Indexed OCR Text
Pages 421-440
ربع العادات كتاب السماع والوجد أمَّا سماعُ الصوتِ الطيِّبِ مِنْ حيثُ إنَّهُ طيِّبٌ : فلا ينبغي أنْ يُحرَّمَ ، بلْ هوَ حلالٌ بالنصِّ والقياسِ . ـن أمَّا القياسُ : فهوَ أنَّهُ يرجعُ إلى تلذُّذِ حاسَّةِ السمع بإدراكِ ما هوَ مخصوصٌ بهِ ، وللإنسانِ عقلٌ وخمسُ حواسَّ ، ولكلِّ حاسَّةٍ إدراكٌ ، وفي مدركاتِ تلكَ الحواسِّ ما يُستلذُّ ، فلذَّةُ البصرِ في المبصراتِ الجميلةِ ؛ كالخضرةِ والماءِ الجاري والوجهِ الحسنِ ، وبالجملةِ : سائرُ الألوانِ الجميلةِ ، وهيَ في مقابلةِ ما يُكرِهُ مِنَ الألوانِ الكدرةِ القبيحةِ ، وللشمِّ الروائحُ الطيبةُ ، وهيَ في مقابلةٍ الأنتانِ المستكرهةِ ، وللذوقِ الطعومُ اللذيذةُ ؛ كالدسومةِ والحلاوةِ والحموضةِ ، وهيَ في مقابلةِ المرارةِ المستبشعةِ ، وللمسِ لذَّةُ اللينِ والنعومةِ والملاسةِ ، وهيَ في مقابلةِ الخشونةِ والضراسةِ ، وللعقلِ لذّةُ العلم والمعرفةِ ، وهيَ في مقابلةِ الجهلِ والبلادةِ . حى ثم فكذلكِ الأصواتُ المدركةُ بالسمع تنقسمُ إلى مستلذَّةٍ ؛ كصوتِ العنادلِ والمزاميرِ ، ومستكرهةٍ ؛ كنهيقِ الحميرِ وغيرِهِ ، فما أظهرَ قياسَ هذهِ الحاسَّةِ ولذَّتِها على سائرِ الحواسِّ ولذَّاتِها ! وأمَّا النصُّ : فيدلُّ على إباحةِ سماع الصوتِ الحسنِ امتنانُ اللهِ تعالى على عبادِهِ بهِ ؛ إذْ قالَ تباركَ وتعالى: ﴿يَزِيدُ فِ الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ﴾، فقيل: هوَ الصوتُ الحسنُ(١). (١) الدر المنثور (٤/٧)، إذا روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن الزهري كذلك. ٤٢١ حر كتاب السماع والوجد ربع العادات وفي الحديثِ: (( ما بعثَ اللهُ نبيّاً إلا حسنَ الصوتِ))(١). وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ((للهُ أشدُّ أَذَناً للرجلِ الحسنِ الصوتِ بالقرآنِ مِنْ صاحبِ القينِةِ إلى قينِهِ)»(٢) . وفي الحديثِ في معرضِ المدحِ لداوودَ عليهِ السلامُ: أنَّهُ كانَ حسنَ الصوتِ في النياحةِ على نفسِهِ ، وفي تلاوةِ الزبورِ ، حتَّى كانَ يجتمعُ الإنسُ والجنُّ والوحشُ والطيرُ لسماع صوتِهِ ، وكانَ يُحملُ مِنْ مجلسِهِ أربعُ مئةٍ جنازةٍ وما يقربُ منْ ذلكَ في الأوقاتِ(٣) . وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ في مدحٍ أبي موسى الأشعريِّ رضيَ اللهُ عنهُ : ((لقدْ أُعطيَ مزماراً مِنْ مزاميرٍ آلٍ داوودَ »(٤). وقولُ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ يدلُّ بمفهومِهِ على مدحِ الصوتِ الحسنِ ، ولو جازَ أنْ يقالَ : إنَّما أُبِيحَ ذلكَ بشرطِ أنْ يكونَ في القرآنِ .. للزمَهُ أنْ يُحرِّمَ سماعَ صوتِ العندليبِ ؛ لأنَّهُ ليسَ يقرأُ القرآنَ ، وإذا جازَ سماعُ صوتٍ غفْلِ لا معنى لهُ . . فِلِمَ لا يجوزُ سماعُ صوتٍ يُفهمُ منهُ (١) رواه الترمذي في (( الشمائل)) (٣٢٠) عن قتادة، وأوقفه أبو بكر الشافعي في («الغيلانيات)) (٣٥٠) على أنس رضي الله عنه، وانظر ((علل الدار قطني " (١٥٩/١٢)، إذ صوَّب أنه من قول قتادة. (٢) رواه ابن ماجه (١٣٤٠)، وأصله عند مسلم (٧٩٢)، والأَذَن : الاستماع. (٣) كذا في (( الرسالة القشيرية)) (ص٥٤٦)، وروى ابن عساكر في (( تاريخ دمشق)) حن (٩٩/١٧) نحوه . (٤) رواه البخاري (٥٠٤٨)، ومسلم ( ٧٩٣) . ٤٢٢ ربع العادات کتاب السماع والوجد الحكمةُ والمعاني الصحيحةُ ؟! فإنَّ مِنَ الشعرِ لحكمةٌ . فهذا نظرٌ في الصوتِ مِنْ حيثُ إنَّهُ طيِّبٌ حسنٌ . الدرجةُ الثانيةُ : النظرُ في الصوتِ الطيِّبِ الموزونِ : فإنَّ الوزْنَ وراءَ الحُسْنِ ، فكمْ مِنْ صوتٍ حسنٍ خارجٌ عنِ الوزنِ ، وكمْ مِنْ صوتٍ موزونٍ غيرُ مستطابٍ . والأصواتُ الموزونةُ باعتبارِ مخارجِها ثلاثةٌ : فإنَّها إمّا أنْ تخرِجَ مِنْ جمادٍ ؛ كصوتِ المزاميرِ والأوتارِ وضربِ القضيبِ والطبلِ وغيرِهِ ، وإمَّا أنْ تخرجَ مِنْ حنجرةٍ حيوانٍ ، وذلكَ الحيوانُ : إمَّا إنسانٌ وإمَّا غيرُهُ ؛ فصوتُ العنادلِ والقماريِّ وذواتِ السجعِ مِنَ الطيورِ معَ طيبها موزونةٌ متناسبةٌ المطالع والمقاطع ، فلذلكَ يُستلذُّ سماعُها . والأصلُ في الأصواتِ حناجرُ الحيواناتِ ، وإنَّما وُضعَتْ المزاميرُ على صورِ الحناجرِ ، وهوَ تشبيهٌ للصنعةِ بالخلقةِ ، وما مِنْ شيءٍ توصَّلَ أهلُ الصناعاتِ بصناعتِهِمْ إلى تصويرِهِ إلا ولهُ مثالٌ في الخلقةِ التي استأثرَ اللهُ تعالى باختراعِها ، فمنهُ تعلّمَ الصنَّاعُ، وبهِ قصدوا الاقتداءَ ، وشرحُ ذلكَ يطولُ . فسماعُ هذهِ الأصواتِ يستحيلُ أنْ يُحرَّمَ لكونِها طيِّةٌ أوْ موزونةً ، فلا ذاهبَ إلى تحريمِ سماع صوتِ العندليبِ وسائرِ الطيورِ ، ولا فرْقَ بينَ ٤٢٣ كتاب السماع والوجد ربع العادات حَنجرةٍ وحَنجرةٍ ، ولا بينَ جمادٍ وحيوانٍ ، فينبغي أنْ يُقاسَ على صوتٍ العندليبِ الأصواتُ الخارجةُ مِنْ سائرِ الأجسام باختيارِ الآدميِّ ؛ کالذي يخرجُ مِنْ حلقِهِ ، أوْ مِنَ القضيبِ والطبلِ والدفِّ وغيرِهِ ، ولا يُستثنى مِنْ هذِهِ إلا الملاهي والأوتارُ والمزاميرُ ؛ إذ وردَ الشرعُ بالمنع منها ، لا للذَّتِها ؛ إذْ لَوْ كانَ الذَّةِ .. لقيسَ عليها كلُّ ما يلتذُّ بهِ الإنسانُ، ولكنْ حُرِّمَتِ الخمورُ واقتضَتْ ضراوةُ الناسِ بها المبالغةَ في الفطام عنها ، حتَّى انتهى الأمرُ في الابتداءِ إلى كسرِ الدنانِ ، فحرمَ معَها ما هوَ شعارُ أهلِ الشربِ ، وهيَ الأوتارُ والمزاميرُ فقطْ، وكانَ تحريمُها من قبيلِ الإتباع ؛ كما حرمَتِ الخلوةُ بالأجنبيةِ لأنَّها مقدمةُ الجماع ، وحرمَ النظرُ إلى الفخذِ لاتصالِهِ بالسوءتين ، وحرمَ قليلُ الخمرِ وإنْ كانَ لا يسكرُ لأنَّهُ يدعو إلى السكْرِ . وما مِنْ حرامٍ إلا ولهُ حريمٌ يطيفُ بهِ ، وحكْمُ الحرمةِ ينسحبُ على حريمِهِ ؛ ليكونَ حمىّ للحرام ووقايةً لهُ، وحظاراً مانعاً حولَهُ ، كما قال صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ لكلِّ ملكٍ حمىّ، وإنَّ حمى اللهِ محارمُهُ)) (١) ، فهيَ محرَّمةٌ تبعاً لتحريمِ الخمرِ بثلاثِ عللٍ : إحداها : أنَّها تدعو إلى شربِ الخمرِ ، فإنَّ اللذَّةَ الحاصلةَ بها إنَّما تتمُّ بالخمرِ ، ولمثلِ هذهِ العَّةِ حرمَ قليلُ الخمرِ . ـكن الثانية : أنَّها في حقِّ قريبِ العهدِ بشربِ الخمرِ تذكِّرُ مجالسَ الأنس (١) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم ( ١٥٩٩). ٤٢٤ ربع العادات كتاب السماع والوجد بالشربِ ، فهيَ سببُ الذكرِ ، والذكرُ سببُ انبعاثِ الشوقِ ، وانبعاثُ الشوقِ إذا قويَ .. فهوَ سببُ الإقدامِ ، ولهذهِ العلَّةِ نُهِيَ عنِ الانتباذِ في المزقَّتِ والحَنْتَمِ والنقيرِ (١) ، وهيَ الأواني التي كانَتْ مخصوصةً بها بهيئاتِها ، فإنَّ مشاهدةً صورِها تذكِّرُ بها ، وهذهِ العلَّةُ تفارقُ الأولى ، إذْ ليسَ فيها اعتبارُ لذَّةِ في المذكِّرِ ، إذْ لا لذَّةَ في رؤيةِ القنينةِ وأواني الشربِ ، لكنْ مِنْ حيثُ التذكيرُ بها ، فإنْ كانَ السماعُ يذكِّرُ الشربَ تذكيراً يشوِّقُ إلى الخمرِ عندَ مَنْ ألفَ ذلكَ معَ الشربِ .. فهوَ منهيٌّ عنِ السماع لخصوصِ هذهِ العلَّةِ فيهِ . الثالثة : الاجتماعُ عليها لمَّا أنْ صارَ مِنْ عادةِ أهلِ الفسقِ ، فيُمنعُ مِنَ التشبُّهِ بهمْ ؛ لأنَّ مَنْ تشبَّهَ بقومٍ .. فهوَ منهُمْ، وبهذهِ العلَّةِ نقولُ بتركِ السنَّةِ مهما صارَتْ شعاراً لأهلِ البدعةِ ؛ خوفاً مِنَ التشتُّهِ بِهِمْ، وبهذهِ العلَّةِ يحرمُ ضربُ الكوبةِ ، وهوَ طبلٌ مستطيلٌ دقيقُ الوسطِ واسعُ الطرفينِ ، وضربُها عادةُ المختَِّينَ ، ولولا ما فيهِ مِنَ التشبُّهِ .. لكانَ مثلَ طبلِ الحجِّ والغزوِ . وبهذهِ العلَّةِ نقولُ: لوٍ اجتمعَ جماعةٌ، وزيَّنوا مجلساً ، وأحضروا آلاتِ الشربِ وأقداحَهُ، وصبُّوا فيها السكنجبينَ(٢)، ونصّبوا ساقياً يدورُ ٧٠٠. ٨٥ (١) كما في ((البخاري)) (٥٣)، ومسلم (١٧)، والنهي منه صلى الله عليه وسلم كان لوفد عبد القيس ، والمزفّت : الإناء المطلي بالزفت ، والحتتم : جرار يجلب فيها الخمر ، تسرع الشدة فيها ، والنقير : خشبة تنقر وتجوّف تتخذ في الانتباذ . (٢) السكنجيين : المعمول بالخلِّ والعسل ، أو صبوا فيها اللبن الممزوج بالسكر . ((إتحاف)) (٦ /٤٧٤) . ٤٢٥ --- كتاب السماع والوجد ربع العادات عليهِمْ ويسقيهِمْ، فيأخذونَ مِنَ الساقي ويشربونَ ، ويحيّي بعضُهُم بعضاً بكلماتِهِمُ المعتادةِ بينَهُمْ .. حرمَ ذلكَ عليهِمْ وإنْ كانَ المشروبُ مباحاً في نفسِهِ ؛ لأنَّ فيهِ تشبُّهاً بأهلِ الفسادِ ، بلْ لهذا يُنهى عنْ لبسِ القَباءِ وعنْ ترِكِ الشعرِ على الرأسِ قزعاً في بلادٍ صارَ القَباءُ فيها مِنْ لباسِ أهلِ الفسادِ ، ولا يُنهىُ عنْ ذلكَ فيما وراءَ النهرِ ؛ لاعتيادِ أهلِ الصلاحِ ذلكَ فِيهِمْ . فبهذهِ المعاني حرمَ المزمارُ العراقيُّ والأوتارُ كلُّها ؛ كالعودِ والصنْج والربابِ والبَرْبَطِ وغيرِها(١) ، وما عدا ذلكَ فليسَ في معناها ؛ كشاهينٍ الرعاةِ والحجيج (٢)، وشاهينِ الطبّالينَ، وكالطبلِ والقضيبِ، وكلِّ آلةٍ يُستخرجُ منها صوتٌ مستطابٌ موزونٌ سوى ما يعتادُهُ أهلُ الشربِ ؛ لأنَّ كلَّ ذلكَ لا يتعلَّقُ بالخمرِ ، ولا يذكِّرُ بها ، ولا يشوِّقُ إليها ، ولا يوجبُ التشُّهَ بأربابِها .. فلمْ يكنْ في معناها ، فبقيَ على أصلِ الإباحةِ ؛ قياساً على أصواتِ الطيورِ وغيرها . بلْ أقولُ : سماعُ الأوتارِ ممَّنْ يضربُ بها على غيرِ وزنٍ متناسبٍ مستلَذِّ (١) العُود: آلة وترية معروفة، والصنج: تقدم أنها آلة الرباب، وأنها لفظة فارسية على اعتبار ذلك ، أو هي ما يتخذ من الصفر كالنحاس يضرب أحدهما على الآخر ، والرباب : آلة وترية كذلك ، والبربط : بوزان جعفر ، وهو العود ، وعطف المصنف له على العود مشعر بالتغاير ، وسقط لفظ ( العود ) من (أ)، وعليه فلا إشكال ، وهو لفظة فارسية بفتحتين أوَّله يطلق على القيثارة والعود ونحوها . (٢) والشاهين : الصرناي ، وهو قصبة متسع آخرها يزمَّر بها، ونحوه الشبابة والناي أو اليراع . ٤٢٦ ربع العادات كتاب السماع والوجد حرامٌ أيضاً ، وبهذا يتبيَّنُ أنَّهُ ليستِ العلَّةُ في تحريمِها مجرَّدَ اللذَّةِ والطيبةِ(١) ، بلِ القياسُ تحليلُ الطيِّاتِ كلِّها إلا ما في تحليلِهِ فسادٌ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَاَلَِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، فهذهِ الأصواتُ لا تحرمُ مِنْ حيثُ إنَّها أصواتٌ موزونةٌ، وإنَّما تحرمُ بعارضٍ آخرَ كما سيأتي بيانُ العوارضِ المحرِّمةِ . الدرجةُ الثالثةُ : الموزونُ المفهومُ : وهوَ الشعرُ ، وذلكَ لا يخرجُ إلا مِنْ حَنجرةِ الإنسانِ ، فيُقطعُ بإباحةِ ذلكَ؛ لأنَّهُ ما زادَ إلا كونُهُ مفهوماً، والكلامُ المفهومُ غيرُ حرام ، والصوتُ الطيِّبُ الموزونُ غيرُ حرام ، فإذا لمْ يحرم الآحادُ .. فمِنْ أينَ يحرمُ المجموعُ ؟! ح نعمْ، يُنظرُ فيما يُفهمُ منهُ، فإنْ كانَ فيهِ أمرٌ محظورٌ .. حرمَ نثرُهُ ونظمُهُ، وحرمَ التصويتُ بهِ ، سواءٌ كانَ بألحانٍ أوْ لمْ يكنْ . والحقُّ فيهِ ما قالَهُ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ؛ إذْ قالَ : (الشعرُ كلامٌ ، فحسنُهُ حسنٌّ، وقبيحُهُ قبيحٌ)(٢) ، ومهما جازَ إنشادُ الشعرِ بغيرِ صوتٍ وألحانٍ .. جازَ إنشادُهُ معَ الألحانِ ، فإنَّ أفرادَ المباحاتِ إذا اجتمعَتْ .. كانَ ذلكَ (١) في نسخة الحافظ الزبيدي: (اللذة الطيبة) بسقوط الواو. ((إتحاف)) (٤٧٥/٦). (٢) الأم (٥١٣/٧)، ورفعه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٦٨/٥)، وروى عبد الرزاق في (( المصنف)) (٥/١١) عن عمران بن الحصين: (إن الشعر كلام، وإن من الكلام حقاً وباطلاً ) . ٤٢٧ کتاب السماع والوجد ربع العادات المجموعُ مباحاً، ومهما انضمَّ مباحٌ إلى مباحٍ .. لم يحرمْ إلا إذا تضمَّنَ المجموعُ محظوراً لا تتضمَّنُهُ الآحادُ ، ولا محظورَ ههنا . وكيفَ يُنكرُ إنشادُ الشعرِ وقدْ أَنْشَدَ بينَ يدي رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ؟!(١) . وقالَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ: ((إنَّ مِنَ الشعرِ لحكمةً))(٢) [من الكامل] وأنشدَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ فِي أَكْنافِهِمْ وَبَقِيتُ فِي خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَب (٣) وفي (( الصحيحينِ )) عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: لمَّا قدمَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ المدينةَ .. وُعكَ أبو بكرٍ وبلالُ رضيَ اللهُ عنهُما ، وكانَ بها وباءٌ ، فقلتُ : يا أبتِ ؛ كيفَ تجدُكَ ؟ ويا بلالُ ؛ كيفَ (١) فقد روى البخاري (٣٢١٢)، ومسلم (٢٤٨٥): مرَّ عمر في المسجد وحسان ينشد ، فقال : كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك ، ثم التفت إلى أبي هريرة فقال : أنشدك بالله؛ أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أجب عني ، اللهم ؛ أيده بروح القدس))؟! قال : نعم . (٢) رواه البخاري (٦١٤٥ ) . (٣) البيت للبيد بن ربيعة العامري رضي الله عنه في (( ديوانه)) ( ص ١٥٧ )، وقد تمثلت به السيدة الطاهرة عائشة رضي الله عنها كما روى ذلك عبد الرزاق في (( المصنف)) (٢٤٦/١١)، والدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (ص٥٨٢ )، ورواه مسلسلاً بالترحم الحافظ الزبيدي في « إتحافه» (٤٧٧/٦ ) . ٤٢٨ ربع العادات كتاب السماع والوجد تجدُّكَ، فكانَ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ إذا أخذَتْهُ الحقَّى .. يقولُ(١): [من الرجز] كُلُّ أَمْرِىءٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَأَلْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِراكِ نَعْلِهِ وكانَ بلالٌ إذا أُقْلِعَ عنهُ الحمى يرفعُ عقيرتَهُ ويقولُ (٢) : [من الطويل] ـرة بِوادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلٌ أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةُ وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شامَةٌ وَطَفِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْماً مِياهَ مِجَنَّةٍ قالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : فأخبرتُ بذلكَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ: ((اللهمَّ؛ حبِّبْ إلينا المدينةَ كحبِّنا مَّةَ أو أشدَّ))(٣). وقدْ كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ينقلُ اللَّبِنَ معَ القومِ في بناءِ المسجدِ وهوَ يقولُ : هَذا الْحِمالُ لا حِمالُ خَيْبَرْ هذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ (٤) وقالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مرةً أخرى : اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةْ فَأَرْحَم الأَنْصَارَ وَاَلْمُهاجِرَةْ وهذا في (( الصحيحين))(٥). (١) البيت في (( ديوان سيدنا أبي بكر)) ( ص ٧٠). (٢) البيتان في (( التعازي والمرائي)) ( ص ٢٦٧). (٣) روى ذلك البخاري (١٨٨٩)، ومسلم (١٣٧٦)، والشعر عند البخاري فقط ، والإذخر والجليل : نبتان ، وشامة وطفيل : جبلان . (٤) رواه البخاري (٣٩٠٦) . (٥) رواه البخاري (٢٨٣٤)، ومسلم (١٨٠٥)، وكان ذلك في قصة حفر الخندق ، وفي البيت خزم ، وهو زيادة بعض حروف المعاني في أوله ، وعجزه روي مختلفاً فيه . ٤٢٩ ححن كتاب السماع والوجد ربع العادات وكانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يضعُ لحسانَ منبراً في المسجدِ يقومُ عليهِ قائماً يفاخرُ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أوْ ينافحُ ، ويقولُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((إنَّ اللهَ يُؤْيَّدُ حسانَ بروحِ القُدُسِ ما نافِحَ أوْ فاخرَ عنْ رسولِ اللهِ)) صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ(١) . ولمَّا أنشدَهُ النابغةُ شعرَهُ .. قالَ لهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ))(٢) . وقالَتْ عائشةُ رضيَ اللهُ عنها : ( كانَ أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يتناشدونَ عندَهُ الأشعارَ وهوَ يتبسَّمُ)(٣) . وعنْ عمرو بنِ الشريدِ، عنْ أبيهِ قالَ: أنشدتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مئةَ قافيةٍ مِنْ قولِ أميَّةَ بنِ أبي الصلتِ، كلُّ ذلكَ يقولُ: (( هيهٍ هيهِ))، ثمّ قالَ: ((إِنْ كادَ في شعرِهِ ليسلمُ))(٤) . (١) رواه الترمذي (٢٨٤٦)، وعند البخاري (٣٥٣١)، ومسلم (٢٤٨٧) قول السيدة عائشة رضي الله عنها : ( إنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . (٢) رواه أبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) (٢٣١٨/٤)، وابن عبد البر في ((الاستيعاب)) (ص ٧٣٧)، وتقدم قريباً تعليقاً قوله صلى الله عليه وسلم مثل هذا للعباس رضي الله عنه. (٣) رواه الترمذي (٢٨٥٠) من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: ( جالست النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مئة مرة ، فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت ، فربما تبسم معهم ) ، قال الحافظ العراقي : ( ولم أقف عليه من حديث عائشة). ((إتحاف)) (٦ / ٤٨٢). (٤) رواه مسلم (٢٢٥٥)، وقوله : ( هيه) بمعنى : زدني ، ويجوز في هائها الأخيرة السكون والفتح والتنوين نصباً وجراً . ٤٣٠ ربع العادات كتاب السماع والوجد وعنْ أنسٍ رضيَ اللهُ عنهُ : أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يُحدى لهُ في السفرِ، وأنَّ أنجشةَ كانَ يحدو بالنساءِ ، والبراءَ بنَ مالكِ كانَ يحدو بالرجالِ ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: ((يا أنجشةُ؛ رويدَكَ سوقَكَ بالقواريرِ))(١). ولمْ يزلِ الحُداءُ وراءَ الجمالِ مِنْ عادةِ العربِ في زمانِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وزمانِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُم ، وما هوَ إلا أشعارٌ تؤذَّى بأصواتٍ طيِّةٍ وألحانٍ موزونةٍ ، ولمْ يُنقلْ عنْ أحدٍ مِنَ الصحابةِ إنكارُهُ، بلْ ربَّما كانوا يلتمسونَ ذلكَ تارةً لتحريكِ الجمالِ ، وتارةً للاستلذاذِ ، فلا يجوزُ أنْ يحرمَ مِنْ حيثُ إنَّهُ كلامٌ مفهومٌ مستلذٌ ، مؤدّىَ بأصواتٍ طيِّبٍ وألحانٍ موزونةٍ . الدرجةُ الرابعةُ : النظرُ فيهِ مِنْ حيثُ إنَّهُ محرٌِّ للقلبِ ومهيِّجٌ لما هوَ الغالبُ علیهِ : فأقولُ : للهِ تعالى سرٌّ في مناسبةِ النغماتِ الموزونةِ للأرواح ، حتَّى إنَّها لتؤثِّرُ فيها تأثيراً عجيباً ، فمِنَ الأصواتِ ما يفرحُ ، ومنها ما يحزنُ ، ومنها ما ينوِّمُ ، ومنها ما يضحكُ ويطربُ، ومنها ما يستخرجُ مِنَ الأعضاءِ حركاتٍ على وزنِها باليدِ والرجْلِ والرأسِ . (١) رواه أبو داوود الطيالسي في ((مسنده)) (٢٠٤٨)، وأحمد في (( المسند)) (٢٥٤/٣)، والبخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٦٤)، وهو عند البخاري (٦١٤٩)، ومسلم (٢٣٢٣) في قصة أنجشة فقط. ٤٣١ كتاب السماع والوجد ربع العادات ولا ينبغي أن يُظنَّ أنَّ ذلكَ لفهم معاني الشعرِ ، بلْ هذا جارٍ في الأوتارِ ، حتى قيلَ: ( مَنْ لمْ يحرِّكْهُ الربيعُ وأزهارُهُ، والعودُ وأوتارُهُ .. فهوَ فاسدُ المزاجِ ، ليسَ لهُ علاجٌ ) . وكيفَ يكونُ ذلكَ لفهمِ المعنى وتأثيرُهُ مشاهدٌ في الصبيِّ في مهدِهِ ؟! فإِنَّهُ يسكِّنُهُ الصوتُ الطيِّبُ عنْ بكائِهِ ، وتنصرفُ نفسُهُ عمَّا يبكيهِ إلى الإصغاءِ إليهِ ، والجملُ معَ بلادةِ طبعِهِ يتأثَّرُ بالحُداءِ تأثّراً يستخفُّ معَهُ الأحمالَ الثقيلةَ ، ويستقصرُ لقوَّةِ نشاطِهِ في سماعِهِ المسافاتِ الطويلةَ ، وينبعثُ فيهِ مِنَ النشاطِ ما يسكرُهُ ويولِّهُهُ ، فتراها إذا طالَتْ عليها البوادي ، واعتراها الإعياءُ والكلالُ تحتَ الأحمالِ والمحاملِ ، إذا سمعَتْ مناديَ الحُداءِ .. تمدُّ أعناقَها ، وتصغي إلى الحادي ناصيةً آذانَها ، وتسرعُ في سيرِها حتَّى تتزعزعَ عليها أحمالُها ومحاملُها(١). (١) ذكر في ((أدب النديم)) (ص ٩٦) أنه كتب إلى بعض من كان يزهد في السماع أبياتاً ، وفيها صوَّر ما حدَّث عنه إمامنا الغزالي هنا إذ قال : إنْ كنتَ تنكرُ أنَّ في الـ فانظر إلى الإبلِ التي ألحانِ فائــدةٌ ونفعسا هيَ وَيْكَ أغلظُ منكَ طبعا ةِ فتقطع الفلواتِ قطعا تصغي لأصواتِ الحُدا ومنَ العجائبِ أنَّهُمْ فإذا تورَّدتِ الحِيا وتشوَّفَتْ للصوتِ من ذهلتْ عن المـاء الذي شوقاً إلى النغم التي يُظْمُونَها خمساً وربعا ضَ وشارفتْ في الماءِ كرعا حادٍ تصيغُ إليه سمعا تلتذُّه برداً ونفعا أطربْنَها لحناً وسمعا ٤٣٢ ربع العادات كتاب السماع والوجد وربما تتلفُ أنفسَها في شدَّةِ السيرِ وثقلِ الحملِ ، وهيَ لا تشعرُ بهِ لنشاطِها ؛ فقدْ حكى أبو بكرٍ محمدُ بنُ داوودَ الدينوريُّ المعروفُ بالدُّقيِّ رضيَ اللهُ عنهُ قالَ : كنتُ بالباديةِ ، فوافيتُ قبيلةً مِنْ قبائلِ العربِ ، فأضافَني رجلٌ منهم ، وأدخلَني خباءهُ ، فرأيتُ في الخباءِ عبداً أسودَ مقيداً بقيدٍ ، ورأيتُ جمالاً قدْ ماتَتْ بينَ يدي البيتِ وقدْ بقيَ منها جملٌ وهوَ ناحلٌ ذابلٌ ، كأنَّهُ تُزِعُ روحُهُ ، فقالَ لي الغلامُ : أنتَ ضيفٌ، ولكَ حقٌّ، فتشفَّعْ فيَّ إلى مولايَ ؛ فإنَّهُ مكرمٌ لضيفِهِ ، فلا يردُّ شفاعتَكَ في هذا القدر ، فعساهُ يحلُّ القيدَ عنّي ، قالَ : فلمَّا أحضروا الطعامَ .. امتنعتُ ، وقلتُ : لا آكلُ ما لمْ أشفعْ في هذا العبدِ ، فقالَ : إنَّ هذا الغلامَ قدْ أفقرَني وأهلكَ جميعَ مالي ، فقلتُ: ماذا فعلَ ؟ فقالَ : إنَّ لهُ صوتاً طيّاً ، وإنِّي كنتُ أعيشُ مِنْ ظهورِ هذِهِ الجمالِ ، فحمّلَها أحمالاً ثقالاً ، وكانَ يحدو بها حتَّى قطعَتْ مسيرةَ ثلاثةِ أَيَّامِ في ليلةٍ واحدةٍ مِنْ طيبٍ نغمتِهِ ، فلمَّا حطَّتْ أحمالَها .. ماتَتْ كلُّها إلا هذا الجملَ الواحدَ ، ولكنْ أنتَ ضيفي ، فلكرامتِكَ قدْ وهبتُهُ لكَ . قالَ : فأحببتُ أنْ أسمعَ صوتَهُ ، فلمَّا أصبحنا .. أمرَهُ أنْ يحدوَ على جملٍ يستقي الماءَ مِنْ بئرِ هناكَ ، فلمَّا رفِعَ صوتَةُ .. هامَ ذلكَ الجملُ وقطعَ حبالَهُ ، ووقعتُ أنا على وجهي ، فما أظنُّ أني سمعتُ قطَّ صوتاً أطيبَ منهُ(١). مري. (١) رواه الطوسي في ((اللمع)) (ص٣٤٠)، والقشيري في ((الرسالة)) (ص ٥٤٧). ٤٣٣ كتاب السماع والوجد ربع العادات فإذاً ؛ تأثيرُ السماع في القلبِ محسوسٌ ، ومَنْ لمْ يحركْهُ السماعُ .. فهوَ ناقصٌ مائلٌ عنِ الاعتدالِ، بعيدٌ عنِ الروحانيّةِ، زائدٌ في غلظِ الطبع وكثافتِهِ على الجمالِ والطيورِ، بلْ على سائرِ البهائمِ ، فإنَّ جميعَها تتأثَّرُ بالنغماتِ الموزونةِ، ولذلكَ كانَتِ الطيورُ تقفُ على رأسٍ داوودَ عليهِ السلامُ لاستماع صوتِهِ . ومهما كانَ النظرُ في السماع باعتبارِ تأثيرِهِ في القلوبِ .. لمْ يجزْ أنْ يحكمَ فيهِ مطلقاً بإباحةٍ ولا تحريمٍ ، بلْ يختلفُ ذلكَ بالأحوالِ والأشخاص ، واختلافٍ طرقِ النغماتِ، فحكمُهُ حكمُ ما في القلبِ(١). قالَ أبو سليمانَ : ( السماعُ لا يجعلُ في القلبِ ما ليسَ فيهِ ، ولكنْ يحرِّكُ ما هوَ فيهِ )(٢). فالترثُّمُ بالكلماتِ المسجعةِ الموزونةِ معتادٌ في مواضعَ لأغراضٍ مخصوصةٍ ترتبطُ بها آثارٌ في القلبِ ، وهي سبعةُ مواضعَ : الأوّلُ : غناءُ الحجيج : فإنَّهُمْ يدورونَ أوَّلاً في البلادِ بالطبلِ والشاهينِ والغناءِ ، وذلكَ مباحٌ ؛ لأنَّها أشعارٌ نُظمَتْ في وصفِ الكعبةِ والمقام والحطيمِ وزمزمَ وسائرِ المشاعرِ ، ووصفِ الباديةِ وغيرِها ، وتأثيرُ ذلكَ (١) فالمنكر له من غير تفصيل .. إما مغتر بما أتيح له من أعمال الأخيار ، وإما جامد الطبع لا ذوق له فيصرُّ على الإنكار. («إتحاف)) (٦ /٤٨٦). (٢) الرسالة القشيرية (ص ٥٥٧) ولفظه: إن الصوت الحسن لا يدخل في القلب شيئاً ، وإنما يحرك من القلب ما فيه . قال ابن أبي الحواري : صدق والله أبو سليمان . ٤٣٤ ربع العادات كتاب السماع والوجد تهييجُ الشوقِ إلى حجِّ بيتِ اللهِ تعالى ، واشتعالُ نيرانِهِ إنْ كانَ ثمَّ شوقٌ حاصلٌ ، أوِ استثارةُ الشوقِ واجتلابُهُ إنْ لمْ يكنْ حاصلاً ، وإذا كانَ الحُّ قربةً والشوقُ إليه محموداً .. كانَ التشويقُ إليهِ بكلِّ ما يشوِّقُ محموداً ، وكما يجوزُ للواعظِ أنْ ينظمَ كلامَهُ في الوعظِ ، ويزيََّهُ بالسجعِ ، ويشوِّقَ الناسَ إلى الحجِّ بوصفِ البيتِ والمشاعرِ، ووصفِ الثوابِ عليهِ .. جازَ لغيرِهِ ذلكَ على نظمِ الشعرِ ؛ فإنَّ الوزنَ إذا انضافَ إلى السجع .. صارَ الكلامُ أوقعَ في القلبِ ، فإذا أُضيفَ إليهِ صوتٌ طيِّبٌ ونغماتٌ موزونةٌ .. زادَ وقعُهُ، فإنْ أُضيفَ إليهِ الطبلُ والشاهينُ وحركاتُ الإيقاعِ .. زادَ التأثيرُ ، وكلُّ ذلكَ جائزٌ ما لمْ يدخلْ فيهِ المزاميرُ والأوتارُ التي هيَ منْ شعارِ الأشرارِ . نعمْ ، إنْ قصدَ بهِ تشويقَ مَنْ لا يجوزُ لهُ الخروجُ إلى الحجِّ ؛ كالذي أسقطَ الفرضَ عنْ نفسِهِ ولمْ يأذنْ لهُ أبواهُ في الخروجِ .. فهذا يحرمُ عليهِ الخروجُ؛ فيحرمُ تشويقُهُ إلى الخروجِ بالسماع وبكلِّ كلامٍ يشوِّقُ إلى الخروج ؛ فإنَّ التشويقَ إلى الحرام حرامٌ ، وكذا إذا كانَتِ الطريقُ غيرَ آمنةٍ ، وكانَ الهلاكُ غالباً .. لمْ يجزْ تحريكُ القلوبِ ومعالجتُها بالتشويقِ . الثاني : ما يعتادُهُ الغزاةُ لتحريضِ الناسِ على الغزوِ : وذلكَ أيضاً مباحٌ كما للحاجٌّ، ولكنْ ينبغي أنْ تخالفَ أشعارُهُمْ وطرقُ ألحانِهِمْ أشعارَ الحاجٌ وطرقَ ألحانِهِ؛ لأنَّ استثارةَ داعيةِ الغزوِ بالتشجيع ، وتحريكِ الغيظِ والغضبِ فيهِ على الكفارِ ، وتحسينِ الشجاعةِ واستحقارِ النفسِ والمالِ بالإضافةِ إليهِ . ٤٣٥ كتاب السماع والوجد ربع