Indexed OCR Text

Pages 381-400

ربع العادات
کتاب آداب السفر
بلْ إنْ شكّ في أنَّ إمامَهُ مقيمٌ أوْ مسافرٌ .. لزمَهُ الإتمامُ وإِنْ تيقَّنَ بعدَهُ أنَّهُ
مسافرٌ؛ لأنَّ شعارَ المسافرِ لا يخفى، فليكنْ متحقِّقاً عندَ النيّةِ .
وإنْ شكّ في أنَّ إمامَهُ هلْ نوى القصرَ أمْ لا بعدَ أنْ عرفَ أنَّهُ مسافرٌ .. لمْ
يضرُّهُ ذلكَ ؛ لأنَّ النَيَّاتِ لا يُطلِعُ عليها .
وهذا كلُّهُ إذا كانَ في سفرٍ طويلٍ مباحٍ ، وحدُّ السفرِ مِنْ جهةِ البدايةِ
والنهايةِ فيهِ إشكالٌ ، فلا بدَّ مِنْ معرفتِهِ ، والسفرُ : هوَ الانتقالُ مِنْ موضع
الإقامةِ معَ ربطِ القصدِ بمقصدٍ معلومٍ ، فالهائمُ وراكبُ التعاسيفِ ليسَ لهُ
الترخُصُ(١) ، وهوَ الذي لا يقصدُ موضعاً معيّناً .
ولا يصيرُ مسافراً ما لمْ يفارقْ عمرانَ البلدِ ولا يُشترطُ أنْ يجاوزَ خرابَ
البلدةِ وبساتينَها التي قدْ يخرجُ أهلُ البلدةِ إليها للتنزُّهِ وأمَّا القريةُ .. فالمسافرُ
منها ينبغي أنْ يجاوزَ البساتينَ المحوطةَ دونَ التي ليستَ بمحوطةٍ .
ولوْ رجعَ المسافرُ إلى البلدِ لأخذِ شيءٍ نسيهُ .. لمْ يترخَّصْ إنْ كانَ ذلكَ
وطنَهُ ما لمْ يجاوزِ العمرانَ ، وإنْ لمْ يكنْ ذلكَ هوَ الوطنَ .. فلهُ الترخُّصُ ؛
إِذْ صارَ مسافراً بالانزعاجِ والخروجِ منهُ .
وأمَّا نهايةُ السفرِ فبأحدِ أمورٍ ثلاثةٍ :
الأوَّلُ : الوصولُ إلى العمرانِ مِنَ البلدِ الذي عزمَ على الإقامةِ بهِ .
(١) راكب التعاسيف : هو الذي يسلك على غير طريق ، كأنه جمع تُعساف ، مثل التضراب
والتقتال والترحال، والتفعال مطرد في كل فعل ثلاثي غالباً. ((إتحاف)) (٤٢٩/٦).
٣٨١

كتاب آداب السفر
ربع العادات
الثاني : العزمُ على الإقامةِ ثلاثةَ أيام فصاعداً ؛ إمَّا في بلدٍ أوْ صحراءَ .
الثالثُ : صورةُ الإقامةِ وإنْ لمْ يعزمْ ، كما إذا أقامَ على موضعٍ واحدٍ
ثلاثةَ أيامٍ سوى يومِ الدخولِ .. لمْ يكنْ لهُ الترخُصُ بعدَهُ .
وإنْ لمْ يعزمْ على الإقامةِ وكانَ لهُ شغلٌ وهوَ يتوقَّعُ كلَّ يومٍ أنْ يتنجَّزَ ،
ولكنَّهُ يتعوَّقُ عليهِ ويتأخَّرُ .. فلهُ أنْ يترخَّصَ وإنْ طالَتِ المدَّةُ على أقيسٍ
القولينِ ؛ لأنَّهُ منزعجٌ بقلِهِ ومسافرٌ عنِ الوطنِ بصورتِهِ ، ولا مبالاةَ بصورةٍ
الثبوتِ على موضعٍ واحدٍ معَ انزعاجِ القلبِ ، ولا فرقَ بينَ أنْ يكونَ هذا
الشغلُ قتالاً أوْ غيرَهُ ، ولا بينَ أنْ تطولَ المدَّةُ أوْ تقصرَ ، ولا بينَ أنْ يتأخَّرَ
الخروجُ لمطرٍ لا يُعلمُ بقاؤُهُ ثلاثةَ أيام أوْ لغيرِهِ ؛ إذْ ترخَّصَ رسولُ اللهِ
صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقصرَ في بعضِ الغزواتِ ثمانيةَ عشرَ يوماً على موضع
واحدٍ (١)، وظاهرُ الأمرِ أنَّهُ لوْ تمادى القتالُ .. لتمادى ترخُصُهُ؛ إذْ لا معنى
للتقديرِ بثمانيةَ عشرَ يوماً ، والظاهرُ : أنَّ قصْرَهُ كانَ لكونِهِ مسافراً ، لا لكونِهِ
غازياً مقاتلاً . هذا معنى السفر .
وأمَّا معنى الطويل : فهوَ أنْ يكونَ مرحلتينِ ، كلُّ مرحلةٍ ثمانيةُ فراسخَ ،
وكلُّ فرسخِ ثلاثةُ أميالٍ، وكلُّ ميلٍ أربعةُ آلافِ خطوةٍ، وكلُّ خطوةٍ ثلاثةُ أقدامٍ .
ـكن
ومعنى المباح : ألا يكونَ عاقّاً لوالديهِ هارباً منهُما ، ولا هارباً مِنْ
مالكِهِ ، ولا تكونَ المرأةُ هاربةً مِنْ زوجِها ، ولا أن يكونَ مَنْ عليهِ الدينُ
(١) رواه أبو داوود (١٢٢٩)، وجاء ذلك في قصة فتح مكة .
٣٨٢

ربع العادات
کتاب آداب السفر
هارباً مِنَ المستحقِّ معَ اليسارِ ، ولا يكونَ متوجِّهاً في قطع طريقٍ ، أَوْ قتلٍ
إنسانٍ، أوْ طلبٍ إدرارٍ حرامٍ مِنْ سلطانٍ ظالمٍ، أَوْ سعيٍ بالفسادِ بينَ المسلمينَ .
وبالجملةِ : فلا يسافرُ الإنسانُ إلا في غرضٍ ، والغرضُ هوَ المحرِّكُ ،
فإنْ كانَ تحصيلُ ذلكَ الغرضِ حراماً ، ولولا ذلكَ الغرضُ لكانَ لا ينبعثُ
لسفرِهِ .. فسفرُهُ معصيةٌ ، ولا يجوزُ فيهِ الترخُّصُ .
وأمَّا الفسقُ في السفرِ بشربِ الخمرِ وغيرِهِ .. فلا يمنعُ الرخصةَ ، بلْ كلُّ
سفرٍ ينهى الشرعُ عنهُ فلا يعينُ عليهِ بالرخصةِ .
ولوْ كانَ لهُ باعثانٍ؛ أحدُهُما مباحٌ ، والآخرُ محظورٌ ، وكانَ بحيثُ لوْ
لمْ يكنِ الباعثُ المحظورُ لكانَ المباحُ مستقلاً بتحريكِهِ ، ولكانَ - لا محالةَ -
يسافرُ لأجلِهِ .. فلهُ الترخُّصُ .
-ما . وال
والمتصوّفةُ الطوَّافونَ في البلادِ مِنْ غيرِ غرضٍ صحيحٍ سوى التفرُّج لمشاهدةٍ
البقاعِ المختلفةِ .. في ترخّصِهِمْ خلافٌ ، والمختارُ : أَنَّ لهمُ الترخُصَ .
الرخصةُ الرابعةُ : الجمعُ بينَ الظهرِ والعصرِ في وقتيهِما ، وبينَ المغربِ
والعشاءِ في وقتيهما :
فذلكَ أيضاً جائزٌ في كلِّ سفرٍ طويلٍ مباحٍ ، وفي جوازِهِ في السفرِ القصيرِ
قولانِ ، ثمَّ إِنْ قدَّمَ العصرَ إلى الظهرِ .. فلينوِ الجمعَ قبلَ الفراغِ مِنَ الظهرِ ،
وليؤذِّنْ للظهرِ وليقمْ ، وعندَ الفراغِ يقيمُ للعصرِ ، ويجدِّدُ التيُمَ أوَّلاً إنْ كانَ
٣٨٣

کتاب آداب السفر
ربع العادات
متيمِّماً ، ولا يفرِّقُ بينَهُما بأكثرَ مِنْ تيُّم وإقامةٍ ، فإنْ قدَّمَ العصرَ .. لِمْ
يجزْ، وإنْ نوى الجمعَ عندَ التحرُّمِ بصلاةِ العصرِ جازَ عندَ المزنيِّ ، ولهُ وجهٌ
في القياسِ ، إذْ لا مستندَ لإيجابِ تقديمِ النيّةِ ، بلِ الشرعُ جوَّزَ الجمعَ ،
وهذا جمعٌ ، وإنَّما الرخصةُ في العصرِ ، فتكفي النيّةُ فيها ، وأمَّا الظهرُ ..
فجارٍ على القانونِ .
ثُمَّ إذا فرغَ مِنَ الصلاتينِ .. فينبغي أنْ يجمعَ بينَ سننِ الصلاتينِ ، أَمَّا
العصرُ .. فلا سنَّةَ بَعدَها ولكنِ السنَّةُ التي بعدَ الظهرِ يصلُّيها بعدَ الفراغ مِنَ
العصرِ، إمّا راكباً أوْ مقيماً؛ لأنَّهُ لوْ صلَّى راتبةَ الظهرِ قبلَ العصرِ ..
لا نقطعَتِ الموالاةُ، وهيَ واجبةٌ على وجهٍ ، وإنْ أرادَ أنْ يقيمَ الأربعَ
المسنونةَ قبلَ الظهرِ والأربعَ المسنونةَ قبلَ العصرِ .. فليجمعْ بينهُما قبلَ
الفريضتينِ ، فيصلَّ سنَّة الظهرِ أوَّلاً، ثمَّ سنَّةَ العصرِ ، ثمَّ فريضةَ الظهرِ ،
ثُمَّ فريضةَ العصرِ ، ثمَّ سنَّةَ الظهرِ الركعتانِ اللتانِ هما بعدَ الفرضِ .
ولا ينبغي أنْ يهملَ النوافلَ في السفرِ ، فما يفوتُهُ مِنْ ثوابِها أكثرُ ممَّا ينالُهُ
مِنَ الربحِ ، لا سيما وقدْ خفَّفَ الشرعُ عليهِ وجوَّزَ لَهُ أداءَها على الراحلةِ ؛
كي لا يتعوَّقَ عنِ الرفقةِ بسببها .
كن
وإنْ أخّرَ الظهرَ إلى العصرِ .. فيجري على هذا الترتيبِ ، ولا يبالي
بوقوعٍ راتبةِ الظهرِ بعدَ العصرِ في الوقتِ المكروهِ ؛ لأنَّ ما لهُ سببٌ لا يُكرهُ
في هذا الوقتِ ، وكذلكَ يفعلُ في المغربِ والعشاءِ والوترِ إذا قدَّمَ أوْ أخّرَ ،
٣٨٤

ربع العادات
كتاب آداب السفر
فبعدَ الفراغِ مِنَ الفرضِ يشتغلُ بجميع الرواتبِ ويختمُ الجميعَ بالوترِ .
وإنْ خطرَ لهُ ذكرُ الظهرِ قبلَ خروجٍ وقتِهِ .. فليعزمْ على أدائِهِ معَ العصرِ
جمعاً ، فهوَ نيَّهُ الجمع ؛ لأنَّهُ إنَّما يخلو عنْ هذهِ النيّةِ إِمَّا بنيّةِ التركِ، أَوْ بنيّةِ
التأخيرِ عَنْ وقتِ العصرِ وذلكَ حرامٌ ، والعزمُ عليهِ حرامٌ .
وإنْ لمْ يتذكَّرِ الظهرَ حتَّى خرجَ وقتُهُ ؛ إمَّا لنومِهِ ، وإمَّا لشغلِ .. فلهُ أنْ
يؤديَ الظهرَ معَ العصرِ ولا يكونُ عاصياً ؛ لأنَّ السفرَ كما يشغلُ عنْ فعلٍ
الصلاةِ .. فقدْ يشغلُ عنْ ذكرِها، ويُحتملُ أنْ يقالَ: إنَّ الظهرَ إنَّما تقعُ أداءً
إذا عزمَ على فعلِها قبلَ خروجٍ وقتِها ، لكنِ الأظهرُ أنَّ وقتَ الظهرِ والعصرِ
صارَ مشتركاً في السفرِ بينَ الصلاتينِ ، ولذلكَ يجبُ على الحائضِ قضاءُ
الظهرِ إذا طهرَتْ قبلَ الغروبِ ، ولذلكَ ينقدحُ ألا تُشترطَ الموالاةُ
ولا الترتيبُ بينَ الظهرِ والعصرِ عندَ تأخيرِ الظهرِ ، أمَّا إذا قدَّمَ العصرَ على
الظهرِ .. لمْ يُجزِ ؛ لأنَّ ما بعدَ الفراغِ مِنَ الظهرِ هوَ الذي جعلَ وقتاً للعصرِ ؛
إذْ يبعدُ أنْ يشتغلَ بالعصرِ مَنْ هوَ عازمٌ على تركِ الظهرِ أوْ على تأخيرِهِ .
جر
وعذرُ المطرِ مجوِّزٌ للجمعِ كعذرِ السفرِ .
وتركُ الجمعةِ أيضاً مِنْ رخصِ السفرِ ، وهيَ متعلَّقَةٌ بفرائضِ الصلواتِ .
ولوْ نوى الإقامةَ بعدَ أنْ صلَّى العصرَ ، فأدركَ وقتَ العصرِ في الحضرِ ..
فعليهِ أداءُ العصرِ ، وما مضى إنَّما كان مُجْزِئاً بشرطِ أنْ يبقى العذرُ إلى
خروجٍ وقتِ العصرِ .
٣٨٥

كتاب آداب السفر
ربع العادات
الرخصةُ الخامسةُ في التَقُّلِ راكباً :
G
كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يصلِّي على راحلتِهِ أينما توجَّهَتْ بهِ
دابَتُهُ، وأوترَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ على الراحلةِ (١).
وليسَ على المتنفُّلِ الراكبِ في الركوع والسجودِ إلا الإيماءُ ، وينبغي أنْ
يجعلَ سجودَهُ أخفضَ مِنْ ركوعِهِ ، ولا يلزمُهُ الانحناءُ إلى حدٍّ يتعرَّضُ بهِ
لخطرِ بسببِ الدابَةِ ، فإنْ كانَ في مرقدٍ .. فليتمَّ الركوعَ والسجودَ ؛ فإنَّهُ قادرٌ
عليهِ .
وأمَّا استقبالُ القبلةِ .. فلا يجبُ لا في ابتداءِ الصلاةِ ولا في دوامِها ،
ولكنْ صوبُ الطريقِ بدلٌ عنِ القبلةِ ، فليكنْ في جميع صلاتِهِ إِمَّا مستقبلاً
للقبلةِ أوْ متوجِّهاً في صوبِ الطريقِ ؛ لتكونَ لهُ جهةٌ يثبتُ فيها ، فلوْ حرفَ
دابّهُ عنِ الطريقِ قصداً .. بطلَتْ صلاتُهُ، إلا إذا حرفَها إلى القبلةِ ، ولوْ
حرفَها ناسياً وقصُرَ الزمانُ .. لمْ تبطلْ صلاتُهُ ، وإنْ طالَ .. ففيهِ خلافٌ .
وإن جمحَتْ بهِ الدابَّهُ فانحرفَتْ .. لمْ تبطلْ صلاتُهُ؛ لأنَّ ذلكَ ممَّا يكثرُ
وقوعُهُ ، وليسَ عليهِ سجودُ سهوٍ ؛ إذِ الجماعُ غيرُ منسوبٍ إليهِ ، بخلافٍ
ما لوْ حرفَ ناسياً ، فإنَّهُ يسجدُ للسهوِ بالإيماءِ .
(١) رواه البخاري (١٠٠٠)، ومسلم (٧٠٠).
٣٨٦

ربع العادات
كتاب آداب السفر
الرخصةُ السادسةُ : التنقُلُ للماشي جائزٌ في السفرِ :
ويومىءُ بالركوع والسجودِ ، ولا يقعدُ للتشهدِ ؛ لأنَّ ذلكَ يبطلُ فائدةً
الرخصةِ ، وحكمُهُ حكمُ الراكبِ ، لكنْ ينبغي أنْ يتحرَّمَ بالصلاةِ مستقبلاً
للقبلةِ ؛ لأنَّ الانحرافَ في لحظةٍ لا عسرَ فيهِ ، بخلافِ الراكبِ ؛ فإنَّ في
تحريفِ الدابةِ وإنْ كانَ العِنانُ بيدِهِ نوعَ عسرٍ ، وربَّما تكثرُ الصلاةُ فيطولُ علیهِ
ذلكَ .
ولا ينبغي أنْ يمشيَ في نجاسةٍ رطبةٍ عمداً ، فإنْ فعلَ .. بطلَتْ صلاتُهُ ،
بخلافٍ ما لوْ وطئَتْ دابَةُ الراكبِ نجاسةً ، وليسَ عليهِ أنْ يشوِّشَ المشيَ على
نفسِهِ بالاحترازِ مِنَ النجاساتِ التي لا تخلو الطرقُ عنها غالباً .
وكلُّ هاربٍ مِنْ عدوْ أوْ سيلٍ أوْ سبعٍ .. فلهُ أنْ يصلِّي الفريضةَ راكباً
وماشياً كما ذكرناهُ في التنقُّلِ .
الرخصةُ السابعةُ : الفطرُ :
وهوَ في الصومِ ، فللمسافرِ أنْ يفطرَ ، إلا إذا أصبحَ مقيماً ثمَّ سافرَ ،
فعليهِ إتمامُ ذلكَ اليومِ ، وإنْ أصبحَ مسافراً صائماً ثمَّ أقامَ .. فعليهِ الإتمامُ ،
وإنْ أقام مفطراً .. فليسَ عليهِ الإمساكُ بقيّةَ النهارِ ، وإنْ أصبحَ مسافراً على
عزْمِ الصومِ .. لمْ يلزمْهُ ، بلْ لهُ أنْ يفطرَ إذا أرادَ .
والصومُ أفضلُ مِنَ الفطرِ ، والقصرُ أفضلُ مِنَ الإتمام ؛ للخروجِ عنْ
٣٨٧

