبتَ من جهةِ النقلِ فيه رخصةٌ ، ولمْ
يبلغْنا إِلى الآنَ فيهِ رخصةٌ(٢) .
ومنها : أنْ يكونَ في الضيافةِ مبتدِعٌ يتكلَّمُ في بدعتِهِ ، فيجوزُ الحضورُ
لمَنْ يقدرُ على الردِّ عليهِ على عزم الردِّ ، فإنْ كانَ لا يقدرُ عليهِ .. لمْ يجزْ،
(١) ومذهب أبي حنيفة وأصحابه المنع مطلقاً، سواء كان مميزاً أو لا.
(٢) واستدل المجوِّزون من الشافعية وغيرهم ببعض الآثار الواردة في جواز ذلك، ينظر
(( تحفة المحتاج)) (١٩٥/٩).
٦٥٤

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
وإنْ كانَ المبتدعُ لا يتكلَّمُ ببدعتِهِ .. فيجوزُ الحضورُ معَ إظهارِ الكراهةِ علیهِ
والإعراضِ عنهُ ، كما ذكرناهُ في بابِ البغضِ في اللهِ .
وإنْ كانَ فيها مضحكٌ بالحكاياتِ وأنواع النوادرِ ؛ فإنْ كانَ يضحكُ
بالفحشِ والكذبِ .. لمْ يجزِ الحضورُ، وعندَ الحضورِ يجبُ الإنكارُ ، وإنْ
كانَ ذلكَ بمزحٍ لا كذبَ فيهِ ولا فحشَ .. فهوَ مباحٌ؛ أعني ما يقلُّ منهُ ، فأمَّا
اتخاذُهُ صنعةٌ وعادةً .. فليسَ بمباحٍ .
وكلُّ كذبٍ لا يخفى أنَّهُ كذبٌ ولا يقصدُ منهُ التلبيسُ .. فليسَ مِنْ جملةٍ
المنكراتِ ؛ كقولِ الإنسانِ مثلاً : ( قدْ طلبتُكَ اليومَ مئةَ مرَّةٍ) و(أعدتُ
الكلامَ عليكَ ألفَ مرَّةٍ ) ، وما يجري مجراهُ ممَّا يُعلمُ أنَّهُ ليسَ يُقصدُ بهِ
التحقيقُ ، فذلكَ لا يقدحُ في العدالةِ ، ولا تُردُّ الشهادةُ بهِ ، وسيأتي حدٌّ
المزاحِ المباحِ والكذبِ المباحِ في كتابِ آفاتِ اللسانِ مِنْ ربع المهلكاتِ .
ومنها : الإسرافُ في الطعام والبناءِ ، فهوَ منكرٌ ، بلْ في المالِ
منكرانِ :
أحدُهُما : الإضاعةُ .
والآخرُ : الإسرافُ .
فالإضاعةُ : تفويتُ مالٍ بلا فائدةٍ يُعتدُّ بها ؛ كإحراقِ الثوبِ وتمزيقِهِ ،
وهدمِ البناءِ مِنْ غيرِ غرضٍ ، وإلقاءِ المالِ في البحرِ ، وفي معناهُ صرفُ المالِ
٦٥٥
متن

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
ئن
إلى النائحةِ والمطربِ ، وفي أنواع الفسادِ ؛ لأنَّها فوائدُ محرّمةٌ شرعاً ،
فصارَتْ كالمعدومةِ .
وأمَّا الإسرافُ : فقدْ يُطلقُ لإرادةِ صرْفِ المالِ إلى النائحةِ والمطربِ
والمنكراتِ ، وقدْ يُطلقُ على الصرْفِ إلى المباحاتِ في جنسِها ولكنْ معَ
المبالغةِ ، والمبالغةُ تختلفُ بالإضافةِ إلى الأحوالِ ، فنقولُ : مَنْ لمْ يملكْ
إلا مئةَ دينارٍ مثلاً ومعَهُ عيالُهُ وأولادُهُ ، ولا معيشةَ لهُمْ سواهُ ، فأنفقَ الجميعَ
في وليمةٍ .. فهوَ مسرفٌ يجبُ منعُهُ منهُ، قالَ تعالى: ﴿وَلَا نَبْسُطُهَا كُلّ
اَلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا﴾ نزلَ هذا في رجلٍ بالمدينةِ قسمَ جميعَ مالِهِ ولمْ يبقِ
شيئاً لعيالِهِ ، فطُولبَ بالنفقةِ ، فلمْ يقدرْ على شيءٍ(١).
وقالَ تعالى: ﴿ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا : ﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُّوْاْ إِخْوَانَ الشَّيَطِينِ﴾ .
وكذلكَ قالَ تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ
ذَلِكَ قَوَامًا﴾، فمَنْ يُسرفُ هذا الإسرافَ يُنكرُ عليهِ ، ويجبُ على القاضي
أنْ يحجرَ عليهِ ، إلا إذا كانَ الرجلُ وحدَهُ ، وكانَ لهُ قوَّةٌ في التوكُّلِ صادقةٌ ،
فلهُ أنْ ينفقَ جميعَ مالِهِ في أبوابِ البرِّ ، ومَنْ لهُ عيالٌ أوْ كانَ عاجزاً عن
التوُّلِ .. فليسَ لهُ أنْ يتصدَّقَ بجميعِ مالِهِ .
وكذلكَ لوْ صرفَ جميعَ مالِهِ إلى نقوشِ حيطانِهِ وتزيينِ بُنيانِهِ ، فهوَ
(١) وقد روى الطبري في ((تفسيره)" (٩٩/١٥/٩) عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه
الآية : ( هذا في النفقة ) .
٦٥٦