العادات والأشعارُ المشجعةُ مثلُ قولِ المتنِّي(١): [من الطويل] وَإِلَّ تَمُتْ تَحْتَ السيوفِ مُكَرَّماً تَمُتْ وَتُقُاسٍ الذُّلَّ غَيْرَ مُكَرَّمٍ وقولِهِ أيضاً(٢): [ من الوافر] يَرَى الْجُبَناءُ أنَّ الْجُبْنَ حَزْمٌ وَتِلْكَ خَدِيعَةُ الطَّبْعِ اللَِّيمِ وأمثالُ ذلكَ ، وطرقُ الأوزانِ المشجعةِ تخالفُ الطرقَ المشوقةَ ، فهذا أيضاً مباحٌ في وقتٍ يُباحُ فيهِ الغزوُ ، ومندوبٌ إليهِ في وقتٍ يُستحبُّ فیهِ الغزوُ ، ولكنْ في حقِّ مَنْ يجوزُ لهُ الخروجُ إلى الغزوِ . تساقط الثالثُ : الرجزياتُ التي يستعملُها الشجعانُ في وقتِ اللقاءِ : والغرضُ منها التشجيعُ للنفسِ وللأَنصارِ ، وتحريكُ النشاطِ فيهِمْ للقتالِ(٣)، وفيهِ التمدُّحُ بالشجاعةِ والنجدةِ ، وذلكَ إذا كانَ بلفظِ رشيقٍ وصوتٍ طيِّبٍ .. كانَ أوقعَ في النفسِ ، وذلكَ مباحٌ في كلِّ قتالٍ مباحٍ ، ومندوبٌ في كلِّ قتالٍ مندوبٍ ، ومحظورٌ في قتالِ المسلمينَ وأهلِ الذمَّةِ وكلٌّ قتالٍ محظورٍ ؛ لأنَّ تحريكَ الدواعي إلى المحظورِ محظورٌ . وذلكَ منقولٌ عنْ شجعانِ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ ؛ كعليٍّ وخالدٍ (١) ديوانه بشرح العكبري (٣٣/٤). (٢) كذا في (( ديوانه بشرح العكبري)» (١٢٠/٤)، وفيه: (العجز ) بدل (الجبن ) . (٣) في النسخ: (فيه للقتال)، والمثبت من (ق)، ولعله الصواب ، والله أعلم. ٤٣٦ ربع العادات كتاب السماع والوجد رضيَ اللهُ عنهُما وغيرِهما ، ولذلكَ نقولُ : ينبغي أنْ يُمنعَ مِنَ الضربِ بالشاهينِ في معسكرٍ الغزاةِ ؛ فإنَّ صوتَهُ مرقِّقٌ محزنٌ يحلُّ عقدةَ الشجاعةِ ، ويضعفُ ضرامةَ النفسِ(١) ، ويشوِّقُ إلى الأهلِ والوطنِ ، ويورثُ الفتورَ في القتالِ ، وكذا سائرُ الأصواتِ والألحانِ المرققةِ للقلبِ ، فالألحانُ المرفقةُ المحزنةُ تباينُ الألحانَ المحرِّكةَ المشجِّعةَ ، فمَنْ فعلَ ذلكَ على قصدِ تغییرِ القلوبِ وتفتيرِ الآراءِ عنِ القتالِ الواجبِ .. فهوَ عاصٍ ، ومَنْ فعلَهُ على قصدٍ التفتيرِ عنِ القتالِ المحظورِ .. فهوَ بهِ مطيعٌ . الرابعُ : أصواتُ النياحةِ ونغماتُها : وتأثيرُها في تهييج الحزنِ والبكاءِ وملازمةِ الكآبةِ ، والحزنُ قسمانِ : محمودٌ ، ومذمومٌ : فأما المذمومُ : فكالحزنِ على ما فاتَ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾، والحزنُ على الأمواتِ مِنْ هذا القبيل؛ فإنَّهُ تسخُّطٌ لقضاءِ اللهِ تعالى، وتأسُّفٌ على ما لا تداركَ لهُ، فهذا الحزنُ لمَّا كانَ مذموماً .. كانَ تحريكُهُ بالنياحةِ مذموماً ، فلذلكَ وردَ النهيُّ الصريحُ في النياحة(٢). G (١) في (ب، د، هـ): (صرامة النفس)، وكلٌّ متجه . (٢) فقد روى البخاري (١٣٠٦)، ومسلم (٩٣٦) عن أم عطية رضي الله عنها : ( أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع البيعة ألا ننوح ) . ٤٣٧ كتاب السماع والوجد ربع العادات وأمَّا الحزنُ المحمودُ : فهوَ حزنُ الإنسانِ على تقصيرِهِ في أمرِ دِينِهِ ، وبكاؤُهُ على خطاياهُ ، والبكاءُ والتباكي والحزنُ والتحازنُ على ذلكَ محمودٌ، وعليهِ بكى آدمُ عليهِ السلامُ، وتحريكُ هذا الحزنِ وتقويتُهُ محمودٌ ؛ لأنَّهُ يبعثُ على التشمُّرِ للتداركِ ، ولذلكَ كانَتْ نياحةُ داوودَ عليهِ السلامُ محمودةٌ ؛ إذْ كانَ ذلكَ معَ دوام الحزنِ وطولِ البكاءِ بسببِ الخطايا والذنوبِ ، فقدْ كانَ عليهِ السلامُ يَحزنُ ويُحزنُ ويبكي ويُبكي ، حتَّى كانَتِ الجنائزُ تُرفعُ مِنْ مجالسٍ نیاحتِهِ ، وكانَ يفعلُ ذلكَ بألفاظِهِ وألحانِهِ ، وذلك محمودٌ ؛ لأنَّ المفضيَ إلى المحمودِ محمودٌ، وعلى هذا لا يحرمُ على الواعظِ الطيِّبِ الصوتِ أنْ ينشدَ على المنبرِ بألحانِهِ الأشعارَ المحزنةَ المرقِّقَةَ للقلبٍ ، ولا أنْ يبكيَ ويتباكى ليتوصَّلَ بهِ إلى تبكيةٍ غيرِهِ وإثارةِ حزنِهِ . الخامسُ : السماعُ في أوقاتِ السرورِ تأكيداً للسرورِ وتهييجاً لهُ : وهوَ مباحٌ إنْ كانَ ذلكَ السرورُ مباحاً ؛ كالغناءِ في أيام العيدِ ، وفي العرسِ ، وفي وقتِ قدومِ الغائبِ ، وفي وقتِ الوليمةِ والعقيقةِ ، وعندَ ولادةِ المولودِ ، وعندَ ختانِهِ ، وعندَ حفظِهِ للقرآنِ العزيزِ ، وكلُّ ذلكَ مباحٌ لأجلِ إظهارِ السرورِ بهِ . c ،انز در ووجهُ جوازِهِ : أنَّ مِنَ الألحانِ ما يثيرُ الفرحَ والسرورَ والطربَ ، فكلُّ ما جازَ السرورُ بهِ .. جازَ إثارةُ السرورِ فيهِ، ويدلُّ على هذا مِنَ النقلِ إنشادُ ٤٣٨ 16 ربع العادات كتاب السماع والوجد النساءِ على السطوح بالدفِّ والألحانِ عندَ قدوم رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : [من مجزوء الرمل] مِنْ ثَنِيَّاتِ اَلْوَدَاعِ طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنا مَا دَعا للهِ داع(١) (١) استقباله صلى الله عليه وسلم بالفرح والسرور، وخروجهم في الطرقات، واعتلاؤهم السطوح للنظر إليه صلى الله عليه وسلم ، والغناء والرقص وضرب الدف له من قبل الجواري في أزقة المدينة .. مما ثبت بالأخبار ، وإنشاد البيتين السالفين رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢ /٥٠٦) عن ابن عائشة - وهو عبيد الله بن محمد ، وهو من ذرية عائشة بنت طلحة - يقول : لما قدم عليه الصلاة والسلام المدينة .. جعل النساء والصبيان يقلن ، وذكر البيتين . وجاء ذكر الدف والغناء عند ابن ماجه ( ١٨٩٩) عن أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ ببعض المدينة ، فإذا هو بجوار يضربن بدفِّهِنَّ ويتغنين ويقلن : يا حبَّذا محمدٌ مِنْ جارٍ نحنُ جوارٍ مِنْ بني النجار فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (( يعلم الله إني لأحبكُنَّ )) ، وكان ذلك عند دخوله المدينة، وتحديداً عند بني النجار، وعند أحمد في ((المسند)) (٢/١) من حديث الصديق رضي الله عنه: ( حتى قدمنا المدينة ، فتلقاه الناس ، فخرجوا في الطريق وعلى الأجاجير - السطوح - فاشتد الخدم والصبيان في الطريق يقولون : الله أكبر ، جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفيه ذكر نزوله في بني النجار كذلك ، وكذا ثبت الرقص واللعب بالحراب كما روى أبو داوود ( ٤٩٢٣) عن أنس قال : ( لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة .. لعبت الحبشة لقدومه فرحاً بذلك ، لعبوا بحرابهم ) . وقد بحث العلامة الحافظ الزرقاني نفي وثبوت هذين البيتين في حادثة الهجرة أو عند قفوله من تبوك ، وذلك للخلاف في كون ثنية الوداع هل هي في جهة الشام أو مكة ؟ = ٤٣٩ كتاب السماع والوجد ربع العادات فهذا إظهارٌ للسرورِ بقدومِهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، وهوَ سرورٌ محمودٌ ، فإظهارُهُ بالشعرِ والنغماتِ والرقصِ والحركاتِ أيضاً محمودٌ ، فقدْ نُقُلَ عَنْ جماعةٍ مِنَ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ أنَّهُمْ حَجَلوا في سرورٍ أصابَهُمْ كما سيأتي في أحكام الرقصِ ، وهوَ جائزٌ في قدوم كلٌّ قادمِ يجوزُ الفرحُ بهِ ، وفي كلِّ سببٍ مباحٍ مِنْ أسبابِ السرورِ . ويدلُّ على هذا ما رُوِيَ في (( الصحيحينِ )) عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّها قالَتْ: ( رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يسترُني بردائِهِ ، وأنا أنظرُ إلى الحبشةِ يلعبونَ في المسجدِ حتَّى أكونَ أنا الذي أسأمُّهُ ، فاقدُّروا قدْرَ الجاريةِ الحديثةِ السنِّ ، الحريصةِ على اللهوِ )(١) إشارةً إلى طولِ مدَّةٍ وقوفِها . ٧٠٠٩/٠٢٧ وروى البخاريُّ ومسلمٌ أيضاً في ((صحيحيهما)) حديثَ عُقيلٍ ، عنِ الزهريِّ ، عنْ عروةَ ، عنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنها : أنَّ أبا بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ دخلَ عليها وعندها جاريتانِ في أيَّامِ منىّ تُدَفِّفانِ وتضربانِ والنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ متغشِّ بثوبِهِ ، فانتهرَهُما أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ، فكشفَ النبيُّ والجمع دال على وجود أكثر من ثنية ، فالحاج يستقبل ويودع من ثنية مكة ، وقاصد = الشام من ثنية الشام، بل ما حكاه ياقوت في (( معجم البلدان)) (٨٦/٢) يؤكد أنها من جهة المدينة ، حيث قال : ( ثنية الوداع : بفتح الواو ، وهو اسم من التوديع عند الرحيل ، وهي ثنية مشرفة على المدينة ، يطؤها من يريد مكة ) ، ومجمل المرويات يشير إلى ثبوت السماع فرحاً بقدومه عليه الصلاة والسلام ، وهو مراد المصنف وشاهده . (١) رواه البخاري (٥٢٣٦)، ومسلم ( ٨٩٢ / ١٧). ٤٤٠