كتاب آداب السفر
ے
ربع العادات
شبهةِ الخلافِ(١) ، ولأنَّهُ ليسَ في عهدةِ القضاءِ ، بخلافِ المفطرِ ، فإنَّهُ في
عهدةِ القضاءِ ، وربَّما يتعذَّرُ عليهِ ذلكَ بعائقٍ ، فيبقى في ذمَّتِهِ ، إلا إذا كانَ
الصومُ يضرُّ بهِ ، فالإفطارُ أفضلُ .
فهذهِ سبعُ رخصٍ ، تتعلَّقُّ ثلاثٌ منها بالسفرِ الطويلِ ، وهيَ القصرُ ،
والفطرُ ، والمسحُ ثلاثةَ أيامٍ ، وتتعلَّقُ اثنتانِ منها بالسفرِ طويلاً كانَ أوْ
قصيراً ، وهما سقوطُ الجمعةِ ، وسقوطُ القضاءِ عندَ أداءِ الصلاةِ بالتيمُمِ .
وأمَّا صلاةُ النافلةِ ماشياً وراكباً .. ففيهِ خلافٌ، والأصحُّ جوازُهُ في
القصيرِ ، والجمعُ بينَ الصلاتينِ فيهِ خلافٌ ، والأظهرُ اختصاصُهُ بالطويلِ .
وأمَّا صلاةُ الفرضِ راكباً وماشياً للخوفِ .. فلا تتعلَّقُ بالسفرِ ، وكذا أكلُ
الميتةِ، وكذا أداءُ الصلاةِ في الحالِ بالتيمُمِ عندْ فقدِ الماءِ ، بلْ يشتركُ فيها
الحضرُ والسفرُ مهما وُجدَتْ أسبابُها .
ـين
فإنْ قلتَ : فالعلمُ بهذهِ الرخصِ هلْ يجبُ على المسافرِ تعلُّمُهُ قبلَ
السفرِ أمْ يُستحبُّ لهُ ذلكَ ؟
(١) فإن أبا حنيفة رحمه الله قال : هو عزيمة ، وقد شدد فيه حتى قال ببطلان صلاة من صلى
أربعاً ولم يجلس بعد الركعتين ، ويروى عن مالك أيضاً أنه عزيمة ، وكذلك ترك الجمع
أفضل للخروج من الخلاف. انظر ((الإتحاف)) (٦/ ٤٣٧) .
٣٨٨

ربع العادات
کتاب آداب السفر
فاعلمْ : أنَّهُ إنْ كانَ عازماً على تركِ المسحِ والقصرِ والجمع والفطرِ وتركِ
التنقّلِ راكباً وماشياً .. لمْ يلزمْهُ علمُ شروطِ الترخُّصِ في ذلكَ؛ لأنَّ الترخُصَ
ليسَ بواجبٍ عليهِ ، وأمَّا علمُ رخصةِ التيمُّمِ .. فيلزمُهُ؛ لأنَّ فقدَ الماءِ ليسَ إليهِ
إلا أنْ يسافرَ على شطَّ نهرٍ يُوثقُ ببقاءِ مائِهِ ، أوْ يكونَ معَهُ في الطريقِ عالمٌ يقدرُ
على استفتائِهِ عندَ الحاجةِ، فلهُ أنْ يؤخّرَ إلى وقتِ الحاجةِ ، أمَّا إذا كانَ يظنُّ
عدمَ الماءِ ، ولمْ يكنْ معَهُ عالمٌ .. فيلزمُهُ التعلُّمُ لا محالةَ.
فإنْ قلتَ : التيتُمُ يُحتاجُ إليهِ لصلاةٍ لمْ يدخلْ بعدُ وقتُها ، فكيفَ يجبُ
علمُ الطهارةِ لصلاةٍ بعدُ لمْ تجبْ وربَّما لا تجبُ ؟
٨٠٠٦
فأقولُ : مَنْ بينَهُ وبينَ الكعبةِ مسافةٌ لا تُقطعُ إلا في سنةٍ .. فيلزمُهُ قبلَ
أشهرِ الحجِّ ابتداءُ السفرِ ، ويلزمُّهُ تعلُّمُ المناسكِ - لا محالةَ - إذا كانَ يظنُّ أنَّهُ
لا يجدُ في الطريقِ مَنْ يتعلَّمُ منهُ؛ لأنَّ الأصلَ الحياةُ واستمرارُها ، وما لا
يُتوصَّلُ إلى الواجبِ إلا بهِ .. فهوَ واجبٌ، وكلُّ ما يُتوقَّعُ وجوبُهُ توقعاً ظاهراً
غالباً على الظنِّ ولهُ شرطٌ لا يُتوصَّلُ إليهِ إلا بتقديمِ ذلكَ الشرطِ على وقتٍ
الوجوبِ .. فيجبُ تقديمُ تعلُّم الشرطِ لا محالةَ ؛ كعلم المناسكِ قبلَ وقتٍ
الحجِّ وقبلَ مباشرتِهِ ؛ فلا يحلُّ إذاً للمسافرِ أنْ ينشىءَ السفرَ ما لمْ يتعلَّمْ هذا
القدْرَ مِنْ علمِ التيقُّمِ .
G
وإنْ كانَ عازماً على سائرِ الرخصِ .. فعليهِ أنْ يتعلَّمَ أيضاً القدْرَ الذي
٣٨٩