ربع العادات
حن
كتاب الأمر بالمعروف
إسرافٌ محرَّمٌ ، وفعلُ ذلكَ ممَّنْ لهُ مالٌ كثيرٌ ليسَ بحرام ؛ لأنَّ التزيينَ مِنَ
الأغراضِ الصحيحةِ ، ولمْ تزلِ المساجدُ تُزْيَّنُ وتُنُقشُ أبوابُها وسقوفُها معَ أنَّ
نقشَ البابِ والسقفِ لا فائدةَ فيهِ إلا مجرَّدُ الزينةِ ، فكذا الدورُ .
وكذلكَ القولُ في التجمُّلِ بالثيابِ والأطعمةِ ، فذلكَ مباحٌ في جنسِهِ ،
ويصيرُ إسرافاً باعتبارِ حالِ الرجلِ وثروتِهِ .
وأمثالُ هذهِ المنكراتِ كثيرةٌ لا يمكنُ حصرُها ، فقسْ بهذا منكراتِ
المجامع ، ومجالسِ القضاةِ ، ودواوينِ السلاطينِ ، ومدارسِ الفقهاءِ ،
ورباطاتِ الصوفيّةِ ، وخاناتِ الأسواقِ ، فلا تخلو بقعةٌ عنْ منكرٍ مكروهٍ أوْ
محظورٍ ، واستقصاءُ جميع المنكراتِ يستدعي استيعابَ جميع تفاصيلٍ
الشرع ، أصولها وفروعِها ، فلنقتصر على هذا القدر منها .
٦٥٧

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
المنكرات العامة
اعلمْ : أنَّ كلَّ قاعدٍ في بيتِهِ أينما كانَ فليسَ خالياً في هذا الزمانِ عنْ
منكرٍ مِنْ حيثُ التقاعدُ عنْ إرشادِ الناسِ وتعليمِهِمْ وحملِهِمْ على المعروفِ ،
فأكثرُ الناسِ جاهلونَ بالشرع في شروطِ الصلاةِ في البلادِ ، فكيفَ في القرى
والبوادي ، ومنهُمُ الأعرابُ والأكرادُ والتركمانيَّةُ وسائرُ أصنافِ الخلقِ ،
وواجبٌ أنْ يكونَ في كلِّ مسجدٍ ومحلَّةٍ مِنَ البلدِ فقيهٌ يعَلِّمُ الناسَ دينَهُمْ ،
وكذا في كلِّ قريةٍ .
وواجبٌ على كلٌّ فقيهٍ فَرَغَ مِنْ فرضٍ عينِهِ وتفرَّغَ لفرض الكفايةِ أنْ يخرجَ
إِلى مَنْ يجاورُ بلدَهُ مِنْ أهلِ السوادِ ومِنَ العربِ والأكرادِ وغيرِهِمْ ويعلِّمَهُمْ
دينَهُمْ وفرائضَ شرعِهِمْ، ويستصحبُ معَ نفسِهِ زاداً يأكلُهُ ، ولا يأكلُ مِنْ
أطعمتهمْ ؛ فإنَّ أكثرَها تكونُ مغصوبةً ، فإنْ قامَ بهذا الأمرِ واحدٌ .. سقطَ
الحرجُ عنِ الآخرينَ ، وإلا .. عمَّ الحرجُ الكافَّةَ أجمعينَ ؛ أمَّا العالمُ ..
فالتقصيرِهِ في الخروجِ ، وأمَّ الجاهلُ .. فلتقصيرِهِ في تزكِ التعلُّمِ .
وكلُّ عاميِّ عرفَ شروطَ الصلاةِ .. فعليهِ أنْ يعرِّفَ غيرَهُ، وإلا .. فهوَ
شريكٌ في الإِثمِ ، ومعلومٌ أنَّ الإنسانَ لا يُولدُ عالماً بالشرع ، وإِنَّما يجبُ
التبليغُ على أهلِ العلمِ ، وكلُّ مَنْ تعلَّمَ مسألةً واحدةً .. فهوَ مِنْ أهلِ العلمِ
بها .
٦٥٨