كتاب آداب السفر
ربع العادات
ذكرناهُ مِنْ علمِ التيمُّمِ وسائرِ الرخصِ ؛ فإنَّهُ إذا لمْ يعلمِ القدْرَ الجائزَ لرخصةٍ
السفرِ .. لمْ يمكنْهُ الاقتصارُ عليهِ .
فإنْ قلتَ : إنْ لمْ يتعلَّمْ كيفيةَ التنقُّلِ راكباً وماشياً ماذا يضرُّهُ وغايتُهُ إِذا
صلَّى أنْ تكونَ صلاتُهُ فاسدةٌ ، وهيَ غيرُ واجبةٍ ، فكيفَ يكونُ علمُها
واجباً ؟
فأقولُ : إنَّ مِنَ الواجبِ ألا يصلِّيَ النفلَ على نعتِ الفسادِ ، فالتنقُّلُ معَ
الحدثِ والنجاسةِ وإلى غيرِ القبلةِ ومِنْ غيرِ إتمامِ شروطِ الصلاةِ وأركانِها ..
حرامٌ ، فعليهِ أنْ يتعلَّمَ ما يحترزُ بهِ عنِ النافلةِ الفاسدةِ ؛ حذراً مِنَ الوقوع في
المحظورِ .
فهذا بيانُ علْمٍ ما خُفِّفَ عنِ المسافرِ في سفرِهِ .
٣٩٠

ربع العادات
کتاب آداب السفر
القسم الثاني: ، تجدّد من الوظيفة بسبب الشَّفر
وهوَ علمُ القبلةِ والأوقاتِ ، وذلكَ أيضاً واجبٌ في الحضرِ ، ولكنْ في
الحضرِ مَنْ يكفيهِ ؛ مِنْ محرابٍ متفقٍ عليهِ يغنيهِ عنْ طلبِ القبلةِ ، ومؤذِّنٍ
يراعي الوقتَ فيغنيهِ عنْ طلبٍ علّمِ الوقتِ .
والمسافرُ قدْ تشتبهُ عليهِ القبلةُ، وقدْ يلتبسُ عليهِ الوقتُ ، فلا بدَّ لهُ مِنَ
العلمِ بأدلَّةِ القبلةِ والمواقيتِ .
أمَّا أدلَّةُ القبلةِ .. فهيَ ثلاثةُ أقسام :
أرضيَّةٌ : كالاستدلالِ بالجبالِ والقرى والأنهارِ .
وهوائيَّةٌ : كالاستدلالِ بالرياحِ شمالِها وجنوبِها ، وصباها ودَبورِها (١).
وسماويَّةٍ : وهيَ النجومُ .
فأمَّا الأرضيَّةُ والهوائيَّةُ : فتختلفُ باختلافِ البلادِ .
فربَّ طريقٍ فيهِ جبلٌ مرتفعٌ يعلمُ أنَّهُ على يمينِ المستقبلِ أوْ شمالِهِ أوْ
ورائِهِ أوْ قدَّامِهِ ، فليتعلَّمْ ذلكَ وليفهمْهُ .
(١) والصبا تأتي من مشرق الشمس ، وهي القبول أيضاً، والدبور تأتي من ناحية المغرب .
((إتحاف)) (٤٣٩/٦) .
٣٩١

کتاب آداب السفر
ربع العادات
وكذلكَ الرياحُ قدْ تدلُّ في بعضِ البلادِ ، فليفهمْ ذلكَ ، ولسنا نقدرُ على
استقصاءِ ذلكَ ؛ إذْ لكلِّ بلدٍ وإقليمٍ حكْمٌ آخرُ .
وأمَّا السماويَّةُ : فأدلتُها تنقسمُ إلى نهاريَّةٍ وإلى ليليّةٍ :
أمَّا النهاريَّةُ .. فالشمسُ .
فلا بدَّ أنْ يراعيّ قبلَ الخروج مِنَ البلدِ أنَّ الشمسَ عندَ الزوالِ أينَ تقعُ
منهُ ، أهيَ بينَ الحاجبينِ ، أوْ هيَ على العينِ اليمنى أوِ اليسرىُ ، أَوْ تميلُ
إلى الجبينِ ميلاً أكثرَ مِنْ ذلكَ ؟
فإنَّ الشمسَ لا تعدو في البلادِ الشماليّةِ هذهِ المواقعَ .
فإذا حفظَ ذلكَ فمهما عرفَ الزوالَ بدليلِهِ الذي سنذكرُهُ .. عرفَ القبلةَ
بهِ .
جن
وكذلكَ يراعي موقعَ الشمسِ منهُ وقتَ العصرِ ، فإنَّهُ في هذينِ الوقتينِ
يحتاجُ إلى القبلةِ بالضرورةِ ، وهذا أيضاً لمَّا كانَ يختلفُ بالبلادِ .. فليسَ
یمکنُ استقصاؤُهُ .
منجن.
وأمَّا القبلةُ وقتَ المغربِ .. فإنَّها تُدركُ بموضع الغروبِ ، وذلكَ
بأن يحفظَ أنَّ الشمسَ تغربُ عنْ يمينِ المستقبلِ أوْ هيَ مائلةٌ إلى وجهِهِ أوْ
قفاهُ .
٣٩٢

ربع العادات
كتاب آداب السفر
وبالشفقِ أيضاً تُعرفُ القبلةُ للعشاءِ الآخرةِ ، وبمشرقِ الشمسِ تُعرفُ
القبلةُ لصلاةِ الصبحِ .
فكأنَّ الشمسَ تدلُّ على القبلةِ في الصلواتِ الخمسِ ، ولكنْ يختلفُ ذلكَ
بالشتاءِ والصيفِ ؛ فإنَّ المشارقَ والمغاربَ كثيرةٌ ، وإنْ كانَتْ محصورةٌ في
جهتينٍ . . فلا بدَّ مِنْ تعلُّمِ ذلكَ أيضاً .
ولكنْ قدْ يصلّي المغرب والعشاءَ بعدَ غيبوبةِ الشفقِ ، فلا يمكنُهُ أنْ
يستدلَّ على القبلةِ بهِ ، فعليهِ أنْ يراعيَ موقعَ القطبِ ، وهوَ الكوكبُ الذي
يُقالُ لهُ: الجدْيُ (١) ، فإنَّهُ كوكبٌ كالثابتِ ، لا تظهرُ حركتُهُ عنْ
موضعِهِ(٢) ، وذلكَ إمَّا أنْ يكونَ على قفا المستقبلِ ، أَوْ على منكبِهِ
الأيمنِ مِنْ ظهرِهِ ، أوْ منكبِهِ الأيسرِ في البلادِ الشماليةِ مِنْ مَكَّةَ ، وفي
البلادِ الجنوبيةِ كاليمن وما وراءَها ، فيقعُ في مقابلةِ المستقبلِ ، فليتعلَّمْ
ذلكَ .
وما عرفَهُ في بلدِهِ .. فليعوِّلْ عليهِ في الطريقِ كلِّهِ ، إلا إذا طالَ السفرُ ،
فإنَّ المسافةَ إذا بعدَتْ .. اختلفَ موقعُ الشمسِ وموقعُ القطبِ ومواقعُ
(١) وفي تعبيره هذا مسامحة ؛ فإن الذي عرّفه غيره من علماء هذا الفن أنه نجم صغير في
بنات نعش الصغرى بين الفرقدين. ((إتحاف)) (٤٣٩/٦)، وقال الجوهري في
((الصحاح)) (ج دي): ( نجم إلى جنب القطب تعرف به القبلة ).
(٢) ولذلك سمي قطباً، تشبيهاً له بقطب الرحى. ((إتحاف)) (٦/ ٤٤٠).
٣٩٣
فا

كتاب آداب السفر
ربع العادات
المشارقِ والمغاربِ ، إلا أنَّهُ ينتهي في أثناءِ سفرِهِ إلى بلدٍ فينبغي أنْ يسألَ
أهلَ البصيرةِ ، أَوْ يراقبَ هذهِ الكواكبَ وهوَ مستقبلٌ محرابَ جامع
البلدِ ؛ حتَّى يتضحَ لهُ ذلكَ، فمهما تعلَّمَ هذهِ الأدلَّةَ .. فلهُ أنْ يعوِّل
عليها .
فإنْ بانَ لهُ أنَّهُ أخطأَ مِنْ جهةِ القبلةِ إلى جهةٍ أخرىُ منَ الجهاتِ الأربع ..
فينبغي أنْ يقضيَ .
وإنِ انحرفَ عنْ حقيقةِ محاذاةِ القبلةِ ولكنْ لمْ يخرجْ عنْ جهتِها .. لمْ
يلزمْهُ القضاءُ .
وقدْ أوردَ الفقهاءُ خلافاً في أنَّ المطلوبَ جهةُ الكعبةِ أوْ عينُها ؟ وأشكلَ
معناهُ على قومٍ ، إذْ قالوا :
إنْ قلنا : المطلوبُ العينُ .. فمتى يتصوَّرُ هذا مع بُعدِ الديارِ ؟
وإنْ قلنا : المطلوبُ الجهةُ .. فالواقفُ في المسجدِ إنِ استقبلَ جهةَ
الكعبةِ وهوَ خارجٌ ببدِنِهِ عنْ موازاةِ الكعبةِ .. لا خلافَ في أَنَّهُ لا تصحُ
صلاتُهُ !
وقدْ طوَّلوا في تأويلِ معنى الخلافِ في الجهةِ والعينِ .
ولا بدَّ أؤَلاً مِنْ فهمِ معنى مقابلةِ العينِ ومقابلةِ الجهةِ :
فمعنى مقابلةِ العينِ : أنْ يقفَ موقفاً لوْ خرجَ خطَّ مستقيمٌ مِنْ بينِ عينيهِ
٣٩٤
۔۔

ربع العادات
کتاب آداب السفر
إلى جدارِ الكعبةِ .. لا تصلَ بهِ وحصلَ مِنْ جانبي الخطَ زاويتانِ متساويتانِ ،
الكعبة (١)
وهذهِ صورتُهُ :
خط مقابلة الجهة
خط مقابلة العين
موقف المصلّ
(١) كذا الرسم في (أ، ب)، وسقط من (ج)، ولبيانه بالمسمَّيات: معنى استقبال عين
الكعبة : أن يكون في موقف لو خرج خط مستقيم من بين عينيه إلى جدار الكعبة .. لاتصل
به ، وهو الخط (أب ) ، ولا يشترط أن يتصل بوسط جدار الكعبة ، بل بأي نقطة منه ( من
نقاط القطعة د هـ)، ويتحصل من هذا الموقف تساوي الزاويتين (أ١، ٢٥)، والنقطة
( ب) هي النقطة المفروضة الوحيدة لتساوي الزاويتين كما لا يخفى .
فلو اتصل الخط الصادر عن (أ) بغيرها من نقاط الخط (ق١) .. لم يكن المصلي
مستقبلاً للعين ، ولكنه يكون مستقبلاً للجهة ؛ كالخط ( ج ) مثلاً كما سيبين ذلك
المصنف مع ضابط ذلك .
الكعبة
ج
د
هـ
ق١
خط مقابل للجهة لا لعين الكعبة
الخط المقابل لما بین العینین
٢
مـ
ق ٢
م-موقف المصلِّي
٣٩٥