ربع العادات
كتاب الأمر بالمعروف
ولعمري ؛ الإثمُ على الفقهاءِ أشدُّ ؛ لأنَّ قدرتَهُمْ فيهِ أظهرُ، وهوَ
بصناعتِهِمْ أليقُ ؛ لأنَّ المحترفينَ لوْ تركوا حرفتَهُمْ .. لبطلتِ المعايشُ ، فهمْ
قدْ تقلَّدوا أمراً لا بدَّ منهُ في صلاحِ الخلقِ ، وشأنُ الفقيهِ وحرفتُهُ تبليغُ
ما بلَغَهُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؛ فإنَّ العلماءَ همْ ورثةُ الأنبياءِ ،
وليسَ للإِنسانِ أَنْ يقعدَ في بيتِهِ ولا يخرجَ إلى المسجدِ لأنَّه يرى الناسَ
لا يحسنونَ الصلاةً، بلْ إِذا علمَ ذلكَ .. وجبَ عليهِ الخروجُ للتعليمِ
والنهي .
وكذلكَ كلُّ مَنْ تِيقَّنَ أنَّ في السوقِ منكراً يجري على الدوامِ ، أَوْ في
وقتٍ بعينِهِ وهوَ قادرٌ على تغييرِهِ، فلا يجوزُ لهُ أنْ يسقطَ ذلكَ عنْ نفسِهِ
بالقعودِ في البيتِ ، بلْ يلزمُّهُ الخروجُ ، فإنْ كانَ لا يقدرُ على تغييرِ البعضِ
وهوَ محترزٌ عنْ مشاهدتِهِ ويقدرُ على البعضِ .. لزمَهُ الخروجُ؛ لأنَّ خروجَهُ
إذا كانَ لأجلِ تغييرٍ ما يقدرُ عليهِ .. فلا يضرُّهُ مشاهدةُ ما لا يقدرُ عليهِ ،
وإنَّما يُمنعُ الحضورَ لمشاهدةِ المنكرِ مِنْ غيرِ غرضٍ صحيحٍ .
فحٌّ على كلِّ مسلم : أنْ يبدأَ بنفسِهِ فيصلحَها بالمواظبةِ على الفرائضِ
وتركِ المحرَّماتِ ، ثمَّ يعلُّمَ ذلكَ أهلَهَ وأقاربَهُ، ثمَّ يتعدَّى بعدَ الفراغِ منْهُمْ
إلى جيرانِهِ ، ثمَّ إلى أهلِ محلَّتِهِ ، ثمَّ إلى أهلِ بلدِهِ ، ثمَّ إلى أهلِ السوادِ
المكتنفِ ببلدِهِ ، ثمَّ إلى أهلِ البوادي مِنَ الأكرادِ والعربِ وغيرِهِمْ ، وهكذا
إلى أقصى العالم ، فإنْ قامَ بهِ الأدنى .. سقطَ عنِ الأبعدِ، وإلا .. حَرِجَ بهِ
٦٥٩

كتاب الأمر بالمعروف
ربع العادات
كلُّ قادرِ عليهِ ، قريباً كانَ أوْ بعيداً ، ولا يسقطُ الحرجُ ما دامَ يبقى على وجهِ
الأرضِ جاهلٌ بفرْضٍ مِنْ فروضِ دِينِهِ ، وهوَ قادرٌ على أنْ يسعى إليهِ بنفسِهِ أوْ
بغيرِهِ فيعلمَهُ فرضَهُ .
وهذا شغلٌ شاغلٌ لمَنْ يهُّهُ أمرُ دينِهِ ، يشغلُهُ عنْ تجزئةِ الأوقاتِ في
التفريعاتِ النادرةِ والتعمُّقِ في دقائقِ العلومِ التي هيَ مِنْ فروضِ الكفاياتِ ،
ولا يتقدَّمُ على هذا إلا فرضُ عينٍ ، أوْ فرضُ كفايةِ هوَ أهمُّ منهُ ، واللهُ
أعلمُ .
:4G
٦٦٠