كتاب آداب السفر
ربع العادات
والخطُّ الخارجُ مِنْ موقفِ المصلِّي يقدِّرُ أنَّهُ خارجٌ مِنْ بينِ عينيهِ ، فهذهِ
صورةُ مقابلةِ العينِ .
وأمَّا مقابلةُ الجهةِ .. فيجوزُ فيها أنْ يتصلَ طرفُ الخطُّ الخارجِ مِنْ بينِ
العينينِ إلى الكعبةِ مِنْ غيرِ أنْ يتساوى الزاويتانِ عنْ جنبتي الخطّ ، بلْ
لا يتساوى الزاويتانِ إلا إذا انتهى الخطّ إلى نقطةٍ معيَّنةٍ هيَ واحدةٌ ، فلو مُدَّ
هذا الخطُّ على الاستقامةِ إلى سائرِ النقطِ مِنْ يمينِها أوْ شمالِها .. كانَتْ
إحدى الزاويتينِ أضيقَ ، فيخرجُ عنْ مقابلةِ العينِ ، ولكنْ لا يخرجُ عنْ مقابلةٍ
الجهةِ ، كالخطُّ الذي كتبنا عليهِ : ( مقابلةَ الجهةِ ) فإنَّهُ لوْ قدَّرَ الكعبةَ على
طرفِ ذلكَ الخطُّ .. لكانَ الواقفُ مستقبلاً لجهةِ الكعبةِ لا لعينِها (١).
وحدُّ تلكَ الجهةِ : ما يقعُ بينَ خطَّينِ يتوهمُهُما الواقفُ مستقبلاً لجهةٍ
خارجينٍ مِنَ العينينِ ، يلتقي طرفاهُما في داخلِ الرأسِ بينَ العينينِ على
زاويةٍ قائمةٍ ، فما يقعُ بينَ الخطّينِ الخارجينِ مِنَ العينينِ .. فهوَ داخلٌ في
الجهةِ ، وسعةُ ما بينَ الخطينِ تتزايدُ بطولِ الخطّينِ وبالبعدِ عنِ الكعبةِ ،
وهذهِ صورتُهُ (٢):
ـة
حن
جز
(١) فالمصلي يقف عند النقطة (أ)، والكعبة عند النقطة (ج) هنا.
(٢) كذا في (ب)، وسقط الرسم في (ج)، وفي (أ) صورة الكعبة على جهة اليمين بين
القائمتين ، وطول الخطين مع زيادة سعة الجهة يكون بالبعد عن الكعبة ، والعكس
بالعكس ، وموقف المصلي هو عند التقاطع .
٣٩٦

ربع العادات
كتاب آداب السفر
الكعبة (١)
خط العين اليمنى
خط العين اليسرى
المغرب
المشرق
حن
فإذا فُهمَ معنى العينِ والجهةِ .. فأقولُ : الذي يصحُّ عندَنا في الفتوىُ أنَّ
المطلوبَ العينُ إنْ كانَتِ الكعبةُ ممَّا يمكنُ رؤيتُها ، وإنْ كانَ يُحتاجُ إلى
الاستدلالِ عليها لتعذَّرِ رؤيتِها(١) .. فيكفي استقبالُ الجهةِ .
فأمَّا طلبُ العينِ عندَ المشاهدةِ .. فمجمعٌ عليهِ، وأمَّا الاكتفاءُ بالجهةِ
عندَ تعذُّرِ المعاينةِ .. فيدلُّ عليهِ الكتابُ والسنَّةُ وفعلُ الصحابةِ رضيَ اللهُ
عنهُمْ والقياسُ .
G
أمّا الكتابُ : فقولُهُ تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أيْ :
نحوَهُ(٢) ، ومَنْ قابلَ جهةَ الكعبةِ .. يُقالُ: قدْ وَلَّى وجهَهُ شطرَها .
وأمَّا السنَّةُ: فما رُوِيَ عنْ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ أنَّهُ قالَ لأهلِ
المدينةِ : (( ما بينَ المغربِ والمشرقِ قبلةٌ))(٣) ، والمغربُ يقعُ على يمينٍ
(١) بأن حال بينه وبينها حائل أصلي؛ كالجبل، أو طارىء؛ كالبناء. ((إتحاف)) (٤٤٥/٦).
(٢) كما روى ذلك الطبري في ((تفسيره)) (٣٠/٢/٢) عن ابن عباس رضي الله عنهما .
(٣) رواه الترمذي (٣٤٢، ٣٤٤)، والنسائي (١٧١/٤)، وابن ماجه ( ١٠١١).
٣٩٧
ـكن

كتاب آداب السفر
ربع العادات
أهلِ المدينةِ ، والمشرقُ على يسارِهِمْ، فجعلَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ
وسلَّمَ جميعَ ما يقعُ بينَهُما قبلةً ، ومساحةُ الكعبةِ لا تفي بما بينَ المشرقِ
والمغربِ ، وإنَّما يفي بذلكَ جهتُها .
ورُوِيَ هذا اللفظَ أيضاً عنْ عمرَ وعنِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ عنهُما(١) .
a
وأمَّا فعلُ الصحابةِ رضيَ اللهُ عنهُمْ: فما رُوِيَ أنَّ أهلَ مسجدٍ قُباءٍ كانوا
في صلاةِ الصبحِ بالمدينةِ مستقبلينَ لبيتِ المقدسِ مستدبرينَ للكعبةِ ؛ لأنَّ
المدينةَ بينَهُما ، فقيلَ لهُمْ: الآنَ قدْ حُوَّلَتِ القبلةُ إلى الكعبةِ ، فاستداروا في
أثناءِ الصلاةِ مِنْ غيرِ طلبٍ دلالةٍ ، ولمْ يُنكرْ عليهِمْ، وسمِّيَ مسجدُهُمْ ذا
القبلتينِ(٢) .
ومقابلةُ العينِ مِنَ المدينةِ إلى مكَّةَ لا تُعرفُ إلا بأدلَّةٍ هندسيّةٍ يطولُ
النظرُ فيها ، فكيف أدركوا ذلكَ على البديهةِ في أثناءِ الصلاةِ وفي ظلمةِ
الليلِ ؟!
ويدلُّ أيضاً مِنْ فعلِهِمْ أنَّهُمْ بنوا المساجدَ حوالَي مگّةً وفي سائرٍ بلادِ
الإسلام ولمْ يحضروا قطَّ مهندساً عندَ تسويةِ المحاريبِ ، ومقابلةُ العينِ
لا تُدركُ إلا بدقيقِ نظرِ الهندسةِ .
(١) رواه مالك في ((الموطأ)) (١٩٦/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢٠٥/١ -
٢٠٦)، والبيهقي في («السنن الكبرى)) (٩/٢).
(٢) رواه البخاري (٤٠)، ومسلم ( ٥٢٧ ) .
٣٩٨

ربع العادات
كتاب آداب السفر
وأمَّا القياسُ : فهوَ أنَّ الحاجةَ تمسُّ إلى الاستقبالِ وبناءِ المساجدِ في
جميع أقطارِ الأرضِ ، ولا يمكنُ مقابلةُ العينِ إلا بعلوم هندسيّةٍ لمْ يردِ الشرعُ
بالنظرِ فيها ، بل ربَّما يزجرُ عنِ التعمُّقِ في علمِها ، فكيفَ ينبني أمرُ الشرع
عليها ؟! فيجبُ الاكتفاءُ بالجهةِ للضرورةِ .
وأمَّا دليلُ صحَّةِ الصورةِ التي صورناها وهوَ حصْرُ جهاتِ العالم في أربعِ
جهاتٍ : فقولُهُ عليهِ الصلاةُ والسلامُ في آدابِ قضاءِ الحاجةِ: ((لا
تستقبلوا بها القبلةَ ولا تستدبرُوها، ولكنْ شرِّقوا أوْ غرِّبوا)) (١)، وقالَ هذا
بالمدينةِ ، والمشرقُ على يسارِ المستقبلِ بها ، والمغربُ على يمينِهِ ،
فنهىْ عنْ جهتينٍ ورخَّصَ في جهتينِ ، ومجموعُ ذلكَ أربعُ جهاتٍ ، ولمْ
يخطر ببالِ أحدٍ أنَّ جهاتِ العالمِ يمكنُ أنْ تُفرضَ ستّاً أوْ سبعاً أو عشراً ،
وكيفَما كانَ فما حكمُ الباقي ؟ بلِ الجهاتُ تثبتُ في الاعتقاداتِ بناءً على
خلقةِ الإِنسانِ ، وليسَ لهُ إلا أربعُ جهاتٍ ؛ قدَّامٌ ، وخلفٌ ، ويمينٌ ،
وشمالٌ(٢) ، فكانتِ الجهاتُ بالإِضافةِ إلى الإنسانِ في ظاهرِ النظرِ أربعاً ،
والشرعُ لا يُبنى إلا على مثلِ هذهِ الاعتقاداتِ ، فظهرَ أنَّ المطلوبَ الجهةُ ،
وذلكَ يسهِّلُ أمرَ الاجتهادِ فيها ، وتُعلمُ بهِ أدلَّةُ القبلةِ .
فأمَّا مقابلةُ العينِ .. فإنَّما تُعرفُ بمعرفةِ مقدارِ عرضٍ مَكَّةَ عنْ خطّ
(١) رواه البخاري (٣٩٤)، ومسلم (٢٦٤).
(٢) أي : في مستوٍ واحد ، وهو أيضاً مجال تصور القبلة.
٣٩٩
حجرة

کتاب آداب السفر
ربع العادات
الاستواءِ ، ومقدارِ درجاتِ طولِها، وهوَ بعدُها عنْ أوَّلِ عمارةٍ في
المشرقِ(١) ، ثمَّ يُعرفُ ذلكَ أيضاً في موقفِ المصلِّي، ثمَّ يُقابلُ أحدُهُما
بالآخرِ ، ويُحتاجُ فيهِ إلى آلاتٍ وأسبابٍ طويلةٍ ، والشرعُ غيرُ مبنيٍّ عليها
قطعاً ، فإذاً ؛ القدْرُ الذي لا بدَّ مِنْ تعلُّمِهِ مِنْ أدلَّةِ القبلةِ موقعُ المشرقِ
والمغربِ في الزوالِ ، وموقعُ الشمسِ وقتَ العصرِ ، فبهذا يسقط
م
الوجوبُ .
فإنْ قلتَ : فلوْ خرجَ المسافرُ مِنْ غيرِ تعلَّمِ ذلكَ .. هل يعصي ؟
فأقولُ : إنْ كانَ طريقُهُ على قرىّ متصلةٍ فيها محاريبُ ، أَوْ كانَ معَهُ في
الطريقِ بصيرٌ بأدلَّةِ القبلةِ موثوقٌ بعدالتِهِ وبصيرتِهِ ، يقدرُ على تقليدهِ .. فلا
يعصي ، وإنْ لمْ يكنْ معَهُ شيءٌ مِن ذلكَ .. عصى؛ لأنَّهُ سيتعرَّضُ
لوجوبِ الاستقبالِ ولمْ يكنْ قدْ حصَّلَ علمَهُ ، فصارَ ذلكَ كعلمِ التيمُمِ
وغيرِهِ .
C
حز
فإنْ تعلَّمَ هذهِ الأدلَّةَ واستبهمَ عليهِ الأمرُ بغيمٍ مظلمٍ ، أوْ تركَ التعلُّمَ
ولمْ يجدْ في الطريقِ مَنْ يقلِّدُهُ . . فعليهِ أنْ يصلِّيَ في الوقتِ على حسبٍ
.. جهة
(١) وهذا الموضع المعروف بجزائر الخالدات وجزائر السعداء ، وقيل : موضع يسمى
بکنك دز ، وبينهما (١٨٠°) درجة. ((إتحاف)) (٦ /٤٤٨).
٤٠٠
جز